النص المفهرس
صفحات 361-380
٨٦- بَأَبُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ إِعْمَاقِ القَبْرِ - حديث رقم ٢٠١٠ ٣٦١ وفي ((صحيح مسلم)) عن سعد بن هشام، عن عائشة تَعَّها، قالت: نعم المرء كان عامر، أصيب يوم أحد(١). (ثَالِكَ ثَلَاثَةٍ) أي أحد ثلاثة من الشهداء، وهو منصوب على أنه خبر ((كان)) (فِي قَبْرِ وَاحِدٍ) يعني أن أباه كان أحد ثلاثة أشخاص، دفنوا في قبر واحد. زاد في الرواية الآتية [٢٠١٨/٩١] من طريق ابن عيينة، عن أيوب: ((وكان أكثرهم قرآنًا، فقدّم)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث هشام بن عامر رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحیح. فإن قلت: قد اختلف فيه على حميد بن هلال، راويه عن هشام، فمنهم من قال: عن حميد، عن هشام، كما في رواية الباب، والرواية الآتية في [٩٠/ ٢٠١٥ و٩١/ ٢٠١٨] ، ومنهم من أدخل بينه، وبينه ابنه سعد بن هشام، كما في الرواية الآتية في [٢٠١١/٨٧ و٢٠١٦/٩٠]، ومنهم من أدخل بينهما أبا الدَّهْمَاء، كما في الرواية الآتية في [٢٠١٧/٩٠]؟. وهذا اضطراب من حميد في الرواية، فكيف يصحّ؟. قلت: ليس هذا اضطرابا يوجب ضعف الحديث، لإمكان الجمع بين هذه الروايات، فإن حميدًا، روى عن هشام، وعن ابنه سعد، وعن أبي الدَّهْماء، واسمه قِرْفَة بن بُيس، فيحمل على أنه سمعه من سعد بن هشام، عن أبيه، وسمعه من أبي الدَّهماء، عن هشام، ثم سمعه عن هشام، بدون واسطة، وقد رواه معمر، عن أيوب، وقال: عن حميد بن هلال، قال: أخبرنا هشام بن عامر، فصرّح بسماع حميد إياه من هشام، كما في رواية أحمد في ((المسند))(٢). ثم إن للحديث شاهدًا صحيحًا من حديث رجل من الأنصار، أخرجه أبو داود، في ((سننه))، فقال: ٣٣٣٢- حدثنا محمد بن العلاء، أخبرنا ابن إدريس، أخبرنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول اللّه وَله في جنازة، فرأيت رسول اللّه وَلَتله وهو على القبر، يوصي الحافر، ((أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه))، فلما رجع استقبله، دَاعِي امرأة، فجاء، وجيء بالطعام، فوضع يده، ثم وضع القوم، فأكلوا، فنظر (١)- ((الإصابة)) ج٥ ص٣٧٤ . (٢)-انظر ((المسند)) رقم ١٥٨٢٧. ١ ٣٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ آباؤنا رسول اللّه وَ له، يلوك لقمة في فمه، ثم قال: «أجد لحم شاة، أخذت بغير إذن أهلها، فأرسلت المرأة، قالت: يا رسول اللَّه، إني أرسلت إلى البقيع، يشتري لي شاة، فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي، قد اشترى شاة، أن أرسل إليّ بها بثمنها، فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته، فأرسلت إليّ بها، فقال رسول اللّه ◌َالتير: ((أطعميه الأسارى)). وهذا سند صحيح. والحاصل أن حديث هشام بن عامر هذا صحيح. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠١٠/٨٦ و٢٠١١/٨٧ و٢٠١٥/٩٠ و٢٠١٦ و٢٠١٧ و٩١/ ٢٠١٨- وفي ((الكبرى))٢١٣٧/٨٦ و٢١٣٨/٨٧ و٢١٤٢/٩٠ و ٢١٤٣ و٢١٤٤ و٩١/ ٢١٤٥. وأخرجه (د) ٣٢١٥ (ت)١٧١٣ (ق) ١٥٦٠ (أحمد) ١٥٨١٨ و١٥٨٢١ و١٥٨٢٢ و١٥٨٢٥ و١٥٨٢٧ و١٥٨٢٨. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب إعماق القبر، وقد تقدّم ما فيه. ومنها: وجوب حفر القبر لدفن الموتى. ومنها: التحسين في حفره. ومنها: توسيعه. ومنها: جواز دفن الاثنين، والثلاثة في قبر واحد؛ للضرورة. ومنها: تقديم من كان أكثر قرآنًا إلى القبلة، تعظيمًا لشرف القرآن. ومنها: ما كان عليه الصحابة من مراجعة رسول اللَّه ◌َ لَّ في كلّ أمورهم، فلا يُقْدمُونَ على شيء، إلا بعد توجيهه لهم، ولو كان ذلك الأمر مما يشقّ عليهم، ويضرّ بهم، ثم لا يكون في صدورهم شيء من الاعتراض على ذلك، فكانوا مُلزمين أنفسَهُم العملَ بمقتضى قوله تعالى: ﴿فَلَاَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في بيان أقوال أهل العلم في حفر القبور، وإعماقها: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: لم يختلف من أحفظ عنه من أهل العلم أن دفن الموتى واجب، لازم على الناس، لا يسعهم ترك ذلك عند الإمكان، ووجود السبيل إليه، ومن قام به سقط فرض ذلك عن سائر المسلمين. قال: واختلفوا في مقدار ما يعمق القبر، روينا عن عمر بن الخطاب نظمثم أنه أوصى أن يعمّق قبره قامة، وبسطة. وعن عمر بن عبدالعزيز، والنخعيّ، أنهما قالا: يحفر للميت إلى السرّة، وكان مالك يقول: لم يبلغني في عمق قدر الميت شيء موقوف عليه، وأحبّ إليّ أن لا تكون عمقية جدًا، ولا قريبة من أعلى الأرض جدًّا. وروينا عن أبي موسى الأشعريّ أنه أوصى أن يعمّق قبره. وقال الشافعيّ: أحب أن يعمّق للميت ٨٧- بابُ مَا يُستَحَبُ مِنْ تَوْسِيع القُبْرِ - حديث رقم ٢٠١١ ٣٦٣ قدر بسطة، ولا يقرب على أحد إن أراد أن ينبشه، ولا يظهر له ريح. انتهى كلام ابن المنذر باختصار(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الأرجح عندي أنه لا حدّ لإعماق القبر، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى، فقد أمر النبي وَلّر به، من غير بيان لمقداره، وأما أثر عمر وَّهُ الذي أشار إليه ابن المنذر فيما تقدم، فضعيف؛ لأنه من رواية الحسن، عن عمر وَُّه، ولم يلقه، فما قاله مالك رحمه الله تعالى هو الأولى. والحاصل أنه إذا حصل ستر جثة الميت، عن أعين الناس، ودفع رائحته عنهم، وحفظه من السباع، ومن النّاش ، فقد حصل المقصود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)) ٨٧- بَابُ مَا يُستَحَبُّ مِنْ تَوْسِيعِ الْقَبْرِ ٢٠١١- أُخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ هِلَالٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، أُصِيبَ مَنْ أُصِيبَ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَصَابَ النَّاسَ جِرَاحَاتٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((اخْفِرُوا، وَأَوْسِعُوا، وَادْفِنُوا الِثْنَيْنِ، وَالثّلاثَةَ، فِي الْقَبْرِ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق ثان لحديث هشام بن عامر رَيها، أدخل فيه حميد بينه وبين هشام ولده سعدًا، وهو حديث صحيح، قد تقدّم البحث فيه في الباب السابق، وممن لم يتقدّم من رجاله هناك: ١- (محمد بن مَعْمَر) القيسيّ البصريّ، أحد مشايخ الأئمة الستة بدون واسطة، كما تقدم غير مرّة، صدوق من كبار [١١] ١٣٧٠/٢. ٢- (وهب بن جرير) بن حازم، أبو عبدالله البصريّ، ثقة [٩] ١١٧٨/١٩٦. ٣- (جرير بن حازم) بن زيد أبو النضر البصريّ، ثقة، في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] ١٧٢/ ١١٤١ . (١)- ((الأوسط) ج٥ ص ٤٥٠-٤٥٤. ٣٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ ٤- (سعد بن هشام) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣] ١٣١٥/٦٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٨٨- وَضْعُ الثَّوْبِ فِي اللَّحْدِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر صنيع المصنف رحمه الله تعالى، أنه يرى جواز وضع الثوب تحت الميت في اللحد، حیث ترجم علیه، ثم أورد حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في وضع قطيفة حمراء تحت النبي ◌َّ، وهذا هو الراجح، كما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٠١٢- أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ يَزِبِدَ -وَهُوَ ابْنُ زُرَنِع- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جُعِلَ تَحَتَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، حِينَ دُفِنَ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ . رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدموا قريبا، إلا: ١- (أبا جمرة) -بالجيم، والراء- نصر بن عمران بن عصام، وقيل: ابن عاصم بن واسع، الضُّبعيّ بضم المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها مهملة- البصريّ، نزيل خُرَاسان، مشهور بكنيته، ثقة ثبت [٣]. قال عبدالله بن أحمد، عن أبيه: ثقة. وكذا قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين. وقال الآجريّ، عن أبي داود: روى أبو عوانة، عن أبي حمزة القصّاب ستين حديثا، وروى عن أبي جمرة الضبعي أراه حديثا واحدًا. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال مسلم بن الحجّاج: كان مقيمًا بنيسابور، ثم خرج إلى مرو، ثم إلى سرخس، فمات بها. وقال الحاكم: كان ورد خُراسان مع سعيد بن عثمان، ثم وردها مع يزيد بن الْمُهَلّب، وله ذکر في الفتوح، ثم أقام بسرخس، وتوفّي بها. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا. وقال ابن عبدالبر: أجمعوا على أنه ثقة. وقال عمرو بن عليّ: مات قبل أبي التيّاح بقليل، ومات أبو التيّاح سنة (١٢٨) وفيها أرّخه الترمذيّ، وقال إنهما ماتا في يوم واحد. وقال خليفة ابن خيّاط، والبخاريّ: مات في ولاية يوسف بن عمر على العراق، وكان عَزْلُ يوسف سنة (١٢٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط. ٨٨- وَضْعُ الثَّوْب فِي اللَّخْدِ - حديث رقم ٢٠١٢ ٣٦٥ [تنبيه] : قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) عقب إخراجه لهذا الحديث: ما نصّه: قال مسلم: أبو جمرة، اسمه نصر بن عمران، وأبو التّاح، اسمه یزید بن حُميد، ماتا بسرخس انتهى. قال النووي رحمه الله تعالى: وهو أبو جمرة بالجيم، و((الضبعيّ)) بضم الضاد المعجمة، وفتح الباء الموحّدة، وأما سَرَخْس، فمدينة معروفة بخُرَاسان، وهي بفتح السين، والراء، وإسكان الخاء المعجمة، ويقال أيضًا: بإسكان الراء، وفتح الخاء، والأول أشهر. وإنما ذكر مسلم أبا جمرة، وأبا التياح جميعا، مع أن أبا جمرة مذكور في الإسناد، ولا ذكر لأبي التياح هنا، لاشتراكهما في أشياء، قلّ أن يشترك فيها اثنان من العلماء، لأنهما جميعا ضُبَعيّان، بصريّان، تابعيّان، ثقتان، ماتا بسرخس في سنة واحدة، سنة (١٢٨). وذكر ابن عبدالبرّ، وابن منده، وأبو نعيم الأصبهانيّ عمران والد أبي جمرة في كتبهم في معرفة الصحابة، قالوا: واختلف العلماء، هل هو صحابيّ، أم تابعيّ؟ وكان قاضيا على البصرة، رَوَى عنه ابنه أبو جمرة وغيره. قال الحاكم أبو أحمد في كتابه في الكنى : ليس في الرواة من يكنى أبا جمرة بالجيم غير أبي جمرة هذا انتهى(١). [تنبيه آخر]: قال المصنّف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) بعد إخراجه حديث الباب: ما نصّه: قال أبو عبدالرحمن: وأبو حمزة عمران بن أبي عطاء ليس بالقويّ، وأبو جمرة(٢)، نصر بن عمران، بصريّ، ثقة، وكلاهما يرويان عن ابن عباس انتهى(٣). ونحو ما قاله المصنّف قول الترمذيّ في ((جامعه)): وقد روى شعبة عن أبي حمزة القصّاب، واسمه عمران بن أبي عطاء، وروى عن أبي جمرة الضبعي، واسمه نصر بن عمران، وكلاهما من أصحاب ابن عباس انتهى (٤). وقد ذكر بعضهم أن شعبة يروي عن سبعة، كلهم يكنى أبا حمزة، إلا واحدًا، وهو أبو جمرة، نصر بن عمران هذا، وكلهم يروون عن ابن عباس رَّت، وإلى ذلك أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث))، حيث قال: وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ يَرْوِي شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزَاىٍ عِدَّةُ وَهُوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُذْعَى نَصْرَا إِلَّا أَبَا جَمْرَةَ فَهْوَ بِالرَّا (١)-((شرح مسلم)) ج٧ ص٣٨-٣٩ . (٢)- وقع في نسخة ((الكبرى)) أبو حمزة بالحاء المهملة في الموضعين، وهو غلط، والصواب أن الأول بالحاء المهملة، والثاني بالجيم بدل الحاء، فتنبّه. (٣)- ((السنن الكبرى)) ج١ ص٦٤٩ رقم الحديث ٢١٣٩. (٤)- ((جامع الترمذي)) ج٤ ص١٤٩ رقم الحديث ١٠٥٣ بنسخة شرح المباركفوري. ٣٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: جُعِلَ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ وَِ، حِينَ دُفِنَ قَّطِيفَةٌ حَمْرَاءُ) ((القطيفة)): كساء له خَمْلٌ، جمعه قَطائف، وقُطُف بضمتين. و((الخَمْلِ)) وزان فَلْس: الْهُذْب. قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذه القطيفة ألقاها شُقران، مولى رسول اللَّه وَليه وقال: كرهت أن يلبسها أحد بعد رسول اللّه وَله . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: سيأتي تضعيف هذه القصّة، إن شاء الله تعالى. وقال السيوطيّ رحمه الله تعالى: زاد ابن سعد في ((طبقاته))، قال وكيع: هذا للنبيّ وَلـ خاصّة، وله عن الحسن أن رسول اللّه وَ ل بسط تحته شمل قطيفة حمراء، كان يلبسها، قال: وكانت أرض نديّة، وله طريق آخر عن الحسن، قال: قال رسول اللَّه وَ له: ((افرشوا لي قطيفتي في لحدي، فإن الأرض لم تُسلّط على أجساد الأنبياء انتهى.(١) قال الجامع عفا الله تعالى: هذان الأثران ضعيفان، لأنهما من مراسيل الحسن البصري، وهي ضعاف عند الجمهور. وكذا قول وكيع: إنها خاصة للنبي وَاللّ مما لا دليل عليه، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠١٢/٨٨ - وفي («الكبرى»٢١٣٩/٨٨. وأخرجه (م)٨٦٧ (د)٣٩٧١ (١)- ((زهر الربى)) ج٣ ص ٨١ - ٨٥. ٨٨- وَضْعُ الثّوب فِي اللَّخدِ - حديث رقم ٢٠١٢ ٣٦٧ (ت)١٠٤٨ و٣٠٠٩ (أحمد) ٢٠٢٢ و٣٣٣١ و١٦٨٢. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم وضع الثوب في اللحد: قال النوويّ رحمه الله تعالى: وقد نصّ الشافعيّ، وجميع أصحابنا، وغيرهم، من العلماء على كراهة وضع قَطِيفة، أو مُضَرَّبَة، أو مِخَدّة، ونحو ذلك تحت الميت في القبر، وشذّ عنهم البغويّ من أصحابنا، فقال: في كتابه ((التهذيب)): لا بأس بذلك؛ لهذا الحدیث، والصواب كراهته، كما قال الجمهور. وأجابوا عن هذا الحديث بأن شُقران انفرد بفعل ذلك، لم يوافقه غيره من الصحابة، ولا علموا ذلك، وإنما فعله شقران لما ذكرناه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبي وَّر؛ لأن النبي ◌َلو كان يلبسها، ويفترشها، فلم تطب نفس شقران أن يبتذلها أحد بعد النبي وَالر، وخالفه غيره، فروى البيهقيّ عن ابن عباس رؤيتها أنه كره أن يُجعل تحت الميت ثوب في قبره. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه اللَّه تعالى(١) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: كلام النووي هذا فيه نظر من وجوه: الأول: أن قوله: لم يوافقه غيره من الصحابة، ولا علموا ذلك، غير صحيح، فمَن الذي خالفه من الصحابة؟، وهذا ابن عباس رَؤتت علم بذلك، وحدّث به، ولم يثبت عنه الإنكار، وأما ما رُوي عنه من الكراهة، فسيأتي الجواب عنه قريبًا . الثاني: قوله: وإنما فعله شُقران كراهة أن يلبسها أحد بعده وَّر الخ، غير صحيح أيضًا، فقد أخرجه البيهقيّ ج٣ ص٤٠٨ بسنده عن حسين بن عبدالله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((وقد كان شقران حين وضع رسول اللَّه وَله في حفرته، أخذ قطيفة قد كان رسول اللَّه وَ لَه يلبسها، ويفرشها، فدفنها معه في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك، فدفنت مع رسول اللَّه وَلِ)). فهذا سند غير صحيح، لأن حسين بن عبدالله بن عبيدالله بن عباس بن عبد المطلب الهاشميّ الراوي عن عكرمة اتفقوا على ضعفه. ولذا قال البيهقيّ: ففي هذه الرواية إن كانت ثابتة الخ. والصحيح عن شقران ما أخرجه الترمذيّ بسند صحيح، عن عبيدالله بن أبي رافع، قال: سمعت شُقران، مولى رسول اللَّه وَ له يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول اللَّهِ وَ لحر في القبر)). فلم يذكر ما ذكره النوويّ، بل أثبت وضعه لها تحته وَله. (١)-(شرح مسلم)) ج٧ ص٣٨. ٣٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ وروى ابن أبي شيبة من طريق حفص، عن جعفر، عن أبيه، قال: ((ألحد لرسول اللَّه وَل جر، وألقى شقران في قبره قطيفة، كان يركب بها في حياته)). وهذا مرسل صحيح. وأيضًا لما ذا يخصّ شقران القطيفة، ويكره أن يلبسها أحد بعده وَلتر، ويترك سائر ما كان يستعمله النبي ◌ّل، من قميص، وعمامة، و فراش، فلما ذا لم يدفن جميع ذلك معه، هذا شيء عجيب. ومنها: ما ذكره عن ابن عباس أنه كره ذلك، وهذا غير صحيح أيضًا، لأنه ليس له إسناد، فقد ذكره الترمذيّ -١/ ١٩٥ - تعليقًا بلا إسناد، وكذا البيهقي الذي نقل النووي عنه هذا الكلام ذكره في «سننه)) ٤٠٨/٣ بلفظ: ((وقد روي عن يزيد بن الأصمّ، عن ابن عباس أنه كره أن يجعل تحت الميت ثوبا في القبر انتهى. فهذا غاية ما خالف فيه ابن عباس شُقران على زعم النوويّ، فكيف يُعارض بمثل هذا ما صحّ في صحيح مسلم وغيره عنه أنه أثبت ذلك؟. ومن الغريب جعل قول البغويّ من الشافعية شاذًا مع أن الدليل الصحيح، معه، إن هذا لشيء غريب !. وبالجملة فدعوى عدم علم الصحابة بذلك عجيب!، فكيف لا يعلمون ذلك، وقد تولى جماعة دفنه وَّية، ولم ينفرد شقران بدفنه، حتى يخفى على الآخرين وضع القطيفة تحته وَالر؟ . ومن الغريب أيضًا ما رجحه العراقيّ في ألفية السيرة، من أن تلك القطيفة أخرجت بعد ما قُرشت، حیث قال فيها: وَفُرِشَتْ فِي قَبْرِهِ قَطِيفَةُ وَقِيلَ أُخْرِجَتْ وَهَذَا أَثْبَتُ وهذا قاله تبعًا لابن عبدالبرّ، فإنه رجح ذلك، وهذا لا يثبت، فإنه رواه الواقديّ، عن عليّ بن حسین -کما ذكره الحافظ في (التلخيص الحبير) ج٢ ص ٢٦٣ - وهذا مرسل، والكلام في الواقديّ شهير، فكيف يُرَجِّح ما هذا حاله على ما ثبت في ((صحيح مسلم))، وغيره؟. والحاصل أن الصواب جواز وضع الثوب تحت الميت، كما هو ظاهر مذهب المصنّف رحمه الله تعالى، كما أشرت إليه في أول الباب. وقد ذهب إلى هذا القول الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه اللّه تعالى، ودونك عبارته: ((مسألة : - ولا بأس بأن يُبسط في القبر تحت الميت ثوب)). لما روينا من طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا يحيى بن سعيد القطان، نا شعبة، نا أبو جمرة، عن ابن عبّاس، قال: ((بُسط في قبر رسول الله ﴿ ﴿ قطيفة حمراء)). ورواه أيضًا كذلك وكيع، ومحمد بن جعفر، ويزيد بن ٨٩- السَّاعَاتُ التِّي نِهُيَ عَنْ إِقْبَارِ ... - حديث رقم ٢٠١٣ ٣٦٩ ~ زُريع، كلهم عن شعبة بإسناده. وهذا من جملة ما يُكساه الميت في كفنه، وقد ترك اللَّه تعالى هذا العمل في دفن رسوله ول المعصوم من الناس، ولم يمنع منه، وفعله خيرة أهل الأرض في ذلك الوقت، بإجماع منهم، لم يُنكره أحد منهم، ولم يرد ذلك المالكيون، وهم يدّعون في أقلّ من هذا عمل أهل المدينة! وقد تركوا عملهم هنا، وفي الصلاة على الميت في المسجد، وفي حديث صخر أنه عملهم، وحسبنا الله، ونعم الوكيل انتهى(١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٨٩- السَّاعَاتُ الَّتِي فِيَ عَنْ إِقْبَارِ الْمَوْتَی فِیهِنَّ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الترجمة، ظاهرة في كون المصنّف يحمل قول عقبة بن عامر تَّه: ((أو نقبر فيهنّ موتانا)) على الدفن، لا على الصلاة، كما فسر به بعضهم، فَيُمنَع عن دفن الموتى في هذه الأوقات، وهذا الذي ذهب إليه المصنّف، هو الذي ذهب إليه ابن حزم، فقال بعدم جواز الدفن في هذه الأوقات، عملاً بظاهر (٢) النھي(٢). وذهبت الحنابلة إلى الكراهة، وقالت الحنفيّة، والشافعية: لا يكره الدفن في هذه الأوقات إلا أن يتحرّى ذلك، فيكره. ومحلّ الخلاف ما لم يُخشَ تغيّر الميت، وإلا فلا خلاف في الجواز(٣) قلت: القول الأول هو الراجح عندي؛ لقوة دليله، فيمنع الدفن في الأوقات الثلاثة، إلا عند الضرورة، فأما إذا كان هناك ضرر، بأن خيف تغير الميت، ونحو ذلك، فلا حرج في دفنه في هذه الأوقات، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا (١)- ((المحلّى)) ج٥ ص١٦٤ . (٢)- انظر ((المحلى)) ج٥ ص١١٤- ١١٥. (٣)-انظر ((المنهل)) ج٩ ص٢٦ . ٣٧٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهُ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩]، وقوله وَّله في الحديث التالي: ((إلا أن يُضطَّرَّ إلى ذلك)» . هذا ما يتعلّق بدفن الميت، وأما ما يتعلّق بالصلاة عليه، فقد تقدّم البحث فيه مُستَوفَى في ((كتاب الصلاة)) [٥٦٠/٣١]، فراجعه تستفد، وباللَّه سبحانه وتعالى التوفيق . ٢٠١٣- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيَّ بْنِ رَبَاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرِ الْجُهَنِيَّ، قَالَ: ((ثَلاثُ سَاعَاتٍ، كَانُّ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ، يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَّنَا، حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً، حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (موسى بن عُليّ بن رَبَاح) اللَّخْمَيّ، أبو عبدالرحمن المصريّ، صدوق ربما أخطأ [٧] ٣١/ ٥٦٠ . ٢- (أبوه) عُلي بن رَبَاح بن قَصير، ضدّ الطويل اللخميّ المصريّ، ثقة، من صغار [٣]. والمشهور فيه ((عُليّ)) بالتصغير، وكان يغضب منها، وقيل: عَليّ بالفتح، كالجادّة ٤١ /٥٦٠ . ٣- (عقبة بن عامر الْجُهَنيّ) صحابيّ فقيه فاضل، كان أمير مصر رَزالته ١٤٤/١٠٨. وعمرو بن عليّ الفلاس، وعبد الرحمن بن مهديّ تقدما قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من موسى، وشيخُهُ، وعبدُ الرحمن بصريان. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن عقبة بن عامر الجهنيّ رَّه أنه ( قال: ((ثَلَاثُ سَاعَاتٍ) مبتدأ خبره الجملة بعده، أي ثلاث أوقات (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ، يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ) هذا بإطلاقه يشمل صلاة الجنازة، لأنها صلاة، لكن تقدّم في ((كتاب الصلاة)) - ٣١/ ٥٦٠ - أن المراد تأخيرها بعد أن حضرت إلى هذه الأوقات، وتحرّي أدائها فيها، لا أن الصلاة عليها إن حضرت في ٨٩- السَّاعَاتُ التِّي نِهُيَ عَنْ إِقْبَارٍ ...