النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ٦٢ - تَرْكُ الصَّلاةِ عَلَيهِمْ - حديث رقم ١٩٥٥ جمعًا للقرآن، فاجعلوه أمامَ أصحابه، وذكر ابن إسحاق ممن دُفن جميعًا عبدالله بن جحش، وخاله حمزة بن عبد المطلب، ومن وجه آخرها أنه أمر بدفن عمرو بن الْجَمُوح، وعبدالله بن عمرو، والد جابر انتهى(١) (قَالَ) بَرِ (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ) الظاهر أن ((على)) بمعنى اللام، أي أنا أشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم، وتركوا حياتهم للَّه تعالى (وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ) وفي نسخة : ((بدمائهم)) (وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ) قال في ((الفتح)): هو مضبوط في روايتنا بفتح اللام، وهو اللائق بقوله بعد ذلك: ((ولم يُغسَّلُوا))، وفي رواية للبخاري من وجه آخر: ((ولم يصلِ عليهم، ولم يغسلهم))، وهذه بكسر اللام، والمعنى: ولم يفعل ذلك بنفسه، ولا بأمره. وهذا محلّ الترجمة، حيث صرّح بأنه وَّ﴿ لم يصلّ عليهم، فدلّ على ترك الصلاة على الشهداء . قال الحافظ: وقد أجاب بعض الحنفيّة عنه بأنه ناف، وغيره مثبت. وأجيب بأن الإثبات مقدّم على النفي غير المحصور، وأما نفي الشيء المحصور إذا كان راويه حافظًا، فإنه يترجّح على الإثبات، إذا كان راويه ضعيفًا، كالحديث الذي فيه إثبات الصلاة على الشهيد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظر لا يخفى؛ لأنه قد سبق أن حديث عقبة بن عامر، وحديث شدّاد بن الهاد صحيحان، فكيف يطلق القول بالضعف؟ اللَّهم إلا إذا أراد الحديث المتعلّق بصلاته على حمزة وغيره يوم أحد، فإنها ضعاف، كما سبق بيانه. قال: وعلى تقدير التسليم، فالأحاديث التي فيها ذلك إنما هي في قصّة حمزة، فيحتمل أن يكون ذلك مما خُصّ به حمزة من الفضل. وأجيب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. ويجاب بأنه يوقف الاستدلال. قالوا: ويمكن الجمع بأنه لم يصلّ عليهم ذلك اليوم، كما قال جابر، ثم صلى عليهم في ثاني يوم، كما قال غيره انتهى (٢). (وَلَمْ يُغَسَّلُوا) بالبناء للمفعول، من التغسيل، أو الغَسْل، قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تقدم البحث في الصلاة على الشهداء، وغسلهم مُستوفَّى في الباب الماضي، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) -((فتح)) ج٨ ص١٢٧ . ((كتاب المغازي)) رقم الحديث ٤٠٨٠ . (٢)- ((فتح)) ج٨ ص١٢٧ ((كتاب المغازي)) رقم الحديث ٤٠٨٠. ٢٢٢ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبداللَّه رَوافيها هذا أخرجه البخاريّ. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٦٢ /١٩٥٥ وفي ((الكبرى))٢٠٨٢/٦٢. وأخرجه (خ)١٣٤٣ و١٣٤٥ و١٣٤٦ و١٣٤٨ و١٣٥٣ و٤٠٨٠ (د) ٣١٣٨ (ت) ١٠٣٦ (ق) ١٥١٤ (أحمد) ١٣٧٧٧ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو جواز ترك الصلاة على الشهداء الذين قُتلوا في معركة حرب الكفّار. ومنها: عدم مشروعية غسلهم. ومنها: جواز تكفين الرجلين في ثوب واحد للضرورة. ومنها: جواز الجمع بين الرجلين، فصاعدًا في لحد واحد للضرورة أيضًا، ففي رواية عبد الرزّاق: ((كان يَدْفِن الرجلين، والثلاثة في قبر واحد)). ورَوَى أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ(١)، بأسانيد صحيحة، من حديث هشام بن عامر الأنصاريّ، قال: جاءت الأنصار إلى رسول اللّه وَ ل و يوم أحد، فقالوا: أصابنا قَرْح، وجَهْد، فكيف تأمرنا؟ قال: ((احفروا، وأوسعوا، واجعلوا الرجلين، والثلاثة في قبر ... )) الحديث. ومثله في ذلك المرأتان، والثلاث. ومنها: أنه يقدّم الأكثر أخذًا للقرآن على غيره، لفضيلة القرآن، كنظيره في الإمامة في الحياة. قيل: ويقاس عليه سائرُ جهات الفضل، إذا جمعوا في اللحد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا القياس نظر، إذ لم يسأل النبي ◌َّ من جهات الفضل غير القرآن، مع أنه يوجد في الصحابة فاضل ومفضول في خصال متعدّدة، غير حفظ القرآن. فتأمل. ومنها: إظهار تشريف الشهداء، حيث يشهد لهم النبي وَلقر عند اللَّه تعالى شهادة خاصّة، وذلك تعظيمًا لشؤونهم، وإلا فالأمور كلها معلومة لله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . (١)- يأتي برقم ٢٠١١. -٢٢٣ - ٦٣- بابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْجُوم - حديث رقم ١٩٥٦ ٦٣ - بَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْجُومِ ١٩٥٦- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى، وَنُوحُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَاعْتَرَفَ بِالزَّنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ اغْتَرَفَ، فَأَعِرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ اعْتَرَفَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ، أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَبِكَ جُنُونٌ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((أَخْصَنْتَ؟))، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيّ ◌َّهِ، فَرُجِمَ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ، فَرَّ، فَأُدْرِكَ، فَرُجِمَ، فَمَاتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: خَيْرًا، وَلَمْ يُصَلْ عَلَيْهِ. رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (محمد بن يحيى) بن عبدالله بن خالد بن فارس الذُّهليّ النيسابوريّ، ثقة حافظ جليل [١١]٣١٤/١٩٦. ٢- (نوح بن حبيب) أبو محمد الْقُومَسِيّ، ثقة سنيّ [١٠]١٠١٠/٧٩. ٣- (عبد الرزاق) بن همّام بن نافع، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّفٌ شهير، عمي في آخره عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩]٦١/ ٧٧. ٤- (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار[٧]١٠/١٠. ٥- (أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف الزهريّ المدني، ثقة فقيه [١/١٤٣. والباقيات تقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سُداسيات المصنّف رَخْدَّثُ. وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال، وفيه أحد المكثرين السبعة، من الصحابة، وفيه شيخان للمصنف رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللّه تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ) أي من بني أسلم القبيلة المشهورة، واسم هذا الرجل ماعز بن مالك، وفي رواية جابر بن سمرة عند مسلم: ((رأيت ماعز بن مالك الأسلميّ حين جيء به رسول اللَّه وَ لخير ... )) الحديث، ٢٢٤ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ وفيه: ((رجل قصير، أعضل، ليس عليه رداء))، وفي لفظ ((ذو عَضَلات)). بفتح المهملة، ثم المعجمة، جمع عضلة: هو ما اجتمع من اللحم في أعلى باطن الساق. (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا) أي أقرّ على نفسه أنه زنى، وفي حديث أبي هريرة رَمّه عند البخاريّ: ((أتى رسول اللَّه وَ لهو رجل من الناس، وهو في المسجد، فناداه، يا رسول اللَّه، إني زنيت، يريد نفسه ... )) الحديث (فَأَعْرَضَ عَنْهُ) يقال: أعرضتُ عنه: أضربتُ، وولّيت عنه، وحقيقته جعل الهمزة للصيرورة، أي أخذتُ عُرضًا، أي جانبًا غيرَ الجانب الذي هو فيه(١) أي حوّل النبي وَلّ وجهَه إلى جهة أخرى، كراهيةً لما قاله، وسترًا عليه. وفي حديث بُريدة عند مسلم (٢): ((قال: ويحك، ارجع، فاستغفر الله، وتب إليه))، فرجع غير بعيد: ((فقال: يا رسول اللَّه طهّرني))، وفي لفظ: (فلما كان من الغد أتاه)»، ووقع في مرسل سعيد بن المسيّب عند مالك، والنسائيّ(٣)، من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن سعيد: ((أن رجلاً من أسلم قال لأبي بكر الصدّيق: إن الآخر زنى، قال: فتب إلى اللَّه، واستتر بستر اللّه، ثم أتى عمر كذلك، فأتى رسول اللَّه وَله، فأعرض عنه ثلاث مرار، حتى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله ... )). (ثُمَّ اغْتَرَفَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ اغْتَرَفَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ) وفي حديث أبي هريرة المذكور: ((فأعرض عنه النبي وَلِّ، فتنحى لشقّ وجهه الذي أعرض قِبَلَه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشقّ وجه النبي وَ ل﴿ الذي أعرض عنه ... )) الحديث (حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ، أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) وفي حديث أبي هريرة ((حتى ردّد على نفسه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات))، وفي رواية بُريدة المذكورة: ((حتى إذا كانت الرابعة، قال: فيم أطهّرك؟)). ووقع في رواية لمسلم: ((فردّه مرتين))، وفي أخرى: ((مرتين، أو ثلاثا))، قال شعبة: قال سماك: فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: إنه ردّه أربع مرّات. ووقع عند مسلم أيضًا: ((فاعترف بالزنا ثلاث مرّات)). ووجه الجمع بينها -كما قال في ((الفتح))- أن تُحمَل رواية ((مرتين))، على أنه اعترف مرتين في يوم، ومرتين في يوم آخر، لما يُشعر به قول بريدة: ((فلما كان من الغد)»، فاقتصر الراوي على أحدهما، أو مراده اعترف مرتين في يومين، فيكون من ضرب اثنين في اثنين. (١)- ((المصباح)) في مادة عرض. (٢)- وهو في ((الكبرى)) للمصنف برقم ٧١٦٣ . (٣)-أي في ((الكبرى)) رقم ٧١٧٩. . .