النص المفهرس
صفحات 81-100
= = ١٠٩ - الْمَسْأَلَةُ فِي القَبْر - حديث رقم ٢٠٥٠ اسكت)). وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: ((كان هذا منزلك لو كفرت بربك)). ولابن ماجه من حديث أبي هريرة ◌َّه بإسناد صحيح: «فيقال له: هل رأيت اللَّه؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فتُفرَج له فرجة قِبَل النار، فينظر إليها، يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: انظر ما وقاك الله)). وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة: ((لا يدخل أحد الجنة إلا أُري مقعده من النار، لو أساء؛ ليزداد شكرًا))، وذكر عكسه (١) (قَالَ النَِّيُّ ◌َلِّ: (فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا))) أي يرى مقعده من النار، ومقعده من الجنة. [تنبيه] : ذكر في رواية البخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة: ما نصه: ((قال قتادة: وذكر لنا أنه يُفسح له في قبره))، قال في ((الفتح)): زاد مسلم من طريق شيبان، عن قتادة: ((سبعون ذراعًا، ويُملأ خضرًا إلى يوم يبعثون)). قال الحافظ: ولم أقف على هذه الزيادة موصولة من حديث قتادة. وفي حديث أبي سعيد، من وجه آخر عند أحمد: ((ويُفسح له في قبره)). وللترمذيّ، وابن حبان من حديث أبي هريرة: ((فيفسح له في قبره سبعين ذراعا))، زاد ابن حبان ((في سبعين ذراعًا)). وله من وجه آخر عن أبي هريرة ((ويرحب له في قبره سبعون ذراعا، وينوّر له كالقمر ليلة البدر)). وفي حديث البراء الطويل: ((فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا في الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها، وطيبها، ويفسح له فيها مدّ بصره)). زاد ابن حبان من وجه آخر، عن أبي هريرة «فيزداد غِبْطةً وسرورًا، فيعاد الجلد إلى ما بدأ منه، وتجعل روحه في نسم طائر يَغْلُقُ(٢) في شجر الجنّة)). وسيأتي للمصنف من حديث كعب بن مالك تَظّه عن رسول اللّه وَ الله قال: ((إنما نسمة المؤمن طائر في شجر الجنة، حتى يبعثه الله عز وجل إلى جسده يوم القيامة)). وفي ((صحيح مسلم)) من حديث ابن مسعود تَظّ: ((أرواح الشهداء في جوف طير خُضْر، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ... )) الحديث. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المسائل المتعلقة بهذا الحديث ستأتي إن شاء الله تعالى في الباب التالي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . (١)-راجع ((الفتح)) ج٣ ص ٦٠٦ - ٦٠٧ . (٢)- من باب قتل، أي تأكل، أومن باب تعب، أي تسرح. ٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ ١١٠- مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ ٢٠٥١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَذْثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ، قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانٍ، فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَّهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ، مُحَمَّدٍ وََّ؟، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقَّعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ، مَقْعَدًا خَيْرًا مِنْهُ)). قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((فَرَاهُمَا جمیعًا)). وَأَمَّا الْكَافِرُ، أَوِ الْمُنَافِقُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ، وَلَّا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً، بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً، يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ، غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث تقدم سندًا ومتنا قبل باب، وتقدم شرحه، غير ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الجزء الذي يتعلق بالكافر، فهذا موضع شرحه، فأقول: مستعينًا بالله تعالى: قوله (وَأَمَّا الْكَافِرُ، أَوِ الْمُنَافِقُ) هكذا في رواية المصنّف بالشك، وهي رواية للبخاريّ أيضًا، وفي رواية له: ((وأما الكافر، والمنافق)) بواو العطف. وفي رواية أبي داود المتقدمة قبل باب: ((وأن الكافر إذا وضع))، وكذا لابن حبان من حديث أبي هريرة رَّهِ ، وكذا في حديث البراء الطويل، وقد تقدم، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: ((وإن كان كافرًا، أو منافقًا)) بالشكّ، وله في حديث أسماء: (فإن کان فاجرًا، أو كافرًا))، وفي ((الصحيحين)) من حديثها: ((وأما المنافق، أو المرتاب))، وفي حديث جابر عند عبد الرزاق، وحديث أبي هريرة عند الترمذيّ: ((وأما المنافق))، وفي حديث عائشة عند أحمد، وأبي هريرة عند ابن ماجه: ((وأما الرجل السوء)). وللطبرانيّ من حديث أبي هريرة: ((وإن كان من أهل الشكّ)). قال الحافظ رحمه الله تعالى: فاختلفت هذه الروايات لفظًا، وهي مجتمعة على أن كُلَّا من الكافر والمنافق يُسأل، ففيه تعقّب على من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدّعي الإيمان، إن محقًّا، وإن مبطلاً، ومستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزاق من طريق عُبيد بن عُمير، أحد كبار التابعين، قال: ((إنما يُفتن رجلان: مؤمن، ومنافق، وأما الكافر فلا يُسأل عن محمد رَّ، ولا يعرفه)). وهذا موقوف، والأحاديث الناصّة على أن ٨٣ ١١٠ - مسألةُ الکافِرِ - حديث رقم ٢٠٥١ الكافر يُسأل مرفوعةٌ، مع كثرة طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول. وجزم الترمذيّ الحكيم بأن الكافر يُسأل، واختلف في الطفل، غير المميّز، فجزم القرطبيّ في ((التذكرة)) بأنه يُسأل، وهو منقول عن الحنفيّة، وجزم غير واحد من الشافعيّة بأنه لا يسأل، ومن ثمّ قالوا: لا يُستحبّ أن يُلقّن. واختلف أيضًا في النبيّ، هل يسأل، وأما الملك، فلا أعرف أحدًا ذكره، والذي يظهر أنه لا يسأل؛ لأن السؤال يختصّ بمن شأنه أن يُفتن. وقد مال ابن عبد البرّ إلى الأول، وقال: الآثار تدلّ على أن الفتنة لمن كان منسوبًا إلى أهل القبلة، وأما الكافر الجاحد، فلا يسأل عن دينه. وتعقّبه ابن القيّم في ((كتاب الروح))، وقال: في الكتاب والسنّة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُ اللّهُ الظَّالِمِينَ﴾ الآية [سورة إبراهيمالسَّلامُ: ٢٧]، وفي حديث أنس تَّه في البخاريّ: ((وأما المنافق والكافر» بواو العطف. وفي حديث أبي سعيد: «فإن كان مؤمنا -فذكره، وفيه -: فيأتيه منكر ونكير ... )) الحديث، أخرجه أحمد هكذا، قال: وأما قول أبي عمر: فأما الكافر الجاحد، فليس ممن يُسأل عن دينه. فجوابه أنه نفي بلا دليل، بل في الكتاب العزيز الدلالة على أن الكافر يسأل عن دينه، قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وقال تعالى: ﴿فوربّك لنسألنهم أجمعين﴾ . قال الحافظ: لكن للنافي أن يقول: إن هذا السؤال يكون يوم القيامة انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تخصیص هذا السؤال بيوم القيامة مما لا دلیل علیه، بل السؤال يكون في القبر، وفي القيامة، فالصواب ما قاله ابن القيّم رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم. (فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) وفي رواية أبي داود المتقدّمة: وإن الكافر إذا وُضع في قبره أتاه ملك، فينتهره، فيقول له: ما كنت تعبد؟))، وفي أكثر الأحاديث: ((فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟)). وفي حديث البراء المتقدّم: ((فيقولان له: مَن ربّك؟، فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري))، وهو أتمّ الأحاديث سياقًا. (كُنْتُ أَقُولُ: كَمَا يَقُولُ النَّاسُ) وفي رواية للبخاريّ: «كنت أقول: ما يقول الناس»، وفي حديث أسماء عنه: ((سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته))، وكذا في أكثر الأحاديث. ٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ وأراد بذلك أنه كان مقلّدًا في دينه، فلم يكن منفردًا عنهم بمذهب، فلا اعتراض عليه حقًّا، كان ما عليه، أو باطلاً. وفيه ذمّ التقليد في الاعتقاد، بل يجب أن يعتقد عالما جازمًا . (فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ) أي لا حققت بنفسك أمر الدين (وَلَا تَلَيْتَ) أي ولاتبعت مَن حقّق الأمر على وجهه. قيل: أصله: تلوت بالواو، بمعنى قرأت، إلا أنه قُلبت الواو للازدواج. وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولا تليت)) كذا في أكثر الروايات بمثناة مفتوحة، بعدها لام مفتوحة، وتحتانيّة ساكنة. قال ثعلب: قوله: ((تليت)) أصله تلوت، أي لا فهمت، ولا قرأت القرآن، والمعنى لا دريت، ولا اتبعت من يدري، وإنما قاله بالياء المؤاخاة (دريت)). وقال ابن السّكّيت: قوله: ((تليت)) إتباع، ولا معنى لها. وقيل: صوابه: ولا انتليت، بزيادة همزتين، قبل المثناة بوزن افتعلت، من قولهم: ما ألوت، أي ما استطعت، حُكِيَ ذلك عن الأصمعيّ، وبه جزم الخطّابيّ. وقال الفرّاء: أي قصرت، كأنه قيل له: لا دريت، ولا قصرت في طلب الدراية، ثم أنت لا تدري. وقال الأزهريّ: الأَلْوُ يكون بمعنى الجهد، وبمعنى التقصير، وبمعنى الاستطاعة. وحكى ابن قتيبة، عن يونس بن حبيب أن صواب الرواية ((لا دريت، ولا أتليت)) بزيادة ألف، وتسكين المثناة، كأنه يدعو عليه بأن لا يكون له من يتبعه، وهو من الإتلاء، يقال: ما أتلت إبلُهُ، أي لم تلد أولادًا يتبعونها. وقال: قول الأصمعيّ أشبه بالمعنى، أي لا دريت، ولا استطعت أن تدري. ووقع عند أحمد، من حديث أبي سعيد: ((لا دريت، ولا اهتديت)). وفي مرسل عبيد بن عمير، عند عبد الرزاق: ((لا دريت، ولا أفلحت)). (ثُمَّ يُضْرَبُ) بالبناء للمفعول. زاد في رواية البخاريّ: ((بمطارق من حديد)). وفي حديث البراء ((لو ضرب بها جبل لصار ترابا)). وحديث أسماء: ((ويسلّط عليه دابّة في قبره، معها سوط، ثمرته جمرة، مثل غرب البعير، تضربه ما شاء اللَّه، صمّاء، لا تسمع صوته، فترحمه)). وزاد في أحاديث أبي سعيد، وأبي هريرة، وعائشة التي أشرنا إليها: ((ثم يُفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت، فإن اللَّه أبدلك هذا، ويفتح له باب إلى النار)). زاد في حديث أبي هريرة: ((فيزداد حسرة، وثبورا، ويضيّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه)). وفي حديث البراء: ((فينادي مناد من السماء: أفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرّها، وسَمُومها)). (ضَرْبَةً، بَيْنَ أُذُنَيْهِ) أي على وجهه (فَيَصِيحُ صَيْحَةً، يَسْمَعُهَا مَنْ بَلِيهِ، غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ))) ٨٥= ١١٠ - مَسْأَلَةُ الكَافِرِ - حديث رقم ٢٠٥١ أي الإنس، والجنّ، قيل لهم: ذلك، كالثقل على وجه الأرض. وفي حديث البراء: (يسمعه من بين المشرق والمغرب)). وفي حديث أبي سعيد، عند أحمد: ((يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين، وهذا يُدخل الحيوان والجماد، لكن يمكن أن يُخصّ منه الجماد، ويؤيده أن في حديث أبي هريرة عند البزار: ((يسمعه كلّ دابة إلا الثقلين)). قال المهلّب: الحكمة في أن اللَّه يُسمع الجنّ قول الميت قدّموني، ولا يُسمعهم صوته إذا عذّب، أن كلامه قبل الدفن متعلّق بأحكام الدنيا، وصوته إذا عذّب في القبر متعلّق بأحكام الآخرة، وقد أخفى اللَّه على المكلفين أحوال الآخرة، إلا من شاء الله، إبقاءً عليهم، كما تقدم انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رَّ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٠٥١/١١٠ - ٢٠٤٩/١٠٨ و٢٠٥٠/١٠٩ وفي ((الكبرى ))١٠٨/ ٢١٧٦ و٢١٧٧/١٩ و٢١٧٨/١١٠. وأخرجه (خ)١٣٣٨ و١٣٧٤ (م)٢٨٧١ (د)٣٢٣١ و٤٧٥١ (أحمد) ١١٨٦ و١٣٠٣٤. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو إثبات سؤال الكافر في القبر، وهذا القول هو الراجح، كما تقدم قريبًا. ومنها: إثبات سؤال المؤمن في القبر، وهذا مما لا خلاف فيه. ومنها: إثبات سماع الميت قرع نعال من يدفنه، إذا انصرفوا من دفنه. ومنها: أن الذي يَسأل في القبر ملكان، اسم أحدهما منكر، واسم الآخر نكير. ومنها: أن سؤال القبر يكون عن التوحيد، ففيه بيان عظم شأن التوحيد. ومنها: أن من يُسأل في قبره ينقسم إلى قسمين: مؤمن مخلص موفّق للإجابة، فيبشر برحمة الله، وجنته، وغير مؤمن، فيَضِلّ عن الجواب، فيبشر بعذاب الله، وسوء عاقبته، نسأل الله تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة، إنه بعباده لرؤوف رحيم. ومنها: أن فيه ذمّ التقليد في أمور الدين، ولا سيما باب العقائد؛ لمعاقبة من قال: ((كنت أسمع الناس، يقولون شيئًا، فقلته))، فالواجب على المكلّف الاتباع، لا التقليد. وليُعلَم الفرق بين الاتباع والتقليد، فإن الأول الاقتداء عن جزم، ويقين، وهو الذي أمر الله تعالى به من لا يعلم، فقال: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونٌ﴾ [النحل: ٤٣]، ومن علامته أن المتبع إذا بُيِّنَ له أن العالم الذي أفتاه قد أخطأ في هذه ٨٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِز المسألة، يتركه، ويسأل من هو أعلم منه، وما هو الصواب فيها، فيتبعه، ولا يعاند. وأما التقليد فهو الأخذ بقول الغير، من غير معرفة دليله، بل هو مجرّد اتباع للرأي المحض، سواء أصاب، أو أخطأ، ومن علامته أنه يعتقد أن خطأه أفضل من صواب غيره، بدليل أنه إذا ذُكر له أن مقلّده مخطئ مخالف للنصوص في هذه المسألة لا يتراجع عنه، بل يتمادى، ويعارض النصوص بدعوى أن مُقلَّدَه أعلم من غيره بالنصوص، وهذه هي الطامّة الكبرى التي حلّت بالمسلمين بعد القرون المفضّلة، ومن العجب العُجاب أن ترى هذه الصفة فيمن ينتسب إلى العلم، بل ربما يدّعي معرفة الأحاديث، فإنا لله، وإنا إليه راجعون . ومنها: أن الميت يحيا في قبره للمسألة؛ خلافًا لمن ردّه، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيِّنِ﴾ الآية [غافر: ١١]، قال: فلو كان يحيا في قبره للزم أن يحيا ثلاث مرّات، ويموت ثلاثًا، وهذا خلاف النصّ. والجواب عنه أن المراد بالحياة في القبر للمسألة، ليست الحياة المستقرّة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن، وتدبيره، وتصرّفه، وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرّد إعادة لفائدة الامتحان، الذي وردت به الأحاديث الصحيحة، فهي إعادة عارضة، كما حيي خلق لكثير من الأنبياء؛ لمسألتهم لهم عن أشياء، ثم عادوا موتى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: قال في ((الفتح)): ما حاصله: هل تختصّ مسألة القبر بهذه الأمة، أم وقعت على الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث الأَوّلُ، وبه جزم الحكيم الترمذيّ، وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمة، تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا، فذاك، وإن أبوا اعتزلوهم، وعوجلوا بالعذاب، فلما أرسل اللَّه محمدًا وَل - رحمة للعالمين أُمسك عنهم العذاب، وقُبل الإسلام ممن أظهره، سواء أسرّ الكفر، أولا، فلما ماتوا قيّض اللَّه لهم، فَتَّاني القبر؛ ليستخرج سرّهم بالسؤال، وليميّز اللَّه الخبيث من الطيب، ويُثَبِّت اللَّه الذين آمنوا، ويُضلّ اللَّه الظالمين انتهى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويؤيّده حديث زيد بن ثابت، مرفوعًا: ((إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها ... )) الحديث. أخرجه مسلم. ومثله عند أحمد، عن أبي سعيد، في أثناء حديث. ويؤيّده أيضًا قول الملكين: ((ما تقول في هذا الرجل محمدٍ)). وحديث عائشة عند أحمد أيضًا، بلفظ: ((وأما فتنة القبر فبي تُفتتنون، وعنّ تسألون)). وجنح ابن القيّم إلى الثاني، وقال: وليس في الأحاديث ما ينفي المسألة عمن تقدّم من الأمم، وإنما أخبر النبيّ وَّر أمته بكيفية امتحانهم في القبور، لا أنه نفى ذلك عن ١١١ - مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُ - حدیث رقم ٢٠٥٢ غيرهم، قال: والذي يظهر أن كلّ نبيّ مع أمته كذلك، فتعذّب كفارهم في قبورهم، بعد سؤالهم، وإقامة الحجة عليهم، كما يُعذّبون في الآخرة بعد السؤال، وإقامة الحجة (١) انتھی(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأوّل أرجح، لظواهر الأحاديث، وأَمَّا إثباته للأمم السابقة، فيحتاج إلى دليل خاصّ، وأما ثبوت العذاب لهم في القبر، وما بعده، فهذا مما لا ينكر، للنصوص الدالة عليه، كقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، لكن لا يلزم منه أن يكون هناك سؤال على الكيفية التي ثبتت لهذه الأمة، كما تقدم بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١١١- مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أراد به بيان فضل من مات بمرض بطنه، كالإسهال، ونحوه. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٥٢- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَسَارِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا، وَسُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ، وخَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ، فَذَكَرُوا أَنَّ رَجُلاً، تُوُفِّيَ مَاتَ بِبَطْنِهِ، فَإِذَا هُمَا يَشْتَهِيَانٍ، أَنْ يَكُونَا شَهِدَا جَنَازَتَهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ يَقْتُلُهُ بَطَّنُهُ، فَلَنْ يُعَذَّبَ فِي قَبْرِهِ)؟