النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
٩٩- تَسْويةُ القُبُورِ إِذاَ رُفِعَتْ - حديث رقم ٢٠٣١
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الأمر بتسوية القبور إذا كانت
مرتفعة. ومنها: شدة اعتناء النبي ولو بإزالة المنكرات. ومنها: إزالة المنكر باليد، كما
قال النبيّ ◌َّر: ((من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم
يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). رواه مسلم. ومنها: عدم جواز رفع القبر عن
وجه الأرض. ومنها: وجوب محو صور ذوات الأرواح، أو تغييرها عن هيئتها، والله
تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالی: عند شرح حديث الباب: ما
نصّه: فيه أن السنة أن القبر لا يُرفع رفعًا كثيرًا، من غير فرق بين من كان فاضلاً، ومن
كان غير فاضل.
والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرّم، وقد صرّح بذلك
أصحاب أحمد، وجماعة من أصحاب الشافعيّ، ومالك، والقول بأنه غير محظور؛
لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير -كما قال الإمام يحيى، والمهديّ في ((الغيث))- لا
يصحّ؛ لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك، والسكوت لا يكون دليلاً، إذا كان في
الأمور الظنّة، وتحريم رفع القبور ظنّ.
ومِنْ رَفْع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوّليّا الْقُبَبُ، والْمَشَاهد المعمورة على
القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبيّ وَّير فاعل ذلك، وكم قد
سَرَى عن تشييد أبنية القبور، وتحسينها، من مفاسد يَبكِي لها الإسلام، منها اعتقاد
الجهلة لها كاعتقاد الكفّار للأصنام، وعظم ذلك، فظنّوا أنها قادرة على جلب النفع،
ودفع الضرّ، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا
منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدّوا إليها الرحال، وتمسّحوا بها، واستغاثوا. وبالجملة
إنهم لم يَدَعُوا شيئا، مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله، وإنا إليه
راجعون .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل زاد هؤلاء على ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم
كانوا يعبدون الأصنام ويدعونها في الرخاء، فإذا أصابتهم شدة أخلصوا التوحيد لله
تعالى، والتجأوا إليه، وتركوها، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَحِكِبُواْ فِ الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ أَلْذِينَ فَلَمَّا نَجَدْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وأما هؤلاء
فالرخاء والشدة عندهم سواء، فلا يزالون يقولون في جميع أحوالهم: يا سيدي فلان
أغثنا، أنقذنا مما نحن فيه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون.

٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
قال: ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع لا نجد مَن يغضب للَّه، ويَغَار، حميّة
للدين الحنيف، لا عالمًا، ولا متعلمًا، ولا أميرًا، ولا وزيرًا، ولا ملكًا.
وقد تواردت إلينا من الأخبار ما لا يُشكّ معه أن كثيرًا، من هؤلاء القبوريين(١)، أو
أکثرهم إذا توجهت علیه یمین من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك :
احلف بشيخك، ومعتقدك الوليّ الفلانيّ تلعثم، وتلكّأ، وأبى، واعترف بالحقّ. وهذا
من أبين الأدلّة الدالّة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو
ثالث ثلاثة .
فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أيّ رَزْءٍ للإسلام أشدّ من الكفر؟، وأيّ بلاء
لهذا الدين أضرّ عليه من عبادة غير اللَّه؟ وأيّ مصيبة يُصاب بها المسلمون تعدل هذه
المصيبة؟، وأيّ منكر يجب إنكاره، إن لم يكن إنكار الشرك البيّن واجبًا؟.
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيَّا وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادٍ
انتهى كلام العلامة الشوكانيّ رحمه اللّه تعالى، ولقد أحسن، وأجاد، وأفهم،
وأفاد، فجزاه الله تعالى على هذا التذكير العظيم وإنكار هذا المنكر الجسيم خير
الجزاء، إنه بعباده عليم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٠٠ - زِيَارَةُ الْقُبُورِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الزيارة)) -بكسر الزاي، وتخفيف الياء -: معناه القَصْدُ،
يقال: زاره، زِيارةً، وزَوْرًا -بالفتح -: قصده، فهو زائرٌ، وزَوْرٌ - بفتح، فسكون-، وقَوم
زَوْرٌ أيضًا، وزُوّارٌ، مثلُ سافرٍ، وسَفْرٍ، وسُفَّار، ونسوةٌ زَوْرٌ أيضًا، وزُوَّرٌ، وزائراتٌ،
(١)- هكذا اشتهر على الألسنة، والصواب القبريين، لأنه إذا نسب إلى الجمع يرد إلى واحده، كما قال
ابن مالك :
وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ

٢٣
١٠٠ - زيارةُ القُبُورِ - حديث رقم ٢٠٣٢
=
=
والْمَزَار - بفتح الميم - يكون مصدرًا، وموضعُ الزيارة، والزِّيَارةُ في الْعُرْفِ قَصْدُ المزور ؛
إكرامًا له، واستئناسًا به. أفاده في ((المصباح)) والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٠٣٢- أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبٍ بْنِ
دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: (نََّيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةٍ
الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَّيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ،
وَتَّيْتُكُمْ عَنِ النَِّيذِ، إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَأَشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلُّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا)).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (محمد بن آدم) بن سليمان الجهنيّ، صدوق [١٠] ١١٥/٩٣.
٢- (ابن فضيل) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبدالرحمن
الكوفيّ، صدوق عارف، رمي بالتشيّع [٩] ٧٩٩/١٨.
٣- (أبو سنان) الشيبانيّ الأكبر، ضِرَار - بكسر أوله، مخفّف الراء- ابن مُرّة،
الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] .
قال ابن المدينيّ، عن يحيى القطّان: كان ثقة. وقال أبو طالب، عن أحمد: كوفيّ
ثبت. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. وقال النسائيّ: كوفيّ ثقة. وقال العجليّ: ثقة
ثبت في الحديث، مبرّز، صاحب سنّة، وهو في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث.
وقال ابن يونس، عن أبي بكر بن عيّاش: حدثنا أبو سنان ضِرَار بن مُرّة، وكان من خيار
الناس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، حَفَر قبره قبل موته بخمس عشرة سنة، وكان
يأتيه، فيختم فيه القرآن. ونقل ابن خلفون، عن ابن نُمير، أنه وثقه. وقال يعقوب بن
سفيان: كان خيارًا ثقة. وفي موضع آخر: ثقة ثقة. وقال الدارقطنيّ: كوفيّ ثقة فاضل.
وقال ابن عبدالبرّ: أجمعوا على أنه ثقة ثبت. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات
سنة (١٣٢) وكذا أرّخه يعقوب بن سفيان، وخليفة، وابن قانع. روى له البخاريّ في
((الأدب المفرد)) وأبو داود في (المراسيل))، والباقون، سوى ابن ماجه، وله في هذا
الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وأعاده في ((الأشربة)) برقم (٥٦٥٤)،
و٢٢١٣ حديث: ((الصوم لي، وأنا أجزي به .. )) الحديث، و٥٤٤٤ حديث: (كان
يتعوّذ من أربع .. )) الحديث.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ: ((ابن سنان)) بدل ((أبي سنان))، وهو غلط فاحش،
فتنبّه. والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: ولهم أبو سنان الشيبانيّ الأصغر، وهو سعيد بن سِنَان الْبُرْجُيّ الكوفيّ،
نزيل الريّ، صدوق له أوهام، وهو أيضًا من الطبقة [٦] وتقدّم في ١٦٢٣/١١.

٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
٤- (مُحارب بن دِثَار) السّدوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقة إمام زاهد [٤] ١٦/ ٦٥٢.
٥- (عبدالله بن بريدة) بن الحصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ القاضي، ثقة [٣]
١٣٩٩/٢٠ .
٦- (أبوه) بريدة بن الحُصَيب أبو سهل الأسلميّ الصحابيّ المشهور رَّه ١٠/
١٣٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أن شيخه مصّيصيّ،
وبريدة وولده مروزيان، والباقون كوفيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ،
والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الحصيب رَّهِ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَله) ولفظ الرواية التالية: ((أنه كان في مجلس فيه رسول اللّه وَ ل فقال: ((إني كنت
نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي ... )) ( ((نَّيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ) قيل: سبب النهي عن
زيارة القبور في أول الأمر أنهم كانوا حديث عهد بالجاهليّة، وقريب عهد بعبادة
الأوثان، ودعاء الأصنام، فنهوا عن زيارة القبور، خشية أن يقولوا، أو يفعلوا عندها ما
كانوا يعتادونه في الجاهلية، وخوفا من أن يكون ذلك ذريعة لعبادة أهل القبور(١). والله
تعالى أعلم.
(فَزُورُوهَا) وفي الرواية التالية: ((فمن أراد أن يزورها، فليزرها، ولا تقولوا: هُجْرًا)).
بضم، فسكون: أي ما لا ينبغي من الكلام، ولفظ الرواية الآتية في ((الأضاحي))-٣٦/
٤٤٢٩- من طريق زُبيد بن الحارث، عن محارب: ((فزروها ولْتَزدكم زيارتها خيرًا))،
و٤٤٣٠/٣٦- من طريق الزبير بن عديّ، عن ابن بريدة: ((ومن أراد زيارة القبور، فإنها
تذكر الآخرة)). وللحاكم من حديث أنس وظوثي: ((وتُرِقّ القلبَ، وتُدمِع العين، فلا
تقولوا هُجْرًا))، وله من حديث ابن مسعود ◌َّه: (فإنها تزهد في الدنيا)). ولمسلم من
حديث أبي هريرة ◌َّ، مرفوعًا: ((زُرُوا القبور، فإنها تذكّر الموت)).
وفي قوله: ((ومن أراد زيارة القبور الخ)) بيان أن الأمر في زيارتها للاستحباب، لا
(١)- راجع ((المرعاة)) ج٥ ص٥١٠.

٢٥
=
١٠٠ - زيارةُ القُبُورِ - حديث رقم ٢٠٣٢
للوجوب، لأنه علّقه بالإرادة، ففيه الردّ على بعض من قال: إن زيارتها واجبة - كابن
حزم- مستدلا بلفظ الأمر، حيث إنه للوجوب. والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا من الأحاديث التي تَجَمَع بين الناسخ والمنسوخ،
وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها، وأجمعوا على أن زيارتها سنّة، وأما النساء
ففيهنّ خلاف لأصحابنا انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: سيأتي أن الراجح هو الجواز للنساء أيضًا؛ لقوة
دليله. والله تعالى أعلم.
(وََّيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيَّ) أي عن أكل لحومها (فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا
لَكُمْ) ولفظ الرواية التَّالية: ((فكلوا، وأطعموا، وادخروا، ما بدا لكمّ)).
وسبب نهيه ◌َّلر عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، هو ما سيأتي للمصنف
رحمه الله تعالى في ((كتاب الأضاحي)) برقم ٤٤٣١- من طريق عمرة، عن عائشة،
رَّهَا قالت: دَقَّت دَافّة من أهل البادية، حضرةَ الأضحى، فقال رسول اللّه وَله :
((كلوا، وادخروا ثلاثا، فلما كان بعد ذلك، قالوا: يا رسول اللَّه، إن الناس كانوا
ينتفعون من أضاحيهم، يُجَمِّلُون منها الوَدَكَ، ويتخذون منها الأسقية، قال: وما ذاك؟
قال: الذي نهيت من إمساك لحوم الأضاحي، قال: ((إنما نهيت للدافّة التي دَفّت، كلوا،
وادخروا، وتصدقوا)).
والدّافة بتشديد الفاء: الجماعة التي تسير سيرًا لينًا، وسيأتي تمام ما يتعلّق به هناك،
إن شاء الله تعالى
(وَنَّيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ) فعيل بمعنى مفعول، يقال: نَبَذْته نَبْذًا، من باب ضرب: ألقيتُهُ،
فهو منبوذ، وصبيّ منبوذ: مطروح، ومنه سمي النبيذ؛ لأنه يُنْبَذ، أي يُترك حتى يشتدّ.
قاله في ((المصباح)).
والمعنى نهيتكم عن شرب النبيذ، في الظروف (إِلَّا) حالة كونه (فِي سِقَاءٍ) أي قِرْبَة.
ولفظ الرواية التالية: ((وذكرت لكم أن لا تنتبذوا في الظروف: الدبّاء، والمزفّت،
والنقير، والحنتم)) (فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلّهَا) ولفظ ((الكبرى)): ((في الأوعية كلها))،
وهو بوزن ((الأسقية)) ومعناها. قال السنديّ رحمه الله تعالى: أي الظروف، وإلا لا
يصح المقابلة انتهى (وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا))) ولفظ الرواية التالية: ((انتبذوا فيما رأيتم،
واجتنبوا کلّ مسکر)».
(١)-((شرح مسلم)) ج٧ ص٥٠ .

= ٢٦
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِز
يعني أن الانتباذ في جميع الظروف جائز، وإنما المنهيّ عنه هو شرب المسكر. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث بريدة رضي هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٠٣٢/١٠٠ و٢٠٣٣ و٤٤٢٩/٣٦ و٤٤٣٠ و٤٠ / ٥٦٥١ و٥٦٥٢
و ٥٦٥٣ و٥٦٥٤ و٥٦٥٥ و٥٦٧٨/٤٨- وفي («الكبرى» ١٠٠ و٢١٥٩ و٢١٦٠ و٣٧/
٤٥١٨ و٤٥١٩. وأخرجه (م)٢٢٥٧ و٢٢٥٨ و٥٠٨٦ و٥٠٨٧ و٥١٧٥ و٥١٧٦
و٥١٧٧ (د)٣٦٩٨ (ت) ١٠٥٤ و١٥١٠ و١٨٦٩ (ق)٣٤٠٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو إباحة زيارة القبور، ونسخه بعد أن
كان منهيّا عنه، بشرط أن لا يقولوا منكرا من القول، وأن لا يفعلوا فعلاً منكرا أيضًا.
ومنها: نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، وسيأتي تمام الكلام عليه
في موضعه، إن شاء الله تعالى. ومنها: نسخ النهي عن الانتباذ، إلا في الأسقية،
وإباحته في كلّ وعاء، بشرط الاتقاء عن شرب المسكر، وسيأتي تمام الكلام فيه أيضًا
في موضعه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في حكم زيارة القبور:
قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في ((جامعه)) بعد أن أخرج حديث الباب: ما
نصّه: والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بزيارة القبور بأسّا، وهو قول ابن
المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وقال أيضا بعد أن أخرج حديث أبي هريرة رضي: ((أن رسول اللَّه وَ لّ لعنَ زَوّارات
القبور)). ما نصه: وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبيّ وَّ في
زيارة القبور، فلما رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره
زيارة القبور للنساء، لقلة صبرهنّ، وكثرة جزعهنّ انتهى كلام الترمذيّ رحمه الله
تعالی(١).
وقال العلامة القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((فزروها)) نصّ في النسخ للمنع
(١)-انظر ((جامع الترمذيّ)) ج٣ ص٣٦١ -٣٦٣.

٢٧
١٠٠ - زيارةُ القُبُورِ - حديث رقم ٢٠٣٢
المتقدّم، لكن اختلف العلماء ، هل هذا النسخ عامّ للرجال والنساء، أم هو خاصّ
للرجال، دون النساء، والأول أظهر. وقد دلّ على صحة ذلك أنه وَ له قد رأى امرأة
تبكي عند قبر، فلم يُنكر عليها الزيارة، وإنما أنكر عليها البكاء.
وقال أيضًا عند قوله: ((فإنها تذكّر الموت)): ما نصّه: وتَذَكَّر الموت يحتاج إليه
الرجال والنساء، على أن أصحّ ما في نهي النساء عن زيارة القبور ما خرّجه الترمذيّ،
عن أبي هريرة ◌َّه أن رسول اللَّهِ رَ له ((لعن زَوَّارات القبور))، صححه الترمذيّ على أن
في إسناده عُمَر بن أبي سلمة، وهو ضعيف عندهم. ثم إن هذا اللعن إنما هو للمكثرات
من الزيارة، لأن زوّارات للمبالغة، ويمكن أن يقال: إن النساء إنما يُمنعن من إكثار
الزيارة؛ لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج، والتبرّج، والشهرة، والتشبّه
بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولِمَا يُخاف عليها من الصُّرَاخ، وغير ذلك من المفاسد،
وعلى هذا يُفرّق بين الزائرات، والزّوّارت، والصحيح نسخ المنع عن الرجال والنساء،
كما تقدّم، والله تعالى أعلم انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى، هو الحقّ؛
لقوة دليله، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)): قال النوويّ تبعًا للعبدريّ، والحازميّ،
وغيرهما: اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة، كذا أطلقوا، وفيه نظر، لأن ابن
أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين، وإبراهيم النخعيّ، والشعبيّ الكراهة مطلقًا، حتى
قال الشعبيّ: لو لا نهي النبي ◌َّه لزرت قبر ابنتي. فلعلّ من أطلق أراد بالاتفاق ما استقرّ
عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ، والله أعلم.
ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور واجبة، ولو مرّة واحدة في العمر، لورود
الأمر به.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم أن الصواب كون الأمر للاستحباب؛ لصحة
قوله {َّ في رواية المصنف: ((فمن أراد أن يزور فليزر))، ولعلّ ابن حزم لم يستحضر
هذه الرواية حينما قال بالوجوب، والله تعالى أعلم.
قال: واختلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحلّه
ما إذا أُمِنت الفتنة، ويؤيد الجواز حديث الباب -يعني حديث أنس تَّه الذي أورده
البخاري مستدلاً على مشروعية زيارة القبور، فقال في ((صحيحه)):
(١)-((المفهم)) ج٢ ص ٦٣٢ - ٦٣٣.

٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
١٢٨٣ - حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك وظفيه، قال: مَرّ
النبي وَّر، بامرأة تبكي عند قبر، فقال: ((اتقي الله، واصبري))، قالت: إليك عني،
فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ◌َِّ، فأتت بابَ النبي ◌َّ،
فلم تجد عنده بَوّابِين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر، عند الصدمة الأولى)).
وموضع الدلالة منه أنه وَلولم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريرُهُ وَلّ
حجة. وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة رؤيتها ، فروى الحاكم من
طريق ابن أبي مليكة، أنه رآها زارت قبر أخيها عبدالرحمن، فقيل لها: أليس قد نهى
النبي ◌َ لّر عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى، ثم أمر بزيارتها.
وقيل: الإذن خاصّ بالرجال، ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه جزم الشيخ أبو
إسحاق في ((المهذّب))، واستدلّ بحديث عبدالله بن عمرو الذي تقدم للمصنف في ٢٧/
١٨٨٠- عن عبد الله بن عمرو، قال: بينما نحن نسير مع رسول اللَّه وَلقر، إذ بصر
بامرأة ... )) الحديث، وفيه: قال لها: ((ما أخرجك من بيتك، يا فاطمة))، قالت: أتيت
أهل هذا الميت، فترحمت إليهم، وعزيتهم بميتهم، قال: ((لعلك بلغت معهم الكُدَى؟))
قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، فقال لها: «لو
بلغتها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك)). لكن الحديث ضعيف كما تقدّم.
وبحديث : ((لعن الله زَوّارات القبور))، أخرجه الترمذيّ، وصححه من حديث أبي
هريرة، وله شاهد من حديث ابن عباس، ومن حديث حسان بن ثابت.
قال: واختلف من قال بالكراهة في حقّهنّ، هل هي كراهة تحريم، أو تنزيه؟. انتهى
كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الراجح في هذه المسألة هو ما عليه أكثر أهل العلم،
من أن زيارة القبور جائزة للرجال والنساء؛ لصحة الأحاديث بذلك:
فمنها: حديث الباب، فإن الخطاب، وإن كان للذكور، إلا أنه يشمل النساء بدليل
الأحاديث الأخرى.
ومنها: حديث عائشة تطوّها الذي أخرجه مسلم، من حديثها الطويل، وفيه: أنها
قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟: قال: ((قولي: السلام على أهل الديار،
من المؤمنين، والمسلمين، ويرحم اللَّه المستقدمين منا، والمستأخرين، وإنا إن شاء
الله بكم للاحقون)). فإنه وَّل علمها ما يُشرّع قوله عند زيارة القبور، ولم يمنعها من
(١)- ((فتح)) ج٣ ص٤٩٢ - ٤٩٣ .

