النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ ٧٦- عَدَدُ التَكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ - حديث رقم ١٩٨٢ استوعب اختلاف الصحابة، فمن بعدهم، أبو بكر ابن المنذر ريَّلُهُ، في كتابه ((الأوسط)) [ج٥ ص٤٣٥/٤٢٩]، كما أسلفنا عنه بعض كلامه، وأبو محمد ابن حزم ◌َْلُهُ في ((المحلّى)) [ج٥ ص١٢٨/١٢٤] وقد فتّد رحمه الله تعالى دعوى الإجماع على أربع تكبيرات، فأجاد، وأفاد. قال: ولم نجد عن أحد من الأئمة تكبيرًا أكثر من سبع، ولا أقلّ من ثلاث، فمن زاد على خمس، وبلغ ستا، أو سبعًا، فقد عمل عملاً، لم يصح عن النبي وَلّ قط، فكرهناه لذلك، ولم ينه مثل عنه، فلم نقل: بتحريمه؛ لذلك، وکذلك القول فیمن کبّر ثلاثًا، وأما ما دون الثلاث، وفوق السبع، فلم يفعله النبي ◌َّر، ولا علمنا أحدًا قال به، فهو تكلّف، وقد نهينا أن نكون من المتكلّفين. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى باختصار(١). والحاصل أن الأولى أن يكبّر أربعًا، فلو بلغ خمسًا، فلا بأس، لصحة الحديث بذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في رفع اليدين في تكبيرات الصلاة على الجنازة : قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: أجمع عوام أهل العلم على أن المصلي على الجنازة يرفع يديه في أول تكبيرة يكبرها، واختلفوا في رفع اليدين في سائر التكبيرات: فقالت طائفة: تُرفع الأيدي في كلّ تكبيرة على الجنازة، كذلك كان عمر يفعل. وبه قال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، وقيس بن أبي حازم، والزهريّ، وسالم بن عبدالله بن عمر، وروينا ذلك عن مكحول، والنخعيّ، وموسى بن نعيم، وبه قال الأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. واخْتُلِفَ فيه عن مالك، فحكى ابن وهب عنه أنه قال: يعجبني أن يرفع اليدين في التكبيرات الأربع، وحكى ابن نافع عنه أنه قال: أستحبّ أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى، وحكى ابن القاسم أنه حضره يصلي على الجنازة، فما رفع يديه في أول تكبيرة، ولا غيرها. وقالت طائفة: ترفع اليد في أول تكبيرة من الصلاة على الميت، ثم لا ترفع بعدُ كذلك قال الثوريّ، وأصحاب الرأي، ورُوي ذلك عن النخعيّ، خلافَ القول الأول عنه. قال ابن المنذر تَخَّلهُ: بقول ابن عمر أقول؛ اتباعًا له، ولأن النبيّ وَّ لما بيّن رفع (١)-((المحلّى)) ج٥ ص١٢٨ . = ٣٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ اليدين في كلّ تكبيرة يكبرها المرء وهو قائم، وكانت تكبيرات العيدين، والجنائز في موضع القيام، ثبت رفع اليدين فيها قياسًا على رفع اليدين في التكبير في موضع القيام، ولما أجمعوا على الرفع في أول تكبيرة(١) ، واختلفوا فيما سواها، كان حكم ما اختلفوا فيه حكمَ ما أجمعوا عليه انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى بتصرّف(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى، من استحباب رفع اليدين في جميع التكبيرات هو الأرجح عندي؛ لأنه لم يثبت عن النبيّ ◌ُّ خلافه، وصحّ عن ابن عمر، موقوفًا عليه، أخرجه البخاريّ في ((جزء رفع اليدين)) بسند صحيح، ولم يثبت لدينا مخالفة الصحابة له في ذلك، فدلّ مع شدة اتباع ابن عمر لآثار النبي ◌َّ أنه فعله اتباعًا، لا سيّما، وقد رُوي عنه مرفوعًا أيضًا، وإن رجّح الدار قطنيّ وقفه . والحاصل أن الأرجح مشروعيّة رفع اليدين في جميع تكبيرات الصلاة على الجنازة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب». ٧٧- الدُّعَاءُ ١٩٨٣- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ بْنِ سُلَيْمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلّهِ صَلَّى عَلَىَ جَنَازَةٍ،َ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَعَافِهِ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِمَاءِ، وَثَلْجِ، وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا يُتَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَقِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ، وَعَذَابَ النَّارِ))، قَالَ عَوْفٌ: فَتَمَنَّيْتُ، أَنْ لَوْ كُنْتُ الْمَيْتَ، لِدُعَاءِ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ؛ لِذَلِكَ الْمَيْتِ. (١)-عبارة ((الأوسط)) فيها ركاكة، وهى هكذا: ((ولما أجمعوا أن لا يدرى فرفع في أول تكبيرة الخ)). فلتحرّر . (٢)- ((الأوسط)) ج٥ ص٤٢٦-٤٢٨ . ٧٧- الدَّعَاءُ - حديث رقم ١٩٨٣ ٣٠٣ = رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (أحمد بن عمرو بن السرح) المصريّ، ثقة [١٠] ١٣٩/٣٥ . ٢- (ابن وهب) عبدالله الحافظ الثبت المصريّ [٩] ٩/٩. ٣- (عمرو بن الحارث) بن يعقوب المصريّ الحافظ الثبت الفقيه [٧] ٦٣ /٧٩. ٤- (أبو حمزة بن سُليم) عيسى الحمصيّ الرَّسْتَنيّ -بفتح الراء، والمثناة، بينهما مهملة ساكنة، وآخره نون- الْعَنسِيّ، صدوق له أوهام [٧] . قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال أحمد: لا أعرفه(١) روى له مسلم، والمصنف، وله عندهما حديث الباب فقط . ٥- (عبدالرحمن بن جُبير بن نُفير) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة [٤] ٩٥٢/٤٥ . ٦- (جُبير بن نُفير) بن مالك بن عامر الحمصيّ، ثقة جليل [٢] ٦٢/٥٠. ٧- (عوف بن مالك) الأشجعيّ، أبو حمّاد، وقيل: غير ذلك، صحابيّ مشهور، من مسلمة الفتح، سكن دمشق، ومات سنة (٧٣) روى له الجماعة، تقدم ٥٠/ ٦٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن الثلاثة الأولين مصريّون، والباقون شاميّون. (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ.، والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ) رَّهِ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِ، صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ) جملة في محل نصب على الحال من المفعول، وفي الرواية التالية: ((يصلي على ميت)) (يَقُولُ) والجملة أيضا حال، أو مفعول ثان على قول من عدّ ((سمع)) مما يتعدى إلى المفعولين، أصلهما المبتدأ والخبر (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) أي استر ذنوب هذا الميت، واصفَح عنه، يقال: غفر الله له غَفْرًا، من باب ضرب، وغُفرانًا بالضمّ: صفح عنه. قاله في ((المصباح)) (وَارْحَمْهُ) أي ارفُقْ به، يقال: رحمت زيدًا رُخمًا بضم الراء، ورَخمة، ومَرحَمةً: إذا رفقت له، وحَنَنتَ. قاله في ((المصباح)) أيضًا (وَاعْفُ عَنْهُ) أي امح عنه (١)- وكتب الحافظ هنا: ما نصه: وأما عيسى بن سُليم الذي ذكره العقيليّ في ((الضعفاء))، فهو آخر كوفيّ، روى عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، وعنه أبو بكر بن عيّاش، ولعله الذي قال فيه أحمد: لا أعرفه انتهى ((تت)) ج٣ ص ٣٥٧-٣٥٨. ٣٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ ذنوبه، يقال: عفا عنه، وعفا له ذنبه، وعن ذنبه: تركه، ولم يُعاقبه. والعفو: الصفح، وترك عقوبة المستحقّ. قال المرتضى في شرح ((ق)): الصفح ترك التّأنيب، وهو أبلغ من العفو، فقد يعفو، ولا يَصْفَح، وأما العفو، فهو القصد لتناول الشيء، هذا هو المعنى الأصليّ. قال الراغب: فمعنى عفوتُ عنك، كأنه قصد إزالة ذنبه، صارفًا عنه، فالمعفوّ المتروك، ((وعنك)) متعلّق بمضمر، فالعفو هو التجافي عن الذنب انتهى ((ق)) وشرحه، باختصار، وتغيير (وَعَافِهِ) وفي الرواية التالية تقديمه على ما قبله، أي ادفع عنه المكروه، قال في ((ق)): والعافية: دفاع اللَّه عن العبد، ويقال: عافاه اللَّه تعالى عن المكروه، عِفَاءٌ بالكسر، ومُعافاة، وعافية: إذا وهب له العافية من العلل، والبلاء، كأعفاه انتهى (وَأَكْرِمْ تُزْلَهُ) بضمتين، ويُخفّف بتسكين ثانيه، في الأصل طعام الضيف الذي يُهيّأ له، والمراد هنا ما يُعطيه الله لعبده عند لقائه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (وَوَسْعْ مُدْخَلَهُ) وفي الروية السابقة في [٦٢/٥٠] ((وأوسع)). و((المدخل)) بفتح الميم، وضمها: محل الدخول، والمراد به هنا القبر (وَاغْسِلْهُ بِمَاءِ، وَثَلْجٍ، وَبَرَدٍ) وفي الرواية التالية بتعريف الثلاث. و((الثلج)) هو ماء ينزل من السماء، ثم ينعقّد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد جموده. و((الْبَرَد)) - بفتحتين -: هو حَبّ الغمام، وهو ماء ينزل من السماء جامدًا، كالملح، ثم يذوب على الأرض. قال التوربشتيّ ◌َخّْلهُ: ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها، بيانًا لأنواع المغفرة التي لا يُتَخَلَّص من الذّنوب إلا بها، أي طهّرني بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع في إزالة الأرجاس، ورفع الأحداث انتهى. وقال الخطابيّ تَخّْلهُ: هذه أمثال، ولم يُرَد بها أعيان هذه المسمّيات، وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا، والمبالغة في محوها عنه، والثلج والبرد ماءان لم تمسّهما الأيدي، ولم يمتهنهما الاستعمال، فكان ضرب المثل بهما أوكد في بيان معنى ما أراده من تطهير الثوب انتهى. وقد تقدّم مزيد بسط لذلك في ((كتاب الطهارة)) [٦٢/٥٠] وإنما أعدته هنا تذكيرا حيث طال العهد به. وبالله تعالى التوفيق. (وَنَقِّهِ) بتشديد القاف، من التنقية، وهو كناية عن إزالة الذنوب، ومحو أثرها (مِنَ الْخَطَايَا) جمع خطيّة، كعطيّة، وعطايا، أي من الذنوب والمآثم (كَمَا يُتَقَّى) أي يطهر، ويُنظّف، وفي الرواية التالية: ((كما نقّيت)) بصيغة الماضي (الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) بفتحتين، أي الوَسَخ، ووقع التشبيه بالثوب الأبيض، لأن ظهور النَّقَاء فيه أشدّ، ٣٠٥ === ٧٧- الدُّعَاءُ - حديث رقم ١٩٨٣ وأكمل؛ لصفائه، بخلاف غيره من الألوان (وَأَبْدِلْهُ) أي عوّضه، يقال: أبدلته بكذا، إبدالاً : نَخَّيتُ الأوّل، وجعلت الثاني مكانه، وبدّلته، تبديلاً، بمعنى غيّرته تغييرًا، وبدّل الله السيئات حسنات، يتعدّى إلى مفعولين بنفسه، لأنه بمعنى جعل، وصيّر، وقد استُعمل أبدَلَ بالألف مكان بدل بالتشديد، فعُدّي بنفسه إلى مفعولين، لتقارب معناهما، وفي السبعة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجَا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥] من أفعل، وفعّل. والبَدَل -بفتحتين- والْبِذْلُ بالكسر- والْبَدِيل -کأمير -: كلها بمعنى الْخَلَف، والجمع أبدالٌ. انتھی ((المصباح)) بتصرّف. وفي نسخة ((أبدله)) بحذف العاطف، وفي أخرى ((وأبدل له)) بزيادة لام الجرّ، وزيادة اللام فيه محلّ نظر (دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ) هي دار الجنة التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذّ الأعين (وَأَهْلَا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) قال القرطبيّ ◌َخْلُ: الأهل هنا عبارة عن الخَدَم والْخَوَل، ولا تدخل الزوجة فيهم؛ لأنه قد خصّها بالذكر بعد ذلك، حيث قال: ((وزوجًا خيرًا من زوجه))، ويحتمل أن يكون من باب: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُقَانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ويفهم منه أن نساء الجنّة أفضل من نساء الآدميات، وإن دخلن الجنّة، وقد اختلف في هذا المعنى انتهى(١) (وَزَوْجَا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ) قال السنديّ رَّتُهُ: هذا من عطف الخاصّ على العامّ، على أن المراد بالأهل ما يعمّ الخدم أيضًا. وفيه إطلاق ((الزوج)) على المرأة، قيل: هو أفصح من ((الزوجة)) انتهى. وقال الفيوميّ رحمه اللّه تعالى: الرجل زوج المرأة، وهي زوجه أيضًا، هذه هي اللغة العالية، وبها جاء القرآن، نحو: ﴿أَشْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية [البقرة: ٣٥]، والجمع فيهما أزواج، قاله أبو حاتم، وأهل نجد يقولون في المرأة: زوجة بالهاء، وأهل الحرم يتكلّمون بها، وعَكَس ابن السكيت، فقال: وأهل الحجاز يقولون للمرأة: زوج بغير هاء، وسائر العرب: زوجة بالهاء، وجمعها زوجات، والفقهاء يقتصرون في الاستعمال عليها؛ للإيضاح، وخوف لبس الذكر بالأنثى، إذ لو قيل: تَرِكَّةٌ فيها زوج، وابن، لم يُعلَم، أذكرٌ هو، أم أنثى؟ انتهى. وذكر السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)) أن طائفة من الفقهاء قالوا: هذا خاصّ بالرجل، ولا يقال في الصلاة على المرأة أبدلها خيرًا من زوجها؛ لجواز أن تكون لزوجها في الجنّة، فإن المرأة لا يمكن الاشتراك فيها، والرجل يقبل ذلك. انتهى. (٢). (١)-((المفهم)) ج٢ ص ٦١٤-٦١٥. (٢)- ((زهر الربى)) ج٣ ص٧٣ -٧٥ . ٣٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ (وَقِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ) أي احفظه من أن يناله عذاب في قبره (وَعَذَابَ النَّارِ) أي احفظه عذاب جهنّم، وفي الرواية التالية بدل قوله: ((وقه عذاب القبر الخ)): ((وأدخله الجنّة، ونجّه من النار))، أو قال: ((وأعذه من عذاب القبر)) (قَالَ عَوْفٌ) أي ابن مالك تَظّه الرواي لهذا الحديث (فَتَمَنَّيْتُ، أَنْ) هي مخففة من ((أنّ)) المشدّدة، واسمها محذوف، أي أنّي لوٍ كنتُ، قال ابن مالك وَخّْتُهُ في ((الخلاصة)): وَإِنْ تُفَّفْ (أَنَ)) فَاسْمُهَا اسْتَكَرُّ وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ ((أَنْ)) وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعًا وَإِنْ يَكُنْ فِعْلاً وَلَمْ يَكُنْ دُعَا تَنْفِيسِ أَوْ (لو)) وَقَلِيلٌ ذِكْرُ (لو)) فَالأَحْسَنُ الْفَضْلُ بِ«قَدْ)) أَوْ نَفْي آوْ (لَوْ كُنْتُ الْمَيِّتَ) «ال» فيه للعهد الذکريّ، أي ذلك الميت الذي في قوله: «صلی على جنازة))، ويحتمل أن تكون للعهد الحضوريّ باعتبار وقت التمنّي، أي الميت الحاضر بين يدي النبي وَلو . فإن قلت: تقدّم حديث النهي عن تمنّ الموت، فكيف تمنّى عوف رَّ ذلك؟. قلت: هذا ليس من باب تمنّي الموت، لأنه لا يلزم من تمنّه دعاءَ النبيّ وَّر أن يمتنّى الموت، إذ المراد تمنّى دعائه إذا جاءه الموت عند انقضاء أجله، لا أنه يتمنّى الموت الآن، فافهم. واللَّه سبحانه وتعالى أعلم. (لِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ وَالِهِ؛ لِذَلِكَ الْمَيْتِ) الجارّ والمجرور الأول يتعلّق بـ((تمنّيت))، والثاني بـ((دعاء))، يعني أنه إنما تمنّى أن يكون ذلك الميتَ لأجل أن تناله بركة دعاء النبيّ وَله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عوف بن مالك ◌َّه هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٧٧/ ١٩٨٣ - و١٩٨٤ و٦٢/٥٠- وفي «الكبرى»٢١١٠/٧٧ و٢١١١ . وأخرجه (م)٢٢٢٩ و٢٢٣١ (ت)١٠٢٥ (ق) ١٥٠٠ (أحمد) ٢٣٤٥٥ و٢٣٤٨٠. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو مشروعيّة الدعاء في صلاة الجنازة، وهو معظم مقصودها. ومنها: مشروعية الصلاة على الجنازة، وقد تقدّم البحث عنه مستوفّى. ومنها: استحباب هذا الدعاء. ومنها: أن فيه إشارة إلى الجهر ٧٧- الدُّعَاءُ - حديث رقم ١٩٨٤ ٣٠٧ بالدعاء في صلاة الجنازة، قال النوويّ ◌َخّْلهُ: وقد اتفق أصحابنا على أنه إن صلّى عليها بالنهار أسرّ بالقراءة، وإن صلى بالليل ففيه وجهان، الصحيح الذي عليه الجمهور: يسرّه، والثاني: يجهر، وأما الدعاء، فيسرّ به بلا خلاف، وحينئذ يتأول هذا الحديث على أن قوله: ((حفظت من دعائه))، أي علّمنيه بعد الصلاة، فحفظته انتهى.(١) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا التأويل فيه نظر؛ إذ لا يؤيّده ظاهر الحديث. قال العلامة الشوكاني ◌َخّْهُ بعد أن ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث: ما نصّه: جميع ذلك يدلّ على أن النبي ◌َّر جهر بالدعاء، وهو خلاف ما صرّح به جماعة من استحباب الإسرار بالدعاء، وقد قيل: إن جهره وَلّ بالدعاء لقصد تعليمهم. وأخرج أحمد عن جابر ◌َّ قال: ما أباح لنا في دعاء الجنازة رسول اللَّه وَّله، ولا أبو بكر، ولا عمر))(٢). وفسر ((ما أباح)) بمعنى قَدْر. قال الحافظ: والذي وقفت عليه باح بمعنى جهر. والظاهر أن الجهر والإسرار بالدعاء جائزان انتهى(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ تَخّْتُهُ حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم. ومنها: مشروعيّة الطهارة بماء الثلج، والبرد، وقد تقدّم البحث عنه مستوفّى في ((أبواب الطهارة))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٨٤- أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ عُبَيْدِ الْكَلَاعِيّ(٤)، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُقَيْرِ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَوْفَ ابْنَ مَالِكِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، يُصَلِّيَ عَلَىْ مَيَّتٍ، فَسَمِعْتُ فِي دُعَائِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسْعِ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ، وَالثَّلْجِ، وَالْبَرَدِ، وَتَقْهِ مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا نَقَّيَتَّ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ(٥) دَارَاً خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَنَجْهِ مِنَ الثَّارِ))، أَوْ قَالَ: ((وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (هارون بن عبدالله) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقة [١٠] ٦٢/٥٠. (١)-((شرح مسلم)) ج٧ص٣٤ . (٢)- وأخرجه ابن ماجه أيضًا، وفي إسنادهما حجاج بن أرطاة، كثير الخطإ، والتدليس . (٣)- (نيل الأوطار)) ج٤ ص٧٩. (٤)- الكَلَاعِيُّ بفتح الكاف، وتخفيف اللام: نسبة إلى ذي الكلاع قبيلة من حِمْيرَ. قاله في ((لب اللباب)) جـ ٢ ص ٢١٨ . (٥) وفي نسخة : ((أبدله)) بلا واو. ٣٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ ٢- (معن) بن عيسى، أبو يحيى المدنيّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٦٢/٥٠. ٣- (معاوية بن صالح) بن حُدير، أبو عبدالرحمن الحمصيّ، صدوق له أوهام [٧] ٥٠ / ٦٢ . ٤- (حَبِيب بن عُبيد الْكَلَاعيّ) أبو حفص الحمصيّ، ثقة [٣] ٦٢/٥٠. والباقيان تقدما في الذي قبله، والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٨٥ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا(١) عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُبَيِّعَةَ السُّلَمِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدِ السُّلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ، آخَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقُتِّلَ أَحَدُهُمَا، وَمَاتَ الْآخَرُ بَعْدَهُ، فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّيِّ وَِّ: (مَا قُلْتُمْ؟))