، فَقَالَ الْآخَرُ: بَلَى. رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (جامع بن شدّاد) أبو صخرة المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٥] ١٤٥/١٠٨. ٢- (عبدالله بن يسار) الجهنيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣]. روى عن حذيفة، وعليّ، وسليمان بن صُرَد، وخالد بن عُرْفُطَة، وغيرهم. وعنه ابنه عمار، والأعمش، ومنصور، وجامع بن شدّاد، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وذكره (١) - ((فتح)) ج٣ ص ٦٠٩ - ٦١٠ . شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ ابن حبّان في ((الثقات)). روى له أبو داود، والمصنف، وله عنده حديثان فقط، هذا، و٣٧٧٣ حديث: ((فأمرهم النبيّ ◌َ ﴿ إذا أرادوا أن يحلفوا .. )) الحديث. ٣- (سليمان بن صُرَد) -بضم المهملة، وفتح الراء- ابن الجون الخزاعيّ، أبو مطرّف الكوفيّ، صحابيّ قُتل بعين الوردة سنة (٦٥)٢٥٠/١٥٨. ٤- (خالد بن عُزْقُطة) بن أبرهة، ويقال: أبرة بن سنان القُضاعيّ الْعُذْريّ، صحابيّ، روى عن النبيّ ◌َل، وعن عمر. وعنه أبو عثمان النهديّ، وأبو إسحاق السبيعيّ، وعبدالله بن يسار الجهنيّ، وغيرهم. قال الطبرانيّ: كان خليفة سعد بن أبي وقاص على الكوفة. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٦١). قال الحافظ رحمه الله تعالى: وذكر الدولايّ أن المختار بن أبي عبيد قتله بعد موت يزيد بن معاوية، فیکون ذلك بعد سنة (٦٤). والله أعلم. روى له الترمذيّ، والمصنف حديث الباب فقط. و((محمد بن عبد الأعلى)): هو الصنعانيّ البصريّ. و((خالد)): هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ، و((شعبة)): هو ابن الحجاج الإمام المشهور، وكلهم تقدموا قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، ومن بعده كوفيون. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبدالله بن يسار الجهني رحمه اللَّه تعالى أنه (قال: كُنْتُ جَالِسًا، وَسُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ) بالرفع عطفا على الضمير؛ لوجود فاصل، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى في «خلاصته)) : وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَصِلْ عَطَفْتَ فَاقْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٌ مَا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْمِ نَاشِيًا وَضُغْفَهُ اعْتَقِذْ ويحتمل أن ينصب على أنه مفعول معه، كما قال ابن مالك أيضًا: يُنْصَبُ تَالِي الْوَاوِ مَفْعُولاً مَعَهْ فِي نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهُ بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ ذَا النَّصْبُ لَا بِالْوَاوِ فِي الْقَوْلِ الأَحَقُّ = ٨٩ ١١١ - مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ - حديث رقم ٢٠٥٢ ويؤيد هذا الوجه ما في ((الكبرى)) بلفظ: ((مع سليمان بن صرد الخ)). (وخَالِدُ بْنُ عُرْقُطَةَ) بضمّ العين المهملة، وسكون الراء، وضم الفاء، وإعرابه كسابقه (فَذَكَرُوا) أي ذكر القوم الحاضرون في المجلس (أَنَّ رَجُلاً، تُؤُنِّيَ مَاتَ) بدل من ((تُوفّ)) (بَطْنِهِ) أي بسبب مرض بطنه (فَإِذَا هُمَا يَشْتَهِيَانٍ) ((إذا)) فجائيّة، أي ففاجأ اشتهاؤهما (أَنْ يَكُونَا شَهِدَا جَنَازَتَهُ) بصيغة الماضي المسند لضمير الاثنين، ونصب ((جنازته)) على المفعولية، هكذا في النسخة ((الهندية))، و((الكبرى))، ووقع في النسخ المطبوعة: ((شُهداء جنازته))، بصيغة جمع شهيد، وإضافته إلى ((جنازته))، والأول أوضح، وللثاني وجه أيضًا، وهو أن تقدّر ((من))، أي من شهداء جنازته (فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((مَنْ يَقْتُلْهُ) ((من)) شرطيّة، فلذا جزم فعل شرطها، ودخلت الفاء في جوابها، ويحتمل أن تكون موصولة، والفعل مرفوع، ودخلت الفاء في خبرها لشبهها بالشرطية (بَطْنُهُ) قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: أي الذي يموت بمرض بطنه؛ (١). كالاستسقاء، ونحوه انتهى وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((التذكرة)): فيه قولان: أحدهما: أنه الذي يصيبه الذّرَب، وهو الإسهال، تقول العرب: أخذه البطن، إذا أصابه الداء، وذَرِب الجرحُ: إذا لم يقبل الدواء، وذربت معدته: فسدت. والثاني: أنه الاستسقاء، وهو أظهر القولين فيه؛ لأن العرب تنسب موته إلى بطنه، تقول: قتله بطنه، يعنون الداء الذي أصابه في جوفه، وصاحب الاستسقاء قلّ أن يموت إلا بالذّرب، فكأنه قد جمع الوصفين، وغيرهما من الأمراض، والوجود شاهد للميت بالبطن أن عقله لا يزال حاضرًا، وذهنه باقيًا إلى حين موته؛ ومثل ذلك صاحب السّلّ، إذ موت الآخر إنما يكون بالذرب، وليست حالة هؤلاء كحالة من يموت فجأة، أو يموت بالسام، والبرسام، والحمّيات المطبقة، أو القولنج، أو الحصاة، فتغيب عقولهم؛ لشدّة الآلام، ولزوم أدمِغَتهم، ولفساد أمزجتها، فإذا كان الحال هكذا، فالميت يموت، وذهنه حاضر، وهو عارف بالله انتهى(٢). (فَلَنْ يُعَذَّبَ) وفي نسخة: ((لم يُعذب))، وفي أخرى: ((فلم يعذّب))، وهذه الظاهر أنها غير صحيحة، لأن الجواب إذا كان منفيا بـ((لم)) لا يحتاج إلى الربط بالفاء، اللَّهم إلا أن يقدر فيه مبتدأ، والجملة خبره، أي فهو لم يُعذّب. والله أعلم (فِي قَبْرِهِ»؟) فیه فضل الموت بمرض البطن، حيث إنه يرفع عنه عذاب القبر. والظاهر أن المصنّف أراد بالعذاب فتنة القبر، حيث إنه أورد هذا الباب بعد سؤال القبر، ولم يورده بعد عذاب (١)- ((النهاية)) ج١ ص١٣٦. (٢)- ((التذكرة في أحوال الموتى، وأمور الآخرة)) ج ١٧٢ . ٩٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ القبر الآتي. لكن الذي يظهر أن العذاب أخصّ من فتنة القبر، لأنه لا يلزم من الفتنة التعذيب بالنار مثلا. والله تعالى أعلم. (فَقَّالَ الْآخَرُ: بَلَى) أي قال ◌َِّ ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث سليمان بن صُرَد، وخالد بن عُرْفُطَة تَعِفُهَا هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١١١/ ٢٠٥٢- وفي ((الكبرى))٢١٧٩/١١١. وأخرجه (ت) ١٠٦٤ (أحمد) ١٧٨٤٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١١٢ - الشَّهِيدُ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((ال)) فيه للجنس، والظاهر أن غرض المصنف رحمه الله تعالى منه أن الشهيد مطلقًا لا يفتن في قبره، أما شهيد المعركة فظاهر، وأما بقية الشهداء فليس في الحديث ما يدلّ على أنهم لا يفتنون في قبورهم، وقياسهم على شهيد المعركة قياس مع الفارق، لأن النصّ بَيْنَ سبب رفع الفتنة عنه، بأن بارقة السيوف أغنت عن افتتانه في قبره، فليس بقيةُ الشهداء بهذا المعنى، إلا أن المبطون تقدم في الباب الماضي أنه لا يعذّب في قبره، والتعذيب أخصّ من الفتنة. والحاصل أن عدم فتنة غير شهيد المعركة يحتاج إلى دليل صريح، والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٥٣ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَضْحَابِ النَِّيْ نَّهِ، أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ، يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ، إِلَّا الشَّهِيدَ؟