=
٢٩
١٠٠ - زيارةُ القُبُورِ - حديث رقم ٢٠٣٢
الزيارة، فدلّ على جوازه للنساء.
ومنها: ما أخرجه الحاكم بإسناد صحيح من طريق أبي التيّاح يزيد بن حميد، عن
عبدالله بن أبي مليكة: ((أن عائشة رؤيتها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم
المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت من قبر أخي عبدالرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس
كان رسول اللّه وَ ل نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم كان نهى، ثمّ أمر بزيارتها))(١).
ومنها: حديث أنس نظمثم عند البخاريّ، وقد تقدم قريبًا، فإنه رَّ لم ينكر عليها
زيارتها للقبر، وإنما أنكر عليها البكاء، وعدمَ الصبر، ولذلك استدلّ به الإمام البخاريّ
على جواز زيارة القبور، ولم يذكر من الأحاديث الدالّة على الجواز في ((باب زيارة
القبور)) غيره، قال الحافظ في ((الفتح)): وكأنه لم تثبت على شرطه الأحاديث المصرّحة
بالجواز .
والحاصل أن هذه الأحاديث الصحاح تدلّ دلالة واضحة على جواز زيارة القبور
للنساء. ولم يأت المانعون بحجة تُعارض هذه الأحاديث الصحاح، فكلّ ما استدلّوا به
من الأحاديث لا يخلو من كلام.
فمنها: حديث أبي هريرة رضي الذي تقدم: ((أنه وَ لّ لعن زَوّرات القبور))، فهو وإن
صححه الترمذي، إلا أن في سنده عُمر بن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف،
والأكثرون علی تضعيفه.
ومنها: حديث حسان بن ثابت رَّ ، أخرجه أحمد، وابن ماجه، واللفظ له:
((لعن رسول اللّه وَ له زوارات القبور)). وفي سنده عبدالرحمن بن بَهْمان، لم يرو عنه
غير عبدالله بن عثمان بن خُثيم، وقال ابن المدينيّ: لا يعرف، ووثقه بعضهم.
ومنها: حديث ابن عباس رَّت ، أخرجه أبو داود، والمصنف، كما سيأتي قريبا،
وابن ماجه، بلفظ: ((لعن رسول اللَّه ◌َ ل﴿لزائرات القبور، والمتخذين عليها السرج)).
وفي سنده أبو صالح باذان، أو باذام، مولى أم هانىء ضعفوه، ومنهم من كذّبه.
فهذه الأحاديث، وإن قيل: إنها يتقوّى بعضها ببعض، لكنها لا تعارض الأحاديث
السابقة الصحيحة، لأمور:
أحدهما: رجحان تلك عليها، من حيث الصحّة.
الثاني: أن الظاهر كون النبي ◌َّ قالها قبل النسخ، كما بينته عائشة رضي الله تعالى
عنها، لما سألها ابن أبي مليكة، كما تقدّم.
الثالث: أنها محمولة على ما إذا كانت زيارتهنّ مشتملة على محظور، من النياحة،
(١)-راجع ((المستدرك)) ج١ ص٣٧٦.

٣٠
=
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
والجزع، وتجديد الحزن، أو من التبرّج، والتزيّن الذي يتسبب للفتنة.
وقد تقدم عن القرطبي رحمه الله تعالى، أن اللعن المذكور في الحديث إنما هو
للمكثرات من الزيارة، لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يُفضي إليه ذلك
من تضييع حق الزوج والتبرّج، وما ينشأ من الصياح، وقد يقال: إذا أَمن جميع ذلك فلا
ما نع من الإذن لهن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء انتهى.
· قال الشوكاني رحمه اللّه تعالى: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين
أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر انتهى(١).
والحاصل أن الصواب جواز زيارة القبور للنساء، لكن بشرط أن يكنّ ملتزمات ما
أوجب الشرع عليهنّ عند الخروج إلى المساجد، ونحوها، بأن يكنّ محتجبات، غير
متطيبات، وغير مُظهرات زينتهنّ، وغير قاصدات للمحظور المذكور، من النياحة، بل
لمجرّد السلام، والدعاء للميت، وتذكر الآخرة، والاعتبار بأصحاب القبور، كما بيّن
النبي وَالر ذلك حينما أمر بزيارتها، بقوله: ((إنها تذكر الآخرة))، وقوله: ((تزهد في الدنيا)»،
و((تُرِقّ القلب، وتُدمع العين))، وأشار ◌َله إلى اجتناب المحظورات بقوله: ((فلا تقولوا
هُجرا)). والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٢٠٣٣ - أَخْبَرَنَا(٢) مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ
ابْنِ سُبَيْعٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَئِدَةَ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ،
فَقَالَ: (إِنِّي كُنْتُ نَّهِيْتُكُمْ، أَنْ تَأْكُلُوا لُحُوَمَ الْأَضَاحِيّ، إِلَّ ثَلَاثًا، فَكُلُوا، وَأَطْعِمُوا،
وَادَّخِرُوا، مَا بَدَا لَكُمْ، وَذَكَرْتُ لَّكُمْ، أَنْ لَا تَنْتَبِذُوا فِي الظُّرُوفِ: الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ ،
وَالنَّقِيرِ، وَالْحَنْتَمِ، انْتَبِذُوا فِيمَا رَأَنْتُمْ، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ، وَتَّيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ،
فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَزُوَّرَ، فَلْيَزُرْ، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا)) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن قُدامة) بن أعين الهاشميّ مولاهم، المصّيصيّ، ثقة [١٠]٥٢٨/١٩.
٢- (جرير) بن عبدالحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفي، نزيل الرَّيّ، ثقة ثبت [٨] ٢/٢.
٣- (أبو فَرْوة) الأكبر عروة بن الحارث الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة [٥].
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). روى له
(١) - (نيل الأوطار)) ج٤ ص١٣٤ - ١٣٥.
(٢) - وفي نسخة: ((أخبرني)).

