النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ١١٨ - الْبَغْثُ - حديث رقم ٢٠٨٥ أرض مستوية، لا عوج فيها، ولا أكمة، ولا حدب، ولا شوك. وأشار الطيبيّ إلى أن الأولى أن الحديث الذي من رواية عليّ بن زيد على من يُحشر من الموقف إلى مكان الاستقرار من الجنّة، أو النار، ويكون المراد بالركبان السابقين المتقين، وهم المراد بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَّخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]: أي ركبانا. وأخرج الطبري عن عليّ في تفسير هذه الآية، فقال: ((أَمَا والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقًا، ولكن يُؤْتَون بِنُوق لم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة)). والمراد سوق ركائبهم، إسراعا بهم إلى دار الكرامة؛ كما يُفعل في العادة بمن يُشرف، ويُكرم من الوافدين على الملوك، قال: ويستبعد أن يقال: يجيء وفد اللَّه عشرة على بعير جميعًا، أو متعاقبين، وعلى هذا فقد روى أبو هريرة حال المحشورين عند انقراض الدنيا إلى جهة أرض المحشر، وهم ثلاثة أصناف، وحال المحشورين في الأخرى إلى محلّ الاستقرار. انتهى كلام الطيبيّ عن جواب المعترض، ملخّصا موضّحًا بزيادات فيه. قال الحافظ: لكن تقدم مما قررته أن حديث أبي هريرة من رواية علي بن زيد ليس في المحشورين من الموقف إلى محلّ الاستقرار. ثم ختم كلامه بأن قال: هذا ما سنح لي على سبيل الاجتهاد، ثم رأيت في ((صحيح البخاريّ)) في ((باب الحشر)): ((يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق))، فعلمت من ذلك أن الذي ذهب إليه الإمام التورشتيّ هو الحقّ الذي لا محيد عنه. قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: ولم أقف في شيء من طرق الحديث الذي أخرجه البخاريّ على لفظ ((يوم القيامة))، لا في ((صحيحه))، ولا في غيره، وكذا هو عند مسلم، والإسماعيليّ، وغيرهما ليس فيه ((يوم القيامة)). نعم ثبت لفظ ((يوم القيامة)) في حديث أبي ذرّ، المنبّه عليه قبلُ. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ من أنه ليس لفظ ((يوم القيامة)) في طرق حديث أبي هريرة، بل في حديث أبي ذرّ غير صحيح؛ لأنه ثابت في حديث أبي هريرة تَّ، في رواية المصنف رحمه اللّه تعالى في هذا الباب، فتنبه. والله تعالى أعلم. قال: وهو مؤول بأن المراد بذلك أن يوم القيامة يعقب ذلك، فيكون من مجاز المجاورة، ويتعيّن ذلك، لما وقع فيه أن الظهر يقلّ لما يلقى عليه من الآفة، وأن الرجل ١٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ يشتري الشارف الواحد بالحديقة المعجبة، فإنه ظاهر جداً في أنه من أحوال الدنيا، لا بعد الموت. وقد روى البيهقيّ في حديث الباب احتمالين، فقال: قوله: ((راغبين)) يحتمل أن يكون إشارة إلى الأبرار. وقوله: ((راهبين)) إشارة إلى المخلطين الذين هم بين الخوف والرجاء، والذين تحشرهم النار هم الكفار. وتعقّب بأنه حذف ذكرَ قوله: ((واثنان على بعير الخ)). وأجيب بأن الرغبة والرهبة صفتان للصنفين: الأبرار والمخلطين، وكلاهما يحشر اثنان على بعير الخ. قال: ويحتمل أن يكون ذلك في وقت حشرهم إلى الجنة بعد الفراغ، ثم قال بعد إيراد حديث أبي ذرّ: يحتمل أن يكون المراد بالفوج الأول الأبرار، وبالفوج الثاني الذين خلطوا، فيكونون مشاة، والأبرار ركبانًا، وقد يكون بعض الكفّار أعيا من بعض، فأولئك يسحبون على وجوههم، ومن دونهم يمشون، ويسعون مع من شاء اللّه من الفسّاق وقت حشرهم إلى الموقف. وأما الظهر فلعلّ المراد به ما يحييه اللَّه بعد الموت من الدواب، فيركبها الأبرار، ومن شاء الله، ويلقي الله الآفة في بقيتها حتى يبقى جماعة من المخلطين بلا ظهر. قال الحافظ: ولا يخفى ضعف هذا التأويل مع قوله في بقية الحديث: ((حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف))، ومن أين يكون للذين يبعثون بعد الموت عراة، حفاة، حدائق حتى يدفعوها في الشوارف؟ فالراجح ما تقدّم، وكذا يبعده غاية البعد أن يحتاج من يساق من الموقف إلى الجنة إلى التعاقب على الأبعرة، فرجح أن ذلك إنما يكون قبل المبعث. والله أعلم انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وهو حسنٌ جدًا. وحاصله أن الراجح حمل الحديث على الحشر الذي يكون قبل قيام الساعة، عند قربها، فيُحشر الناس إلى الشام على هذه الصفات المختلفة، من كونهم راغبين، راهبين، الخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٨٦- أَخَبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ لُميْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيِفَةَ بْنِ أَسِيدٍ، عَنْ أَبِي ذَرُّ، قَالَ: إِنَّ الصَّادِقَ الْمَّصْدُوقَ، وَهـ حَدَّثَنِي: ((أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ: فَوْجْ رَاكِبِينَ، طَاعِمِينَ، كَاسِينَ، وَفَوْجٌ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ، عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَتَحَشُزَّهُمُ النَّارُ، وَفَوْجٌ يَمْشُونَ، وَيَسْعَوْنَ، يُلْقِ اللَّهُ الْآَفَةَ عَلَّى الظُّهْرِ، فَلَا يَبْقَى، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَّتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ، يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ، لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا)). ١٨٣ == ١١٨ - الْبَعْثُ - حديث رقم ٢٠٨٦ رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (الوليد بن جميع) هو ابن عبدالله بن جميع -نسب إلى جدّه- الزهريّ المكيّ، نزيل الكوفة، صدوق يهم، ورمي بالتشيع [٥] . قال أحمد، وأبو داود: ليس به بأس. وقال ابن معين، والعجليّ: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى ابن سعيد لا يحدثنا عنه، فلما كان قبل موته بقليل حدثنا عنه. وقال ابن سعد: كان ثقة، له أحاديث. وقال البزار: احتملوا حديثه، وكان فيه تشيّع. وذكره ابن حبان في (الثقات))، وذكره أيضا في ((الضعفاء))، وقال: ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات، فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به. وقال العقيليّ: في حديثه اضطراب. وقال الحاكم: لو لم يخرج له مسلم لكان أولى. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والباقون سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢- (أبو الطفيل) عامر بن واثلة بن عبدالله الليثي الصحابيّ تَظ ٥٨٧/٤٢. ٣- (حُذيفة بن أسيد) -بفتح الهمزة، وكسر الراء- ويقال: ابن أميّة بن أَسيد الغفاريّ، أبو سَرِيحة - بمهملتين مفتوحة الأولى- صحابيّ شهد الحديبية، وقيل: إنه بايع تحت الشجرة. روى عن النبيّ وَّر، وعن أبي بكر، وعليّ، وأبي ذرّ. وعنه أبو الطفيل، والشعبيّ، ومعبد بن خالد، وغيرهم. مات سنة (٤٢) وصلى عليه زيد بن أرقم. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . ٤- (أبو ذرّ) جندب بن جنادة الصحابي المشهور رضي اللَّه تعالى عنه ٣٢٢/٢٠٣ . وعمرو بن عليّ الفلاس. ويحيى القطان، تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ثلاثة من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم يروي بعضهم عن بعض. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي ذَرِ) رَيْه أنه (قَالَ) وفي رواية أحمد: ((عن حذيفة بن أَسِيد، قال: قام أبو ذر، فقال: يا بني غفار، قولوا، ولا تختلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني ... )) (إِنَّ الصَّادِقَ) أي الذي ليس في حديثه كذب (الْمَصْدُوقَ) أي الذي أخبره اللَّه بالصدق، ١٨٤ شرح سنن النسائي - کِتابُ الْجَنَائِز يقال: صدَقني فلان بتخفيف الفاء: أي قال لي الصدقَ. أفاده في ((اللسان)). وفي ((المجمع)): ((الصادق)) من صَدَق في قوله، وتحرّاه في فعله، و((المصدوق)) من صَدَقَه غيره. أي صَدَقَه جبريل فيما أخبره به، أو مُصَدَّق من عند الناس انتهى(١) (وَلِّ حَدَّثَنِي: ((أَنَّ النَّاسَ يُخْشَرُونَ) قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: المراد بالحشر هنا ما في قوله وَلَّى: ((أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب))، وقوله: ((ستخرج نار من نحو حضرموت، تحشر الناس))، قلنا: يارسول اللَّه، فما تأمرنا؟، قال: ((عليكم بالشام)) انتهى (٢) (ثَلَاثَةَ أَفْوَاج) جمع فوج، كثوب وأثواب: هم الجماعة من الناس (فَوْجٍ) قال أبو البقاء رحمه الله تعالى: ((فوج)) الأول بالجرّ على البدل مما قبله، و((راكبين)) نعت له، ويجوز أن یروی «فوج» بالرفع، أي يُحشر منهم فوج، وتكون ((راکبین)» حالاً ، وأما ((فوج)) الثاني، والثالث، فالرفع فيه أقرب، من رفع الأول؛ لأنه ليس هناك مجرور يقوّي جرّه انتهى. (رَاكِبِينَ، طَاعِمِينَ، كَاسِينَ) قال الطيبيّ: رحمه الله تعالى: هو عبارة عن كونهم مُرْهَفين؛ لإعدادهم ما يبلغهم إلى القصد، من الزاد، والراحلة (وَفَوْجِ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ) أي تجرّهم (عَلَى وُجُوهِهِمْ) هو إما على حقيقته، وإما كنايةٍ عن كمّال هوانهم وذلهم، والأول أظهر لدلالة السِّبَاق واللّحَاق عليه. قاله القاري (وَتَشُرُهُمُ النَّارُ) برفع ((النار)) على الفاعلية، أي تسوقهم النار إلى المحشر. ووقع في ((المشكاة)) ((وتحشر النار)). فقال القاري: بنصب ((النار)) في أصل السيّد، وأكثر النسخ، وفي نسخة برفعها، وفي نسخة صحيحة ((وتحشرهم النار)) بالضمير، مع نصب النار على نزع الخافض، أي إليها، ومع رفعها على الفاعلية. وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: أي تحشر الملائكة لهم النار، وتلزمهم إياها، حتى لا تفارقهم أين باتوا، وأين قالوا، وأصبحوا، ويصح أن ترفع ((النار)) أي وتحشرهم النار انتهى. ولفظ أحمد: ((وتحشرهم إلى النار)) بزيادة ((إلى))، وعلى هذا فالفاعل هم الملائكة، أي تسوقهم الملائكة إلى النار ليلزموها، ولا يفارقوها، كما قال الطيبيّ (وَفَوْجٌ يَمْشُونَ، وَيَسْعَوْنَ) من السعي، أي يَجْرُون في الأرض من شدّة المشي، ولا يمشون بسكينة وراحة (يُلْقِي اللَّهُ الْآَفَةَ) أي آفة الموت (عَلَى الظَّهْرِ) أي الإبل التي تركب، من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، وإنما خصّ الظهر لأنه محل الركوب. والله تعالى أعلم. وفي رواية أحمد: ((وفوج يمشون، ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على (١)- ((مجمع بحار الأنوار)) ج٣ ص ٣٠٦. (٢)-((المرقاة)) ج٩ ص ٤٨٧. ١١٨ - الْبَعْثُ - حديث رقم ٢٠٨٦ ١٨٥ = وجوههم، فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: يلقي اللَّه الآفة على الظهر، حتى لا يبقى ظهر)). فقوله هنا: ((يلقي الله الخ)) جواب لسؤال مقدّر، كما بينته رواية أحمد المذكورة، فكأن سائلا سأل، فقال: ما بال هؤلا يمشون، ولا يركبون؟، فأجاب بقوله: ((يلقي الله الخ)). (فَلَا يَبْقَى) أي لا يوجد ظهر لاستئصال الآفة له (حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ) زاد في ((الكبرى)) ((العظيمة))، وفي رواية أحمد ((الحديقة المعجبة)). و((الحديقة)) بفتح المهملة: البستان، يكون عليه حائط، فَعيلة، بمعنى مفعولة؛ لأن الحائط أحدق بها، أي أحاط، ثم توسّعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان، وإن كان بغير حائط، والجمع حدائق. قاله في ((المصباح)) (يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ) أي عوضًا، وبدلاً عن الناقة التي يركب عليها بالقَتَب، وهو بفتحتين، جمعه أقتاب، مثل سبب وأسباب، وهو للجمل كالإكاف لغيره. أفاده في ((المصباح)). وفي ((اللسان)): القِتْب - أي بالكسر - والقَتَبَ -أي بفتحتين -: إكاف البعير، وقد يؤنّث، والتذكير أعمّ، ولذلك أنثوا التصغير، فقالوا: قُتيبة انتهى. (لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا) أي لا يستطيع، ولا يتمكّن من شراء ذات القتب. يعني أنه يريد أن يشتري بالحديقة العظيمة، أو الحسنة ناقةً يركبها، فلا يجد من يبيعها له، لعدمها بسبب الآفة التي استئألت الجمل. وهذا صريح في أن المراد بالحشر المذكور في هذا الحديث ليس حشر القيامة، وإنما في الدنيا، قبل الآخرة، كما تقدم تقريره. لكن الذي يظهر من صنيع المصنّف رحمه الله تعالى، أنه حمل هذا الحديث، وحديث أبي هريرة الذي قبله على حشر الآخرة، فلذا أورده تحت ترجمة باب ((البعث))، اللَّهم إلا إذا أراد بالبعث مطلق الحشر الذي يشمل الآتي قبل القيامة، وبعدها، فيكون حديث ابن عباس، وعائشة *** لما بعد قيام الساعة، وحديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رََّا لما قبله، فليُتَأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي ذرّ رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيحٌ. فإن قلت: فيه الوليد بن عبدالله بن جميع، وقد تكلم فيه ابن حبان، والعقيليّ، والحاكم. قلت: نعم تكلم فيه هؤلاء، لكن لا يلتفت إلى كلامهم، لأمور: الأول: تناقض العجليّ، وابن حبان، فإنهما وثقاه مرّة، وضعفاه مرّة. الثاني: أنه قد قوّاه من هو أعلم منهم، وأرسخ في الجرح والتعديل، فقد قال أحمد، ٠ ١٨٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ وأبو داود: ليس به بأس. ووثقه ابن معين. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، فيقدم تقوية هؤلاء على جرحهم. الثالث: أنه يشهد له حديث أبي هريرة ◌َّه المذكور قبله. والحاصل أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١١٩ - ذِكْرُ أَوَّلِ مَنْ يُكْسَی ٢٠٨٧ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِالْمَوْعِظَةِ، فَقَالَ: ((يَا أَيََّا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَّحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، عُرَاةً)) - قَالَ أَبُو دَاوُدَ -: ((حُفَاةً، غُرْلاً)) - وَقَالَ وَكِيعٌ، وَوَهْبٌ- ((عُرَاةً، غُزْلاً، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ»، قَالَ: ((أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِبْرَاهِيمُ،َلَِّ، وَإِنْهُ سَيُؤْتَى)) - قَالَ أَبُو دَاوُدَ -: ((يُجَاءُ)) - وَقَالَ وَهْبٌ، وَوَكِيعٌ -: ((سَيُؤْتَى بِرِ جَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشَّمَالِ، فَأَقُولُ: رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَذْرِي، مَا أَخْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ، كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّ دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الْآيَةَ [المائدة: ١١٧ -١١٨]، فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ، لَمْ يَزَالُوا مُذْبِرِينَ)) - قَالَ أَبُو دَاوُد -: ((مُرْتَدِينَ عَلَى أَعْقَابِمْ، مُنْذُ نَارَقْتَهُمْ)) . رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٧/٣٣ . [تنبيه] : وقع في النسخ النسخ المطبوعة: ((محمد)) بدل محمود، وهو غلط، والصواب ما في الهندية: ((محمود))، فتنبه. والله تعالى أعلم. ٢- (وكيع) بن الجرّاح، الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ٢٥/٢٥. ٣- (وهب بن جرير) بن حازم بن زيد، أبو عبدالله الأزديّ البصريّ، ثقة [٩] ١٩٦/ ١١٧٨ . ٤- (أبو داود) الطيالسيّ سليمان بن داود بن الجارود البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣ . ١١٩ - ذكر أوګ من یکسی - حديث رقم ٢٠٨٧ ١٨٧ ٥- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٦/٢٤. ٦- (المغيرة بن النعمان) النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٦] تقدم في الباب الماضي. ٧- (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٣٦/٢٨. ٨- (ابن عباس) عبدالله الحبر البحر وَطيتنا٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ بَير) وفي الرواية السابقة: ((سمعت رسول اللَّه ◌َل﴿ يخطب على المنبر)) (بِالْمَوْعِظَةِ) اسم من وَعَظَهِ يَعِظه وَعْظًا وعِظَة: إذا أمره بالطاعة، ووضّاه بها، وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِفُكُم بِوَحِدَةٍ ﴾ الآية [سبأ: ٤٦]. أي أوصيكم، وآمركم، فاتّعَظَ: أي ائتمر، وكفّ نفسه. أفاده الفيوميّ. (فَقَالَ: ((يَا أَنَّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجلَّ، عُرَاةً) أي غیر لابسين ثيابًا تستر عوراتكم (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حُفَاةً، غُزْلاً) بضم المعجمة، وسكون الراء، جمع أغرل، وهو الأقلف، وزنًا ومعنى، وهو من بقيت غُرلته، وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر . [فائدة]: قال أبو هلال العسكريّ: لا تلتقي اللام مع الراء في كلمة إلا في أربع: ((أرل)): اسم جبل، و((ورل)): اسم حيوان معروف. و((حرل)): ضرب من الحجارة. و((الْغُرْلَة)). واستُدرِك عليه كلمتان: ((هرل)): ولد الزوجة. و((برل)): الدِّيكُ الذي يستدير بعنقه . قال ابن عبد البرّ: يحشر الآدميّ عاريا ولكلّ من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قُطع منه شيء يردّ حتى الأقلف. وقال أبو الوفاء بن عَقِيل: حشفة الأقلف موقاة بالْقُلْفَة، فتكون أرقّ، فلما أزالو تلك القطعة في الدنيا أعادها اللَّه تعالى ليذيقها من حلاوة فضله انتهى . (١) (١)- ((فتح)) ج١٣ ص١٩٦. ((كتاب الرقاق)). ١٨٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِز (وَقَالَ وَكِيعٌ، وَوَهْبٌ: ((عُرَاةً، غُزْلاً) يعني أنه اختلف شيوخ محمود بن غيلان، فقال أبو داود الطيالسيّ: ((حفاة، غُرلا)) بتقديم ((حفاة)) على ((عراة))، وقال وكيع بن الجرّاح، ووهب ابن خالد: ((عراة حفاة)) بالعكس، وهذا من باب الإخبار بما وقع من صيغ الأداء، والاحتياط في المحافظة على ألفاظ الشيوخ، وإلا فلا اختلاف هنا من حيث المعنى في التقديم والتأخير. والله تعالى أعلم. قال البيهقيّ رحمه اللّه تعالى: وقع في حديث أبي سعيد -يعني الذي أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان أنه لما حضره الموت دعا بثياب جُدُد، فلبسها، وقال: سمعت النبيّ وَّ يقول: ((إن الميت يُبعث في ثيابه التي يموت فيها)). ويجمع بينهما بأن بعضهم يُحشر عاريًا، وبعضهم كاسيًا، أو يحشرون كلهم عراة، ثم يكسى الأنبياء، فأول من يُكسَى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عُراة، ثم يكون أول من يكسى إبراهيم ◌َ لَاءِ. وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم الذين أمر أن يُزَمَّلُوا في ثيابهم، ويدفنوا فيها، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد، فحمله على العموم. وممن حمله على عمومه معاذ بن جبل رضي ، فأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن، عن عمرو بن الأسود، قال: دفنًا أم معاذ بن جبل، فأمر بها، فكفنت في ثياب جدد، وقال: «أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم یحشرون فيها)). قال: وحمله بعض أهل العلم على العمل، وإطلاق الثياب على العمل وقع في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَثِيَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثّر: ٤] على أحد الأقوال، وهو قول قتادة، قال: معناه وعملك فأخلصه. ويؤكّد ذلك حديث جابر ◌َّه رفعه: ((يبعث كلّ عبد على ما مات عليه))، أخرجه مسلم، وحديث فَضَالة بن عُبيد: ((من مات على مرتبة من هذه المراتب، بُعِث عليها يوم القيامة ... )) الحديث، أخرجه أحمد. ورجّح القرطبيّ الحمل على ظاهر الخبر، ويتأيّد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كُمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية [الأنعام: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾ الآية [الأعراف: ٢٩]، وإلى ذلك الإشارة في حديث الباب بذكر قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَنَآ أَوَّلَ خَلْقِ تُعِيدُهُ﴾ الاية [الأنبياء: ١٠٤] عقب قوله: ((حفاة، عراة)). قال: فيحمل ما دلّ عليه حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم يدفنون بثيابهم، فيبعثون فيها تمييزًا لهم عن غيرهم. ١٨٩ = ١١٩- ذكرُ اول من یکسی - حديث رقم ٢٠٨٧ وقد نقله ابن عبد البرّ عن أكثر العلماء، ومن حيث النظر، فإن الملابس في الدنيا أموال، ولا مال في الآخرة، مما كان في الدنيا، ولأن الذي يقي النفس مما تكره في الآخرة ثواب بحسن عملها، أو رحمة مبتدأة من اللّه، وأما ملابس الدنيا، فلا تغني عنها شيئًا. قاله الخليميّ. وذهب الغزاليّ إلى ظاهر حديث أبي سعيد، وأورده بزيادة -قال الحافظ -: لم أجد لها أصلاً، وهي: فإن أمتي تحشر في أكفانها، وسائر الأمم عراة. قال القرطبيّ: إن ثبت حمل على الشهداء من أمته حتى لا تتناقض الأخبار انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأولى في الجمع قول من قال: إنهم يخرجون من قبورهم بثيابهم التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عراة، ثم يكون إبراهيم ◌َلََّلُ أول من يُكسَى، ثم يُكسون بعد ذلك، وهذا أقرب في الجمع بين هذه الأخبار. والله تعالى أعلم. (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ») ووقع في حديث أم سلمة تعطّها عند ابن أبي الدنيا: ((يحشر الناس حفاة، عراة، كما بُدِئوا)). (قَالَ: ((أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى) وفي الرواية السابقة: ((وأول الخلائق يكسى)) (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِبْرَاهِيمُ عَلَّلام) قال القرطبيّ في ((شرح مسلم)): يجوز أن يراد بالخلائق مَن عدا نبينا ◌َّ، فلم يدخل في عموم خطابه نفسه. وتعقّبه تلميذه القرطبيّ أيضًا في ((التذكرة))، فقال: هذا حسنٌ لولا ما جاء من حديث عليّ رَُّه يعني الذي أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) من طريق عبدالله بن الحارث، عن عليّ رَّه، قال: ((أول من يكسى يوم القيامة خليل الله عَالَّله قبطيتين، ثم يكسى محمد وَخُ ور حلة حبرة عن يمين العرش)). قال الحافظ: كذا أورده مختصرًا موقوفا، وأخرجه أبو يعلى مطوّلاً مرفوعًا، وأخرج البيهقيّ من طريق ابن عباس نحو حديث الباب، وزاد: ((أول من يكسى من الجنة إبراهيم، يكسى حلة من الجنة، ويؤتى بكرسيّ، فيطرح عن يمين العرش، ثم يؤتى بي، فأكسى حلة من الجنة، لا يقوم لها البشر، ثم يؤتى بكرسيّ، فيطرح على ساق العرش، وهو عن يمين العرش)). وفي مرسل عبيد بن عمير، عند جعفر الفريابيّ: ((يحشر الناس حفاة عراة، فيقول اللَّه تعالى: ألا أرى خليلي عريانا؟ فيكسى إبراهيم ثوبا أبيض، فهو أول من يكسى)). وقد أخرج ابن منده من حديث حَيْدَة -بفتح المهملة، وسكون التحتانيّة- رفعه، قال: ((أول من يكسى إبراهيم، يقول الله: اكسوا خليلي؛ ليعلم الناس اليوم فضله عليهم)). (١)- ((فتح)) ج ١٣ ص١٩٥ ((كتاب الرقائق)) - ((باب الحشر)). رقم ٦٥٢٦. ١٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ قيل: الحكمة في كون إبراهيم أول من يكسى أنه جرّد حين ألقي في النار. وقيل: لأنه أول من سنّ التستر بالسراويل. وقيل: إنه لم يكن في الأرض أخوف للَّه منه، فعجلت له الكسوة أمانًا له؛ ليطمئنّ قلبه. وهذا اختيار الحليميّ، والأول اختيار القرطبيّ . ولا يلزم من تخصيص إبراهيم ◌ّالَّله بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبينا محمد وَج مطلقًا، لأن المفضول قد يمتاز بشيء، يُخصّ به، ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة . قال الحافظ: يحتمل أن يكون نبينا وَّليل خرج من قبره في ثيابه التي مات فيها، والحلّة التي يكساها حينئذ، من حلل الجنة خلعة الكرامة بقرينة إجلاسه على الكرسيّ عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم في الكسوة بالنسبة لبقية الخلق. انتهى. وأجاب الحليميّ بأنه يكسى أولا، ثم يكسى نبينا وَّ ر على ظاهر الخبر، لكن حلة نبينا وَ لّ أعلى، وأكمل، فتجبر نفاستها ما فات من الأولية، والله أعلم انتهى(١). [تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد ثبت لإبراهيم ◌َالتََّلُ أوّليّات أخرى كثيرة: منها أنه أول من ضاف الضيف، وقصّ الشارب، واختتن، ورأى الشيب، وغير ذلك، وقد أتيت على ذلك بأدلته في كتابي ((إقامة الدلائل على معرفة الأوائل)) انتهى(٢). (وَإِنَةُ سَيُؤْتَى) بالبناء للمفعول (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ((يُجَاءُ)) - وَقَالَ وَهْبٌ، وَوَكِيعٌ -: (سَيُؤْتَى بِرِ جَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي إلى جهة النار، ووقع ذلك في حديث أبي هريرة ◌َظّه عند البخاريّ من طريق عطاء بن يسار، عنه، ولفظه: ((فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمّ، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار ... )) الحديث. وبيّن في حديث أنس رَّه الموضع، ولفظه: ليردنّ عليّ ناس، من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختُلِجوا دوني ... )) الحديث. وفي حديث سهل: ((ليردَنّ عليّ أقوام أعرفهم، ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم)). وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: (ليُذادَنْ رجال عن حوضي، كما يُذاد البعير الضّالّ، أناديهم: ألا هلمّ)». (فَأَقُولُ: رَبِّ أَضْحَابِي) وفي رواية أحمد: ((فلأقولنّ)) وفي رواية للبخاريّ: ((أصيحابي)) بالتصغير، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هؤلاء (فَيُقَالُ) وفي رواية (١)- ((فتح)) ج ١٣ ص١٩٦-١٩٧. ((كتاب الرقائق)). (٢) - ((فتح)) ج٧ ص٣٨ ((كتاب الأنبياء)) - ((باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾)) رقم الحدیث ٣٣٤٩ ١٩١ ١١٩- ذکرُ اوی من یکسی - حدیث