النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ١- (بَابُ وُجُوب الصِّيَام ) - حديث رقم ٢٠٩٠ رَظفيه أحد العشرة المبشرين بالجنة ** والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) رَّهِ (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) أي رجلا ساكن البادية، وفي الرواية المتقدمة ٤٥٨/٤ - ((جاء رجل إلى رسول اللَّه ◌َ ل﴿ من أهل نجد)». قيل: هو ضمام بن ثعلبة، وقيل: غيره (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، ثَائِرَ الرَّأْسِ) بالنصب على الحال، ويحتمل الرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هو ثائر الرأس. والمراد أن شعره متفرّق من ترك الرَّفَاهية، ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة، وأوقع اسم الرأس على الشعر إما مبالغةً، أو لأن الشعر منه ينبت (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ) يحتمل أن يكون بالنصب على تقدير فعل دلّ عليه السؤال، أي فرض عليك الصلواتِ الخمسَ، ويحتمل أن يكون بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أي المفروض عليك الصلواتُ الخمسُ، أو مبتدأ حُذف خبره، أي الصلوات الخمس مفروضة عليك. (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا) ((تطوع)) بتشديد الطاء، والواو، وأصله تتطوّع بتاءِين، فأدغمت إحداهما في الأخرى، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما (قَالَ: أَخْبِزْنِي بِمَا(١) افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَّامِ؟ قَالَ: صِيَّامُ شَهْرٍ رَمَضَانَ) إعرابه كسابقه (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا))، قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا اقْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ بِشَرَائِع الإِسْلام) وفي الرواية المتقدّمة: ((وذكر رسول اللَّه وَ ليل الزكاة)). فتضمنت هذه الرواية أنَّ في القصّة أشياء أجملت، منها بيان نُصُب الزكاة؛ فإنها لم تفسّر في الرواية، وكذا أسماء الصلوات، وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم، أو القصد من القصّة بيان أن المتمسّك بالفرائض ناج، وإن لم يفعلِ النوافل. أفاده فِي ((الفتح)) (فَقَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ) فيه جواز الحلف في الأمر المهمّ (لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، ولَا أَنْقُصُ مِمَّ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ))، أَوْ) للشكّ من الراوي (دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ)) ) وفي رواية لمسلم: ((أفلح، وأبيه إن صدق))، أو ((دخل الجنّة، وأبيه، إن صدق)). والجمع بينه، وبين النهي عن الحلف بالآباء أنه كان قبل النهي. وقيل: إنها كلمة جارية على اللسان، لا يُقصد بها الحلف. وقيل: غير ذلك، مما تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف رحمه الله تعالى في ((كتاب الصلاة)) - ٤٥٨/٤- ((باب كم فرضت في اليوم والليلة))، وتقدّم شرحه هناك مستوفّى، وكذا الكلام على مسائله، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم (١) الباء للتعدية، فإن ((أخبر)) يتعدى إلى مفعولين تارة بنفسه، كقوله: ((أَخْبِرْني ماذا فرض الله علي؟))، وتارة بالباء إلى المفعول الثاني، كقوله: ((أخبرني بما افترض اللّه علي)). ٢٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٩١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ثُهِينَا فِي الْقُرْآنِ، أَنْ نَسْأَلَ النَّبِيّ ◌َِّ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ الْعَاقِلُ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَيَسْأَلَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْسَلَكَّ، قَالَ: (صَدَقَ))، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: ((اللَّهُ))، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: ((اللَّهُ))، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ؟، قَالَ: (اللَّهُ))، قَالَ: فَمَنْ جَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِعَ؟ قَالَ: ((اللَّهُ))، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَّاءَ وَالْأَرْضَ، وَنَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِعَ، اللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي كُلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ: ((صَدَقَ))، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟، قَالَ: ((تَعَمْ))، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةَ أَمْوَالِنَا، قَالَ: ((صَدَقَ))، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، اللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟، قَالَ: (نَعَمْ))، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرٍ رَمَضَانَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَالَ: ((صَدَقَ))، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟، قَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا الْحَجَّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، قَالَ: ((صَدَقَ))، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بَهَذَا؟، قَالَ: ((تَعَمْ))، قَالَ: فَوَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدَنَّ عَلَيْهِنَّ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ، فَلَمَّا وَلَّىَ، قَالَ النّبِيُّ ◌َّهِ: (لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن مَعْمَر) بن رِبْعِيّ القيسيّ البصريّ البَخرانيّ، صدوق، من كبار [١١] ١٣٧٠/٢ ٠ ٢- (أبو عامر العَقَديّ) عبدالملك بن عَمْرو القيسيّ البصريّ، ثقة [٩] ٣٢٧/٢ . ٣- (سليمان بن المغيرة) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] ٦١٦/٥٣ . ٤- (ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٥٣/٤٥. ٥- (أنس) بن مالك أبو حمزة الصحابيّ الجليل تظليه ٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، ومنها: أن ثابتا البنانيّ ممن لازم أنسا تَظّ أربعين سنة ومنها: أن أنسًا تَظّه أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة * بالبصرة. والله تعالى أعلم. ١ - (بَأَبُ وُجُوب الصِّيَام ) - حديث رقم ٢٠٩١ ٢٢٣ == شرح الحديث (عَنْ أَنَس) رَبِّهِ، أنه (قَالَ: شُهِينَا فِي الْقُرْآنِ) يعني قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ﴾ الآية (أَنْ نَسْأَلَ النَّبِيَّ وَّلِعَنْ شَيْءٍ) أي غير ضروريّ؛ لما فيه من احتمال أن يكون من تلك الأشياء (فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ الْعَاقِلُ) أي لكونه أعرف بكيفيّة السؤال، وآدابه، والمهمُّ منه، وحسنِ المراجعة، فإن هذه من أسباب عظم الانتفاع بالجواب (مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) أي لكونه لم يبلغه النهي عن السؤال، ولأن أهل البادية هم الأعراب، ويغلب فيهم الجهل، والجفاء، ولهذا جاء في الحديث: ((من بدا جفا)) (١). والبادية، والبَذْوُ بمعنّى، وهو ما عدا الحاضرة، والعمران، والنسبة إليها بدويّ، والبِدَاوة: الإقامة بالبادية، وهي بكسر الباء عند جمهور أهل اللغة. وقال أبو زيد: هي بفتح الباء. قال ثعلب: لا أعرف البداوة بالفتح إلا عن أبي زيد. ذكره النووي (٢). (فَيَسْأَلَهُ) بالنصب عطفًا على ((يجيء)). وزاد في رواية مسلم: ((ونحن نسمع)). وزاد أبو عوانة في ((صحيحه)): ((وكانوا أجرأ على ذلك منّا)). يعني أن الصحابة واقفون عند النهي، وأولئك يُعذّرون بالجهل. وإنما تمنّوه عاقلاً؛ ليكون عارفًا بما يسأل عنه. وظهر عقل ضمام في تقديمه الاعتذار بين يدي مسألته؛ لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده إلا بتلك المخاطبة، وسأله عمن خَلَق الأرض، ونصب الجبال إلى آخر ما سأل، ثم أقسم عليه به أن يَضْدُقّه عما يسأل عنه، وكرّر القسم في کلّ مسألة تأکیدًا، وتقریرًا للأمر، ثم صرّح بالتصديق، فكلّ ذلك دليل على حسن تصرّفه، وتمكن عقله، ولهذا قال عمر رَّ في رواية أبي هريرة رَزالُه: ما رأيت أحدًا أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام)). أفاده في (الفتح)) (٣) (فَجَاءَ رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) هو ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر، كما بُيّن في الرواية التالية . قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قدم على رسول اللَّه وَ ل إل سنة تسع. قاله أبو عبيد. وقيل: سنة سبع. وقال محمد بن حبيب: سنة خمس، وهو أبعدها؛ لأن فرض الحجّ لم يكن نزل إذ ذاك. انتهى (٤). (١) - حديث صحيح أخرجه أحمد من حديث البراء تنبيه. وأخرجه الطبرانيّ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، بلفظ: ((من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن)) . وهو أيضا صحيح. (٢) - ((شرح مسلم)) ج٢ ص ١٢٣ . (٣) - ((فتح)) ج١ ص٢٠٤ -٢٠٥ . (٤) - ((المفهم)» ج١ ص ١٦٢ . ٢٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّد) قال العلماء: لعلّ هذا کان قبل النهي عن مخاطبته ێ باسمه قبل نزول قول الله عز وجل: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [سورة النور: آية ٦٣] على أحد التفسيرين، أي لا تقولوا: يا محمد، بل يا رسول الله، يا نبيّ الله. ويحتمل أن يكون بعد نزول الآية، ولم تبلغ الآية هذا القائلَ. قاله النوويّ رحمه الله تعالى. (أَتَانَا رَسُولُكَ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ) قال النووي رحمه الله تعالى: قوله: زَعَم، وتَزْعُم مع تصديق رسول اللّه وَيّ إياه، دليل على أن زعم ليس مخصوصًا بالكذب، والقولِ المشكوك فيه، بل يكون أيضًا في القول المحقق، والصدق الذي لا شك فيه. وقد جاء من هذا كثير في الأحاديث. وعن النبيّ وَ التّر، قال: ((زعم جبريل)) كذا. وقد أكثر سيبويه، وهو إمام العربية في كتابه الذي هو إمام كتب العربية من قوله: زعم الخليل، زعم أبو الخطّاب، يريد بذلك القول المحقّق. وقد نقل ذلك جماعة من أهل اللغة، وغيرهم، ونقله أبو عمر الزاهد في ((شرح الفصيح))، عن شيخه أبي العباس ثعلب، عن العلماء باللغة، من الكوفيين والبصريين. والله أعلم. انتهى (١). (أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْسَلَكَ، قَالَ) وَلِّ ( ((صَدَقَ)) ) أي ذلك الرسول (قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: ((اللَّهُ))، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: ((اللَّهُ))، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ؟، قَالَ: ((اللَّهُ))، قَالَ: فَمَنْ جَعَلَ فِيهَا الْمَتَافِعَ؟ قَالَ: ((اللَّهُ))، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ الشَّمَاءَ وَالْأَرْضَ) الباء فيه للقسم، أي أقسمت بالذي خلق السماء، والأرض الخ، وإنما قال ذلك زيادةٌ في التوثيق والتثبيت؛ كما يؤتى بالتأكيد لذلك، ويقع ذلك في أمر يُتَمّ بشأنه، ولم يقل ذلك لإثبات النبوّة بالحلف، فإن الحلف لا يكفي في ثبوتها، ومعجزاته وال كانت مشهورة، معلومة، فهي ثابتة بتلك المعجزات. قاله السنديّ رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: فإن الحلف لا يكفي الخ، فيه نظر، إذ لا مانع من أن يكتفي بعض الناس بالحلف عن طلب المعجزات. والله تعالى أعلم. (وَنَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِعَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟) بمدّ الهمزة للاستفهام؛ كما في قولهِ تعالى: ﴿ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ الآية [يونس: ٥٩] (قَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكُ، أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ) بنصب ((خمسَ) على أنه اسم ((أنّ))، والجار والمجرور خبرها مقدمًا على اسمها (فِي كُلِ يَوْم وَلَيْلَةٍ) فيه دلالة على عدم وجوب الوتر، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا بوجوب الوتر، وقد تقدَّم الردُّ عليهم في بابه فلا تغفل. (قَالَ: ((صَدَقَ))، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟، قَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةَ أَمْوَاَلِنَا) ولفظ ((الكبرى)) ((صدقة أموالنا)). ولفظ مسلم ((زكاة في أموالنا)) (قَالَ: ((صَدَقَ))، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، (١) - ((شرح مسلم)) ج٢ ص١٢٣ -١٢٤. ١- (بَابُ وُجُوب الصِّيَام ) - حديث رقم ٢٠٩١ ٢٢٥ آللَّهُ أَمَرَكَ بَهَذَا؟