٣١
١٠٠ - زيارةُ القُبُورِ - حديث رقم ٢٠٣٣
الجماعة سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا و٤٩٩٣
حديث: ((الإسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا)).
[تنبيه]: ولهم أبو فروة الأصغر، وهو مسلم بن سالم النَّهْديّ الكوفي، صدوق من [٦]،
له في هذا الكتاب حديث واحد، وهو حديث: ((لا تشربوا في إناء الذهب والفضّة .. )).
٤- (المغيرة بن سُبيع) -بمهملة، وموحّدة، مصغّرًا- العجليّ، ثقة [٥] .
قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الترمذيّ،
والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله،
وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: ((ما بدا لكم)) بلا همز: أي ما ظهر لكم. وقوله: ((الظروف)) جمع ظرف،
كفلس وفلوس: بمعنى الوعاء.
وقوله: ((أن لا تنتبذوا)): الانتباذ هو أن يجعل في الماء حبات من تمر، أو زبيب، أو
نحوهما، لیحلو، ويُشرَب.
وقوله: ((الدبّاء)» بالجرّ بدل من ((الظروف))، أو عطف بيان له، وهو بضم الدال،
وتشديد الموحدة، وبالمدّ: القرع اليابس، أي الوعاء منه.
وقوله: ((المزفّت)) بضم الميم، وفتح الزاي، وتشديد الفاء، آخره مثناة فوقية: هو
المطليّ بالزفت، وهو القار، وقيل: نوع من القار.
وقوله: ((التّقير)) بالنون المفتوحة، وبالقاف: جذع يُنقر وسطه.
وقوله: ((الحنتم)): بحاء مهملة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم تاء مثناة من فوق، ثم میم،
الواحدة حنتمة، واختلف في تفسيرها، فقيل: إنها جِرَار خضر، وهو قول الأكثرين، وهو
الأصحّ، وقيل: إنها الجرار كلها، وقيل: جرار يؤتى بها من مصر مُقَيَّرات الأجواف.
وقيل: جرار أعناقها في جنوبها، يجلب فيها الخمر من مصر. وقيل: جرار أفواهها في
جنوبها، يجلب فيها الخمر من الطائف. وقيل: جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وإنما خصت هذه الأربع بالنهي، لأنه يسرع إليه
الإسكار فيها، فيصير حراما نجسًا، وتبطل ماليته، فنُهي عنه، لما فيه من إتلاف المال،
ولأنه ربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه، ولم يُنهَ عن الانتباذ في أسقية الأدم، بل
أُذن فيها؛ لأنها لرقتها لا يَخْفَى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرًا شقها غالبًا. انتهى(١).
وقوله: ((هُجْرًا)) بضم الهاء، وسكون الجيم: أي كلاما فاحشًا، فإنه ينافي المطلوب
(١)- ((شرح مسلم)) ج١ ص ١٨٥.

٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
من الزيارة الذي هو التذكير. وفي ((النهاية)): أي فُخْشًا، يقال: أهجر في منطقه، يُهُجِرُ
إهجارًا: إذا أفحش، وكذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي، والاسم الْهُجْرُ بالضمّ،
وهَجَرَ يُهُجُرُ، هَجْرًا بالفتح: إذا خلط في كلامه، وإذا هَذَى انتهى(١).
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
١٠١- زِيَارَةُ قَبْرِ الْمُشْرِكِ
٢٠٣٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللّهِ بِ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ،
وَقَالَ: ((اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ
أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (محمد بن عُبيد) بن أبي أميّة الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [٩] ١٧٣٥/٤٨.
٣- (يزيد بن كيسان) اليشكريّ الكوفيّ، صدوق يخطىء [٦] ٢٧٠/١٧١.
٤- (أبو حازم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١٤٩/١١٠ .
٥ - (أبو هريرة) وتظلّه ١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغلانيّ، والصحابيّ،
فمدنيّ. (ومنها): أن أبا هريرة رَّهِ، رَأْسُ المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
والله تعالى أعلم.
(١)-ج٥ص٢٤٥ .

٣٣
١٠١- زيارة قبر المُشْرِكِ - حديث رقم ٢٠٣٤
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَِِّ أنه (قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِهِ قَبْرَ أُمِّهِ) أي بالأبواء، بين مكة
والمدينة، وذلك عام الفتح، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: سبب زيارته وَ ل
قبرها أنه قصد الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيّده قوله {وَّر في آخر الحديث:
((فزروا القبور، فإنها تذكر الموت)). وقيل: زيارته وَ ل قبرها مع أنها كافرة تعليم منه
للأمة حقوق الوالدين، والأقارب، فإنه لم يترك قضاء حقها مع كفرها (فَبَكَى) قال
القاضي: بكاؤه وَلّر على ما فاتها من إدراكه، والإيمان به. وقيل: على عذابها. وفيه
دليل على جواز البكاء عند حضور المقابر (وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، وَقَالَ: ((اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي عَزَّ
وَجَلَّ، فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا) قال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: يحتمل أن يكون هذا
الاستئذان قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ
كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣]. ويحتمل أن يكون بعد ذلك؛ وارتجى
خصوصية أمه بذلك، والله تعالى أعلم، وهذا التأويل الثاني أولى انتهى(١).
(فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: ((فلم يأذن لي)) بالبناء للفاعل. قال ابن
الملك رحمه الله تعالى: لأنها كافرة، والاستغفار للكافرين لا يجوز؛ لأن الله لا يغفر لهم
أبدًا. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه النهي عن الاستغفار للكفّار. وقال الشوكانيّ
رحمه الله تعالى: فيه دليل على عدم جواز الاستغفار لمن مات على غير ملة الإسلام.
(وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي) بصيغة المجهول، مراعاة لقوله: ((فلم يؤذن
لي))، ويجوز أن يكون بصيغة المبنيّ للفاعل (فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ))) أي
وذكر الموت يزهّد في الدنيا، ويرغّب في العقبى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة تَّه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٣٤/١٠١ - وفي ((الكبرى))٢١٦١/١٠١ - وأخرجه (م)٢٢٥٥
و٢٢٥٦ (د)٣٢٣٤ (ق) ١٥٦٩ و١٥٧٢ (أحمد) ٩٣٩٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(١)- ((المفهم)) ج٢ ص ٦٣٣ - ٦٣٤ .