، قَالُوا: دَعَوْنَا لَهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَاحِبِهِ، فَقَالَ النَِّيُّ وَّهُ: ((فَأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ؟، وَأَيْنَ عَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟ فَلَمَّا بَيْنَهُمَا، كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَاْأَرْضِ)). قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: أَعْجَبَتِي، لِأَنَةُ أُسْئِدَ لِي. رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (عمرو بن ميمون) الأوديّ، أبو عبدالله، أو أبو يحيى الكوفيّ، مخضرم مشهور، ثقة عابد [٢] ٣٠٧/١٩٢. ٢- (عبدالله بن رُبيّعة) -بتشديد الياء، بصيغة التصغير - ابن فَرْقَد السُّلَمِيّ الكوفيّ، مختلف في صحبته. قال ابن المبارك، عن شعبة في حديثه: وكانت له صحبة، ولم يُتابع عليه. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وذكره أيضًا في الصحابة. وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): سألت أبي عنه؟ فقال: إن كان السلميّ، فهو من التابعين، قال: وقال أبي في موضع آخر: عبدالله بنُ ربيّعة لم يدرك النبيّ بَّرَ، وهو من أصحاب ابن مسعود. وذكره جماعة ، ممن صنّف في الصحابة. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وتقدّم له في (الأذان)) ٦٦٥ حديث: ((إن هذا لراعي غنم .. )). وتقدم في ٢٥/ ٦٦٥ . ٣- (عُبيد بن خالد السُّلَميّ) - بضم العين المهملة، وفتح الباء، مصغّرًا، وبضم (١) -وفي نسخة: ((أنبأنا). ٧٧- الدُّعَاءُ - حديث رقم ١٩٨٥ ٣٠٩ == السین، وفتح اللام- ثم الْبَهْزِيّ -بموحدة مفتوحة، وهاء ساكنة، ثمّ زاي- وقيل فيه: عبدٌ بغير تصغير، وقيل: عُبيدة بزيادة هاء، يكنى أبا عبدالله، قال البخاريّ له صحبة انتھی . روى عن النبيّ ◌َّر. وعنه تميم بن سلمة، أو سعد بن عبيدة، بالشكّ، وعبدالله بن رُبِيّعة السُّلميّ. قال ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب)): مهاجريّ، يكنى أبا عبدالله، سكن الكوفة، وشهد صِفْين مع عليّ. وقال العسكريّ: بقي إلى أيام الحجّاج. وقال خليفة بن خيّاط في ((الطبقات)): عُبيد بن خالد لم يُنسَب، أدرك الحجّاج. روى له أبو داود حديثين، أحدهما حديث الباب، والآخر حديث: ((موتُ الْفَجْأَة أَخْذَة أَسَف))، وروى له المصنّف حديث الباب فقط(١). والباقون ذُكروا قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ، فإن عبدالله بن رُبيّعة أثبت الصحبة له شعبة، وجماعة، كما صرّح بذلك في سند المصنف هنا، وفيه أن سُويدًا، وابن المبارك مروزيان، وشعبة واسطيّ، ثم بصريّ، والباقون كوفيّون. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدِ السُّلَمِيِّ) تَّ زاد في رواية أحمد: ((رجل من بني سُليم)) (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَله، آخَى) بهمزة ممدودة، وقد تقلب واوًا على البدل، فيقال: واخى، كما قيل في آسى: واسى، حكاه ابن السكّيت(٢)، أي ألّف بينهما بأُخُوّة الإسلام والإيمان(٣) (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) لم أر من سمّاهما (فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا) بالبناء للمفعول، زاد في رواية أحمد: ((على عهد النبي ◌ِّ))، والظاهر أنه مات مقتولا في سبيل اللَّه (وَمَاتَ الْآخَرُ بَعْدَهُ) ولفظ أبي داود: ((ومات الآخر بعده بجمعة، أو نحوها)) (فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَا قُلْتُمْ؟) أي أيّ شيء قلتم لهذا الميت حينما دعوتم له؟ (قَالُوا: دَعَوْنَا لَهُ) هذا محلّ الترجمة، حيث إن النبي وَّر أقرّهم على الدعاء في صلاة الجنازة، فدلّ على مشروعيّة (١)-راجع ترجمته في ((الإصابة)) ج٦ ص٣٥٨ و((الاستيعاب)) ج٣ص١٠١٦ و(تهذيب الكمال)) ج١٩ ص ٢٠٠ - ٢٠٢ . (٢)-راجع (المصباح)). (٣)-راجع ((لسان العرب)). ٠ ٣١٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ الدعاء للميت في الصلاة عليه (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) مقول لقول مقدّر، حال من ((دعونا»، أي دعونا له قائلين: اللَّهم اغفر له (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَاحِبِهِ) أي بالمقتول (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((فَأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ؟) أي ما صَلّاه هذا الميت بعد ما قُتِل صاحبه، زاد في رواية أبي داود: ((وصومه بعد صومه -شكّ شعبة في صومه- (وَأَيْنَ عَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟) أي عمله الذي عمله بعد قتل صاحبه (فَلَمَا) بفتح اللام مخفّفة، وهي لام الابتداء، و((ما)) موصوله، وصلتها الظرف بعدها، ولفظ ((الكبرى)): ((فما بينهما كما بين السماء والأرض)». وفي رواية: ((والذي نفسي بيده للذي بينهما أبعدُ ما بين السماء والأرض)) (١) (بَيْتَهُمَا) أي بين الذي قُتل، وبين الذي مات بعده بأيام، من تفاوت الدرجات (كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أي مثل بُعد المسافة التي بين السماء والأرض. قال في ((عون المعبود)): قال في ((المجمع)): فإن قيل: كيف يفضّل زيادة عمله بلا شهادة، على عمله معها؟ قلت: قد عرف پټ أن عمله بلا شهادة ساوی عمله معها بمزید إخلاصه، وخشوعه، ثم زاد عليه بما عمله بعده، وكم من شهيد لم يدرك درجة الصدّيق انتهى(٢). (قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) الراوي عن عبدالله بن رُبيّعة (أَعْجَبَنِي) وفي رواية: ((فأعجبني هذا الحديثُ (لِأَنَةً أُسْنِدَ لِي) بالبناء للمفعول، أي رُوِي لي متّصلاً مرفوعًا إلى النبي وَالثقيل، والمسند هو الحديث المرفوع المتصل، على الأصحّ، وهو المعنى المناسب هنا، وقيل: هو المرفوع، وقيل: هو المتّصل، وإلى هذا أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث)) حيث قال: الْمُسْتَدُ الْمَرْفُوعُ ذَا اَتِّصَالٍ وَقِيلَ أَوَّلِّ وَقِيلَ الثَّالِي ولعلّ عمرًا روي له الحديث من طريق آخر غير مسند، فلما أُسند له من هذا الطريق، أعجبه ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عُبيد بن خالد السُّلَميّ ◌َّه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٧٧/ ١٩٨٥ - وفي ((الكبرى)) ٢١١٢/٧٧. وأخرجه (د) ٢٥٢٤ (أحمد) (١)-أخرجه المزّيّ بسنده من طريق أبي نعيم الحافظ في ((تهذيب الكمال)) ج١٩ ص ٢٠٠-٢٠١. (٢)-((عون المعبود)) ج٧ ص١٩٨ -١٩٩. ٣١١ = ٧٧- الدَّعَاءُ - حديث رقم ١٩٨٦ ١٥٦٤٤ و١٧٤٦٢ و١٧٤٦٤ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو مشروعيّة الدعاء في الصلاة على الجنازة. ومنها: بيان فضل طول العمر مع العمل الصالح، فإن هذا الرجل ما زاد على صاحبه المقتول، إلا لتأخّره بعده، وزيادة عمله. ومنها: أنه ربّما ساوى الميتُ على فراشه، المقتولَ في سبيل اللّه تعالى في الدرجات، بسبب عِظَم العمل، وقوّة الإخلاص، وزيادة الخشوع، والورع، أو بسبب فضل الأوقات، فقد أخرج البخاريّ في (صحيحه) عن أبي هريرة ◌َ شي مرفوعاً: ((الساعي على الأرملة، والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله ... ))، وأخرج أيضًا عن ابن عباس، عن النبي وَّ، أنه قال: ((ما العمل في أيام، أفضل منها، في هذه))(١)، قالوا: ولا الجهاد؟، قال: ((ولا الجهاد، إلا رجل خرج، يَخاطر بنفسه، وماله، فلم يرجع بشيء)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٨٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ زُرَنِع- قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَحْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ ◌َِّ، يَقُولُ، فِي الصَّلََّةِ عَلَى الْمَيْتِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيْنَا، وَمَيْتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِنَا، وَذَكَرِنَا، وَأَنْثَانَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا)). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥٥/٤٥ . ٢- (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥. ٣- (هشام بن أبي عبدالله) سَتْبَر، بوزن جعفر الدستوائيّ البصريّ، ثقة ثبت [٧] ٣٤/٣٠ . ٤- (يحيى بن أبي كثير) اليماميّ، أبو نصر، ثقة ثبت يدلّس ويرسل [٥] ٢٤/٢٣. ٥- (أبو إبراهيم الأنصاريّ) الأشهليّ المدنيّ، مقبول [٣]. روى عن أبي سعيد حديث ((اللَّهم اغفر للمحلّقين))، وعن أبيه، عن النبيّ وَّر في الصلاة على الجنازة. وعنه يحيى بن أبي كثير. قال أبو حاتم: لا يُدرى من هو، ولا أبوه؟. وقال قوم: إنه عبدالله بن أبي قتادة، ولا يصحّ، لأنه من بني سَلِمَة، وهذا من بني عبد الأشهل. وقال الترمذيّ: سئل محمد بن إسماعيل عن اسم أبي إبراهيم؟ فلم (١)- يعني أيام عشر ذي الحجة. ٣١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ يعرفه، روى له الترمذيّ، والمصنّف هذا الحديث فقط. ٦- (أبو أبي إبراهيم الأنصاريّ) صحابيّ، لا يعرف اسمه رَظيّه. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وأبي إبراهيم. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير أبي إبراهيم،، وأبيه . (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) رَثه (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َّهِ، يَقُولُ، فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيَّتِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيْنَا، وَمَيْتِنَا، وَشَاهِدِنَا) أي حاضرنا (وَغَائِنَا، وَذَكَرٍنَا، وَأَنْثَانَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرٍنَا))) قال الطيبيّ ◌َخْلهُ: المقصود من القرائن الشمول، والاستيعاب، فلا يُحمل على التخصيص؛ نظرًا إلى مفرداته، كأنه قيل: اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، كلهم أجمعين انتهى. وههنا إشكال، وهو أن المغفرة مسبوقة بالذنوب، فكيف تتعلّق بالصغير، ولا ذنب له، وذكروا في دفعه أوجهًا، فقال السنديّ: المقصود في مثله التعميم. وقال ابن حجر الهيتميّ: الدعاء بالمغفرة في حقّ الصغير لرفع الدرجات. وقال القاري: يمكن أن يكون المراد بالصغير والكبير الشاب والشيخ. وقال التوربشتيّ: سئل أبو جعفر الطحاويّ عن معنى الاستغفار للصبيان، مع أنه لا ذنب لهم، فقال: معناه السؤال من الله أن يغفر لهم ما كتب في اللوح المحفوظ أن يفعلوه بعد البلوغ، من الذنوب حتى إذا كانوا فعلوه كان مغفورًا، وإلا فالصغير غير مكلّف، لا حاجة له إلى الاستغفار انتهى(١). زاد في غير رواية المصنف رحمه اللَّه تعالى: («اللَّهمّ مَن أحييته منّا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا، فتوقَّه على الإيمان، اللَّهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعده)). وقوه: ((فأحيه على الإسلام)) أي الاستسلام، والانقياد للأوامر والنواهي. وقوله: ((فَتَوَفَّهُ على الإيمان)) أي التصديق القلبيّ، إذ لا نافع حينئذ غيره. قيل: خصّ الوفاة بالإيمان، لأن الإسلام أكثر ما يطلق على الأعمال الظاهرة، وليس هذا وقتها. قال في ((فتح الودود)»: المشهور الموجود في رواية الترمذيّ وغيره: ((فأحيه على الإسلام، وتوفّه على الإيمان))، وهو الظاهر المناسب، لأن الإسلام، هو التمسّك (١)-راجع ((المرعاة شرح المشكاة)) ج٥ ص٤١١- ٤١٢. ٣١٣ ٧٧- الدَّعَاءُ - حديث رقم ١٩٨٦ بالأركان الظاهرية، وهذا لا يتأتى إلا في حالة الحياة، وأما الإيمان فهو التصديق الباطنيّ، وهو الذي يُطلَب عليه الوفاة، فتخصيص الأول على الإحياء، والثاني بالإماتة هو الوجه انتهى. وقال القاري الرواية المشهورة هي العمدة، ورواية أبي داود، إما من تصرّفات الرواة؛ نسيانًا، أو بناء على زعم أنه لا فرق بين التقديم والتأخير، وجواز النقل بالمعنى، أو يقال: فأحيه على الإيمان، أي وتوابعه، من الأركان، وتوقّه على الإسلام، أي على الانقياد والتسليم، لأن الموت مقدّمة ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨َ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩] . انتهى. وقال الشوكانيّ: لفظ: ((فأحيه على الإسلام هو الثابت عند الأكثر انتھی. وقوله: ((لا تحرمنا أجره)) بفتح التاء، وكسر الراء، من باب ضرب، أو بضم أوله، من باب أفعل. قال السيوطيّ: بفتح التاء، وضمها لغتان فصيحتان، والفتح