- حديث رقم ٢٠١٣ ٣٧١ = تلك الأوقات يُمنع للأدلّة المتقدمة هناك، من أن ذوات الأسباب لا يُنهى عنها في تلك الأوقات، والله تعالى أعلم. (أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا) أي نجعل له قبرا، يقال: قَبَره، يَقْبُره، ويَقْبِره، من بابي قتل، وضرب، قبرًا، ومَقْبَرًا: دفنه، وأقبره: جعل له قبرًا. أفاده في ((ق)). والمراد به هنا دفنه . قال السنديّ تَخْدُثُهُ: ما حاصله: حَمَل كثير من العلماء هذا الحديث على صلاة الجنازة، ولعله من باب الكناية، لملازمة بينهما، ولا يخفى أنه بعيد، لا ينساق إليه الذهن من لفظ الحديث، قال بعضهم: يقال: قبره إذا دفنه، ولا يقال: قبره، إذا صلّى عليه، والأقرب أن الحديث يميل إلى قول أحمد وغيره أن الدفن مكروه في هذه الأوقات انتهى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: بل الحديث ظاهر في المنع عن الدفن فيها، فلا يجوز إلا للضرورة، كما تقدّم البحث عنه أول الباب، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب. (حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ) من باب قعد (بَازِغَةً) أي طالعة ظاهرة، لا يخفى طلوعها لمن يراها، وهي حال مؤكدة لعاملها (حَتَّى تَرْتَفِعَ) وفي نسخة: ((حتى ترفع)). أي إلى أن ترتفع كرمح في رأي العين، كما بُيِّن في حديث عمرو بن عَبَسَة المتقدّم في ((كتاب الصلاة))، حيث قال: ((فدع الصلاة حتى ترتفع قِيدَ رُمح، ويذهب شُعاعها ... ))، والقِيد بالكسر: القَدْر (وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ) أي يقف، ويستقرّ الظلّ الذي يقف عادة عند الظهيرة، حسبما يبدو، فإن الظلّ عند الظهيرة لا يظهر له سرعة حركة حتى يظهر بمرأى العين أنه واقف، وهو سائر حقيقة، والمراد عند الاستواء. وقد تقدم في الباب المذكور تمام البحث في ذلك (حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ) أي تميل من وسط السماء إلى جهة الغرب (وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ) بتشديد الياء، بعد الضاد المعجمة المفتوحة، مضارع ضَيّف، فهو بحذف إحدى التاءين، كقوله تعالى: ﴿فَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤] وقوله: ﴿نَارًا تَفَّى﴾ [الليل: ١٤] وقيل: هو بسكون الياء بعد الضاد، يقال: ضاف: إذا مال، كضيّف، وتضيّف. والمعنى حين تميل الشمس (لِلْغُرُوبِ))) زاد في الرواية السابقة في ((الصلاة)): ((حتى تغرب))، أي حتى يتكامل غروبها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف في (١)- (شرح السندي)) ج٣ ص٨٢ . ٣٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ [٥٦٠/٣١] وتقدم بسط شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠١٤ - أَخْبَرَنِي(١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ، الْقَطَّنُ، الرَّقْيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، فَذَكَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ مَاتَ، فَقُبِرَ لَيْلاً، وَكُفْنَ فِي كَفَنِ غَيْرِ طَائِلٍ، فَرَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِ، أَنْ يُقْبَرَ إِنْسَانٌ لَيْلاَ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى ذَلِكَ. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنّف برقم [١٨٩٥/٣٧] سندًا ومتنا، وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه] : ولنذكر هنا ما لم يتقدم بيانه هناك، وهو ما يتعلّق بهذا الباب، من بيان حکم الدفن بالليل: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الدفن بالليل، فممن دُفِن بالليل أبو بكر، وفاطمة، وعائشة، وروينا أن عثمان دُفن ليلاً، وممن رَخْص في الدفن بالليل عقبة بن عامر، وسعيد بن المسيب، وشُريح، وعطاء بن أبي رباح، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وكان الحسن البصريّ يكره الدفن بالليل. قال ابن المنذر: الدفن بالليل مباح، لأن مسكينة توفيت على عهد النبيّ وَّرَ، فدفنت بالليل، ولم ينكر ذلك عليهم لما علم به، لأنهم أعلموه بذلك، فأتی قبرها، فصلی علیه، وقد دفن من ذكرنا من أصحاب رسول اللَّه وَالي ليلاً، ولو كان ذلك مكروهًا ما فعلوه، والذين تولوا (٢) ذلك أصحاب رسول اللَّه وَلّر، أو من تولاه منهم انتهى كلامه(٣). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الدفن بالليل ممنوع إلا عند الضرورة؛ لظاهر حديث الباب، والذين دفنوا ليلاً من الصحابة المذكورين له إنما فُعل بهم ذلك للحاجة، فلا يتعارض مع حديث الباب. قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: ولا يجوز أن يدفن أحد ليلا إلا عن ضرورة، قال: كل من دفن ليلا منهمالَّله، ومن أزواجه، ومن أصحابه *ه فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك، من خوف زحام، أو خوف الحرّ على من حضر، وحرّ المدينة شديد، أو خوف تغيّر، أو غير ذلك، مما يبيح الدفن ليلاً، لا يحلّ لأحد أن (١)-وفي ((الهندية)): ((أخبرنا)). (٢)- وفي نسخة ((الأسط)) ((والمبين ذلك أصحاب الخ)) والظاهر أن صوابه والذين تولوا ذلك الخ. (٣)- ((الأوسط)) ج٥ ص ٤٦٠-٤٦١. ٩٠- دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي القَبْرِ الوَاحِدِ - حديث رقم ٢٠١٥ ٣٧٣ خلاف ذلك. يظنّ بهم قال: روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان، ثنا هشام الدستوائيّ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، أنه كره الدفن ليلاً انتهى كلام ابن حزم رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن حزم رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب» . ٩٠- دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ ٢٠١٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، أَصَابَ النَّاسَ جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((اخْفَرُوا، وَأَوْسِعُوا، وَادْفِنُوا الِثْنَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرِ))، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ نُقَدِّمُ؟