، قَالَ: ((كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ، عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً». ٩١ ١١٢ - الشّهيدُ - حديث رقم ٢٠٥٣ رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخثعميّ، أبو إسحاق المصّيصيّ، ثقة [١٠] ٦٤/٥١. ٢- (حجاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ثقة ثبت [٩] ٣٢/٢٨. ٣- (الليث بن سعد) الإمام المصريّ الحجة المشهور [٧] ٣٥/٣١ . ٤- (معاوية بن صالح) بن حُدَير الحمصيّ، صدوق له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢. ٥- (صفوان بن عمرو) بن هَرِمِ السَّكْسكِيُّ، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة [٥]. قال عبدالله بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين، عنه؟ فأثنى عليه خيرًا. وقال عمرو بن عليّ: ثَبْتٌ في الحديث. وقال عليّ بن المدينيّ: كان عند يحيى القطّان أرفع من عبدالرحمن بن يزيد. وقال العجليّ، ودُحيم، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قلت لدحيم: من الثبتُ بحمص؟ قال: صفوان، وسمّى جماعة. وقال أبو حاتم: سمعت دُحَيمًا يقول: صفوان أكبر من حَرِيز، وقدّمه. وقال ابن خراش: كان ابن المبارك وغيره يوثّقه. وقال أبو اليمان، عن صفوان: أدركت من خلافة عبد الملك، وخرجنا في بعث سنة (٩٤). وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال النسائيّ في ((التمييز)): له حديث منكر في عمّار بن ياسر. وقال يزيد بن عبد ربه: مات سنة (١٥٥) وقال سليمان بن سلمة: مات سنة (٢٥٨). روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وعلق له أثرًا في ((الصحيح))، وروى له الباقون، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٠٥٣ و٣١٤٢ و٤٨٧٤ . ٦- (راشد بن سعد) الْمَقْرَئيّ -بفتح الميم، وسكون القاف، وفتح الراء، بعدها همزة، ثم ياء النسب(١) ويقال: الْحُبْرَانيّ، الحمصيّ، ثقة كثير الإرسال [٣]. قال الأثرم، عن أحمد: لا بأس به. وقال الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو حاتم، والعجليّ، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: هو أحبّ إليّ من مكحول. وقال المفضّل الغلّابيّ: من أثبت أهل الشام. وقال أبو حاتم، والحربيّ: لم يسمع من ثوبان. وقال الخلال، عن أحمد: لا ينبغي أن يكون سمع منه. وقال أبو زرعة: راشد بن سعد، عن سعد بن أبي وقّاص مرسل. قال (١)- وفي ((اللبّ)): المقرائيّ بالضم، والسكون، و((فتح)) الراء، وهمزة، ثم ياء النسب، إلى مُقرا، قرية بدمشق. اهـ. ٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ الحافظ: وفي روايته عن أبي الدرداء نظر. وقال الدارقطنيّ: لا بأس به، إذا لم يحدّث عنه متروك. وقال ابن سعد: كان ثقة، مات سنة (١٠٨). وذكره ابن حبان في (الثقات))، وقال: مات سنة (١١٣) وكذا أرّخه أبو عبيد، وخليفة، والحربيّ، وابن قانع. وذكر الحاكم أن الدارقطنيّ ضعّفه. وكذا ضعّفه ابن حزم. وقد ذكر البخاريّ أنه شهد صفّين مع معاوية. روى له البخاريّ في «الأدب المفرد»، وله ذكر في ((الجهاد)) من («صحيحه»، وروى له الأربعة، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط. ٧- (رجل من أصحاب النبيّ وَّه) رَّ. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وراشد. (ومنها): أن فيه رواية تابعين عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّ) لم يسمّ، لكن جهالة الصحابي لا تضرّ، لأنهم كلهم عدولَ ﴾ (أَنَّ رَجُلًا) لم أر من سمّاه (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ، يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ) أي يمتحنون بسؤال الملكين لهم عن ربهم عز وجل، وعن نبيهم ◌َّلـ (إِلَّا الشَّهِيدَ؟) معنى هذا أن هذا الصحابيّ سمع النبيّ وَّل يقول: يفتن المؤمنون إلا الشهيد، فأراد أن يعلم سبب استثناء الشهيد عن المفتونين في قبورهم (قَالَ) مَِّ (كَفَی بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي بالسيوف البارقة، من البروق، وهو اللمعان (عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةٌ)) ) منصوب على التمييز، أي من حيث الفتنة. يعني أن ثباتهم عند السيوف البارقة فوق رؤوسهم، وبذلهم أرواحهم لله تعالى دليل على صدق إيمانهم، فلا حاجة إلى امتحانهم بالسؤال في قبورهم، إذ السؤال في القبر لاختبار صدق الإيمان، وكذبه، وهؤلاء ظهر صدقهم في الدنيا. والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ في ((التذكرة)) نقلاً عن الترمذيّ الحكيم رحمهما الله تعالى: معناه أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق كان إذا التقى الزحفان، وبرقت السيوف فرّوا؛ لأن من شأن المنافق الفرارَ، والرَّوَغَان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل، والتسليم لله تعالى نفسًا، وهَيَجَان حميّة اللَّه، والتعصّب له، لإعلاء كلمته، فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره، حيث برز للحرب والقتل؛ فلما ذا يُعاد عليه السؤال في القبر؟. انتهى(١). (١)- ((التذكرة في أحوال الموتى، وأمور الآخرة)) ص١٧١ - ١٧٢. ٩٣ ١١٢ - الشَّهِیدُ - حديث رقم ٢٠٥٣ = = قال القرطبيّ: وإذا كان الشهيد لا يُفتن، فالصدّيق أجلّ خَطَرًا، وأعظم أجرًا، فهو أحرى