رقم ٢٠٨٧ البخاريّ: ((فيقول اللَّه (إِنَّكَ لَا تَذْرِي، مَا أَحدَثُوا بَعْدَكَ) وفي حديث أبي هريرة عند البخاريّ الذي تقدم الإشارة إليه: ((إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى))، وزاد في رواية سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أيضًا: «فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك، فأقول: سُحقاً سحقًا)). أي بُعْدًا بعدًا، والتأكيد للمبالغة. وفي حديث أبي سعيد عند البخاريّ أيضًا: ((فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا لمن غيّر بعدي)). وزاد في رواية عطاء بن يسار: ((فلا أراه يَخلُص منهم 7 إلا مثل هَمَل النعَم (١). ولأحمد، والطبرانيّ، من حديث أبي بكر ◌َظَنّه، رفعه: (ليردن عليّ الحوض رجال ممن صحبني، ورآني)). وسنده حسن. وللطبرانيّ من حديث أبي الدرداء تَّيه نحوه، وزاد: ((فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن لا يجعلني منهم، قال: لست منهم)). وسنده حسن. (فَأَقُولُ، كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ) يعني عيسى ابن مريم عليهما السلام ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِن تَغْفِّرْ لَهُمْ﴾ الْآيَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ، لَمْ يَزَالُوا مُذْبِرِينَ)) قَالَ أَبُو دَاوُد: ((مُرْتَدِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ)) ) قال في ((الفتح)): قال الفربريّ: ذُكِر عن أبي عبدالله البخاريّ، عن قبيصة، قال: هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر، فقاتلهم أبو بكر. يعني حتى قُتلوا، وماتوا على الكفر. وقد وصله الإسماعيليّ من وجه آخر عن قبيصة. وقال الخطابيّ رحمه اللَّه تعالى: لم يرتدّ من الصحابة أحد، وإنما ارتدّ قوم من جُفَاة الأعراب، ممن لا نُصْرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحا في الصحابة المشهورين، ويدلّ قوله: ((أصيحابي)) بالتصغير على قلة عددهم. وقال غيره: قيل: هو على ظاهره من الكفر، والمراد بأمتي أمة الدعوة، لا أمة الإجابة، ورُجّح بقوله في حديث أبي هريرة رَاتي: ((فأقول: بُعدًا لهم، وسحقًا))، ويؤيده كونهم خفي عليه حالهم، ولو كانوا من أمة الإجابة لعرف حالهم بكون أعمالهم تُعرض عليه. قال الحافظ: وهذا يردّه قوله في حديث أنس رَّه: ((حتى إذا عرفتهم))، وكذا في حديث أبي هريرة رَّه . وقال ابن التين: يحتمل أن يكونوا منافقين، أو مرتكبي الكبائر. وقيل: هم قوم من جفاة الأعراب، دخلوا في الإسلام، رغبة، ورهبة. وقال الداوديّ: لا يمتنع دخول أصحاب الكبائر، والبدع في ذلك. وقال النوويّ: قيل: هم المنافقون، والمرتدّون، فيجوز أن يحشروا بالغرّة والتحجيل؛ لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم من أجل السيما التي عليهم، (١)- الهمل بفتحتين جمع هاملة، هي الإبل التي ترعى بغير راع، ويجمع على هُمَّل، كراكع ورُْع. أفاده في ((المصباح)). ١٩٢ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ فيقال: إنهم بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه. قال عياض وغيره: وعلى هذا فيذهب عنهم الغرّة والتحجيل، ويطفأ نورهم. وقيل: لا يلزم أن تكون عليهم السيما، بل يناديهم؛ لما كان يعرف من إسلامهم. وقيل: هم أصحاب الكبائر، والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يقطع بدخول هؤلاء النار؛ لجواز أن يُذادوا عن الحوض أوّلا؛ عقوبة لهم، ثم يرحموا، ولا يمتنع أن يكون لهم غرّة، وتحجيل، فعرفهم بالسيما، سواء كانوا في زمنه أو بعده. ورجّح عياض، والباجيّ، وغيرهما ما قال قبيصة، راوي الخبر أنهم من ارتدّ بعد بَّر، ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما؛ لأنها كرامة، يظهر بها عمل المسلم، والمرتدّ قد حبط عمله، فقد يكون عرفهم بأعيانهم، لا بصفاتهم، باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم، ولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضًا من كان في زمنه من المنافقين. وقد ثبت في حديث الشفاعة في (الصحيح)): ((وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها))، فدلّ على أنهم يُحشرون مع المؤمنين، فيعرف أعيانهم، ولو لم تكن لهم تلك السيما، فمن عرف صورته ناداه، مستصحبا لحاله التي فارقه عليها في الدنيا. وأما دخول أصحاب البدع في ذلك، فاستُبعد؛ لتعبيره في الخبر بقوله: ((أصحابي))، وأصحاب البدع إنما حدثوا بعده. وأجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعمّ. واستُبعد أيضًا أنه لا يقال للمسلم، ولو كان مبتدعًا: ((سُحقًّا)). وأجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه قُضي عليه بالتعذيب على معصية، ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله: ((سحقًا)) تسليما لأمر الله، مع بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر. وقال البيضاويّ: ليس قوله: ((مرتدّين)) نصًا في كونهم ارتدوا عن الإسلام، بل يحتمل ذلك، ويحتمل أن يراد أنهم عصاة المؤمنين المرتدّون عن الاستقامة، يبدّلون الأعمال الصالحة بالسيئة انتهى. وقد أخرج أبو يعلى بسند حسن، عن أبي سعيد رَظمفيه: ((سمعت رسول اللَّه ◌َله - فذكر حديثًا، فقال -: ((يا أيها الناس إني فرطکم على الحوض، فإذا جئتم قال رجل: يا رسول اللَّه أنا فلان ابن فلان، وقال آخر: أنا فلان ابن فلان ابن فلان، فأقول: أما النسب، فقد عرفته، ولعلكم أحدثتم بعدي، وارتددتم)). ولأحمد، والبزّار نحوه من حديث جابر رَّه. ذكره في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما تقدّم من تفسير قبيصة رحمه اللّه تعالى (١)-((فتح)" ج١٣ ص١٩٧ -١٩٨. ((كتاب الرقاق)) - ((باب الحشر)) رقم ٦٥٢٦. ١٩٣ == ١١٩- ذكر أوی من یکسی - حدیث رقم ٢٠٨٧ أولى بحمل الحديث عليه؛ لكونه راوي الخبر، کما رجحه عیاض، والباجيّ رحمهما الله تعالى، لكن لا يبعد أن يدخل فيهم كل من كان على شاكلتهم في كلّ عصر، ومصر، من أصحاب الانحرافات التي تخالف هديه وَله . اللَّهم ارزقنا التمسّك بسنّة نبيك وَ له،، اللَّهمّ أحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياء وأمواتًا، برحمتك يا أرحم الراحمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٨٧/١١٩ و٢٠٨١/١١٨ و٢٠٨٢ - وفي («الكبرى» ٢٢١٤/١١٩ و٢٢٠٨/١١٨ و٢٢٠٩ . وأخرجه (خ)٣٣٤٩ و٣٤٤٧ و٤٦٢٥ و٤٦٢٦ و٤٧٤٠ و ٨٥٢٤ و٦٥٢٥ و٦٥٢٦ (م)٢٨٦٠ (ت)٢٤٢٣ و٣١٦٧ (أحمد)١٩١٦ و١٩٥١ و٢٠٢٨ و٢٠٩٧ و٢٢٨١ (الدارمي)٢٠٨٨ و١٨٧٠. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان أول من يُكسى يوم القيامة، وهو خليل اللَّه تعالى إبراهيم ◌ِالكَثَلُ. ومنها: إثبات الحشر في القيامة. ومنها: بيان شدّة الأمر في ذلك اليوم، حيث إن الخلائق يحشرون عُرَاة، حُفّاة، غُزْلاً . ومنها: بيان عظمة قدرة الله تعالى، حيث إنه يعيد الخلق كما بدأه على الصفة التي بدأهم عليها في الدنيا. ومنها: إثبات معجزة للنبي وَ ل حيث إنه أعلمه اللّه تعالى بما سيقع من بعض أصحابه، من الإدبار على أعقابهم، وقد تقدم أنهم قليلون، وأن غالبهم من جفاة الأعراب، ولم يُعرف ذلك لأفاضل الصحابة . ومنها: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في الابتداع في الدين، وإن كان شيئا يسيرًا، لأنه يضرّ بدينه، لأن الدين قد أكمله الله تعالى، فجميع أنواع المحدثات تنافيه، فالإحداث في الدين مهما كان نوعه من أخطر مهالك الإنسان، فيجب الحذر منه. ومنها: أن الذي ينفع الإنسان هو لزوم سنة النبي ◌َّلل وهديه، فمن لم يتبعه وَ ليل لا تنفعه صحبته، ولا معرفته، بل إذا عرف انحرافه عن سنته تبرّأ منه، وقال له: ((سُخْقًا سُحقًا))، ولا يَرِد حوضه، بل يُذاد عنه، ويطرد، ﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن ◌َّدُنْكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، ((اللَّهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة)). توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، إنك أنت أرحم الراحمين. والله تعالى نـ ١٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٢٠ - فِي التَّعْزِيَةِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه اللّه تعالى بهذا الباب بيان مشروعية التعزية على المصيبة. و((التعزية)): مصدر عزّى يُعزّي: إذا قال: أحسن اللَّه عزَاءَك، أي رزقك الصبر الحسن. والعَزَاء، مثل سلام، اسم من ذلك، مثل سلّم سلامًا، وكلّم كلامًا، وتعزّى هو : تصبّر، وشعاره أن يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾. أفاده الفيّوميّ. واللّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٨٨ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةً، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ وَ، إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ، مِنْ أَصْحَابِهِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ، لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ، يَأْتِيهِ، مِنْ خَلْفٍ ظَهْرِهِ، فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَلَكَ، فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ، أَنْ يَخْضُرَ الْحَلْقَةَ، لِذِكْرِ ابْنِهِ، فَحَزِنَ عَلَيْهِ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَقَالَ: ((مَالِيٍ، لَا أَرَى فُلَانَا؟))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بُنَيُّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ وَِّ، فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا فُلَانُ، أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ، أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمُرَكَ، أَوْ لَا تَأْتِي غَدًا إِلَى بَابٍ، مِنْ أَبْوَابٍ الْجَنَّةِ، إِلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ، يَفْتَحُهُ لَكَ؟))، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بَلْ يَسْبِقُّنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُهَا لِي، لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، قَالَ: ((فَذَاكَ لَكَ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (هارون بن زيد بن أبي الزَّرْقَاء) التّغْلبيّ، أبو محمد الموصليّ، نزيل الرَّمْلَة، صدوق [١٠] ٨٥١/٥٠ . ٢- (أبوه) زيد بن أبي الزرقاء يزيدَ الموصليّ، نزيل الرملة، أبو محمد، ثقة [٩] ٨٥١/٥٠ . ٣- (خالد بن ميسرة) الطَّفَاويّ، أبو حاتم البصريّ العطّار، صالح الحديث [٧]. روى عن معاوية بن قرّة، وعطاء الخراسانيّ. وعنه زيد بن أبي الزرقاء، وأبو عامر ١٩٥ = ١٢٠- فِي التّعْزِیة - حديث رقم ٢٠٨٨ العقديّ، ومعن بن عيسى القزّاز، ومعاذ بن هانىء، وغيرهم. قال ابن عديّ: هو عندي صدوق، فإني لم أر له حديثًا منكرًا. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٤- (معاوية بن قُرّة) بن إياس، أبو إياس البصريّ، ثقة عالم [٣] ١٨٧٠/٢٢. ٥- (أبوه) قرّة بن إياس بن هلال بن رياب المزنيّ، صحابيّ نزل البصرة وظا ٢٢/ ١٨٧٠ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير هارون وأبيه فموصِلِيَّانِ، ثم رَمْلِيّان. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن قرة بن إياس المزنيّ رَّيه أنه (قال: كَانَ نَبِيُّ اللّهِ وَِّ، إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ) بفتحتين: جماعة من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفر فيما زاد على العشرة (مِنْ أَصْحَابِهِ) متعلّق بصفة لـ((نفر)) (وَفِيهِمْ رَجُلٌ) لم أر من سمّاه (لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ، يَأْتِيهِ، مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ) أي يأتي ذلك الصغير أباه من ورائه (فَيُقْعِدُهُ) بضم حرف المضارعة، من الإقعاد (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي يجلسه الرجل أمامه (فَهَلَكَ) أي مات ذلك الصغير (فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ، أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ) أي ترك والد ذلك الصغير الميت حضور حلقة النبيّ وَلِّ (لِذِكْرِ ابْنِهِ) يحتمل أن يكون المعنى أنه ترك الحضور لأجل اشتغال قلبه بابنه، وشدة حزنه عليه. ويحتمل أنه ترك الحضور؛ لخوفه أن يتجدّد حزنه إذا حضر تلك الحلقة، حيث يتذكر مكان ابنه الميت. والله تعالى أعلم (فَحَزِنَ عَلَيْهِ) عطف على ((امتنع))، من عطف السبب على المسبب (فَفَقَدَهُ النَِّيُّ ◌َِِّ، فَقَالَ: ((مَالِي، لَا أَرَى فُلَانًا؟))