، قَالَ: (نَعَمْ))، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَالَ: ((صَدَقَ))) هذا محل الشاهد لترجمة المصنّف، حيث إنه يدلّ على وجوب الصيام (قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟، قَالَ: (نَعَمْ))، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا الْحَجَّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) ((من)) اسم موصول في محلّ جرّ بدل من الضمير المجرور، أي على من استطاع منا إليه سبيلاً. ثبت في هذه الرواية ذكر الحجّ عند المصنّف، وكذا هو في ((صحيح مسلم))، ولم تثبت في رواية شريك الآتية، وكذا ثبتت في حديث أبي هريرة الآتي، وحديث ابن عباس، كما قاله في ((الفتح)). فهذه الروايات كلها تدلّ على بطلان قول ابن التين: إنما لم يذكر الحجّ لأنه لم يكن فُرِض، قال الحافظ: وكأن الحامل له على ذلك ما جزم به الواقديّ، ومحمد بن حبيب أن قدوم ضمام سنة خمس، فيكون قبل فرض الحجّ، لكنه غَلَطْ من أوجه: [أحدها] : أن في رواية مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال الرسول وَلير، وآية النهي في المائدة، ونزولها متأخر جدًّا. [ثانيها] : أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام، إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه بعد فتح مكة . [ثالثها] : أن في القصة أن قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة. [رابعها]: في حديث ابن عباس رَؤيثبت أن قومه أطاعوه، ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد - وهو ابن بكر بن هوازن- في الإسلام إلا بعد وقعة حنين، وكانت في شوال سنة تسع. وبه جزم ابن إسحاق، وأبو عبيدة، وغيرهما (١) . انتھی (قَالَ: ((صَدَقَ))، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بَهَذَا؟، قَالَ: (نَعَمْ)) ) قال صاحب ((التحرير)) رحمه الله تعالى: هذا من حسن سؤال هذا الرجل، وملاحة سياقته وترتيبه، فإنه سأل أوّلاً عن صانع المخلوقات من هو؟، ثم أقسم عليه به أن يَصدُقَّه في كونه رسولاً للصانع، ثم لما وقف على رسالته، وعلمها أقسم عليه بحقّ مرسله، وهذا ترتيب يفتقر إلى عقل رَصِين، ثم إن هذه الأيمان جرت للتأكيد، وتقريرِ الأمر؛ لا لافتقاره إليها، كما أقسم اللّه تعالى على أشياء كثيرة انتهى. (قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدَنَّ) بنون التوكيد المشددة، وفيه تأكيد جواب (١) - ((فتح)) ج١ ص٢٠٦. ٢٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ القسم المنفيّ بالنون، على حدّ قول الشاعر [من البسيط] : تَاللَّهِ لَا يُخْمَدَنَّ الْمَرْءُ مُجْتَنِبَا فِعْلَ الْكِرَامِ وَلَوْ فَاقَ الْوَرَى حَسَبًا وهو قليل. بل قيل: إنه شاذْ، أو ضرورة. وفي نسخة، وهو الذي في ((الكبرى)) ((لا أزيد)) بدون توكيد، وهو المشهور رواية، ولغة. والله تعالى أعلم. (عَلَيْهِنَّ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ) وفي نسخة: ((ولا أنتقص)). فإن قيل: فكيف أقرّه على حلفه، وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا؟ أجيب: بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جار على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض، وقيل: غير ذلك (١). (فَلَّمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ نَّهِ: (لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ)) ) أي إن صدق في دعواه قبول الإسلام، وحلفه على التزامه ليكونن جزاؤه الجنة، بمقتضى الوعد السابق، حیث قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا﴾ الآية [التوبة: ٧٢]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس تَّه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٠٩١/١ و٢٠٩٢ و٢٠٩٣ - وفي ((الكبرى)) ٢٤٠١/١ و٢٤٠٢ و ٢٤٠٣ وأخرجه (خ)٦١ (م)١٣ (د)٤١١ (ت)٥٦٢ (ق)١٣٩٢ (أحمد)٢٢٥٨ (الدارمي) ٦٤٨ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو وجوب الصيام (ومنها): أن صوم رمضان يتكرّركلَّ سنة (ومنها): أن الصلوات الخمس متكرّرة في كلّ يوم وليلة، لقوله: «في كل يوم وليلة)). (ومنها): ما قاله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: فيه دلالة لصحّة ما ذهب إليه أئمة العلماء ، من أن العوامّ المقلدين مؤمنون، وأنه يُكتَفَى منهم بمجرّد اعتقاد الحقّ جزمًا، من غير شكّ وتزلزل؛ خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه وَلهل (١) - انظر ((الفتح)) ج١ ص١٤٩. ١- (بَابُ وُجُوب الصِّيَام ) - حديث رقم ٢٠٩١ ٢٢٧ = قرر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرّد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال: يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعيّة انتهى. وقال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: ويستفاد من هذا الحديث أن الشرع إنما طلب من المكلفين التصديق الجازم بالحقّ كيفما حصل، وبأيّ وجه ثبت، ولم يقصرهم في ذلك على النظر في دلالة معيّنة، ولا معجزة، ولا غيرها، بل كلّ من حصل له اليقين بصدقه بمشاهدة وجهه، أو بالنظر في معجزته، أو بتحليفه، أو بقرينة لا حت له، كان من المؤمنين، وكان من جملة عباد اللَّه المخلصين، لكن دلالات المعجزات هي الخاصّة بالأنبياء، والطرق العامّة للعقلاء انتهى(١) .. (ومنها): العمل بخبر الواحد (ومنها): أن من صَدَق في إسلامه، والتزم أداء ما أُمر به دخل الجنّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): اختَلَفوا، هل كان ضمام بن ثعلبة رَّه مسلمًا قبل مجيئه، وإنما أتى مستثبتًا من النبي وَلغيره، أم أنه أنشأ الإيمان بعد حضوره؟: والأول اختيار الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى، فاحتجّ به على مسألة صحّة العرض على العالم، وترجم عليه، فقال: ((باب القراءة والعرض على العالم)). ورجحه القاضي عياض، فقال: والظاهر أن الرجل لم يأت إلا بعد إسلامه، وإنما جاء مستثبتًا، ومشافها للنبيّ ﴾﴾. انتهى. فقوله -كما في الرواية الآتية -: ((آمنت بما جئت به)) إخبار بإيمانه قبل ذلك، وأنه إنما حضر بعد إسلامه، مستثبتًا من الرسول وَ﴿ ما أخبره به رسوله إليهم؛ لأنه قال: ((فإن رسولك زعم))، وفي حديث ابن عباس عند الطبرانيّ: ((أتتنا كتبك، وأتتنا رسلك)). واستبط منه الحاكم أصل طلب علوّ الإسناد؛ لأنه سمع ذلك من الرسول، وآمن، وصدّق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول اللَّه وَل مشافهة. والثاني: هو الذي رجحه القرطبيّ رحمه الله تعالى، فقال في ((المفهم)): وقد فهم البخاريّ من هذا الحديث أن الرجل قد كان أسلم على يدي رسول رسول اللَّه وَالر حين جاءهم، وصحّ إيمانه، وحفظ شرائعه، ثم جاء يَعْرِضها على النبيّ ◌َّ؛ ألا ترى البخاريّ كيف بوّب على هذا: ((باب القراءة والعرض على المحدث))؟ وكأن البخاريّ أخذ هذا المعنى من قول الرجل في آخر الحديث: ((آمنت بما جئت به، وأنا رسول من (١) - ((المفهم)) ج١ ص١٦٤. ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ ورائي من قومي)). وفيه نظر. وأما مساق مسلم، فظاهره أن الرجل لم ينشرح صدره للإسلام بعدُ، وأنه بقيت في قلبه منازعات، وشكوك، فجاء مجيء الباحث المستثبت، ألا تراه يقول: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن اللَّه أرسلك، فإن الزعم قول لا يوثق به. قاله ابن السكّيت وغيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله: ((فإن الزعم قول لا يوثق به)) نظر؛ لأن هذا ليس متفقا عليه بين أهل اللغة، بل الزعم يطلق على القول المحقّق أيضًا، كما تقدم نقله عن أبي عمر الزاهد في ((شرح فصيح شيخه ثعلب))، وأكثر سيبويه من قوله: ((زعم الخليل)) في مقام الاحتجاج. والله تعالى أعلم. قال: غيرَ أنّ هذا الرجل كان كامل العقل، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات، فدله ذلك على أن لها خالقًا خلقها، ألا ترى أنه استفهم النبيّ وَلّرعن خالق المخلوقات استفهام تقرير للقاعدة التي لا يصح العلم بالرسول إلا بعد حصولها، وهي التي تفيد العلم بالمرسل، ثم إنه لما وافقه على ما شهد به العقل، وأن اللَّه تعالى هو المنفرد بخلق هذه المخلوقات أقسم عليه، وسأل به، هل أرسله؟. ثم إن الرجل استمرّ على أسئلته إلى أن حصل على طَلِيَتَهِ(١) فانشرح صدره للإسلام، وزاحت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركة مشاهدته أنوارَ رسول اللّه وَلّ، فلقد كان كثير من العقلاء يحصل لهم العلم بصحّة رسالته بنفس رؤيته، ومشاهدته، قبل النظر في معجزته، كما قال أبو ذرّ رَّ: ((فلما رأيته علمت أن وجهه ليس بوجه كذّاب))، حتى قال بعضهم [من البسيط] : لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيْئَةٌ لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ والحاصل من حال هذا السائل أنه حصل له العلم بصدق رسول اللّه وَ له، وبصحّة رسالته، لمجموع قرائن، لا تتعيّن إحداها، ولا تنحصر أعدادها. وقد روى ابن عباس رؤيا حديث ضمام هذا بأكمل من هذا، وقال فيه ما يدلّ على أن ضمامًا إنما أسلم بعد أن أجابه رسول اللَّه وَ لعن أسئلته المتقدّمة، فلما أن فرغ قال ضمام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، وسأؤذي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد، ولا أنقُص. فقال رسول اللَّه ◌َله: ((إن يصدق ذو العقيصتين (٢) يدخل الجنة))، ثم قدم ضمام على أهله، فعرض عليهم الإسلام، فما (١) - الطَّلِيَةُ -بفتح الطاء، وكسر اللام -: ما طلبته. أفاده في ((ق)). (٢) - العقيصتان : الضفيرتان. ٢٢٩ ١- (بَابُ وُجُوب الصِّيَّام ) - حديث رقم ٢٠٩٢ أمسى ذلك اليوم في حاضره من رجل، ولا امرأة إلا مسلمًا. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قط كان أفضل من ضمام. انتهى (١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي حققه القرطبي تَّلهُ من أن إسلام ضمام كان بعد هذه الأسئلة هو الذي يظهر لي؛ لأن سياق الحديث ظاهر فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٩٢ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّدٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ، جَاءَ رَجُلٌ، عَلَىَ جَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟، وَرَسُولُ اللّهِ وَِّهِ مُتَكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَتِهِمْ، قُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((قَدْ أَجَبْتُكَ))، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي سَائِلُكَ، يَا مُحَمَّدُ، فَمُشَدُدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ، قَالَ: ((سَلْ مَا بَدَا لَكَ))، فَقَالَ الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ، وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلُّهِمْ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟، قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ، مِنَ السَّنَّةِ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّى : ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، اللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ، مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِثْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي، مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ . خَالَفَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عيسى بن حمّاد) بن مسلم التُّجيبيّ، أبو موسى المصريّ، لقبه زُغْبَة، وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة [١٠] ٢١١/١٣٥. ٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ [٧] ٣٥/٣١. ٣- (سعيد) بن أبي سعيد كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة، تغيّر قبل موته بأربع سنين مات في حدود ١٢٠ - [٣] ٩٥ /١١٧. ٤- (شريك بن أبي نَمِر) هو: ابن عبدالله، نُسب لجده، أبو عبدالله المدنيّ، صدوق يخطىء مات في حدود ١٤٠ [٥] ١٢٩٠/٥٢. ٥- (أنس بن مالك) وَنّ المذكور قبله. والله تعالى أعلم. (١) - ((المفهم)) ج١ ص ١٦٢ -١٦٤ . ٢٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رَخْذَهُ ، وأنه مسلسل بالمدنيين من سعيد، والباقيان مصريان، وأن فيه روايةَ تابعي، عن تابعيّ، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن سعيدا المقبريّ أكبر من شريك بن أبي نمر من الطبقة الثالثة، وهو من الخامسة، ولا ينافي هذا ما في ((الفتح))، ونصّه: فيه رواية الأقران، قال: لأن سعيدًا وشريكا تابعيان، من درجة واحدة، وهما مدنيان انتهى. لأنه جعلهما من درجة واحدة؛ نظرا لكونهما تابعيين، وما هنا بالنظر لتفاوت مراتب التابعين فيما بينهم، فافهم. وفيه أنس رَظّ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ شَرِيكِ) بن عبداللَّه (ابْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النون، وكسر الميم، لا يعرف اسمه، ذكره ابن سعد في الصحابة، وأخرج له ابن السكن حديثًا، وأغفله ابن الأثير؛ تبعًا لأصوله. قاله في ((الفتح)) (١). (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ) رَِّ (يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ) أي مسجد رسول اللّهِ وَلَّهِ (جَاءَ رَجُلٌ، عَلَى جَمَلِ، فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ) استنبط منه ابن بطّال وغيره طهارة أبوال الإبل، وأروائها، إذ لا يؤمن ذلك منه مدّة كونه في المسجد، ولم ينكره النبيّ ◌َّر. قال في ((الفتح)): ودلالته غير واضحة، وإنما فيه مجرّد احتمال، ويدفعه رواية أبي نُعيم: ((أقبل على بعير له حتى أتى المسجد، فأناخه، ثم عقله، فدخل المسجد))، فهذا السياق يدلّ على أنه ما دخل به المسجد، وأصرح منه رواية ابن عباس، عند أحمد، والحاكم، ولفظها: «فأناخ بعيره على باب