٣٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو جوزا زيارة قبر المشرك. ومنها:
أن فيه دلالةً على جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت
زيارتهم بعد الوفاة، وقد انقطع الأمل في إسلامهم ففي الحياة أولى؛ لأنه يمكن أن
يُدعَوْا إلى الإسلام، ويشرح لهم محاسنه، وتكشف شبهاتهم، ويرغبون في الدخول
فيه، فيُرجَى بذلك إنقاذهم من النار، وقد ثبت في الصحيح أن غلاما يهوديًا كان يخدم
النبيّ وَّر، فمرض، فعاده النبيّ وَّر، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم. ومنها: جواز البكاء
عند حضور المقابر. ومنها: النهي عن الاستغفار للمشركين. ومنها: تأكيد بِرِ الوالدين،
وأن إسلامهما ليس شرطًا في وجوب بِرّهما، بل يلزم برّهما ولو كانا مشركين، كما قال
اللَّه تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ الآية [لقمان: ١٥]. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة :
قال صاحب ((المرعاة شرح المرقاة)): الحديث بظاهره يدلّ على أن أمه وَلّ ماتت
على غير الإسلام، وهو مذهب جمهور العلماء في شأن أبو يه وَّر، وقد ترجم النسائيّ،
وابن ماجه لهذا الحديث: ((باب زيارة قبر المشرك)).
قال السنديّ في حاشية النسائيّ: كأنه أخذ ما ذَكّرَ في الترجمة من المنع عن
الاستغفار، أو من مجرّد أنه الظاهر على مقتضى وجودها في وقت الجاهليّة، لا من
قوله: ((فبكى، وأبكى))، إذ لا يلزم من البكاء عند الحضور في ذلك المحلّ العذاب، أو
الكفر، بل يمكن تحققه مع النجاة، والإسلام أيضًا، لكن من يقول بنجاة الوالدين لهم
ثلاث مسالك في ذلك:
مَسلَكُ أنهما ما بلغتهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة، لقوله تعالى:
وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فلعلّ من سلك هذا المسلك يقول في
تأويل الحديث: إن الاستغفار فرع تصوّر الذنب لهم، وذلك في أوان التكليف، ولا يُعقل
ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن أنه ما شُرع الاستغفار إلا
لأهل الدعوة، لا لغيرهم، وإن كانوا ناجين. وأما من يقول بأنهما أُحييا له وَ لِّ، فآمنا به،
فيَحمِل هذا الحديث على أنه كان قبل الإحياء. وأما من يقول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند
الامتحان يوم القيامة، فهو يقول: بمنع الاستغفار لهما قطعًا، فلا حاجة له إلى تأويل،
فاتضح وجه الحديث على جميع المسالك، والله تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ(١).
قال صاحب ((المرعاة)): ولا يخفى ما في الوجوه الثلاثة من الضعف، لأن حديث
(١)-(شرح السندي)) ج٤ ص ٩٠.

٣٥
١٠١- زیارةُ قَبْرِ المُشْرِكِ - حديث رقم ٢٠٣٤
إحياء أبويه ود ليل ضعيف جدًّا حتى حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، كالدارقطنيّ،
والجوزقانيّ، وابن الجوزيّ، وابن دحية، وصرّح بضعفه فقط غير واحد، كابن
شاهين، والخطيب، وابن عساكر، والسهيليّ، والمحبّ الطبريّ، وابن سيّد الناس،
وقد اعترف بضعفه السيوطيّ أيضًا، حيث قال: وروى ابن شاهين حديثا مسندًا في
ذلك، لكن الحديث مضعّف.
وأما الآية الكريمة: ﴿ وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ﴾ فهي مكيّة، وزيارته بَله لقبر أمه كانت عام
الفتح، وقيل: عام الحديبية، سنة ستّ من الهجرة. وقيل: الآية في حقّ الأمم السالفة
السابقة خاصّة. وقيل: المنفيّ فيها عذاب الاستئصال في الدنيا، لا عذاب الآخرة.
وقيل: المراد: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بعد مجيء
الشرع، من أنواع العبادات والحدود.
وأما القول بأنه تعالى يوفّقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهي دعوى مجرّدة،
من غير برهان، فلا يُلتفت إليه.
قال النوويّ في شرح حديث أنس رَظنّه : أن رجلا قال: يا رسول اللَّه أين أبي؟ قال:
((في النار))، قال: فلما قَفَّى دعاه، فقال: ((إن أبي وأباك في النار)): ما نصّه: فيه أن من مات
في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو من أهل النار، وليس هذا
مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء، صلوات
الله وسلامه عليهم انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالی.
وهذا يدلّ على أن النوويّ يكتفي في وجوب الإيمان على كلّ أحد ببلوغه دعوة من قبله
من الرسل، وإن لم يكن مرسلا إليه، وإلى هذا ذهب الحليميّ، كما صرّح به في ((منهاجه)).
وقال القاري: الجمهور على أن والديه وَ لقي ماتا كافرين، وهذا الحديث أصحّ ما ورد
في حقهما. وقول ابن حجر -یعني الهيتمي -: وحديث إحيائهما حتى آمنا به، ثم توفيا
حديث صحيح، وممن صححه الإمام القرطبيّ، والحافظ ابن ناصر الدين(١). فعلى
(١)-الظاهر أنه ابن ناصر الدين المعروف بابن المنير الآتي في كلام السيوطيّ، وليس هو المحدث
الكبير الحافظ المشهور ابن ناصر الدين الدمشقيّ، بدليل أنه ضعف الحديث، كما ذكر السيوطيّ
عنه، ونصه: وقال الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقيّ في كتابه المسمى ((مورد
الصادي في مولد الهادي)» بعد إيراده الحديث المذكور، منشدا لنفسه:
عَلَى فَضْلٍ وَكَانَ بِهِ رَؤُوفًا
حَبَا اللَّهُ النَّبِيَّ مَزِيدَ فَضْلٍ
الإِيمَانٍ بِهِ فَضْلاً لَطِيفاً
فَأَخِيَا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاهُ
وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بِهِ ضَعِيفاً
فَسَلُمْ فَالْقَدِيمُ بِذَا قَدِيرٌ
فبان بهذا أن الحافظ ابن ناصر الدين ممن ضعف الحديث، لا ممن صححه، فتنبه.