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بُنَيُّهُ) بضم الموحّدة، وفتح النونِ تصغير ابن، أي ابنُهُ الصغيرو وهو مرفوع على الابتداء، وخبره جملة «هلك)) (الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ) أي مات، يعنون أن سبب غيبته عن مجلسه وَلَّ موت ولده (فَلَقِيَّهُ النَّبِيُّ وَلَ، فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ) أي دعا له: بأن يحسن اللَّه عَزَاءه، أي يرزقه الصبر على مصيبته. وهذا محلّ الترجمة، لأنه يدلّ على استحباب التعزية عند المصيبة (ثُمَّ قَالَ: ((يَا فُلَانُ، أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ) ((أيّ)) استفهامية مبتدأ، مضاف إلى ((ما)) الموصولة، وجملة ((كان)) صلتها. ويحتمل أن تكون ((كان)) زائدة، و((أحبّ)) بالرفع صلة ((ما)) حذف منه صدر الصلة، وتقديره: هو أحب إليك (أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ) بحذف إحدى التاءين، وأصله تتمتّع ١٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ والمصدر المؤول بدل من ((أيّ)) (عُمُرَكَ) أي مدة حياتك بأن يطول عمره معك (أَوْ لَا تَأْتِيَ) بتقدير ((أن)) المصدرية بدلالة ما قبلها عليها (غَدًا إِلَى بَابٍ، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، إِلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ) أي إلى الباب (يَفْتَحُهُ لَكَ؟) في محل نصب على الحال، أي حال كونه فاتًَّا لك (قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بَلْ يَسْبِقُنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُهَا) أي الجنّة (لي، لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ) اللام لام الابتداء (قَالَ) وَ (فَذَاكَ لَكَ) أي كونه يسبقك إلى باب الجنة، فيفتحه لك ثابت لك. وفي رواية أحمد: ((فقال رجل يا رسول الله! له خاصّة، أم لكلنا؟ قال: ((بل لكلكم)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث قرة بن إياس المزني رضي اللَّه تعالى عنه هذاصحيح . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: وهو من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا - ٢٠٨٨/١٢٠ و٢٢/ ١٨٧٠- وفي («الكبرى» ١٩٩٧/٢٢. وأخرجه (أحمد) ١٥١٦٨ و١٩٨٥٢ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة التعزية في المصيبة. ومنها: فضل موت الولد الصغير، وأنه يكون سببا في دخول والديه الجنّة. ومنها: استحباب إحضار الأولاد الصغار مجالس العلم والذكر. ومنها: ما كان عليه النبي وَلار من مكارم الأخلاق، وحسن المعاشرة، حيث كان يتفقّد أصحابه، إذا غابوا عن مجلسه، فكان كما وصفه اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ومنها: أنه ينبغي للعاقل أن يختار نعيم الآخرة على نعيم الدنيا، فيصبر على فقد أحب الأشياء، من الأولاد، وغيرهم؛ احتسابا، وإيثارًا للأجر العظيم المرتّب عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في حكم التعزية: قال الموفّق ابن قدامة رحمه الله تعالى عند قول الخرقيّ: ويستحبّ تعزية أهل الميت: ما خلاصته: لا نعلم في هذه المسألة خلافا، إلا أن الثوريّ قال: لا تستحبّ التعزية بعد الدفن؛ لأنه خاتمة أمره. قال: ويستحبّ تعزية جميع أهل المصيبة، كبارهم، وصغارهم، ويخصّ خيارَهم، والمنظورَ إليه من بينهم؛ ليستنّ به غيره، وذا الضعف منهم عن تحمل ١٩٧ ١٢٠- فِي التعزیة - حديث رقم ٢٠٨٨ = المصيبة؛ لحاجته إليها، ولا يعزّي الرجلُ الأجنبيُّ شواب النساء؛ مخافة الفتنة. قال: ولا نعلم في التعزية شيئا محدودًا، إلا أنه يُروَى أن النبيّ وَّل عزّى رجلا، فقال: ((رحمك الله، وآجرك)). رواه الإمام أحمد (١). وعزّى أحمد أبا طالب، فوقف على باب المسجد، فقال: أعظم الله أجركم، وأحسن عزاءكم. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى(٢). وذكر النووي قريبا مما ذكره ابن قدامة، وقال: وأما وقت التعزية، فقال أصحابنا : هو من حين الموت إلى حين الدفن، وبعد الدفن إلى ثلاثة أيام. قال الشيخ أبو محمد الجوينيّ: وهذه المدة للتقريب، لا للتحديد. قال أصحابنا: وتكره التعزية بعد الثلاثة؛ لأن المقصود منها تسكين قلب المصاب، والغالب سكونه بعد الثلاثة، فلا يجدّد له الحزن، هذا هو الصحيح المعروف، وجزم السرخسي في ((الأمالي)) بأنه يعزّى قبل الدفن، وبعده في رجوعه إلى منزله، ولا يعزى بعد وصوله منزله. وحكى إمام الحرمين وجها أن لا أمد للتعزية، بل يبقى بعد ثلاثة أيام، وإن طال الزمان؛ لأن الغرض الدعاء، والحمل على الصبر، والنهي عن الجزع، وذلك يحصل مع طول الزمان، وبهذا الوجه قطع أبو العباس بن القاصّ في ((التلخيص))، وأنكره عليه القفال في ((شرحه))، وغيره من الأصحاب، والمذهب أنه يعزّى، ولا يعزى بعد ثلاثة، وبه قطع الجمهور، قال المتولي وغيره: إلا إذا كان أحدهما غائبًا، فلم يحضر الدفن إلا بعد الثلاثة، فإنه يعزيه. انتهى المقصود من كلام النووي رحمه الله تعالى(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله إمام الحرمين رحمه الله تعالى هو الصواب، لأنه لم يثبت دليل في التحديد بوقت معين. والحاصل أن التعزية مستحبّة، لحديث الباب، ولكن لم يثبت في فضل من عزّى ثواب معين؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك لا تصح. فمنها: ما أخرجه ابن ماجه عن عبدالله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ وَلَّ، قال: ((ما من مؤمن يُعزّي أخاه بمصيبة، إلا كساه الله عز وجل من حُلَل الكرامة يوم القيامة)). وفي إسناده قيس أبو عمارة الفارسيّ، قال البخاريّ: فيه نظر. وذكره العقيلي في ((الضعفاء))، وأورد له حديثين، أحدهما هذا، (١)-لم يروه أحمد في ((المسند))، وإنما أخرجه البيهقي مرسلا في باب ما يقول في التعزية من الترحم على الميت، والدعاء له، ولمن خلف. ((السنن الكبرى)) ج٤ ص ٦٠ . (٢)- ((المغني)) ج٣ ص ٤٨٥- ٤٨٦ . (٣)- ((المجموع» ج٥ ص ٢٧٧ -٢٧٨ . ١٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز وقال: لا يُتابع عليهما. ومنها: ما أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه عن عبدالله بن مسعود وَ لّر عن النبي ◌َّه قال: ((من عزّى مصابًا، فله مثل أجره)). وفيه انقطاع، وإنما وصله علي بن عاصم، وأنكروا عليه ذلك، وله شواهد، كلها أشدّ ضعفا منه(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: أحسن ما يُعزّى به المصاب ما أخرجه الشيخان، وغيرهما عن أسامة بن زيد تص فيهتا، قال: أرسَلَت إحدى بنات النبي ◌َّه إليه تدعوه، وتخبره أن صبيّا لها، أو ابنا في الموت، فقال للرسول: ((ارجع، فأخبرها أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلّ شيء عنده بأجل مسمّى، فمرها، فلتصبر، ولتحتسب)). فينبغي لمن أراد التعزية أن يعزي به اقتداء بالنبيّ وَّر. وأما ما يُذكر في كتب الفقهاء من صِيَغ التعزية المختلفة، مثل قولهم: يستحب أن يدعو للمصاب وللميت، فيقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك. وإن عزّى مسلما بكافر قال: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاءك، وإن عزى كافرا بمسلم قال: أحسن اللَّه عزاءك، وغفر لميتك، وإن عزى كافرا بكافر قال: أخلف اللَّه عليك، ولا نقص عددك. فليس له دليل في المرفوع، بل هو من استحساناتهم، ولا سيما الأخير، فإنه، وإن عللوه بأن فيه تكثيرا للْجِزْيَة، فلا ينبغي أن يُدعَى به، لأن فيه دعاء ببقاء الكافر، ودوام كفره، کما قاله النوويّ رحمه الله تعالی. وكذا ما استحبه بعضهم من التعزية بما عزّى به الخضر (٢) عند موت النبيّ وَّل، وهو ما رواه الشافعي في ((مسنده)) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، قال: لما توفي رسول اللَّه وَله وجاءت التعزية، سمعوا قائلا يقول: ((إن في اللَّه عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، ودركًا من كل فائت، فباللّه، فثقوا، وإياه فارجوا، ، فإن المصاب من حرم الثواب)). فلا يثبت، لأن في سنده القاسم بن عبدالله بن عمر، وقد كذبه أحمد، ويحيى، (١)-راجع ((التلخيص الحبير)) ج٢ ص ٢٧٥- ٢٧٦. و((نيل الأوطار)) ج٤ ص١١٤- ١١٥ . (٢)- هذا مما لا يثبت؛ لأن الراجح أن الخضر ليس حيا في زمن النبي ◌َله، بل هو ميت، راجع ((الإصابة في تمييز الصحابة)) للحافظ ابن حجر، وله أيضًا رسالة أفردها له، سماها ((الزهر النضر في نبإ الخضر))، وهي مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية، ورجح فيها القول بموته، وذكر أدلته، وأدلة القائلين بحياته، وناقشها كلها، وأجاد في ذلك، وأفاد، فراجع ما كتبه تستفد. والله تعالى أعلم. ١٩٩ ١٢٠- في التعزية - حديث رقم ٢٠٨٨ وقال أحمد أيضا: كان يضع الحديث. وروه الحاكم في ((مستدركه)) عن أنس رَ له وزاد: فقال أبو بكر، وعمر: ((هذا الخضر))، وفي إسناده عباد بن عبدالصمد، وهو ضعيف جداً. [تنبيه] : قال الشافعيّ رحمه اللّه تعالى في ((الأمّ)): وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء؛ فإن ذلك مما يجدّد الحزن، ويكلّف المؤنة انتهى. وقال صاحب ((المهذّب)): ويكره الجلوس للتعزية؛ لأن ذلك محدث، والمحدث بدعة انتهى. قال النوويّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: معنى الجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت، فيقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي لهم أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزّاهم، ولا فرق بين الرجال، والنساء في كراهة الجلوس لها. انتهى بتصرف(١) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: إن أراد صاحب ((المهذب)) بقوله: ((محدث)) أن الجلوس على الكيفية التي اعتادها الناس عند المصيبة، من اجتماعهم عند صاحب العزاء، وأكلهم الطعام، ونحو ذلك، وتكرار ذلك ثلاثة أيام، أو أكثر على حسب عادات الناس، وربما اشتمل اجتماعهم على منكرات، من اختلاط الرجال بالنساء، ونحو ذلك، مما يأباه الشرع الشريف، فهذاحقٌّ، لا شكّ فيه. وإن أراد أن مطلق الجلوس محدث، فغير صحيح؛ لأنه ثبت الجلوس عن النبي وَلخير، فقد أخرج الشيخان، وغيرهما عن عائشة وحديثتها، قالت: لما جاء النبي وَّ قتل ابن حارثة، وجعفر، وابن رواحة ، جلس يُعرف فيه الحزن .... )) الحديث. وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى لهذا الحديث بقوله: ((باب من جلس عند المصيبة، يعرف فيه الحزن)) انتهى. والحاصل أن الجلوس للمصيبة مشروع إذا كان بوقار وسكينة، وليس فيه شيء من المنكرات، بل حتى يخفّ عنه الحزن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١)-((المجموع)) ج٥ ص ٢٧٥ -٢٧٩. ٢٠٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ ١٢١ - نَوْعٌ آخَرُ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن غرض المصنف رحمه الله تعالى من هذا بيان أن حديث أبي هريرة تَّه المذكور هنا مما له تعلّق بأبواب الجنائز، فهو نوع من أنواعها، وليس المراد أنه نوع من الباب الذي قبله؛ إذ ليس فيه ذكر للتعزية أصلاً. والحاصل أنه يستفاد من الحديث المذكور حكم من الأحكام المتعلّقة بالجنائز، وهو استحباب طلب الدفن بالأرض المقدّسة، فصنيعه رحمه الله تعالى هذا قريب من صنيع الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى، في ((صحيحه))، حيث قال: ((باب من أحبّ الدّفنَ في الأرض المقدّسة، أو نحوها)). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٨٩- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرْ، عَنِ ابْنِ طَاؤُوسِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ، إِلَى مُوسَىظُلِِّرُ، فَلَمَّا جَاءهُ ضَّكَّهُ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ، لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَثْنٍ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا خَطَّتْ يَدُهُ، بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَهْ، قَالَ: الْمَوْتُ، قَالَ: فَالْآَنَ،َ فَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُذْنِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدِّسَةِ، رَمْيَةً بِحَجَرٍ)). قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، تَحتَ الْكَثِیبِ الأخمر». رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن رافع) القشيريّ النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] ١١٤/٩٢. ٢- (عبد الرزاق) بن همّام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ شهير، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] ٧٧/٦١. ٣- (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] ١٠/١٠. ٤- (ابن طاووس) عبدالله، أبو محمد اليمانيّ، ثقة فاضل عابد [٦] ٩٥٨/٤٩ . ٥- (طاووس) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم، الفارسيّ، أبو عبدالرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل [٣] ٣١/٢٧. ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.