، قَالَ: ((قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق ثالث لحديث هشام بن عامر رَّه الذي تقدّم قبل ثلاثة أبواب، استدلّ به المصنّف هناك على استحباب إعماق القبر، وهو حديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه سبحانه وتعالى التوفيق . و((محمد بن عبدالله بن المبارك)): هو أبو جعفر البغداديّ الْمُخَرِّمي الحافظ [١١] ٥٠/٤٣. و((وكيع)) هو ابن الجرّاح الإمام الحافظ الثبت [٩] ٢٥/٢٣. و((سليمان بن المغيرة)): هو القيسيّ مولاهم البصريّ الثقة [٧] ٦١٦/٥٣ . وقوله: ((جهد شديد)»: بفتح الجيم، وحكي ضمها، أي مشقّة شديدة. [تنبيه] : استدلّ المصنف رحمه الله تعالى بحديث الباب على جواز دفن الجماعة في القبر الواحد، والمسألة فيها خلاف. قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلفوا في دفن الاثنين في قبر، فروينا عن الحسن أنه کره أن يدفن اثنان في قبر، ورخّص في ذلك غير واحد من أهل العلم، روینا (١)- ((المحلى)) ج٥ ص١١٤-١١٥. ٣٧٤ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ عن عطاء، ومجاهد في الرجل والمرأة يُدفنان في القبر؟ قالا: يُقدّم الرجل أمام المرأة في القبر، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والنعمان، غير أن الشافعيّ، وأحمد قالا: يُدفنان في مواضع الضرورات، وكان الأوزاعيّ يُرخّص في دفن الرجل والمرأة في القبر. قال ابن المنذر: وكذلك نقول، ويقدّم أفضلهم، وأستّهم، وأكثرهم قرآنا، كذلك السنة انتهى (١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الأرجح عندي ما قاله الشافعيّ، وأحمد رحمهما الله تعالى، وهو أن جواز دفن الجماعة مقيد بحال الضرورة؛ لظاهر أحاديث الباب، فإن النبيّ وَّ ما أذن لهم في الجمع بين الموتى في قبر واحد إلا عند اشتكائهم بالجهد والمشقّة في حفر القبر لكل واحد من الموتى، وإلا فسنته وَّر الغالبة دفن كلّ ميت في قبر على حدته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الو کیل. ٢٠١٦ - أَخْبَرَنِي (٢) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَنْبَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَئِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَام بْنِ غَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اشْتَدَّ الْجِرَاحُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَشُكِيَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَهِ، فَقَالَ: ((احْفِرُوا، وَأَوْسِعُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا فِي الْقَبْرِ الِثْنَيْنِ، وَالثَلَاثَةَ، وَقَدْمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا)) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا طريق رابع أيضًا لحديث هشام بن عامر رَظله ، أدخل فيه حميدٌ بينه وبين هشام ولده سعدًا، وتقدم الكلام عليه في [٢٠١٠/٨٦]. و((إبراهيم بن يعقوب)): هو الْجُوزجانيّ الحافظ الثبت [١١] ١٧٤/١٢٢. و(سليمان بن حرب)): هو الأزديّ الواشحيّ البصريّ نزيل مكة، وقاضيها، ثقة حافظ إمام [٩] ٢٨٨/٨٨١. و((حماد بن زيد)): هو الجهضميّ البصريّ الثقة الثبت [٨] ٣/٣ . والحديث صحيح وقد سبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)». (١)- ((الأوسط)) ج٥ ص ٤٦٣ . (٢)- وفي ((الهندية)): ((أخبرنا)). ٩٢- إِخْرَاجُ الْمَيْتِ مِنَ اللَّحْدِ بَعْدَ أَنْ ... - حديث رقم ٢٠١٩ ٣٧٥ ٩١- مَنْ يُقَدَّمُ؟ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((من)) استفهامية، والفعل مبنيّ للمفعول، ووقع في ((الهندية)): ((من يقدموا))، والظاهر أنه غلط. وغرضه بهذا الباب بيان من يُقدّم إلى جهة القبلة عند الوضع في اللحد فيما إذا جُمع الموتى في قبر واحد. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٠١٨- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامٍِ، قَالَ: قُتِلَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((اخْفِرُوا، وَأَوْسِعُوا، وَأَحْسِنُوا، وَاذِفِتُّوا الِثْتَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ، فِي الْقَبْرِ، وَقَدْمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا))، فَكَانَ أَبِي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا فَقُدِّمَ. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا طريق خامس لحديث هشام بن عامر ◌َطبليه ، استنبط منه المصنف رحمه اللّه تعالى بيان من يُقدّم في اللحد، وهو من كان أكثر قرآنا. و(محمد بن منصور)): هو الْجَوّاز المكيّ. و((سفيان)): هو ابن عيينة. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٩٢- إِخْرَاجُ الْمَيْتِ مِنَ اللَّخْدِ بَعْدَ أَنْ يُوضَعَ فِيهِ ٢٠١٩ - قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهٍ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرُو جَابِرًا، يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ نَّهَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ، بَعْدَ مَا أَدْخِلَ فِي قَبْرِهِ(١)، فَأَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ، مِنْ رِبِقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في [٤٠/ ١٩٠١] استدلّ به المصنّف هناك على مشروعية القميص في الكفن، ورواه عن عبد الجبار بن (١)-وفي نسخة: ((في حفرته)). ٣٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ العلاء، عن سفيان به، وتقدم الكلام عليه هناك مستوفّى، واستدلّ به هنا على جواز إخراج الميت بعد إدخاله القبر