=
٣٦
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
تقدير صحته لا يصلح أن يكون معارضًا لحديث مسلم، مع أن الحفاظ طعنوا فيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن حجر: حديث صحيح، غير صحيح، وكذا
نسبته التصحيح إلى القرطبيّ، وابن ناصر الدين غير صحيحة أيضا، فقد ذكر السيوطيّ
مَن مال إلى القول بإحيائهما، وإيمانهما من العلماء الخطيبَ، والسهيليّ، والقرطبيّ،
والمحب الطبريّ، والعلامة ناصر الدين ابن المنير، وغيرهم، وذكر استدلالهم
بالحديث المذكور، ثم قال هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، بل قيل: إنه
موضوع الى آخر كلامه، والسيوطيّ من أشدّ من حاول في إثبات النجاة لهما، ولكن
عمدته في ذلك عموم الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآية، وغيرها، والأدلة
العقلية، فلو كان أحد من حفاظ الحديث قال بصحة هذا الحديث لذكره، ونصره، وهو
مع شدة بحثه للأدلة في المسألة لم يستطع إلى أن يصححه بكل ما أوتيه من العلم، وإنما
دافع عن القول بوضعه فقط، ولم يبرهن على ذلك.
وبالجملة، فالحديث ما صححه عالم له عناية بالحديث، وإنما صححه من يعتمد
على الرؤيا المنامية، والطرق الكشفية، التي لم يأذن اللَّه تعالى بها التشريع، وإنما غايتها
إن كانت صحيحة أن يُستأنس بها في تثبيت ما ثبت شرعًا، لا في إثبات ما أبطله علماء
الحديث، وغيرهم ممن أوجب اللَّه تعالى اتباعهم على الأمة، وجعلهم مرجعا لها في
المعضلات، حيث قال: ﴿فَسَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. والله
تعالى أعلم بالصواب.
وقال القاري: ومنعوا جوازه أيضًا بأن إيمان اليأس غير مقبول إجماعًا، كما يدلّ عليه
الكتاب والسنّة، وبأن الإيمان المطلوب من المكلّف إنما هو الإيمان الغيبيّ، وقد قال
الله تعالى: ﴿وَلَوَ رُدُواْ لَعَادُوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ الآية [الأنعام: ٢٨] . وهذا الحديث الصحيح
صريح أيضًا في ردّ ما تشبث به بعضهم بأنهما كانا من أهل الفترة، ولا عذاب عليهم،
مع اختلاف في المسألة(١).
قال صاحب ((المرعاة)): واعلم أن هذه المسألة كثر النزاع والخلاف بين العلماء فيها،
فمنهم من نصّ على عدم نجاة الوالدين، كما رأيت في كلام النوويّ، والقاري، وقد
بسط الكلام في ذلك القاري في ((شرح الفقه الأكبر))، وفي رسالة مستقلّة له. ومنهم من
شهد لهما بالنجاة، كالسيوطيّ، وقد ألّف في هذه المسألة سبع رسائل (٢)، بسط الكلام
فيها، وذكر الأدلة من الجانبين، من شاء رجع إليها، والأسلم، والأحوط عندي هو
(١)- ((مرقاة المفاتيح)) ج٤ ص ٢٥٠-٢٥١.
(٢)- هكذا في ((المرعاة))، والذي في كلام القاري في المرقاة ((ثلاث رسائل))، فليحرّر.

=
٣٧
١٠٢ - النّھيُ عن الاستغفارِ لِلمُشْرِكِينَ - حديث رقم ٢٠٣٥
التوقّف، والسكوت انتهى كلام صاحب ((المرعاة))(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي الأولى، والأسلم الوقوف مع النصوص
الصحيحة، كحديث الباب، وحديث مسلم المذكور: ((إن أبي وأباك في النار))، مع عدم
التوسع والخوض بزيادة ما ليس في النصوص، وأما تصحيح حديث إحياء أبوي النبيّ
وَير، كما قال ابن حجر الهيتميّ فمما لا يُلتفت إليه، فإن جلّ الحفّاظ من المحدثين على
أنه موضوع، كما أشرت إليه فيما تقدّم.
ثم إن هذه المسألة ما رأيت للمتقدّمين فيها كلاما، بل إنما أثارها، وتنازع فيها،
وخاض غَمْرَتَهَا المتأخرون، من أمثال السيوطي، ومن سار على دَرْبه فما وَسِع الأولين
من السكوت، وعدم الخوض، وترك التنازع، والتخاصم هو الصواب لمن كان حريصًا
على دينه، فلو كان في هذا الخوض خير لكان المتقدّمون أسبق إليه، وأحرص من
المتأخرين عليه، فسلوك سبيلهم فيه السلامة في الدنيا والآخرة، فالواجب الوقوف على
ما صح عن رسول اللَّه بَّر، وعدم التوسّع، ونصبِ الخلاف فيما وراءه. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٠٢- الثَّهْيُ عَنِ الاسْتِغْفَارِ
لِلْمُشْرِكِينَ
٢٠٣٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ ثَوْرٍ - عَنْ
مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ
الْوَفَاةُ، دَخَلَ عَلَيْهِ النَِّيُّ ◌َّهِ، وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ: ((أَنْ عَمِّ،
قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا، عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ
بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلْمَانِهِ، حَتَّى كَانَ
آخِرُ شَيْءٍ، كَلَّمَهُمْ بِهِ، عَلَى مِلَّةٍ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ النَِّيِّ وَِّ: ((لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا
لَمْ أَنَّهَ عَنْكَ، فَتَزَلَتْ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]
وَتَزَّلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]).
(١)- ((المرعاة)) ج٥ ص ٥١٢-٥١٣ .

٣٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥ .
٢- (محمد بن ثَوْر) الصنعانيّ، أبو عبدالله العابد، ثقة [٩].
قال الحسين بن الحسن الرازيّ، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائيّ. وقال ابن
أبي حاتم: سألت أبي: ما حالُ ابن ثور؟ قال: الفضل، والعبادة، والصدق، قلت:
عبدالله بن معاذ أحبّ إليك، أو ابن ثور؟ قال ابن ثور أحبّ إليّ. قال: وسألت
أبا زرعة، عن ابن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق؟ فقال: ابن ثور أفضلهم.
وقال البخاريّ: قال لي إبراهيم بن موسى: قال لنا عبد الرزاق: محمد بن ثور صوّام
قوّام، كذا قال. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة (١٩٠) أو قبلها بقليل،
أو بعدها بقليل. روى له أبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب خمسة أحاديث.
٣- (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت
فاضل، من كبار [٧] ١٠/١٠.
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الثبت الحجة [٤] ١/١ .
٥- (سعيد بن المسيّب) أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار من كبار [٣] ٩/٩.
٦- (أبوه) المسيّب بن حزن -بفتح المهملة، وسكون الزاي- ابن أبي وهب بن
عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزوميّ القرشيّ، أبو سعيد، له ولأبيه حَزْن
صحبة، روى عن النبيّ وَّر، وعن أبيه، وأبي سفيان بن حرب. وعنه ابنه سعيد. قال
ابن لهيعة، عن بُكير بن الأشجّ، عن سعيد: كان المسيب تاجرًا، فذكر قصّة. قال
الحافظ: وزعم الواقديّ، ومصعب الزبيريّ أنه من مسلمة الفتح، ولم يصنعا شيئًا، فقد
ثبت في ((الصحيح)) أنه شهد الحديبية. وقال ابن يونس: قدم المسيب مصر لغزو
إفريقية، سنة (٢٧). وفي ((الثقات)) لابن حبّان في التابعين: المسيّب بن حزن، فإن كان
أراد هذا فقد وَهِمَ وَهَمًا قبیحًا. وعَدَّه الأزديّ وغيره فیمن لم یرو عنه إلا واحد، روی له
البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله رجال
الصحيح، غير محمد بن ثور كما سبق آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
(ومنها): أن فیه من لم يرو عنه إلا واحد، وهو المسیّب، فإنه لم يرو عنه غیر ابنه سعيد،
كما مرّ آنفا، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهو حديث اتفق البخاريّ، ومسلم على
إخراجه في ((صحيحيهما)) من رواية سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن رسول اللَّه وَلتر،