-- | ٦٣ - بَأَبُ تَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَى المَرْجُوم - حديث رقم ١٩٥٦ ٢٢٥ === وقد وقع عند أبي داود من طريق إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس تَاثًا: ((جاء ما عز بن مالك إلى النبي ◌َّر، فاعترف بالزنا مرتين، فطرده، ثم جاء، فاعترف بالزنا مرتين))(١). وأما رواية الثلاث، فكأن المراد الاقتصار على المرّات التي ردّه فيها، وأما الرابعة، فإنه لم يردّه، بل استثبت فيه، وسأله عن عقله. لكن وقع في حديث أبي هريرة تظلّ عند أبي داود (٢)، من طريق عبدالرحمن بن الصامت ما يدلّ على أن الاستثبات فيه إنما وقع بعد الرابعة، ولفظه: ((جاء الأسلميّ، فشهد على نفسه أنه أصاب امرأةً حرامًا أربع مرّات، كلّ ذلك يُعرض عنه رسول اللّه وَّر، فأقبل في الخامسة، فقال: ((تدري ما الزاني)) إلى آخره، والمراد بالخامسة الصفة التي وقعت منه عند السؤال والاستثبات، لأن صفة الإعراض وقعت أربع مرّات، وصفة الإقبال للسؤال وقع بعدها انتهى(٣). (فَقَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: ((أَبِكَ جُنُونٌ؟، قَالَ: لَا) وفي حديث بُريدة: ((فسأل أبه جنون؟ فأُخبر بأنه ليس بمجنون))، وفي لفظ: ((فأرسل إلى قومه، فقالوا: ما نعلمه إلا وَفِيَّ العقل، من صالحينا))، وفي حديث أبي سعيد: «ثم سأل قومه؟ فقالوا: ما نعلم به بأسًا، إلا أنه أصاب شيئًا، يَرى أنه لا يُخرجه منه إلا أن يُقام فيه الحدّ للَّه))، وفي مرسل سعيد ابن المسيّب: ((بَعَث إلى أهله، فقال: أيشتكي؟ أبه جنّة؟ فقالوا: يا رسول اللَّه إنه لصحیح)»(٤). ويجمع بينهابأنه سأله، ثم سأل عنه احتياطًا، فإن فائدة سؤاله أنه لو ادعى الجنون لكان في ذلك دفعٌ لإقامة الحدّ عليه، حتى يظهر خلاف دعواه، فلما أجاب بأنه لا جنون به، سأل عنه، لاحتمال أن يكون كذلك، ولا يُعتدّ بقوله. وعند أبي داود، من طريق نُعيم بن هَزَّال، قال: ((كان ما عز بن مالك يتيمًا في حجر أبي، فأصاب جارية من الحيّ، فقال له أبي: ائت رسول اللَّه ◌َلِّ، فأخبره بما صنعت، لعله يستغفر لك، ورجا أن يكون له مخرج ... ))، فذكر الحديث. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فائدة سؤاله ((أبك جنون)) سترٌ لحاله، واستبعاد أن يُلحّ عاقل بالاعتراف بما يقتضي إهلاكه، ولعلّه يرجع عن قوله، أو لأنه (١)-ونحوه للمصنف في ((الكبرى)) رقم ٧١٧٣. (٢)-وهو في ((الكبرى)) رقم ٧١٦٥. (٣)- ((فتح)) ج١٤ ص ٨٢، (كتاب الحدود)) رقم الحديث ٦٨١٥. (٤)-(الكبرى)) ج٤ ص٢٨١ رقم ٧١٧٩. ٢٢٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ سمعه وحده، أو ليتمّ إقراره أربعًا عند من يشترطه، وأما سؤاله قومه عنه بعد ذلك، فمبالغة في الاستثبات. وتَعَقْب بعض الشرّاح قوله: ((أو لأنه سمعه وحده)) بأنه كلام ساقط، لأنه وقع في نفس الخبر أن ذلك كان بمحضر الصحابة في المسجد. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويُردّ بوجه آخر، وهو أن انفراده بَّ بسماع إقرار المقرّ كاف في الحكم عليه بعلمه اتفاقًا، إذ لا ينطق عن الهوى، بخلاف غيره، ففيه احتمال انتهى (١). (قَالَ: أَحْصَنْتَ؟) أي تزوّجت، هذا معناه هنا جزما، لافتراق الحكم في حدّ من تزوّج، ومن لم يتزوّج. [تنبيهات]: الأول: المحصَن بفتح الصاد المهملة، من الإحصان، ويأتي بمعنى العفّة، والتزويج، والإسلام، والحريّة، لأن كلّا منها يمنع المكلّف من عمل الفاحشة، قال ابن القطّاع: رجل مُحصِنٌ -بكسر الصاد- على القياس، وبفتحها على غير القياس. قال الحافظ: ويمكن تخريجه على القياس، وهو أن المراد هنا من له زوجة عقد عليها، ودخل بها، وأصابها، فكأن الذي زوّجها له، أو حمله على التزويج بها، ولو كانت نفسَهُ أحصنه، أي جعله في حصن من العفّة، أو مَنَعَه من عمل الفاحشة. وقال الراغب: يقال للمتزوّجة مُحصّنة، أي أن زوجها أحصنها، ويقال: امرأة مُحصِنّ بالكسر، إذا تصوّر حصنها من نفسها، وبالفتح إذا تصوّر حصنها من غيرها انتھی . الثاني: قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمعوا على أنه لا يكون الإحصان بالنكاح الفاسد، ولا الشبهة، وخالفهم أبو ثور، فقال: يكون محصنًا، واحتجّ بأن النكاح الفاسد يُعطى أحكام الصحيح في تقرير المهر، ووجوب العدّة، ولحوق الولد، وتحريم الربيبة. وأجيب بعموم ((ادرؤوا الحدود)). قال: وأجمعوا على أنه لا يكون بمجرّد العقد محصنًا، واختلفوا إذا دخل بها، وادعى أنه لم يصبها، قال: حتى تقوم البيّنة، أو يوجد منه إقرار، أو يعلم له منها ولد، وعن بعض المالكيّة إذا زنى أحد الزوجين، واختلفا في الوطء لم يصدّق الزاني، ولو لم يمض لهما إلا ليلة، وأما قبل الزنا فلا يكون محصنًا، ولو أقام معها ما أقام. واختلفوا إذا تزوّج الحرّ أمة، هل تحصنه؟ فقال الأكثر: نعم، وعن عطاء، والحسن، وقتادة، والثوريّ، والكوفيين، وأحمد، وإسحاق: لا. واختلفوا إذا تزوّج كتابيّة، فقال إبراهيم، وطاوس، والشعبيّ: لا تحصنه، وعن الحسن لا تحصنه حتى يطأها في (١)-المصدر المذكور ص ٨٣ . ٢٢٧ ٦٣ - بَابُ تَرْكِ الصَّلَةِ عَلَى الْمَرْجُوم - حديث رقم ١٩٥٦ الإسلام. أخرجهما ابن أبي شيبة. وعن جابر بن زيد، وابن المسيّب: تحصنه، وبه قال عطاء، وسعيد بن جبير. انتهى(١). الثالث: قال ابن التين: محل مشروعية سؤال المقرّ بالزنا عن ذلك إذا كان لم يُعلم أنه تزوّج تزويجًا صحيحًا، ودخل بها، فأما إذا عُلم إحصانه، فلا يُسأل عن ذلك، ثم حكى عن المالكيّة تفصيلاً فيما إذا عُلم أنه تزوّج، ولم يسمع منه إقرارٌ بالدخول، فقيل: من أقام مع الزوجة ليلة واحدةً لم يُقبل إنكاره، وقيل: أكثر من ذلك، وهل يُحدّ حدّ الثيّب أو البكر؟ الثاني أرجح، وكذا إذا اعترف الزوج بالإصابة، ثم قال: إنما اعترفت بذلك لأملك الرجعة، أو اعترفت المرأة، ثم قالت: إنما فعلت ذلك لأستكمل الصداق، فإن كلا منهما يُحدّ حدّ البكر انتهى. وعند غيرهم يُرفع الحدّ أصلاً. ونقل الطحاويّ عن أصحابهم أن من قال لآخر: يا زاني، فصدّقه أنه يُجلد القائل، ولا يُحدّ المصدّق، وقال زُفَر: بل يُحدّ. قال الحافظ: وهو قول الجمهور، ورجح الطحاويّ قول زفر، واستدلّ بحديث الباب، وأن النبي وَلقر قال لماعز: ((أحقّ ما بلغني عنك أنك زنيت؟ قال: نعم، فحدّ)). قال: وباتفاقهم على أن من قال لآخر: عليك ألف، فقال: (٢) صدقتَ، أنه يلزمه المال انتهى. (قَالَ: نَعَمْ) زاد في حديث بُريدة قبل هذا: ((أشربت خمرًا؟، قال: لا))، وفيه: ((فقام رجل، فاستنكهه، فلم يجد منه ريحًا»، وزاد في رواية ابن عباس رَبَّهَا عند البخاريّ: ((لعلّك قبّلتَ، أو غمزت - بمعجمة، وزاي- أو نظرت))، أي فأطلق على كلّ ذلك زنًا، ولكنه لا حدّ في ذلك، ((قال: لا))، وفي حديث نُعيم: ((فقال: هل ضاجعتها؟، قال: نعم، قال: فهل باشرتها؟، قال: نعم، قال: هل جامعتها؟ قال: نعم))، وفي حديث ابن عباس المذكور: ((فقال: أنِكْتَها))، لا يَكنِي بفتح التحتانيّة، وسكون الكاف، من الكناية، أي أنه ذكر هذا اللفظ صريحًا، ولم يَكْنٍ عنه بلفظ آخر، كالجماع، ويحتمل أن يُجمع بأنه ذُكِر بعد ذكر الجماع لأن الجماع قد يُحمل على مجرّد الاجتماع. وفي حديث أبي هريرة المذكور: ((أنِكْتَها؟، قال: نعم، قال: حتى دخل ذلك منك ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يَغِيب الْمِرْوَد(٣) في الْمُكْحُلَةِ، والرِّشَاء في البئر؟ قال: نعم، قال: أتدري ما الزنا؟ قال: نعم، قال: أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: تُطهّرني، فَأَمَر به، فرُجِم)). وقَبْلَه عند النسائيّ (١) - (فتح)) ج١٤ ص٧٥ -٧٦ ((كتاب الحدود)) - ((باب رجم المحصن)). (٢) - ((فتح)) ج١٤ ص٩٩ ((كتاب الحدود)» رقم ٦٨٢٦. (٣)- بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الواو، آخره دال مهملة: المِيلُ. ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز هنا: «هل أدخلته، وأخرجته؟ قال: نعم)). (فَأَمَرَ بِهِ النَِّيُّ وَّهِ﴾ برجمه (فَرُجِمَ) بالبناء للمفعول، يقال: رَجَمَتُهُ رَجْمًا، من باب قتل: ضَرَبته بالرَّجَم، وهو -بفتحتين -: الحِجَارة، والرَّجَمُ أيضًا القَبْر، سمي به لما يُجمَع عليه من الأَحجار، والرُّجْمَة - بضم فسكون -: حِجَارةٌ مجموعة، والجمع رِجَامٌ، مثلُ بُرْمَة وبِرَام. أفاده في ((المصباح)). زاد البخاريّ: قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن اللّه: ((فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلَّى)) انتهى. وقد صرّح يونس، ومعمر في روايتهما بأن المبهم هو أبو سلمة بن عبدالرحمن. وفي رواية معمر: ((فَأَمَرَ به، فرُجِم