أفصح، يقال: حَرّمه، وأحرمه: أي منعه، والمراد أجر موته، فإن المؤمن أخو المؤمن، فموته مصيبة عليه، يَطلُب فيها الأجر. نقله في ((عون المعبود)) عن ((فتح الودود)). وقوله: ((ولا تفتنّا بعده)) بتشديد النون، من باب ضرب، أي لا تجلعنا مفتونين بعد الميت، بل اجعلنا معتبرين بموته عن موتنا، ومستعدّين لرحلتنا. وقال ابن الملك: أي لا تُلقِ علينا الفتنة بعد الإيمان، والمراد بها هاهنا خلاف مقتضى الإيمان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي إبراهيم الأنصاريّ، عن أبيه رَّه هذا صحيح. قال أبو عيسى الترمذيّ رحمه الله تعالى: حديث والد أبي إبراهيم، حديث حسن صحيح، وروى هشام الدستوائي، وعلي بن المبارك، هذا الحديث، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبي ◌ُّ، مرسلا. ورَوَى عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي وَّه. وحديث عكرمة بن عمار، غير محفوظ، وعكرمة ربما يهم في حدیث یحیى. وروي عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي وَّر. وسمعت محمدا يقول: أصح الروايات في هذا، حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه، وسألته عن اسم أبي إبراهيم، فلم يعرفه. انتهى(١). (١)-راجع ((الجامع)) ج٣ ص ٣٣٤-٣٣٥. ٣١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ والحديث أخرجه أيضًا ابن حبّان، والحاكم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ابن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبيّ، قال الحاكم: وله شاهد صحيح على شرط مسلم، فرواه من طريق عكرمة بن عمّار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة نحوه. وأخرجه البيهقيّ من طريق الحاكم، وأعلّه الترمذيّ بعكرمة بن عمار، كما مرّ آنفًا، واختلف في حديث أبي هريرة، فرواه هشام الدستوائيّ، وسعيد بن أبي عروبة، وعليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن النبي ◌ِّ مرسلاً، ورواه أيوب بن عتبة، وهِقْل بن زياد، وشُعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي مَل* موصولاً. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؟ فقال: الحفّاظ لا يذكرون أبا هريرة، وإنما يقولون: أبو سلمة، عن النبي وَالّ مرسلاً، ولا يوصله بذكر أبي هريرة، إلا غير متقن، والصحيح أنه مرسل انتهى. ورواه همام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي بَّه أخرجه أحمد ج٤ ص ١٧٠ . وقد استوفى البيهقي رحمه الله تعالى اختلاف الطرق، وقال: الصحيح أن حديث أبي إبراهيم الأشهليّ موصول، وحديث أبي سلمة مرسل. وقال أيضًا: قال أبو عيسى الترمذيّ فيما بلغني عنه: سألت محمدًا -يعني البخاريّ- عن هذا الباب، فقلت: أيّ الروايات عن يحيى بن أبي كثير أصحّ في الصلاة على الميت؟ فقال: أصحّ شيء فيه حديث أبي إبراهيم الأشهليّ، عن أبيه، ولوالده صحبة، ولم يعرف اسم أبي إبراهيم. قال أبو عيسى: قلت له: فالذي يقال: هو عبدالله بن أبي قتادة، فأنكر أن يكون هو عبدالله بن أبي قتادة، وقال: أبو قتادة هو سُلميّ، وهذا أشهليّ. قال محمد: وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعائشة، وأبي قتادة في هذا الباب غير محفوظ، وأصحّ شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك تَظّه انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن حديث والد أبي إبراهيم تمثيله صحيح. [فإن قلت]: كيف يصلح وفيه أبو إبراهيم الأنصاري، وهو مجهول العين، لم يرو عنه سوى يحيى بن أبي كثير؟. [قلت]: يشهد له حديث أبي هريرة وأبي قتادة، وعائشة ، فأما حديث أبي هريرة رَزيه ، فصححه ابن حبّان ج٧ ص٣٤٠/٣٣٩، والحاكم ج١ ص٣٥٨ على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبيّ، وصحح البخاريّ، والترمذيّ، وأبو حاتم إرساله. (١)-((السنن الكبرى)) للبيهقي ج٤ ص٤١-٤٢ . = ٣١٥ ٧٧- الدُّعَاءُ - حديث رقم ١٩٨٧ وأما حديث أبي قتادة، وعائشة، فحكم البخاريّ بأنهما غير محفوظين، وصحح الحاكم حديث عاشة على شرط مسلم، وأقره الذهبيّ أيضًا. والحاصل أنه وإن كان الأرجح في أحاديثهم كونها مرسلة إلا إنها تُقَوِّي حديث أبي إبراهيم، فيصح بها. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٩٨٦/٧٧ - وفي ((الكبرى)) ٢١١٣/٧٧. وأخرجه (د)٣٢٢٠ (ت) ١٠٢٤ (ق) ١٤٩٨ (أحمد) ٨٥٩١ و١٧١٩٢ و١٧٠٩٣ و١٧٠٩٤ و١٧٠٩٥ و٢٢٠٤٨ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٨٧ - أخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِيِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِةٍ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ، وَجَهَرَ، حَتَّى أَسْمَعَنَا، فَلَمَّا فَرَغَ أَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سُنَّةٌ وَحَقٌّ. رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (الهيثم بن أيوب) السّلميّ، أبو عمران الطالَقَانيّ، ثقة [١٠] ١٠١/٨٤. ٢- (إبراهيم بن سعد) الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ٣١٤/١٩٦ . ٣- (أبوه) سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الزهريّ القاضي المدنيّ، ثقة فاضل عابد [٥] ٥١٨/١١. ٤- (طلحة بن عبدالله بن عوف) الزهريّ، أبو عبدالله، ويقال: أبو محمد المدني القاضي، ابن أخي عبدالرحمن بن عوف، كان يلقّب طلحةَ النَّدَى، ثقة مكثر فقيه [٣]. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ: ثقة. وقال ابن خيثمة: كان هو وخارجة بن زيد بن ثابت في زمانهما يُستَفتَيَان، وينتهي الناس إلى قولهما، ويَقسمان المواريث، ويكتبان الوثائق. وكذا ذكر الزبير، وذكر عنه أخبارًا في الكرم حسنة. وقال ابن سعد: كان سعيد بن المسيّب يقول: ما وَلِيَنَا مثله. وعدّه ابن المدينيّ في أتباع زيد ابن ثابت، وقال: لم يثبت عندنا لُقِيُّ طلحةً لزيد. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وتوفي بالمدينة سنة (٩٧)، وهو ابن (٧٢) سنة. وكذا قال ابن حبّان، وزاد: كان يكتب الوثائق بالمدينة، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٩٩). روى له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنّف حديثان فقط، هذا، وأعاده بعده، وحديث: ((من قُتل دون ماله فهو شهيد))، وكرره أربع مرات. ٥- (ابن عبّاس) وَيَا ٣١/٢٨. والله تعالى أعلم. ٣١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وقد تقدّموا غير مرّة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ) تَّنَا (عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَّأَ بِفَاتِةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ، وَجَهَرَ) أي بقراءتهما (حَتَّى أَسْمَعَنَا، فَلَمَّا فَرَغَ أَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَسَأَلْتُهُ) أي عن قراءة فاتحة الكتاب، والسورة، وفي الرواية التالية: ((فسألته، فقلت: تقرأ)) (فَقَالَ: سُنَّةٌ، وَحَقٌّ) وفي الرواية: ((قال: نعم، إنه حقّ، وسنّة))وفي رواية للحاكم، من طريق ابن عجلان، أنه سمع سعيد بن المسيّب يقول: ((صلى ابن عباس على جنازة، فجهر بالحمد، ثم قال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة)). يعني أن القراءة سنة النبي ربَّ، وحقّ أي ثابت ثبوت الواجب الذي لا بدّ منه، فدلّ كلامه هذا على وجوب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، وأما جهره، فلأجل التعلیم، كما صرّح هو به. وقد تقدم أن قول الصحابيّ: من السنة كذا له حكم الرفع على الصحيح، وهو الذي عليه جمهور أهل العلم. وقال الحاكم بعد رواية ابن المسيّب المذكورة: ما نصّه: وقد أجمعوا على أن قول الصحابيّ: ((سنة) حديث مسند. قال الحافظ: كذا نقل الإجماع، مع أن الخلاف عند أهل الحديث، وعند الأصوليين شهير، وعلى الحاكم فيه مَأْخَذٌ آخر، وهو استدراكه له، وهو في البخاريّ. وقد روى الترمذيّ من وجه آخر عن ابن عباس رَمؤقتا، أن النبي وَلهل قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، وقال: لا يصحّ هذا، والصحيح عن ابن عباس قوله: ((من السنة)). قال الحافظ: وهذا مصير منه إلى الفرق بين الصيغتين، ولعله أراد الفرق بالنسبة إلى الصراحة والاحتمال. والله أعلم. وروى الحاكم أيضًا من طريق شُرَحبيل بن سعد، عن ابن عباس، ((أنه صلى على جنازة بالأبواء، فكبر، ثم قرأ الفاتحة، رافعا صوته، ثم صلى على النبي ◌َّ، ثم قال: اللّهمّ عبدك، وابن عبدك أصبح فقيرًا إلى رحمتك، وأنت غنيّ عن عذابه، إن كان زاکیًا فزكّه، وإن كان مخطئًا فاغفر له، اللَّهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلّنا بعده، ثم كبّر ثلاث ٣١٧ ٧٧- الدُّعَاءُ - حديث رقم ١٩٨٧ تكبيرات، ثم انصرف، فقال: يا أيها الناس إني لم أقرأ عليها -أي جهرًا- إلا لتعلموا أنها سنة)). قال الحاكم: شُرحبيل لم يحتجّ به الشيخان، وإنما أخرجته لأنه مفسّر للطرق المتقدّمة. قال الحافظ: وشرحبيل مختلف في توثيقه. واستدلّ الطحاويّ على ترك القراءة في الأولى بتركها في باقي التكبيرات، وبترك التشهّد، قال: ولعلّ قراءة من قرأ الفاتحة من الصحابة كان على وجه الدعاء، لا على وجه التلاوة، وقوله: ((إنها سنة)) يحتمل أن يريد أن الدعاء سنّة انتهى. قال الحافظ: ولا يخفى ما يجيء على كلامه من التعقّب، وما يتضمّنه استدلاله من التعسّف. انتهى (١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الطحاويّ تعصّب محض للمذهب الحنفيّ، ولا يستغرب منه ذلك، فإنه معروف بهذا، وإنما الغريب قول السنديّ في ((شرحه)): هذه الصيغةُ عندهم حكمها الرفع، لكن في إفادته الافتراض بحثٌ، نعم ينبغي أن تكون الفاتحة أولى، وأحسن من غيرها، من الأدعية، ولا وجه للمنع عنها، وعلى هذا كثيرٌ ممن محققي علمائنا، إلا أنهم قالوا: يقرأ بنية الدعاء والثناء، لا بنيّة القراءة انتهى (٢). فهذا الكلام من السنديّ غريبٌ، لكونه على خلاف عادته، فإنه من المعتدلين الذين لا يتعصّبون لمذهبهم، بل كثيرًا ما يعترض عليهم، ويردّ قولهم، لكن هنا يظهر عليه الميل لرأيهم، فإنه لم يشر إلى الرد عليهم، كعادته. وأما الذين سماهم محققي علمائهم، فليسوا بمحققين، لأنهم لو كانوا محققين لما خالفوا الأدلّة الصريحة في إيجاب القراء، ولما قالوا: يقرؤها بنيّة الدعاء والثناء، لا بنية أنها قرآن، فإن هذا مخالفة صريحة لحديث ابن عباس رَّا، حيث سئل أتقرأ؟ فقال: إنها حقّ وسنّة، ولحديث أبي أمامة: ((السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن)). وقد ثبت أن النبيّ وَّر سماها صلاة في غير ما حديث، ومعلوم لدى كلّ أحد أنه قال: ((لا صلاة إلا بأمّ القرآن)). وبالجملة فالتقليد المحض يُعمِي، ويُصمّ، فلا يرى المقلّد المتعصّب الحقَّ، ولا يسمعه، إلا إذا وافق رأي إمامه، اللّهمّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، بمنّك، وكرمك آمين. وسيأتي مزيد بسط للردّ عليهم في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١)- ((فتح)) ج٣ ص ٥٦٤ - ٥٦٥ . (٢)- ((شرح السنديّ)) ج٣ ص٧٥ . ٣١٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٧٧/ ١٩٨٧ و١٩٨٨ - وفي ((الكبرى)) ٢١١٤/٧٧ و٢١١٥ . وأخرجه (خ)١٣٣٥ (د)٣١٩٨ (ت) ١٠٢٦ و١٠٢٧ . وأخرجه ابن خزية ، وابن حبّان رقم ٣٠٦١ والحاكم في (المستدرك)) ١ ص٣٥٨ وأبو يعلى في ((مسنده)) رقم ٢٦٦١. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في وجوب القراءة في صلاة الجنازة: قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: اختلف أهل العلم في قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة على الجنازة، فكان ابن عباس يقول: ذلك من السنّة، وروينا عن ابن مسعود أنه قرأها، وروي ذلك عن ابن الزبير، وعُبيد بن عُمير. وبه قال الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال: وروينا عن المسور بن مخرمة أنه صلى جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى، وسورة قصيرة، ورفع بها صوته، فلما فرغ قال: لا أجهل أن تكون هذه صلاة عجماء، ولكنّي أردت أن أعلمكم أن فيها قراءة. وروينا عن الحسن بن عليّ أنه قرأ في الصلاة على الجنازة بفاتحة الكتاب ثلاث مرّات. وعن الحسن البصريّ مثله. وقالت طائفة: ليس في الصلاة على الجنائز قراءةٌ، هذا قول ابن سيرين، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جُبير، وسعيد بن المسيب، والشعبيّ، ومجاهد، والحكم، وحماد، ومالك بن أنس، وسفيان، وأصحاب الرأي، وكان ابن عمر لا يقرأ في الصلاة على الجنائز، وروي ذلك عن أبي هريرة ◌َّه. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: يقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب، وإن قرأ بفاتحة الكتاب، وسورة قصيرة فحسن، لأن الإسنادين اللذين رويناهما عن ابن عبّاس حديث الشافعيّ، عن إبراهيم بن سعد، وحديث الوَرَكانيّ (١) عن إبراهيم بن سعد، جيّدان(٢) انتهى كلام ابن المنذر بتصرّف، واختصار(٣). وقال أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: فإن كبّر في (١)-الوركاني ب (فتح)) الواو، والراء، ووقع في ((الأوسط)) ((الودكانيّ)) بالدال بدل الراء، وهو تصحيف. ، وهو محمد بن جعفر. (٢)-أراد ابن المنذر رحمه الله حديث الباب، فإنه أخرجه من طريق الشافعيّ، عن إبراهيم بن سعد بسند المصنّف، ومن طريق محمد بن جعفر الوركانيّ، عن إبراهيم بن سعد المذكور بسنده. (٣)- ((الأوسط)) ج٥ ص٤٣٧ - ٤٤٠. = ٣١٩ ٧٧- الدُّعَاءُ - حديث رقم ١٩٨٧ الأولى قرأ أم القرآن، ولا بدّ، وصلّى على رسول اللَّه وَلتر، فإن دعا للمسلمين فحسن، ثم يدعو للميت في باقي الصلاة. أما قراءة أم القرآن، فلأن رسول اللَّه ◌َ له سماها صلاة بقوله: ((صلّوا على صاحبكم))، وقال ◌َالَّلهُ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)). ثم أخرج بسنده حديث ابن عباس المذكور في الباب، وحديث أبي أمامة بن سهل، والضحاك بن قيس الآتي. قال: وعن ابن مسعود: أنه كان يقرأ على الجنازة بأم الكتاب. وأورد أيضا أثر المسور ابن مخرمة المتقدّم، قال: فرأى ابن عباس، والمسور بن مخرمة المخافتة ليست فرضًا. وعن أبي هريرة، وأبي الدرداء، وابن مسعود، وأنس بن مالك: أنهم كانوا يقرؤون بأم القرآن، ويدعون، ويستغفرون بعد كلّ تكبيرة، من الثلاث في الجنازة، ثم يكبرون، وينصرفون، ولا يقرؤون. وعن معمر، عن الزهريّ، سمعت أبا أمامة بن سهل بن حُنيف، يحدّث سعيد بن المسيّب، قال: السنّة في الصلاة على الجنائز أن تكبّر، ثم تقرأ بأم القرآن، ثم تصلي على النبيّ وَّر، ثم تخلص الدعاء للميت، ولا تقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلّم في نفسه عن يمينه. وعن ابن جريج: قال: قال ابن شهاب: القراءة على الميت في الصلاة في التكبيرة الأولى. وعن ابن جريج، عن مجاهد في الصلاة على الجنازة: يكبّر، ثم يقرأ بأمّ القرآن، ثم يصلي على النبيّ وَلّ، ثم ذكر دعاء. وعن سفيان الثوريّ، عن يونس بن عبيد، عن الحسن: أنه كان يقرأ بفاتحة الكتاب في كلّ تكبيرة في صلاة الجنازة. وهو قول الشافعيّ، وأبي سليمان -يعني داود الظاهريّ- وأصحابهما. قال أبو محمد: واحتجّ من منع من قراءة القرآن فيها بأن قالوا: روي عن النبيّ وَّ: ((أخلصوا له الدعاء)). قال: هذا حديث ساقط، ما روي قط من طريق يُشتغل بها. ثم لو صحّ لما منع من القراءة، لأنه ليس في إخلاص الدعاء للميت نهي عن القراءة، ونحن نخلص له الدعاء، ونقرأ كما أمرنا. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((حديث ساقط)) فيه نظر، بل هو حديث صحيح، رواه أبو داود، وابن ماجه، من طريق محمد بن إسحاق، وهو حجة، لكنه يدلّس، وقد صرّح في بعض طرقه عند ابن حبّان بالتحديث(١)، فزالت تهمة التدليس، فالجواب الصحيح عن اعتراضهم هو ما ذكره بعد هذا، فتبصّر. والله تعالى أعلم. (١)-قال ابن حبان رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): ((ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن ابن إسحاق لم يسمع هذا الخبر من محمد بن إبراهيم))، ثم أخرجه بسنده، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن إبراهيم .... الخ. ٣٢٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ قال وقالوا: قد روي عن أبي هريرة أنه سئل عن الصلاة على الجنازة؟ فذكر دعاء، ولم يذكر قراءة. وعن فَضَالة بن عُبيد أنه سئل أيقرأ في الجنازة بشيء من القرآن؟ قال: لا. وعن ابن عمر أنه كان لا يقرأ في صلاة الجنازة. قال أبو محمد: فقلنا: ليس عن واحد من هؤلاء أنه لا يقرأ فيها بأم القرآن، ونعم نحن نقول: لا يقرأ فيها بشيء من القرآن إلا أم القرآن(١)، فلا يصحّ خلاف بين هؤلاء، وبين من صرّح بقراءة القرآن من الصحابة ، كابن عبّاس، والمسور، والضحّاك بن قيس، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وابن مسعود، وأنس، لا سيما وأبو هريرة لم يذكر تكبيرًا، ولا تسليمًا، فبطل أن يكون لهم به متعلّق. وقد روي عنه قراءة القرآن في الجنازة، فكيف، ولو صحّ عنهم في ذلك خلاف، لوجب الردّ عند تنازعهم إلى ما أمر الله تعالى بالرد إليه، من القرآن والسنّة، وقد قالَ الَّلهُ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)). وقالوا: لعلّ هؤلاء قرؤوها على أنها دعاء. فقلنا: هذا باطل، لأنهم ثبت عنهم الأمر بقراءتها، وأنها سنتها، فقول من قال: لعلهم قرؤوها على أنها دعاء كذب بحت. ثم لا ندري ما الذي حملهم على المنع من قراءتها حتى يتقخّموا في الكذب بمثل هذه الوجوه الضعيفة. والعجب أنهم أصحاب قياس، وهم يرون أنها صلاة، ويوجبون فيها التكبير، واستقبال القبلة، والإمامة للرجال، والطهارة، والسلام، ثم يسقطون القراءة. فإن قالوا: لما سقط الركوع، والسجود، والجلوس، سقطت القراءة. قلنا: ومن أين يوجب هذا القياس دون قياس القراءة على التكبير والتسليم؟ بل لو صح القياس لكان قياس القراءة على التكبير، والتسليم - لأن كل ذلك ذكر باللسان- أولى من قياس القراءة على عمل الجسد، ولكن هذا علمهم بالقياس والسنن. وهم يعظّمون خلاف العمل بالمدينة، وههنا أريناهم عمل الصحابة، وسعيد بن المسيب، وأبي أمامة، والزهريّ، علماءِ المدينة، وخالفوهم. وباللّه تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالی(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما نقلت كلام ابن حزم رحمه الله تعالى، وإن كان فيه طول لكونه اشتمل على تفنيد آراء القائلين بعدم مشروعيّة قراءة الفاتحة في الصلاة على الجنازة، مع صحة السنة بذلك. (١)- قلت: هذا غير صحيح، بل صحّ قراة سورة مع الفاتحة في حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور، فتبصّر. (٢)- ((المحلى)) ج٥ ص١٢٩-١٣١.