للحاجة، واستدلاله به واضح. ((وسفيان)): هو ابن عيينة. والسند من رباعيات المصنّف رحمه اللّه تعالى عنه، وهو (١١٨) من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٢٠- أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا، يَقُولُ: إِنَّ النَِّيَّ ◌َِّ، أَمَرَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِيٍّ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَبْرِهِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَتَقَلَ فِيهِ، مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَةُ، قَالَ جَابِرٌ: وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق آخر أيضًا لحديث جابر المذكور، وهو متفق عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله. و((الحسين بن حُريث)): هو أبو عمّار المروزيّ ثقة [١٠] ٥٢/٤٤. و((الفضل بن موسى)): هو أبو عبدالله السِّينَانيّ المروزيّ، ثقة ثبت ربما أغرب، من كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠ . و((الحسين بن واقد)): هو أبو عبدالله القاضي المروزيّ، ثقة له أوهام [٧] ٥٪ ٤٦٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٩٣- بَابُ إِخْرَاجُ الْمَيْتِ مِنَ الْقَبْرِ بَعْدَ أَنْ يُدْفَنَ فِیهِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الفرق بين هذه الترجمة، والتي قبلها، أن الإخراج في الأولى قبل الدفن، وفي هذه بعده. وأشار بالترجمتين إلى الردّ على من منع إخراج الميت من قبره مطلقًا، أو لسبب دون سبب، كمن خصّ الجواز بما لو دُفن بغير غسل، أو بغير صلاة، ففي حديث جابر الماضي دلالة على الجواز فيما إذا كان في نبشه مصلحة تتعلّق (١)- وفي ((الهندية)): ((وصلى عليه، قال جابر: والله أعلم)). ٩٣ - بابُ إِخْرَاجُ الْمَيْتِ مِنَ الْقَبْرِ بَعْدَ ... - حديث رقم ٢٠٢١ ٣٧٧ == بالميت، وفي حديثه هذا دلالة على الجواز فيما إذا تعلّق به مصلحة للحيّ، لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه. أفاده في ((الفتح))(١). ٢٠٢١ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابٍِ، قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فِي الْقَبْرِ، فَلَمْ يَطِبْ قَلْبِي، حَتَّى أَخْرَجَّتُهُ، وَدَفَتْتُهُ عَلَى حِدَةٍ. رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (العباس بن عبد العظيم) العنبريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [١١] ١١٩/٩٦ . ٢- (سعيد بن عامر) الضُّبَعيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة صالح، ربما وهم [٩]١١/ ٥١٨ . ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٦/٢٤. ٤- (ابن أبي نجيح) عبدالله، واسم أبيه يسار، الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة رمي بالقدر، وربما دلّس [٦] ١١٢ / ١٥٥. ٥- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ، أبو محمد الفقيه المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢ /١٥٤. ٦- (جابر) بن عبدالله رضي اللّه تعالى عنهما٣٥/٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبعده بالمكيين، وجابر رَّ، وإن كان مدنيان إلا أنه سكن مكة. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرٍ) رَّهِ، أنه (قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي) عبد الله بن عمرو بن حَرَام بن ثعلبة بن حرام الأنصاريّ الخزرجيّ السُّلمي الصحابيّ المشهور، معدود في أهل العقبة، وبدر، وكان من النقباء، واستشهد بأحد تَن ته. وقال البخاريّ في ((صحيحه)): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، (١)- ((فتح)) ج٣ ص٥٧٨ . ٣٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ قال: سمعت محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبدالله رضي ليثبتا، قال: لما قتل أبي، جعلت أكشف الثوب عن وجهه، أبكي، وينهوني عنه، والنبي ◌َّ، لا ينهاني، فجعلتْ عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي وَله: ((تبكين، أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها، حتى رفعتموه)). وتقدم للمصنّف برقم ١٨٤٣/١٢ و١٨٤٥/١٤. وقال الترمذي رحمه الله تعالى في «جامعه»: حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي، حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري، قال: سمعت طلحة بن خِرَاش، قال: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: لقيني رسول اللَّه وَله، فقال لي: ((يا جابر، ما لي أراك منكسرا؟))، قلت: يا رسول اللَّه، استُشهِد أبي، قتل يوم أحد، وترك عيالا ودينا، قال: أفلا أبشرك، بما لقي الله به أباك، قال: قلت: بلى يا رسول اللّه، قال: ((ما كلم الله أحدا قط، إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك، فكلمه كفاحاً (١)، فقال: يا عبدي، تَمَنَّ عليّ، أعطك، قال: يا رب، تحييني، فأقتل فيك ثانية، قال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني، أنهم إليها لا يرجعون، قال: وأنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩]. قال أبو عیسی هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقد روی عبد الله بن محمد ابن عقيل، عن جابر شيئا من هذا، ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم، ورواه علي بن عبد الله بن المديني، وغير واحد من كبار أهل الحديث، هكذا عن موسى بن إبراهيم . (رَجُلٌ) هو عمرو بن الْجَمُوح بن زيد بن حَرَام الأنصاريّ، وكان