بالمصلّى))، وفي حديث أبي سعيد: ((فما أوثقناه، ولا حفرنا له))، قال: ((فرميناه بالعظام، والْمَدَر، والْخَزَف)) بفتح المعجمة، والزاي، وبالفاء، وهي الآنية التي تُتّخذ من الطين المشويّ، وكأن المراد ما تكسّر منها (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ) بذال معجمة، وفتح اللام، بعدها قاف: أي أقلقته، قال أهل اللغة: الذّلَق بالتحريك الْقَلَق، وممن ذكره الجوهريّ، وقال في ((النهاية)): أذلقته بلغت منه الجهد حتى قَلِقَ، يقال: أذلقه الشيء أجهده. وقال النوويّ: معنى أذلقته الحجارة: أصابته بحدّها، ومنه انذلق: إذا صار له حدّ يقطع انتهى. (فَرَّ) من باب ضرب، ولفظ البخاريّ: ((هرب))، وهو بمعنى فَرَّ، وفي رواية ((جَمَز)) بجيم، وميم مفتوحتين، ثم زاي: أي وَثَب مُسرعًا، وليس بالشديد الْعَدْوِ، بل كالقَفْز، وفي حديث أبي سعيد ((فاشتدّ، وأسند لنا خلفه)). (فَأَدْرِكَ، فَرُجِمَ) ببناء الفعلين للمجهول، وللبخاريّ: ((فأدركناه بالحرّة، فرجمناه)) (فَمَاتَ) وفي رواية: ((حتى مات))، وفي حديث أبي سعيد: ((حتى أتى عُرْضَ الْحَرَّةِ(١) فرميناه بجلاميد الحرّة، حتى سكت))، وعند الترمذيّ من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في قصّة ماعزِ: (فلما وجد مسّ الحجارة فرّ، يشتدّ حتى مرّ برجل معه لَخِيُ جَمَل، فضربه به، وضربه الناس حتى مات))، وعند أبي داود، والنسائيّ(٢) من رواية يزيد بن نُعيٍ بن هَزَّال، عن أبيه في هذه القصّة: ((فوجد مَسّ الحجارة، فخرج يشتدّ، فلقيه عبدالله بن أنيس، وقد عجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير(٣)، فرماه، فقتله)). وهذا ظاهره (١)- بضم العين المهملة: أي جانب الحرّة. (٢)- ((الكبرى)) ج٤ ص٢٩١ رقم ٧٢٠٥. (٣)- ((الوظيف)) بمعجمة، وزان عظيم: خفّ البعير، وقيل: مستدقّ الذراع والساق من الإبل وغيرهما. اهـ ((فتح) ج١٤ ص٨٤ . ٦٣- بَأَبُ تَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَى المَرْجُوم - حديث رقم ١٩٥٦ ٢٢٩ يخالف ظاهر رواية أبي هريرة أنهم ضربوه معه، لكن يجمع بأن قوله في هذا: ((فقتله))، أي كان سببًا في قتله. ووقع في رواية للطبرانيّ في هذه القصّة: ((فضَرَب ساقه، فصرعه، ورجموه حتى قتلوه)). وفي حديث أبي هريرة عند النسائيّ(١): ((فانتهى إلى أصل شجرة، فتوسّد يمينه حتى قُتل))، وللنسائيّ من طريق أبي مالك، عن رجل من أصحاب رسول الله وَله: «فذهبوا به إلى حائط، يبلُغ صدره، فذهب يَئِب، فرماه رجل، فأصاب أصل أذنه، فصرع، فقتله)). (فَقَالَ لَهُ النَِّيُّ ◌َِّ خَيْرًا) أي ذكره بجميل، ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم: ((فما استغفر له، ولا سبّه))(٢)، وفي حديث بُريدة: ((فكان الناس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبةٌ أفضل من توبة ماعز، فلبثوا ثلاثًا، ثم جاء رسول اللَّه وَ له، فقال: استغفروا لماعز بن مالك))، وفي حديث بريدة أيضًا: ((لقد تاب توبةً لو قسمت على أمّة لوسعتهم))، وفي حديث أبي هريرة عند النسائيّ: ((لقد رأيته بين أنهار الجنّة يتغَمَّس))، قال: يعني يتنعم(٣). وفي حديث جابر عند أبي عوانة: ((فقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنة))، وفي حديث اللَّخْلاج عند أبي داود، والنسائيّ(٤): ((ولا تقل له: خبيث، لهو عند الله أطيب من ريح المسك))، وفي حديث أبي الفيل عند الترمذيّ: ((ولا تشتمه))، وفي حديث أبي ذرّ عند أحمد: ((قد غُفر له، وأدخل الجنّة)). (وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) هكذا رَوَى محمد بن يحيى الذهليّ، وجماعة، عن عبد الرزاق، قالوا: ((ولم يصلّ عليه))، وخالفهم محمود بن غَيْلان، عن عبد الرّزّاق، فقال: ((وصلّى عليه)). قال المنذريّ رحمه الله تعالى في ((حاشية السنن)): رواه ثمانية أنفس عن عبد الرّزاق، فلم يذكروا قوله: ((وصلّى عليه)). قال الحافظ رحمه الله تعالى: قد أخرجه أحمد في ((مسنده)) عن عبدالرّزّاق، ومسلم عن إسحاق بن راهويه، وأبو داود عن محمد ابن المتوكّل العَسْقَلَانيّ، وابن حبّان من طريقه، زاد أبو داود: والحسن بن عليّ الخلال، والترمذيّ عن الحسن بن عليّ المذكور، والنسائيّ، وابن الجارود عن محمد ابن يحيى الذُّهليّ، زاد النسائيّ: ومحمد بن رافع، ونوح بن حبيب(6)، والإسماعيليّ، (١)-((الكبرى)) ج٤ ص٢٨٩ رقم ٧٤٠٠ . (٢)- ((الكبرى)) ج٤ ص٢٨٨ رقم٧١٩٩. (٣)- ((الكبرى)) ج٤ ص٢٨٩ رقم ٧٢٠٠ . (٤)-((الكبرى) ج٤ ص ٢٨٣ رقم ٧١٨٥. (٥)- ((الكبرى)) ج٤ ص ٢٨٠ رقم ٧١٧٦. ٢٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ والدارقطنيّ من طريق أحمد بن منصور الرَّمَاديّ، زاد الإسماعيليّ: ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، وأخرجه أبو عوانة عن الدَّبَريّ، ومحمد بن سهل الصغانيّ، فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس، خالفوا محمودًا، منهم من سكت عن الزيادة، ومنهم من صرّح (١) بنفيها انتهى(١). ووقع في (صحيح البخاريّ)) في آخر رواية محمود بن غيلان: ما نصّه: ولم يقل يونس، وابن جريج، عن الزهريّ: ((فصلّى عليه)). سئل أبو عبدالله هل قوله: ((فصلى عليه)) يصحّ، أو لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: هل رواه غير معمر؟ قال: لا. انتهى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: قوله: ((وسئل أبو عبدالله الخ)) وقع هذا الكلام في رواية المستملي وحده عن الفربريّ، وأبو عبدالله هو البخاريّ، وقد اعتُرض عليه في جزمه بأن معمرًا روى هذه الزيادة مع أن المنفرد بها إنما هو محمود بن غيلان، عن عبد الرّزّاق، وقد خالفه العدد الكثير من الحفّاظ، فصرّحوا بأنه لم يصلّ عليه، لكن ظهر لي أن البخاريّ قويت عنده رواية محمود بالشواهد، فقد أخرج عبد الرزاق أيضًا، وهو في السنن لأبي قرّة من وجه آخر، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف في قصّة ماعز، قال: ((فقيل: يا رسول اللّه، أتصلي عليه؟، قال: لا، قال: فلما كان من الغد قال: صلّوا على صاحبكم، فصلى عليه رسول اللَّه وَالتّر، والناس)). فهذا الخبر يجمع بين الاختلاف، فتُحمل رواية النفي على أنه لم يصلّ عليه حين رُجم، ورواية الإثبات على أنه وَ لقوله صلى عليه في اليوم الثاني. وكذا طريق الجمع لما أخرجه أبو داود عن بُريدة رَّه: ((أن النبي وَلّ لم يأمر بالصلاة على ماعز، ولم ينه عن الصلاة عليه))، ويتأيّد بما أخرجه مسلم من حديث عمران ابن حُصين ◌َّهَا في قصّة الجُهَنيّة التي زنت، ورُجمت: ((أن النبي ◌َّ صلى عليها، فقال له عمر: أتصلي عليها، وقد زنت؟ فقال: لقد تابت توبةً، لو قُسمت بين سبعین لوسعتهم)). وحكى المنذريّ قول من حمل الصلاة في الخبر على الدعاء، ثم قال في قصّة الجهنيّة دلالة على توهين هذا الاحتمال، قال: وكذا أجاب النوويّ، فقال: إنه فاسد، لأن التأويل لا يُصار إليه إلا عند الاضطرار إليه، ولا اضطرار هنا. وقال ابن العربيّ: لم يثبت أن النبيّ وَلو صلى على ماعز، قال: وأجاب من منع عن صلاته على الغامديّة، لكونها عرفت حكم الحدّ، وماعز إنما جاء مستفهمًا، قال: وهو (١)- (فتح) ج١٤ ص ٩١- ٩٢. ٢٣١ ٦٣ - بَأَبُ تَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمَرْجُوم - حديث رقم ١٩٥٦ جواب واه. وقيل: لأنه قتله غضبًا لله، وصلاته رحمة، فتنافيا، قال: وهذا فاسد، لأن الغضب انتهى، قال: ومحلّ الرحمة باق. والجواب المرضيّ أن الإمام حيث ترك الصلاة على المحدود كان رَذْعًا لغيره. قال الحافظ: وتمامه أن يقال: وحيث صلّى عليه يكون هناك قرينة، لا يُحتاج معها إلى الردع، فيختلف حينئذ باختلاف الأشخاص انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبدالله رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٩٥٦/٦٣ - وفي «الكبرى»٦٣/ ٢٠٨٣ وفي ٧١٧٤ و٧١٧٥ و٧١٧٦ . وأخرجه (خ) ٥٢٧٠ و٥٢٧٢ و٦٨١٤ و٦٨١٥ و٦٨٢٠ و٦٨٢٦ و٧١٦٧ (م) ١٦٩١ (د) ٤٤٣٠ (ت)١٤٢٩ (أحمد) ١٤٠٥٣ (الدارميّ)٢٣١٥. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده(٢): منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو ترك الصلاة على المرجوم، وهذا يدلّ على أن رواية ((وصلى عليه)) غير صحيحة عنده (ومنها): أن فيه منقبةً عظيمةً لماعز ابن مالك تَّ ، لأنه استمرّ على طلب إقامة الحدّ عليه، مع توبته، ليتمّ تطهيره، ولم يرجع عن إقراره مع أن الطبع البشريّ يقتضي أنه لا يستمرّ على الإقرار بما يقتضي إزهاق نفسه، فجاهد نفسه على ذلك، وقوي عليها، وأقرّ من غير اضطرار إلى إقامة ذلك عليه بالشهادة مع وضوح الطريق إلى سلامته من القتل بالتوبة، ولا يقال: لعلّه لم يعلم أن الحدّ بعد أن يُرفع للإمام يرتفع بالرجوع، لأنا نقول: كان له طريق أن يُبرز أمره في صورة الاستفتاء، فيعلم ما يخفى عليه من أحكام المسألة، ويَبني على ما يُجاب به، ويَعدل عن الإقرار إلى ذلك. ومنها: أنه يستحب لمن وقع في معصية، ونَدِمَ أن يبادر إلى التوبة إلى الله تعالى منها، ويستتر بستر اللّه، ولا يذكر ذلك لأحد، وإن اتفق أنه أخبر