المسجد، فعقله، ثم دخل))، فعلى هذا في رواية أنس مجاز الحذف، والتقدير: فأناخه في ساحة المسجد، أو نحو ذلك انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول بطهارة أبوال الإبل، وأروائها هو الصواب، فقد دلّ على ذلك خبر العرنيين المشهور، وقد تقدّم تحقيق ذلك في ((أبواب الطهارة)) - ٣٠٥/١٩١- ((باب بول ما يؤكل لحمه))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (ثُمَّ عَقَلَهُ) بتخفيف القاف: أي شدّ حبلاً على ساق الجمل بعد أن ثَنَّى ركبته (فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟، وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، مُتَّكِئٍ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ) فيه جواز اتكاء الإمام بين أتباعه، وفيه ما كان عليه رسول اللَّه ◌َ لي من التواضع، وترك التكبّر، لقوله: ((بين ظهرانيهم))، وهي بفتح النون: أي بينهم، وزيد لفظ الظهر ليدلّ على أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا منهم وراءه، (١) - ((فتح)) ج١ ص ٢٠٤ . ١- (بَأَبُ وُجُوب الصِّيَام ) - حديث رقم ٢٠٩٢ ١- ٢٣ فهو محفوف بهم من جانبيه، والألف والنون فيه للتأكيد. قاله صاحب ((الفائق)). (قُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ) أي المشرب بحمرة، كما في الرواية الآتية من طريق الحارث بن عُمير بلفظ ((الأمغر))، أي بالغين المعجمة، قال حمزة بن الحارث: هو الأبيض المشرب بحمرة، ويؤيده ما ثبت في صفته وليه أنه لم يكن أبيض، ولا آدم، أي لم يكن أبيض صِرْفًا. (الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) نسبه لجدّه؛ لكونه مشهورًا بين العرب، وأما أبوه وَلّ فقد مات، وهو شاب، فلم يشتهر بين الناس اشتهار جدّه. وكان ◌َلغير ينتسب إلى جدّه، كقوله: أنَا النَّبِيُّ لَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: («قَدْ أَجَبْتُكَ)) ) أي سمعتك، والمراد إنشاء الإجابة، أو نزّل تقريره للصحابة في الإعلام عنه منزلة النطق. وقد قيل: إنما لم يقل له: نعم؛ لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم، لا سيّما مع قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [النور: ٦٣]. والعذرُ عنه، إن قلنا: إنه قدم مسلما أنه لم يبلغه النهي، وكانت فيه بقية من جفاء الأعراب، وقد ظهرت بعد ذلك في قوله: ((فمشدّد عليك في المسألة))، وفي قوله: ((وزعم رسولك أنك تزعم)). (فَقَالَ الرَّجُلُ) وفي نسخة ((فِقاله له الرِجل)) (إِنِّي سَائِلُكَ، يَا مُحَمَّدُ، فَمُشَدِّدٌ) وفي نسخة ((فمشتدّ (عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ) بنون التوكيد المشددة، وفي رواية البخاريّ: ((فلا تجدْ))، أي لا تغضب. ومادة ((وجد)) متّحدة الماضي والمضارع مختلفة المصادر، بحسب اختلاف المعاني، يقال في الغضب مَوْجِدة، وفي المطلوب: وُجُودًا، وفي الضالّة: وُجْدانًا، وفي الحبّ وَجْدًا - بالفتح-، وفي المال: وُجْدًا - بالضمّ، وفي الغنى: جِدَةٌ -بكسر الجيم، وتخفيف الدال المفتوحة- على الأشهر في جميع ذلك، وقالوا أيضًا في المكتوب: وِجَادةً، وهي مولّدة. (قَالَ: ((سَلْ مَا بَدَا لَكَ))، فَقَالَ الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ) أي سألتك به، قال الفيّوميّ: نَشَدتك اللَّهَ، وبالله، أنشُدُك -من باب قتل -: ذكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مُقسِمًا علیك. انتهى. وقال ابن الأثير: يقال: نشدتك اللَّهَ، وأنشدُك اللَّه، وبالله، وناشدتك اللَّهَ، وبالله: أي سألتك، وأقسمت عليك. ونشدته نِشْدة، ونِشدانًا، ومناشدةً، وتعديته إلى مفعولين، إما لأنه بمنزلة: دعوت، حيث قالوا: نشدتك اللَّهَ، وبالله، كما قالوا: دعوت زيدًا، وبزيد، أو لأنهم ضمّنوه معنى: ذكّرتُ، فأما أنشدتك باللّه، فخطأ انتهى (١) . (١) - ((النهاية)) ج٥ ص ٥٣ . ٢٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ وفي الرواية التالية: ((أنشدُك)) بصيغة المضارع. وهو بفتح الهمزة، وضم المعجمة. قال البغويّ في ((شرح السنّة)): وهو رفع الصوت، والمعنى سألتك رافعا نشيدتي. انتهى. وقال الجوهريّ: نشدتك بالله: أي سألتك بالله، كأنك ذكّرته، فتَشَدَ: أي تذكّر (١) انتھی (وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ) بالمدّ في المواضع كلها، والهمزة للاستفهام، كقوله تعالى: ﴿اللَّه أذن لكم﴾ الآية (أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلْهِمْ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ)) ) الجواب حصل بـ((نعم))، وإنما ذكر ((اللَّهَمّ)) تبرّكًا، وكأنه استشهد باللّه في ذلك تأكيدًا لصدقه (قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تُصَلِّيَ) بتاء الخطاب فيه، وفيما بعده. ووقع عند البخاريّ في رواية الأصيليّ بالنون فيها. قال القاضي عياض: هو أوجه، ويؤيّده ما تقدّم في رواية ثابت، عن أنس، بلفظ: ((أنّ علينا خمس صلوات في كلّ يوم وليلة)). وتوجيه الأول أن كلّ ما وجب عليه وجب على أمته حتى يقوم دليل الاختصاص. أفاده في ((الفتح)) (الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ) وعند البخاريّ من رواية الكشميهني، والسرخسيّ: (الصلاة الخمس)) بالإفراد على إرادة الجنس (فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَةِ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ: (اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَصُوَّمَ هَذَا الشَّهْرَ، مِنَ السَّنَّةِ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمْرَكَ، أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ) قال ابن التين: فيه دليل على أن المرأ لا يفرّق صدقته بنفسه. قال الحافظ: وفيه نظر (مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنًا؟) هذا خرج مخرج الأغلب، لأنهم معظم أهل الصدقة، وإلا فمحلّ الصدقة هم الأصناف الثمانية المذكورون في آية الصدقة (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ) يحتمل أن يكون إخبارًا، وهو اختيار البخاريّ، ورجحه القاضي عياض، وأنه حضر بعد إسلامه، مستثبتًا من الرسول وَخير ما أخبر به رسوله إليهم. ويحتمل أن يكون قوله: ((آمنت)) إنشاء، ورجحه القرطبيّ؛ لقوله: ((زعم))؛ قال: فإن الزعم القولُ الذي لا يوثق به، قاله ابن السكّيت. قال الحافظ : وفيه نظر؛ لأن الزعم يطلق على المحقّق أيضًا، كما نقله أبو عمر الزاهد في شرح فصيح شيخه ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله: ((زعم الخليل)) في مقام الاحتجاج. قال: وأما تبويب أبي داود عليه: ((باب المشرك يدخل المسجد)) فليس مصيرًا منه إلى أن ضمامًا قدم مشركًا، بل وجهه أنهم تركوا شخصًا قادمًا يدخل المسجد من غير استفصال. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وفيه نظر، بل الظاهر من صنيع أبي داود الميل إلى أن ضمامًا قدم، وهو مشرك. فتأمل. (١) - ((فتح)) ج١ ص ٢٠٥. ١- (بَابُ وُجُوب الصِّيَام ) - حديث رقم ٢٠٩٢ ٢٣٣ وقال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: ومما يؤيد أنه لم يسأل عن دليل التوحيد، بل عن عموم الرسالة، وعن شرائع الإسلام، ولو كان إنشاء لكان طلب معجزة توجب له التصدیق. انتهى. وعكس هذا القرطبيّ، فاستدلّ به على صحّة إيمان المقلّد للرسول، ولو لم تظهر له معجزة، وكذا أشار إليه ابن الصلاح. قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظر لي أن ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: أقرب إلى ظاهر قصّة ضمام تظنّه كما تقدم ذلك. والله تعالى أعلم. (وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي) ((مَنْ)) موصولة، و((رسول)) مضاف إليها، ويجوز تنوينه، وكسر ((مِنْ))، لكن لم تأت به الرواية. قاله في ((الفتح)) (مِنْ قَوْمِي) بيان لـ((من)) الموصولة (وَأَنَا ضِمَامُ ابْنُ فَعْلَبَةَ) بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الميم (أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ) وعند الطبراني، من رواية عكرمة، عن ابن عباس ◌َّت: ((جاء رجل من بني سعد بن بكر إلى رسول اللّه وَ لّ -وكان مُسترضَعًا فيهم - فقال: أنا وافد قومي، ورسولهم)). وعند أحمد، والحاكم: ((بَعَثَتْ بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله وَالر، فقدم علينا»، فذكر الحديث، فقول ابن عباس: ((فقدم علينا» يدلّ على تأخر وفادته أيضًا؛ لأن ابن عباس إنما قدم المدينة بعد الفتح. وزاد مسلم في آخر الحديث: قال: والذي بعثك بالحقّ لا أزيد عليهنّ، ولا أنتقص، فقال النبيّ وَّلقول: ((لئن صدق ليدخلنّ الجنّة)). ووقعت هذه الزيادة في حديث ابن عباس، وهي الحاملة لمن سَمّى المبهم في حديث طلحة، ضمام بن ثعلبة، كابن عبدالبرّ وغيره. ومال القرطبيّ إلى أنه غيره. ووقع في رواية عبيدالله بن عمر، عن المقبريّ، عن أبي هريرة، من الزيادة في هذه القصّة أن ضمامًا قال بعد قوله: وأنا ضمام بن ثعلبة: فأما هذه الْهَنَاة، فوالله إن كنّا لنتنزّه عنها في الجاهلية - يعني الفواحش- فلما ولّى قال النبيّ وَلثر: ((فقه الرجل)). قال: وكان عمر بن الخطّاب يقول: ما رأيت أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام. ووقع في آخر حديث ابن عباس عند أبي داود: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه هذا متفقٌ عليه. ٢٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ (المسألة الثانية): في فوائده غير ما تقدّم: (منها): العمل بخبر الواحد، ولا يقدح فيه مجيء ضمام مستثبتا - على ما قيل- لأنه قصد اللقاء والمشافهة، كما تقدّم عن الحاكم. وقد رجع ضمام إلى قومه وحده، فصدّقوه، وآمنوا، كما وقع في حديث ابن عباس. (ومنها): أن فيه نسبة الشخص إلى جدّه إذا كان أشهر من أبيه، ومنه قوله مثل: يوم حنين: عبدالمطّلب» ابن ((أنا (ومنها): أن فيه الاستحلاف على الأمر المحقّق؛ لزيادة التأكيد. وتمام الكلام على بقية مسائله تقدم في الذي قبله، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (خَالَفَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ) يعني أنه خالف يعقوبُ بنُ إبراهيم بنِ سعد عيسى بنَ حماد زُغْبَةَ الروايَ عن الليث بن سعد، في إسناد هذا الحديث، فأدخل بين الليث، وسعيد المقبريّ واسطة، وهو محمد بن عجلان، وغيره، وهذا خطأ، والصواب روایة عیسی. قال الحافظ في ((الفتح)) عند شرح قوله: ((عن الليث، عن سعيد)»: ما نصّه: في رواية الإسماعيليّ، من طريق يونس بن محمد، عن الليث، حدثني سعيد، وكذا لابن منده من طريق ابن وهب، عن الليث. قال: وفي هذا دليل على أن رواية النسائيّ من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن الليث، قال: حدثني محمد بن عَجْلان وغيره، عن سعيد موهومة، معدودة من المزيد في متصل الأسانيد، أو يحمل على أن الليث سمعه، عن سعيد بواسطة، ثم لقیه، فحدثه به . انتھی(١). والحاصل أن الراجح رواية عيسى بن حماد، عن الليث، عن سعيد المقبريّ، بدون واسطة بين الليث وبين سعيد المقبريّ؛ لأنه وقع تصريح الليث بالتحديث عن سعيد المقبريّ، ولمتابعة يونس بن محمد، وابن وهب له في ذلك، فاتفاق الثلاثة، على إسقاط الواسطة يدلّ على وَهَم رواية يعقوب هذه، وأنها معدودة من المزيد في متصل الأسانيد، ولا سيّما وقد صرح الأخيران بسماع الليث، عن سعيد. والله تعالى أعلم. ثم بيّن رواية يعقوب بقوله: ٢٠٩٣ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: (١) - ((فتح)) ج١ ص٢٠٣ . ١- (بَأَبُ وُجُوب الصِّيَام ) - حديث رقم ٢٠٩٣ ٢٣٥ = حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ وَغَيْرُهُ، مِنْ إِخْوَانِنَا، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولٍ اللَّهِ وَهَ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ، عَلَى جَّلِ، فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟، وَهُوَ مُتَّكِئٌ، بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ (١)، فَقُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ ◌ِ: ((قَدْ أَجَبْتُكَ))، قَالَ الرَّجُلُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي سَائِلُكَ، فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، قَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِرَبِّكَ، وَرَبِّ مِنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَّى النَّاسِ كُلُّهِمْ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، اللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَصُوَمَ هَذَا الشَّهْرَ، مِنَ السَّنَّةِ؟، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ، مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَتَقْسِمَهَا، عَلَى فُقَرَائِنَا؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي، مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ . خَالَفَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ غَمَرَ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه، وكذا الكلام على مسائله في الحديث الماضي، فليُرَاجع هناك. و((عبيدالله بن سعد بن إبراهيم)): هو أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [١١] ٤٨٠/١٧. و(عمه)): هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن ابن عوف، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ٣١٤/١٩٦. و((ابن عجلان)): هو محمد المدنيّ، صدوق [٥] ٤٠/٣٦. وقوله: ((من كتابه)): يعني أنه أخبره مما كتبه عن عمه، لا من حفظه، والإخبار، أو التحديث من الكتاب فيه خلاف، والصحيح جوازه، إذا كان كتابه مصونا لديه. والله تعالى أعلم. وقوله: (خَالَفَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) يعني أنه خالف عبيداللّهُ بنُ عمر العمريّ الليثَ بنَ سعد في إسناد هذا الحديث، فجعله عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة رَزيه ، فأخطأ في ذلك، والراجح رواية الليث، عن سعيد، عن شريك بن عبدالله، عن أنس تنظيمه، كما رجحها أبو حاتم، والدار قطنيّ. قال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) بعد ذكر الاختلاف المتقدّم: ما نصّه: وفيه ١ -وفي نسخة: ((بين ظهريهم)). ٢٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ اختلاف آخر، أخرجه النسائيّ، والبغويّ، من طريق الحارث بن عُمير، عن عُبيدالله بن عمر، وذكره ابن منده من طريق الضحّاك بن عثمان كلاهما عن سعيد، عن أبي هريرة. ولم يقدح هذا الاختلاف فيه عند البخاريّ؛ لأن الليث أثبتهم في سعيد المقبريّ، مع احتمال أن يكون لسعيد فيه شيخان، لكن تترجّح رواية الليث بأن المقبريّ عن أبي هريرة جادة مألوفة، فلا يَعدِل عنها إلى غيرها إلا من كان ضابطًا متثبّتًا، ومن ثمّ قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: رواية الضحّاك وَهَمْ. وقال الدارقطنيّ في ((العلل)): رواه عبيدالله ابن عمر، وأخوه عبدالله، والضحاك بن عثمان، عن المقبريّ، عن أبي هريرة، وَوَهِمُوا فيه، والقول قول اللیث. أما مسلم فلم يُخرجه من هذا الوجه، بل أخرجه من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس. وقد أشار البخاريّ إليها عقب طريق الليث. وما فرّ منه مسلم وقع في نظيره، فإن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وقد روى هذا الحديث عن ثابت، فأرسله، ورجّح الدار قطنيّ رواية حماد انتهى ما قاله في ((الفتح)) (١) . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ثم بيّن رواية عبيدالله بن عمر بقوله: ٢٠٩٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَارَةَ، حَمْزَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَذْكُرُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدٍ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْتَمَا النَِّيُّ ◌َِّ، مَعَ أَصْحَابِهِ، جَاءَ رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، قَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالُوا: هَذَا الْأَمْغَرُ، الْمُرْتَفِقُ- قَالَ حَمْزَةُ: الْأَمْغَرُ:َ الْأَبْيَضُ، مُشْرَبْ حُمْرَةً، فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ، فَمُشْتَدٍّ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، قَالَ: (سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ؟، قَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ، وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، وَرَبِّ مَنْ بَعْدَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟، قَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟، قَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِ أَغْنِيَائِنَا، فَتُرُدَّهُ عَلَى فُقَرَائِنَا؟، قَالَ: (اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ، مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا؟، قَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ يَحُجَّ هَذَا الْبَيْتَ، مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً؟، قَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: فَإِنِّي آمَنْتُ، وَصَدَّقْتُ، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةً). (١) - ((فتح)) ج١ ص ٢٠٣ . ٢٣٧ == ١- (بَابُ وُجُوب الصِّيَام ) - حديث رقم ٢٠٩٤ رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (أبو بكر بن عليّ) هو أحمد بن عليّ بن سعيد بن إبراهيم القرشيّ الأمويّ، المروزيّ قاضي دمشق، ثقة حافظ [١٢] . كان فاضلاً، له تصانيف، منها كتاب ((العلم))، وكتاب ((الجمعة))، و((مسند)) أبي بكر، وعثمان، وعائشة، وغير ذلك، وكان مكثرًا شيوخًا، وحديثًا. وثقه النسائيّ، وقال في موضع آخر: لا بأس به. مات يوم الأربعاء، ودفن لخمس بقين من ذي الحجة، سنة ٢٩٢، وقد بلغ عمره (٩٠) سنة، أو دونها. انفرد به المصنّف، وله عنده ستة وعشرون حديثًا . ٢- (إسحاق) بن أبي إسرائيل، واسمه إبراهيم بن كامَجْرا -بفتح الميم، وسكون الجيم - أبو يعقوب المروزيّ، نزيل بغداد، صدوق، تُكلّم فيه لوقفه في القرآن، من كبار [١٠] . وثقه ابن معين، وقال أيضًا: من ثقات المسلمين، ما كتب حديثا قط عن أحد من الناس إلا ما خطّه هو في ألواحه أو كتابه. وقال أيضًا: ثقة مأمون، أثبت من القواريريّ، وأكيس، والقواريريّ صدوق، وليس هو مثل إسحاق. وقال أبو بكر المروزيّ: تركت حديث إسحاق بن أبي إسرائيل، فقال لي حُبيش بن مبشّر: لا تفعل، فإني رأيت مع يحيى بن معين جزءًا، فقلت له: يا أبا زكريا كتبت عن إسحاق؟ فقال: كتبت عنه سبعة وعشرين جزءا. وقال يعقوب بن شيبة: سُريج بن يونس شيخ صالح صدوق، وإسحاق بن أبي إسرائيل أثبت منه. وقال الدار قطني: ثقة. وقال البغويّ: كان ثقة مأمونًا إلا أنه كان قليل العقل. وقال صالح جَزّرة: صدوق في الحديث، إلا أنه يقول: القرآن كلام اللَّه ويقف. وقال الساجيّ: تركوه لموضع الوقف، وكان صدوقًا. وقال أحمد: إسحاق بن أبي إسرائيل واقفيّ مشؤوم، إلا أنه صاحب حديث كيّس. وقال السرّاج: سمعته يقول: هؤلاء الصبيان يقولون: كلام الله غير مخلوق، ألا قالوا: كلام اللَّه وسكتوا. وقال عثمان سعيد الدارميّ: سألت يحيى بن معين عنه؟ فقال: ثقة. قال عثمان: لم يكن أظهر الوقف حين سألت يحيى عنه، ويوم كتبنا عنه كان مستورًا. وقال عبدوس النيسابوريّ: كان حافظا جدّا، ولم يكن مثله في الحفظ والورع، وكان لقي المشايخ، فقيل: كان يتّهم بالوقف؟ قال: نعم اتهم، ولم يكن بمتّهم. وقال مصعب الزبيريّ: ناظرته، فقال: لم أقل على الشكّ، ولكنّي أسكت كما سكت القوم قبلي. مات سنة (٢٤٥) وقيل: (٤٦) في شعبان. وكان مولده سنة (١٥١). أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط. ٢٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ ٣- (أبو عُمارة حمزة بن الحارث بن عمير) العدويّ مولاهم البصريّ نزيل مكة، ثقة [١٠] . قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: يروي المقاطيع. روى له المصنّف هذا الحديث فقط، وروى له ابن ماجه. ٤ - (أبوه) الحارث بن عُمير أبو عمير البصريّ نزيل مكّة، والد حمزة، وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير، ضعّفه بسببها الأزديّ، وابن حبّان، وغيرهما [٨]. وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، والعجليّ، والدارقطنيّ. وقال حماد بن زيد : - ونظر إليه -: هذا من ثقات أصحاب أيوب. وقال أبو زرعة: ثقة رجل صالح. وقال الأزديّ: ضعيف منكر الحديث. وقال الحاكم: روى عن حميد الطويل، وجعفر ابن محمد أحاديث موضوعة. ونقل ابن الجوزيّ، عن ابن خزيمة أنه قال: الحارث بن عُمير كذّاب. وقال ابن حبّان: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات. علق عنه البخاريّ، وروى له الأربعة، له عند المصنف هذا الحديث فقط. ٥- (عبيد الله بن عمر) العمريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبتٌ [٥] ١٥/١٥. ٦- (سعيد بن أبي سعيد المقبري) تقدم قريبًا . ٧- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. وقوله: ((المرتفق)): أي المتكىء على وسادة. وقوله: ((قال حمزة: الأمغر الأبيض مشربٌ حمرة. الخ)): هو حمزة بن الحارث بن عُمير. وقوله: ((مشربٌ)) خبر لمحذوف، أي هو مشرب. وقوله: ((حمرة)) مفعول ثان ((مشرب)). وقال ابن الأثير: الأمغر الأحمر، مأخوذ من المَغَرَة، وهو المَدَّر الأحمر الذي تُصبغ به الثياب. وقيل: أراد بالأمغر الأبيض؛ لأنهم يسمّون الأبيض أحمر انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه مستوفى قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١) - ((النهاية)) ج٤ ص ٣٤٥ . = ٢٣٩ ٢- (بابُ الفَضْلِ وَالْجُودِ فِي شَهْرِ رَمَضَان) - حديث رقم ٢٠٩٥ ٢- ( بَابُ الْفَضْلِ وَالْجُودِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) ٢٠٩٥ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةً، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ،َ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَانَ رَسُولَّ اللَّهِ (َِّ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام، أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ، مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (سليمان بن داود) الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ، ابن أخي رشدين بن سعد، ثقة [١١] ٧٩/٦٣ من أفراد المصنف، وأبي داود. ٢- (ابن وهب) هو عبدالله المصريّ الحافظ الثقة الفقيه [٩] ٩/٩. ٣- (يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [٧] ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثقة الثبت [٤] ١/١. ٥- (عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) المدنيّ الفقيه الثقة الثبت [٣] ٥٦/٤٥. ٦- (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) البحر الحبر رضي اللّه تعالى عنهما. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن الثلاثة الأولين مصريون، والآخرون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة عبيد اللَّه. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أحد المكثرين، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةً) بن مسعود الهذليّ المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ) وَ (كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَزِ، أَجْوَدَ النَّاسِ) كلام إضافيّ منصوب لأنه خبر ((كان))، وقدّم ابن عباس هذه الجملة على ما بعدها، وإن كانت لا تتعلّق بالقرآن على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها. ومعنى ((أجود الناس)) أكثر الناس جُودًا، والجود الكرم، وهو من الصفات المحمودة. وقد ٢٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ أخرج الترمذيّ، من حديث سعد بن أبي وقّاص ◌َلّه رفعه: ((إن اللَّه جواد يحبّ الجود ... )) الحديث. وفي سنده ضعف. وله من حديث أنس رفعه: ((أنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدي رجل علم علمًا، فنشر علمه، ورجل جاد بنفسه في سبيل اللَّه)). وفي سنده مقال. وفي ((صحيح البخاريّ)) من حديث أنس ◌َّه: ((كان النبيّ ◌َّر أشجع الناس، وأجود الناس ... )) الحديث. (وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ) يجوز في ((أجود)» الرفع، والنصب، أما الرفع فهو أكثر الروايات، ووجهه أن يكون اسم ((كان))، وخبرها محذوف وجوبًا؛ لسدّ الحال مسدّه، وهذا من المواضع التي يجب فيها حذف الخبر، وذلك فيما إذا كان المبتدأ مصدرًا، وبعده حال سدّت مسدّ الخبر، وهي لا تصلح أن تكون خبرًا، فيحذف الخبر وجوبًا لسد الحال مسدّه، نحو ضربي العبد مسيئًا، أي إذا كان مسيئا، ونحو: («أجود ما يكون في رمضان))، أي إذا كان في رمضان، ونحو قولك: أخطب ما يكون الأمير قائما، أي إذا كان قائمًا، وإلى ذلك أشار ابن مالك رحمه الله في ((خلاصته)) حيث قال: وَقَبْلَ حَالٍ لَا يَكُونُ خَبّرًا عَنِ الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا كَضَرْبِيَ الْعَبْدَ مُسِيئًا وَأَتَمْ تَبْبِينَ الْحَقَّ مَنُوطًا بِالْحِكَمْ فلفظة ((ما)) مصدريّة، و((يكون)) صلتها، أي أجود أكوان الرسول بَّهِ (فِي رَمَضَانَ) متعلق بحال محذوف واقع موقع الخبر الذي هو ((حاصل))، أو ((واقع)) (حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) منصوب على الظرفية، متعلق بحال من الضمير في ((حاصل)) المقدّر، فهو حال من حال، ويسمى بالحالين المتداخلين، والتقدير: كان أجود أكوانه وَالر حاصلا إذا كان في رمضان، حال ملاقاة جبريل. ويحتمل أن تكون ((كان)) شانيّة، فيها ضمير الشأن، و((أجود ما يكون)) كلام إضافيّ مبتدأ، وخبره ((في رمضان))، والتقدير: كان الشأن أجودُ أكوان الرسول وَلل حاصلٌّ في رمضان حين الملاقاة. ويحمتل أن يكون الوقت فيه مقدّرًا، كما في مَقْدَم الحاجّ، والتقدير: كان أجود أوقات كونه، وقتُ كونه في رمضان، وإسناد الجود إلى أوقاته وَلّر على سبيل المبالغة، كإسناد الصوم إلى النهار في نحو : نهارُهُ صائم. وأما النصب فعلى أنه خبر ((كان)). وتُعُقّب بأنه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها. وأجيب بجعل اسم ((كان)) ضمير النبيّ وَّر، و((أجود)) خبرها، والتقدير: كان رسول الله وَل* مدّة كونه في رمضان أجود منه في غيره. قال النووي رحمه الله تعالى: الرفع أشهر، والنصب جائز. وذكر أنه سأل ابن مالك