صديق والد جابر، وزوج أخته هند بنت عمرو، وقال ابن إسحاق في ((المغازي)): حدثني أبي، عن رجال من بني سَلِمة أن النبي وَ لّ قال حين أصيب عبدالله بن عمرو، وعمرو بن الجموح: ((اجمعوا بينهما، فإنهما كانا متصادقين في الدنيا)). (فِي الْقَبْرِ) متعلقِ ب(«دُفن))، أي في القبر الواحد (فَلَمْ يَطِبْ قَلْبِي) وفي نسخة: ((فلم تطب نفسي)) (حَتَّى أَخْرَجْتُهُ) وفي رواية للبخاريّ من طريق حسين المعلّم، عن عطاء: ((ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هُنّة، غير أذنه)). وفي رواية أبي السكن، والنسفيّ: ((غير هُنيّة في أذنه))، وصوبها القاضي عياض. ومعناه: غير شيء يسير عند أذنه. قال في ((الفتح)): قوله: ((فاستخرجته بعد ستة أشهر)) أي من يوم دفنه، وهذا يخالف (١)-أي مواجهةً. = ٣٧٩ ٩٣- بَأَبُ إِخْرَاجُ الْمَيْتِ مِنَ الْقَبْرِ بَعْدَ ... - حديث رقم ٢٠٢١ في الظاهر ما وقع في ((الموطا)) عن عبدالرحمن بن أبي صعصعة، أنه بلغه أن عمرو بن الْجَمُوح، وعبدالله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حَفَر السيلُ قبرهما، وكانا في قبر واحد، فحُفِر عنهما؛ ليُغَيّرا من مكانهما، فوُجدا لم يتغيّرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أحد، ويوم حُفر عنهما ست وأربعون سنة، وقد جمع بينهما ابن عبد البرّ بتعدد القصّة، وفيه نظر؛ لأن الذي في حديث جابر أنه دَفَن أباه في قبر وحده بعد ستة أشهر، وفي حديث ((الموطإ)) أنهما وُجدا في قبر واحد بعد ست وأربعين سنة، فإما أن يكون المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة، أو أن السيل خَرَق أحد القبرين، فصارا كقبر واحد. وقد ذكر ابن إسحاق القصّة في ((المغازي))، فقال: حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار، قالوا: ((لما ضرب معاوية عينه التي مرّت على قبور الشهداء، انفجرت العين عليهم، فجئنا، فأخرجناهما -يعني عمرًا وعبدالله- وعليهما بردتان، قد غُطّي بهما وجوههما، وعلى أقدامهم شيء من نبات الأرض، فأخرجناهما يتثنيان تثنيًا؛ كأنهما ماتا بالأمس))، وله شاهد بإسناد صحيح عند ابن سعد، من طريق أبي الزبير، عن جابر انتھی(١). (وَدَفَتْتُهُ عَلَى حِدَةٍ) -بكسر الحاء، وتخفيف الدال المهملتين- أي بانفراده، يقال: وَحَدَ يَحِدُ حِدَةً، من باب وَعَدَ: انفرد بنفسه، فهم وَحَدٌ -بفتحتين، وكسر الحاء لغةٌ، ووحُدَ بالضمّ وَحَادة، وَوَحْدَةً، فهو وَحِيد، كذلك، وكلّ شيء على حدة: أي متميِّز عن غيره. قاله في ((المصباح)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر وَّ هذا أخرجه البخاريّ. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٢١/٩٣ - وفي («الكبرى»٢١٤٨/٩٣. وأخرجه (خ)١٣٥١ و١٣٥٢ و١٣٤٥ و١٣٤٦ و١٣٦٨ و١٣٤٣ و١٣٥٣ و٤٠٨٠ (د)٣١٣٨ (ت) ١٠٣٦ (ق) ١٥١٤ (أحمد) ١٣٧٧٧ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز إخراج الميت من قبره بعد دفنه لحاجة. ومنها: جواز دفن الاثنين، فأكثر في قبر واحد للضرورة. ومنها: الإرشاد (١)- (فتح)) ج٣ ص ٥٨٠ . ٣٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ إلى برّ الأولاد بالآباء، خصوصًا بعد الوفاة. ومنها: كرامة عبدالله بن عمرو وصاحبه رضوانهنا حيث لم تأكل الأرض جسدهما مع طول لبثهما فيها، قال الحافظ رحمه الله تعالى: والظاهر أن ذلك لمكان الشهادة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في حكم إخراج الميت من قبره بعد الدفن: قال أبو محمد ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)): وإن تُقْن أن الميت قد بَلِي، وصار رميمًا جاز نبش قبره، ودفن غيره فيه. وإن شكّ في ذلك رجع إلى أهل الخبرة، فإن حَفَر، فوجد فيها عظاما دفنها، وحفر في مكان آخر. نصّ عليه أحمد. واستدلّ بأن كسر عظم الميت، ككسر عظم الحيّ. وسئل أحمد عن الميت يُخرَج من قبره إلى غيره؟ فقال: إذا كان شيء يؤذيه، قد حُوّل طلحة، وحُوّلت عائشة. وسئل عن قوم دُفنوا في بساتين، ومواضع رديئة؟ فقال: قد نَّبَش معاذ امرأته، وقد كانت كفّنت في خُلقان، فكفّنها. ولم ير أبو عبدالله بأسًا أن يُحوّلوا انتهى(١). وقال النووي رحمه اللّه تعالى في ((شرح المهذّب)): وأما نبش القبر، فلا يجوز لغير سبب شرعيّ، باتفاق الأصحاب، ويجوز بالأسباب الشرعيّة، قال: ومختصره: أنه يجوز نبش القبر إذا بَلِي الميت، وصار تُرابًا، وحينئذ يجوز دفن غيره فيه، ويجوز زرع تلك الأرض، وبناؤها، وسائر وجوه الانتفاع، والتصرّف فيها باتفاق الأصحاب، وإن كانت عارية رجع فيها المعير. وهذا كلّه إذا لم يبق للميت أثر، من عظم وغيره، قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: ويختلف ذلك باختلاف البلاد، والأرض، ويُعتمد فيه قول أهل الخبرة بها. ويجوز نبش الميت إذا دفن لغير القبلة، أو بلا غسل على الصحيح فيهما، أو بلا كفن، أو في كفن مغصوب، أو حرير، أو أرض مغصوبة، أو ابتلع جوهرة، أو وقع في القبر مال. قال الماورديّ في ((الأحكام السلطانية)): إذا لحق القبرَ سيلٌ، أو نداوة، قال أبو عبدالله الزبيريّ: نَقْلُه يجوز، ومنعه غيره. قال النوويّ: قول الزبيري أصح، فقد ثبت في ((صحيح البخاري)) عن جابر بن عبدالله رؤيتهنا أنه دفن أباه يوم أحد مع رجل آخر في قبر، قال: ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته، هنية غير أذنه(٢) وفي رواية للبخاريّ أيضًا: ((أخرجته، فجعلته في قبر على حِدَةٍ). (١)-((مغني ابن قدامة)) ج٣ ص٤٤٣- ٤٤٤. (٢)- وفي رواية ((غير هنيّة في أذنه))، وصوّبها القاضي عياض، وقد تقدم هذا.