لأحد، فيستحبّ أن يأمره بالتوبة، وسترِ ذلك عن الناس، ويستحبّ للمُخبَرِ أيضًا أن يستر ذلك عليه، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام، كما جرى لماعز مع أبي بكر وعمر ، وقد أخرج (١)- (فتح)) ج١٤ ص٩٢ ((كتاب الحدود)) رقم الحديث ٦٨٢٠. (٢) المراد فوائد الحديث برواياته المختلفة، لا خصوص سياق المصنف رحمه الله تعالى. فتنبّه. ٢٣٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ قصته معهما في («الموطإ))، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، مرسلةً، ووصله أبو داود وغيره من رواية يزيد بن نُعيم بن هَزّال، عن أبيه، وفي القصّة أن النبيّ وَلَّه قال لِهَزّال: ((لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك))، وفي ((الموطأ))، عن يحيى بن سعيد: ذكرت هذا الحديث في مجلس، فيه يزيد بن نُعيم، فقال: هزّال جدّي، وهذا الحديث حقّ. قال الباجيّ ◌َّلهُ: المعنى خيرًا لك مما أمرته به من إظهار أمره، وكان ستره بأن يأمره بالتوبة والكتمان، كما أمره أبو بكر وعمر، وذكر الثوب مبالغة، أي لو لم تجد السبيل إلى ستره إلا بردائك ممن علم أمره (١) كان أفضل مما أشرت به عليه من الإظهار . وباستحباب الستر جزم الشافعيّ رحمه الله تعالى، فقال: أُحِبّ لمن أصاب ذنبًا، فستره الله عليه، أن يستر على نفسه ويتوب، واحتج بقصّة ماعز مع أبي بكر وعمر وقال ابن العربيّ ◌َخَّلهُ: هذا كلّه في غير المجاهر، فأما إذا كان متظاهرًا بالفاحشة، مجاهرًا، فإني أحبّ مكاشفته به، لينزجر هو وغيره. وقد استُشكِل استحباب الستر مع ما وقع من الثناء على ماعز، والغامديّة. وأجاب الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذيّ)) بأن الغامديّة كان ظهر بها الحَبَلُ، مع كونها غير ذات زوج، فتعذّر الاستتار، للاطلاع على ما يُشعر بالفاحشة، ومن ثَمّ قيّد بعضهم ترجيح الاستتار حيث لا يكون هناك ما يشعر بضدّه، وإن وُجد فالرفع إلى الإمام ليقيم عليه الحدّ أفضل انتهى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: والذي يظهر أن الستر مستحبّ، والرفع لقصد المبالغة في التطهير أحبّ، والعلم عند الله تعالى. ومنها: التثبّت في إزهاق نفس المسلم، والمبالغة في صيانته لما وقع في هذه القصّة من ترديده، والإيماء إليه بالرجوع، والإشارة إلى قبول دعواه، إن ادّعى إكراهًا، أو نحوذلك . ومنها: مشروعيّة الإقرار بفعل الفاحشة عند الإمام، وفي المسجد، والتصريح فيه بما يُستحيى من التلفّظ به، من أنواع الرفَثِ في القول، من أجل الحاجة الملجئة لذلك. ومنها: نداء الكبير بالصوت العالي. ومنها: إعراض الإمام عمن أقرّ بأمر محتمل (١)- هكذا عبارة ((الفتح)) ((ممن علم أمره))، ولعل الصواب ((ممن لا يعلم أمره)). فتأمل. ٦٣ - بَأَبُ تَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمَرْجُوم - حديث رقم ١٩٥٦ ٢٣٣ = لإقامة الحدّ، لاحتمال أن يفسّره بما لا يوجب حدًّا، أو يرجع، واستفساره عن شروط ذلك ليُرتّب عليه مقتضاه. ومنها: أن إقرار المجنون لاغ. ومنها: استحباب التعريض للمقرّ بأن يرجع، وأنه إذا رجع قُبل. قال ابن العربيّ تَخّْلهُ: وجاء عن مالك يَخْذَشُ رواية أنه لا أثر لرجوعه، وحديث النبي ◌َّ أحقّ أن يُتّبع. ومنها: أنه استُدلّ به على اشتراط الإقرار بالزنا أربعًا لظاهر قوله: ((فلما شهد على نفسه أربع شهادات))، فإن فيه إشعارَ بأن العدد هو العلّة في تأخير إقامة الحدّ عليه، وإلا لأمر برجمه في أول أمره، ولأن في حديث ابن عبّاس: «قال لماعز: قد شهدت على نفسك أربع شهادات، اذهبوا به، فارجموه))، ويؤيّده القياس على عدد شهود الزنا دون غيره، وهو قول الكوفيين، والراجح عند الحنابلة، وزاد ابن أبي ليلى، فاشترط أن تتعدّد مجالس الإقرار، وهي رواية عن أبي حنيفة، وتمسّكوا بصورة الواقعة، لكن الروايات فيها اختلفت. قال الحافظ: والذي يظهر أن المجالس تعددت، لكن لا بعدد الإقرار، فأكثرُ ما نقل في ذلك أنه أقرّ مرتين، ثم عاد من الغد، فأقرّ مرّتين، كما تقدّم بيانه. وتأول الجمهور بأن ذلك وقع في قصّة ماعز، وهي واقعة حال، فجاز أن يكون لزيادة الاستثبات. ويؤيّد هذا الجواب ما تقدّم في سياق حديث أبي هريرة، وما وقع عند مسلم في قصّة الغامديّة، حيث قالت لما جاءت: ((طهرني، فقال: ويحك ارجعي، فاستغفري، قالت: أراك تريد أن تردّني كما رددت ماعزًا، إنها حبلى من الزنا))، فلم يؤخّر إقامة الحدّ عليها إلا لكونها حبلى، فلما وضعت أمر برجمها، ولم يستفسرها مرّة أخرى، ولا