أن لا يُفتن؛ لأنه المقدّم ذكره في التنزيل على الشهداء، في قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية [النساء: ٦٩]، قال: وقد جاء في المرابط الذي هو أقلّ مرتبة من الشهداء أن لا يُفتن فکیف بمن هو أعلى رتبة منه ومن الشهید. انتهى. قال السيوطيّ: قد صرّح الحكيم الترمذيّ بأن الصدّيقين لا يُسألون، وعبارته: ثم قال تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اَللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وتأويله عندنا - والله أعلم - أن من مشيئته أن يرفع مرتبة أقوام من السؤال، وهم الصدّيقون، والشهداء. وما نقله القرطبيّ، عن الحكيم في توجيه حديث الشهيد يقتضي اختصاص ذلك بشهيد المعركة، لكن قضيّة أحاديث الرباط التعميم في كلّ شهيد، وقد جزم الحافظ ابن حجر في كتابه ((بذل الماعون في فضل الطاعون)) بأن الميت بالطعن لا يُسأل؛ لأنه نظير المقتول في المعركة، وبأن الصابر بالطاعون محتسبًا يَعلَم أنه لا يُصيبه إلا ما كتب الله له، إذا مات فيه بغير الطعن، لا يُفتن أيضًا؛ لأنه نظير المرابط. وقد قال الحكيم في توجيه حديث المرابط: إنه قد ربط نفسه، وسجنها، وصيّرها جيشًا في سبيل الله؛ لمحاربة أعدائه، فإذا مات على هذا، فقد ظهر صدق ما في ضميره، فوُقِي فتنة القبر انتهى ما ذكره السيوطيّ رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قياس غير الشهداء عليهم نظر لا يخفى؛ لأن هذا من الأمور الغيبية التي لا ينالها العقل، فلا يقبل فيها القياس، ولا يلزم من رفعة الدرجة أن لا يسألوا في قبورهم، فالأولى عدم الخوض في مثل هذا الباب إلا فيما جاءت فيه النصوص الصحيحة الصريحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث رجل من أصحاب النبي وَلّ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا - ١١٢/ ٢٠٥٣ - وفي ((الكبرى)) ٢١٨٠/١١٢. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في فوائده: (١)- ((زهر الربى)) ج٤ ص٩٩-١٠١. ٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ منها: بيان فضل الشهيد، حيث أكرمه الله تعالى برفع فتنة القبر عنه. ومنها: إثبات فتنة المؤمنين في قبورهم. ومنها: فضل الصبر عند لقاء الأعداء في المعركة، وعدم الفرار منهم. ومنها: بيان سبب ما أكرم اللَّه تعالى به الشهيد برفع فتنة القبر عنه، وهو بذله نفسه، وصبره تحت بارقة السيوف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٥٤- أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنِ النَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: الطَّاعُونُ، وَالْبَطْنُ، وَالْغَرَقُ(١)، وَالنُّفَسَاءُ، شَهَادَةً، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، مِرَارًا، وَرَفَعَهُ مَرَّةً إِلَى النَّبِيِّ وَّرَ . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عبيدالله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، تقدّم قريبًا. ٢- (يحيى) بن سعيد القطان البصريّ الثبت الحجة المشهور [٩] ٤/٤. ٣- (التيميّ) سليمان بن طَرْخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ١٠٧/٨٧. ٤ - (أبو عثمان) النَّهْديّ -بفتح، فسكون- عبدالرحمن بن ملّ -مثلث الميم، ومشدد اللام- مخضرم ثقة ثبت عابد، من كبار [٢] ١١ / ٦٤١ . ٥- (عامر بن مالك) البصريّ، مقبول [٣]. روى عن صفوان بن أمية، وعنه أبو عثمان النهديّ، ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن المدينيّ: لا أعرفه، ولا أعلم روى عنه غير أبي عثمان. انفرد به المصنّف، روی له حديث الباب فقط. ٦- (صفوان بن أميّة) بن خَلَف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح القرشيّ الجُمَحيّ، أبو وهب، وقيل: أبو أميّة. قتل أبوه يوم بدر كافرًا، وأسلم هو بعد الفتح، وكان من المؤلفة، وشَهِد الْيَزْموك، روى عن النبيّ وَلّ، وكان من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام، وقيل: إنه مات أيام قتل عثمان، وقال المدائنيّ: مات سنة (٤١) وقال خليفة: سنة (٤٢). علّق له البخاريّ، وروى له الباقون، وله عند المصنف ثلاثة أحاديث فقط: هذا، و٤١٧١ حديث: ((لا هجرة بعد فتح مكة ... ))، وحديث قصة سارق ردائه، كرره خمس مرّات في ((كتاب قطع السارق)). والله تعالى أعلم. (١) - وفي نسخة: ((والمبطون، والغريق)). ٩٥ ١١٢ - الشهید - حدیث رقم ٢٠٥٤ لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عامر بن مالك. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. (ومنه): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتب الخمسة المشار إليها في ترجمته إلا ثمانية أحاديث، راجع ((تحفة الأشراف)) جـ٤ ص ١٨٧ - ١٩١. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ) رَِّ، أنه (قَالَ: الطَّاعُونُ) هو - كما قال في ((المصباح- الموت من الوباء، وجمعه الطواعين، وطُعِن الإنسان بالبناء للمفعول: أصابه الطاعون، فهو مطعون. وقال ابن الأثير: الطاعون: المرض العامّ، والوباء الذي يفسد له الهواء، فتفسد الأمزجة، والأبدان انتهى (١) (وَالْبَطْنُ) تقدم شرحه في الباب الماضي (وَالْغَرَقُ) أي الموت بسبب الماء، هكذا في النسخة ((الهندية))، وهو الذي ذكره الحافظ المزّي رحمه اللّه تعالى، في ((تحفة الأشراف)) [ج٤ ص١٩١] وهو الذي في)) الكبرى))، ووقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)) بلفظ: ((والمبطون، والغريق))، وعليها فيكون الكلام على حذف مضاف، أي موت المبطون، والغريق، كما يقدر في قوله (وَالنُّفَسَاءُ) أي موت المرأة النفساء، وهي التي ماتت بسبب الولادة. وقوله (شَهَادَةٌ) خبر ((الطاعون))، وما عُطف عليه، على حذف مضاف، أي أسباب شهادة. (قَالَ) أي سليمان التيميّ (وَحَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ) أي النهديّ (مِرَارًا) أي تحديثا متكررًا (وَرَفَعَهُ مَرَّةً إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ) يعني أن أبا عثمان النهديّ رحمه الله تعالى حدّث بهذا الحديث، عن صفوان ابن أمية ◌َّه عدة مرّات موقوفًا عليه، وحدث به عنه مرةً، عن النبيّ وَّ مرفوعًا . ولا تعارض بين رفع مثل هذا الحديث، ووقفه؛ لأن الموقوف في مثله له حكم الرفع؛ إذ لا يقال من قبل الرأي. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث صفوان بن أميّة رَمّ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١١٢/ ٢٠٥٤ - وفي ((الكبرى)) ١١٢/ ٢١٨١. وأخرجه (أحمد) ١٤٨٧٧ و١٤٨٨٣ و٢٧٠٨٨ و٢٧٠٩٤ (الدارمي) ٢٤١٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١)- ((النهاية)) ج٣ ص ١٢٧ . ٩٦ شرح سنن النسائي - کِتابُ الْجَنَائِزِ ١١٣- ضَمَّةُ الْقَبْرِ، وَضَغْطَتُهُ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الضغطة)) بفتح الضاد المعجمة، وسكون الغين المعجمة، قال في ((المصباح)): ضَغَطَه، ضَغْطًا، من باب نفع: زَحَمَه إلى حائط، وعصَرَه، ومنه: ضغطة القبر؛ لأنه يَضِيق على الميت، والضُّغْطَة بالضمّ الشدّة انتهى. قيل: والمراد بضغطة القبر التقاء جانبيه على جسد الميت. وقال النسفيّ في ((بحر الكلام)): المؤمن المطيع لا يكون له عذاب القبر، ويكون له ضغطة القبر، فيجد هول ذلك، وخوفه؛ لما أنه تنعم بنعمة اللّه، ولم يشكر النعمة. ورَوى ابن أبي الدنيا عن محمد التيميّ قال: كان يقال(١): إن ضمة القبر إنما أصلها أنها أمهم، ومنها خُلقوا، فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما رُدّ إليها أولادها ضمّتهم ضمة الوالدة غاب عنها ولدها، ثم قَدِم عليها، فمَن كان للَّه مطيعًا ضمّته برأفة ورفق، ومن كان عاصيًا ضمّته بعنف سخطا منها عليه لربها انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٥٥- أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ الْعَنْقَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ، قَالَ: («هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَّهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا، مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةَ، ثُمَّ فُرْجَ عَنْهُ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإمام الحجة [١٠] ٢/٢. ٢- (عمرو بن محمد الْعَنْقَزيّ) أبو سعيد الكوفيّ، ثقة [٩] ١٧٨٢/٦٠. ٣- (ابن إدريس) هو: عبدالله الأوديّ الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] ١٠٢/٨٥. ٤- (عبيدالله) بن عمر العمريّ المدني، ثقة ثبت [٥] ١٥/١٥. ٥- (نافع) مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢ . ٦- (ابن عمر) عبدالله رَ ليت ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي اللَّه (١) هذا الذي نُقِلَ عن محمد التيمي يحتاج إلى دليل صحيح، وأين هو؟ والله تعالى أعلم. (٢)-راجع ((زهر الربى)) ج٤ ص ٢٠١ -١٠٣. ٩٧= ١١٣ - ضَمَّةُ القَبْرِ، وَضَغْطَتُهُ - حديث رقم ٢٠٥٥ تعالى عنهما، أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ) أنه (قَالَ: هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَزْشُ) زاد البيهقيّ في ((كتاب عذاب القبر)»: يعني سعد بن معاذ، وزاد في ((دلائل النبوّة)): قال الحسن: ((تحرك له العرش فَرَحًا بروحه)) (وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) أي فرحا بقدومه أيضًا (وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا، مِنَ الْمَلَائِكَةِ) أي لتشييع جنازته (لَقَدْ ضُمَّ) بالبناء للمفعول (ضَمَّةٌ، ثُمَّ قُرْجَ عَنْهُ))) وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث جابر رَّهِ، مرفوعًا: (لَهَذا العبدُ الصالح، الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، شُدِّدَ عليه، ففرج الله عنه)). وقال مرة: قال رسول اللّه وَليل، لسعد، يوم مات، وهو يدفن ... وأخرج أحمد، من حديث عائشة، عن النبيّ وَّر، قال: ((إن للقبر ضغطة، لو كان أحد ناجيًا منها، لنجا منها سعد بن معاذ)). ورجاله رجال الصحيح غير الراوي عن عائشة رَّهَا، فلم يسمّ. قال أبو القاسم السعديّ: لا ينجو من ضغطة القبر صالح، ولا طالح، غير أن الفرق بين المسلم والكافر فيها دوام الضغط للكافر، وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله إلى قبره، ثم يعود إلى الانفساح له. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيده ما تقدّم في حديث البراء ◌َّه الطويل عند إجابته لسؤال الملكين: «فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا في الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من روحها، وطيبها، ويفسح له فيها مدّ بصره)). والله تعالى أعلم. وقال الحكيم الترمذيّ: سبب هذا الضغط أنه ما من أحد إلا وقد ألمّ بذنبٍ ما، فتدركه هذه الضطغة جزاء لها، ثم تدركه الرحمة، وكذلك ضغطة سعد بن معاذ في التقصير من البول. قال السيوطيّ: يشير إلى ما أخرجه البيهقيّ، من طريق ابن إسحاق، حدثني أمية بن عبدالله، أنه سأل بعض أهل سعد، ما بلغكم من قول رسول اللَّه وَليل في هذا؟، فقالوا: ذُكر لنا أن رسول اللّه وَل سئل عن ذلك؟ فقال: ((كان يقصّر في بعض الطهور من البول)). وقال ابن سعد في ((طبقاته)): أخبرني شبابة بن سوّار، أخبرني أبو معشر، عن سعيد المقبريّ، قال: لما دفن رسول اللَّه وَله سعدًا قال: ((لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضُمّ ضمةً، اختلفت منها أضلاعه، من أثر البول)». وأخرج البيهقيّ عن الحسن: أن النبيّ وَّ قال حين دفن سعد بن معاذ: ((إنه ضُمّ في القبر ضمّةً حتى ٩٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ صار مثل الشعرة، فدعوت الله أن يرفعه عنه، وذلك بأنه كان لا يستبرئ من البول)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذه الأحاديث كلها مراسيل، إلا أنه ربما يكون لمجموعها قوة، فتصلح لبيان سبب ضغطة سعد ◌َظميه . والله تعالى أعلم. قال الحكيم الترمذيّ: وأما الأنبياء، فلا يُعلم أن لهم في القبور ضمّة، ولا سؤالاً؛ لعصمتهم انتهى(١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث ابن عمر رَّه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا - ١١٤/ ٢٠٥٧ - وفي ((الكبرى)) ١١٤ / ٢١٨٢. وأخرجه (أحمد) ١٤٠٩٦ . وفي الحديث إثبات ضمة القبر، وضغطته، وفيه بيان عظم مرتبة سعد بن معاذ تظنّه عند الله تعالى، حيث إنه تحرّك العرش لموته، وأن السماء فتحت لقدومه، وأنه شيعه سبعون ألفا، من الملائكة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١١٥- عَذَابُ الْقَبْرِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة، وبما أورده تحتها من الأحاديث الرد على من أنكر عذاب القبر. وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)) بقوله: ((باب ما جاء في عذاب القبر)). فقال في ((الفتح)): لم يتعرّض المصنف في الترجمة لكون عذاب القبر يقع على الروح فقط، أو عليها، وعلى الجسد، وفيه خلاف شهير عند المتكلّمين، وكأنه تركه لأن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرين، فلم يتقلّد الحكم في ذلك، واكتفى بإثبات وجوده، خلافًا لمن نفاه مطلقًا، من الخوارج، وبعض المعتزلة، كضِرَار بن عمرو، وبشر المريسيّ، ومن وافقهما، وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة، وجميع أهل (١)- المصدر السابق. ٩٩ ١١٥- عذاب القبر - حديث رقم ٢٠٥٧ السنّة، وغيرهم، وأكثروا من الاحتجاج له، وذهب بعض المعتزلة، كالجبّائيّ إلى أنه يقع على الكفّار دون المؤمنين، وبعض الأحاديث الآتية تردّ عليهم أيضًا انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٥٦- أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: ﴿يُثَبِّثُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاَلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوةِ اُلُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إسحاق بن منصور) الكوسَج المروزيّ ثقة ثبت [١١] ٨٨/٧٢ . ٢- (عبدالرحمن) بن مهديّ البصريّ الثبت الحجة [٩] ٤٩/٤٢. ٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة المشهور [٧] ٣٧/٣٣ . ٤ - (أبوه) سعيد بن مسروق بن حبيب الثوريّ الكوفيّ والد سفيان الراوي عنه، ثقة [٦] ١١٢١/١٥٣ . ٥- (خيثمة) بن عبدالرحمن بن أبي سَبْرة-بفتح المهملة، وسكون الموحّدة- واسم أبي سبرة يزيد بن مالك بن عبدالله بن ذؤيب، الجعفيّ الكوفيّ، ثقة، يرسل [٣]. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة، وكان رجلاً صالحًا، وكان سخيّا، ولم ينج من فتنة ابن الأشعث إلا هو، وإبراهيم النخعيّ. وقال مالك بن مِغْوَل، عن طلحة بن مصرّف: ما رأيت بالكوفة أحدًا أعجب إليّ منهما. قال البخاريّ: مات قبل أبي وائل. وقال غيره: مات بعد سنة (٨٠) وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وساق بسنده إلى نعيم بن أبي هند، قال: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط. ٦- (البراء) بن عازب رز انتها ١٠٥/٨٦. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث بهذا السند صورته صورة الموقوف، لكن سيأتي في الحديث التالي مرفوعًا، وسيأتي شرحه هناك، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٥٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةً بْنِ مَرْقَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ بِّهِ، قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: نَزَلَتْ فِي (١)-((فتح)) ج٣ ص ٦٠٠ (كتاب الجنائز)) رقم ١٣٦٩. ١٠٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِز عَذَابِ الْقَبْرِ، يُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِي دِينُ مُحَمَّدٍ بَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن بشار) بُندار البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٢٧/٢٤. ٢- (محمد) بن جعفر، غُندر البصريّ الحافظ الثقة [٩] ٢٢/٢١ . ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور تقدم قريبًا . ٤- (علقمة بن مَزْئَد) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٦] ٢٠٤٠/١٠٣. ٥- (سعد بن عُبيدة) السلميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقة [٣] ١٠٠٨/٧٧. ٦- (البراء بن عازب) رضي اللّه تعالى عنهما ١٠٥/٨٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شبعة، ومن بعده كوفيون. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْيَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) تََّ (عَنِ النَّبِيِّنَّ) أنه (قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ) تأكيد لـ((قال)) الأول، وقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ الآية مبتدأ محكيّ، خبره جملة قوله: (نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ) أي هذه الآية نزلت في إثبات عذاب القبر، أي في السؤال في القبر، ولما كان السؤال يكون سببا للعذاب في الجملة، ولو في حقّ بعضٍ، عبّر عنه باسم العذاب، فالمراد بالتثبيت في الآخرة هو تثبيت المؤمن في القبر عند سؤال الملكين إياه. ثم بيّن كيفية السؤال، وتثبيت المؤمن عنده بقوله (يُقَالُ لَهُ) أي للمؤمن المفهوم من قوله: ((الذين آمنوا)) (مَنْ رَبُّكَ؟، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِي دِينُ مُحَمَّدٍ وََّ) وفي نسخة: ((ونبيي محمد )). أي ويسأل عن دينه، كما بيّن في رواية آخرى، فيقول: ديني دين محمد رَّر. وفي رواية للبخاريّ: ((قال: إذا أُقعِد المؤمن في قبره، أُتي، ثم شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللَّه)) (فَذَلِكَ قَوْلُهُ) أي هذا الجواب هو معنى قوله تعالى (﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّانِتِ فىِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) يعني أنه يُوَنِقُه للإجابة المذكورة.