١٠٢- النّھئُ عن الاستغفارِ لِلمُشْرِکِینَ - حديث رقم ٢٠٣٥
٣٩
ولم يروه عن المسيب إلا ابنه سعيد، كذا قاله الحفّاظ، وفيه ردّ على الحاكم أبي عبدالله
بن البيِّع الحافظ رحمه الله تعالى في قوله: لم يخرج البخاريّ، ولا مسلم رحمهما الله
تعالى عن أحد ممن لم يرو عنه إلا راو واحد، ولعله أراد من غير الصحابة. والله أعلم
انتهى (١). (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
١
شرح الحديث
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بكسر الياء المشدّدة على الأرجح، ومنهم من يفتحها، كما
قال السيوطيّ في ((ألفية الحديث)):
كُلُّ مُسَيَّبٍ فَبِالْفَتْحِ سِوَى أَبِي سَعِيدٍ فَلِوَجْهَيْنٍ حَوَى
والفتح هو الذي اشتهر على الألسنة، وكان سعيد يكره ذلك، ولذا رجحنا الكسر
(عَنْ أَبِيهِ) المسيب بن حَزْن رَّهَا (قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبِ الْوَفَاةُ) واسم أبي طالب
عبد مناف، قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: المراد قربت وفاته، وحضرت دلائلها،
وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الإيمان لقول الله
تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ
إِنِّ تُبْتُ الْتَنَ﴾ الآية [النساء: ١٨] ويدلّ على أنه قبل المعاينة محاورته للنبيّ وَّر، ومع
كفار قريش. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد رأيت بعض المتكلمين على هذا
الحديث جعل الحضور هنا على حقيقة الاحتضار، وأن النبيّ وَليو رجا بقوله ذلك حينئذ
أن تناله الرحمة ببركته و *، قال القاضي رحمه الله تعالى: وليس هذا بصحيح؛ لما
قدّمناه انتهى (٢) .
وقال الحافظ رحمه اللّه تعالى -بعد أن نقل نحو ما تقدم عن النوويّ -: ويحتمل أن
يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجا النبيّ وَلهول أنه إذا أقرّ بالتوحيد، ولو في تلك
الحالة أن ذلك ينفعه، بخصوصه، وتسوغ شفاعته ويّله لمكانه منه، ولهذا قال: ((أجادل
لك بها، وأشفع لك»، وسيأتي بيانه. ويؤيد الخصوصيّة أنه بعد أن امتنع من الإقرار
بالتوحيد، وقال: هو على ملّة عبدالمطلب، ومات على ذلك أن النبيّ وَّ لم يترك
الشفاعة له، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من
الخصائص في حقّه.
(دَخَلَ عَلَيْهِ الشَِّيُّ وَِّ، وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشام، والجملة في محلّ نصب
(١)-((شرح مسلم)) ج١ ص١٦١. ((كتاب الإيمان)).
(٢)- ((شرح مسلم)) ج١ ص١٦٢. ((كتاب الإيمان)).

٤٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
على الحال، وفي رواية للبخاريّ: «فوجد عنده أبا جهل ... )) (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ)
قال الحافظ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون المسيّب حضر هذه القصّة، فإن
المذكورينٍ من بني مخزوم، وهو من بني مخزوم أيضًا، وكان الثلاثة يومئذ كفارًا،
فمات أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران. وأما قول بعض الشرّاح: هذا الحديث من
مراسيل الصحابة، فمردود؛ لأنه استدلّ بأن المسيّب على قول مصعب من مسلمة
الفتح، وعلى قول العسكريّ ممن بايع تحت الشجرة، قال: فأيًّا ما كان، فلم يشهد وفاة
أبي طالب؛ لأنه توفي هو وخديجة في أيام متقاربة، في عام واحد، وللنبيّ أَليل يومئذ
نحو الخمسين انتهى.
ووجه الرّ أنه لا يلزم من كون المسيب تأخر إسلامه أن لا يشهد وفاة أبي طالب،
كما شهدها عبدالله بن أبي أميّة، وهو يومئذ كافر، ثم أسلم بعد ذلك، والعجب من هذا
القائل، كيف يعزو كون المسيب كان ممن بايع تحت الشجرة إلى العسكريّ، ويغفل عن
كون ذلك ثابتا في هذا الصحيح الذي شرحه، كما مرّ في ((المغازي)) واضحًا انتهى.
(فَقَالَ: ((أَيْ عَمِّ) ((أيْ)) - بفتح الهمزة، وتخفيف المثنّاة التحتانية - حرف لنداء البعيد،
أو كالبعيد، كالنائم، والساهي، كما عدّها ابن مالك رحمه اللّه تعالى في ((الخلاصة))
بقوله :
وَلِلْمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَاءِ يَا وَأَنْ وَأَ ثُمَّ أَيَا كَذَا هَيَا
و((عمّ)) منادى مضاف إلى ياء المتكلم، يجوز فيه إثبات الياء، وحذفها، ثم يجوز فيه
ستة أوجه، كما أشار ابن مالك إلى الخمسة بقوله:
وَاجْعَلْ مُنَادِى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا كَعَبْدٍ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا
والسادس ضمه، تشبيهًا له بالنكرة المقصودة.
(قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، كَلِمَةً) بالنصب على البدل من ((لا إله إلا اللَّه))، أو منصوب
على الاختصاص، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هي كلمة (أُحَاجٌ)
بتشديد الجيم، من المحاجّة، وهي مفاعلة من الْحُجّة، والجيم مفتوحة بالجزم على أنه
جواب الأمر، والتقدير إن تقل أحاج، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، وفي
رواية للبخاريّ، من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ: ((أشهد))، بدل ((أحاجٌ))، وفي
رواية مجاهد عند الطبريّ: ((أجادل عند الله بها))، زاد الطبريّ من طريق سفيان بن
حسين ، عن الزهريّ، قال: ((أي عمّ، إنك أعظم الناس عليّ حقا، وأحسنهم عندي
يدّا، فقل: كلمة تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة)).
(لَكَ بِهَا، عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) الجارّان، والظرف متعلقات بـ((أَحاجٌ)) (فَقَالَ لَهُ أَبُو