اعتبر تكرير إقرارها، ولا تعدد المجالس، وكذا وقع في قصّة العَسِيف حيث قال: ((واغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها، وفيه: ((فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها))، ولم يذكر تعدد الاعتراف، ولا المجالس. وأجابوا عن القياس المذكور بأن القتل لا يُقبل فيه إلا شاهدان، بخلاف سائر الأموال، فيقبل فيها شاهد وامرأتان، فكان قياس ذلك أن يُشترط الإقرار بالقتل مرّتين، وقد اتفقوا أنه يكفي فيه مرّة. ومنها: أن الإمام لا يشترط أن يبدأ بالرجم فيمن أقرّ، وإن كان ذلك مستحبّا، لأن الإمام إذا بدأ مع كونه مأمورًا بالتثبت، والاحتياط فيه، كان ذلك أدعى إلى الزجر عن التساهل في الحكم، وإلى الحضّ على التثبت في الحكم، ولهذا يبدأ الشهود إذا ثبت الرجم بالبيّنة . ومنها: جواز تفويض الإمام إقامة الحدّ لغيره. ومنها: أنه لا يشترط الحفر للمرجوم، لأنه لم يُذكر في حديث الباب، بل وقع التصريح في حديث أبي سعيد عند مسلم، ٢٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ فقال: ((فما حفرنا له، ولا أوثقناه))، ولكن وقع في حديث بُريدة عنده: ((فحُفر له حفيرة)) . ويمكن الجمع بأن المنفيّ حفيرة لا يمكنه الوثوب منها، والمثبت عكسه، أو أنهم في أول الأمر لم يحفروا له، ثمّ لما فرّ فأدركوه حفروا له حفيرة، فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه . وعند الشافعية لا يحفر للرجل، وفي وجه يتخيّر الإمام، وهو أرجح، لثبوته في قصة ماعز، فالمثبت مقدّم على النافي، وقد جُمع بينهما بما دلّ على وجود حَفْر في الجملة، وفي المرأة أوجه، ثالثها الأصحّ إن ثبت زناها بالبينة استُحبّ، لا بالإقرار، وعن الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم لا يحفر، وقال أبو يوسف، وأبو ثور: يحفر للرجل والمرأة. ومنها: جواز تلقين المقرّ بما يوجب الحدّ ما يدفع به عنه الحدّ، وأن الحدّ لا يجب إلا بالإقرار الصريح، ومن ثمّ شُرط على من شهد بالزنا أن يقول: رأيته أَوْلَجَ ذكره في فرجها، أو ما أشبه ذلك، ولا يكفى أن يقول: أشهد أنه زنى. وثبت عن جماعة من الصحابة تلقين المقرّ بالحدّ، ومنهم من خص التلقین بمن يُظنّ به أنه یجهل حكم الزنا، وهو قول أبي ثور، وعند المالكية يُستثنى تلقين المشتهر بانتهاك الحرمات، ويجوز تلقين من عداه، وليس ذلك بشرط. ومنها: أن فيه تركَ سَجْن من اعترف بالزنا في مدّة الاستثبات، وفي الحامل حتى تضع، وقيل: إن المدينة لم يكن بها حينئذ سِجْن، وإنما كان يُسلّم كلّ جان لوليه. وقال ابن العربيّ: إنما لم يأمر بسجنه، ولا التوكيل به، لأن رجوعه مقبول، فلا فائدة في ذلك، مع جواز الإعراض عنه إذا رجع. ومنها: وجوب رجم الْمُحصَن، وقد أجمع الصحابة، وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى عامدًا عالمًا مختارًا، فعليه الرجم، ودفع ذلك الخوارج، وبعض المعتزلة، واعتلّوا بأن الرجم لم يُذكر في القرآن، وحكاه ابن العربيّ عن طائفة من أهل المغرب لقيهم، وهم من بقايا الخوارج، واحتجّ الجمهور بأن النبي ◌َّ رجم، وكذلك الأئمة بعده، وقال عليّ رَظّ بعد أن رجم امرأةً: ((قد رجمتها بسنة رسول اللّه وَلِ))، وثبت في ((صحيح مسلم)) عن عبادة رَّه أن النبي وَّر قال: ((خذوا عني، قد جعل الله لهنّ سبيلاً، الثيّب بالثيّب الرجم .... )). وقد خطب عمر رَّه، فقال: ((إن الله بعث محمدا وَلّبالحقّ، وأنزل عليه القرآن، فكان مما أنزل الله آية الرجم .... )) أخرجه البخاري رحمه الله تعالى. ومنها: أنه يؤخذ من قوله: ((هل أحصنت)) وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف ٢٣٥ ٦٣ - بَأَبُ تَرْكِ الصَّلَةِ عَلَى الْمَرْجُوم - حديث رقم ١٩٥٦ الأحكام باختلافها. ومنها: أنه يؤخذ من قوله: ((استنكهوه)) أن إقرار السكران لا أثر له، والذين اعتبروه، قالوا: إن عقله زال بمعصية، ولا دلالة في قصّة ماعز، لاحتمال تقدّمها على تحريم الخمر، أو أن سكره وقع عن غير معصية. ومنها: أن المقرّ بالزنا إذا أقرّ يُترك، فإن صرّح بالرجوع فذاك، وإلا اتّبع ورُجِم. وهو قول الشافعيّ، وأحمد، ودلالته من قصّة ماعز ظاهرة، وقد وقع في حديث نعيم بن هزّال: ((هلا تركتموه، لعله يتوب، فيتوب الله عليه)). أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم، وللترمذيّ نحوه من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم، وعند أبي داود من حديث بُريدة، قال: ((كنا أصحاب رسول اللَّه وَله، نتحدّث أن ماعزًا، والغامديّة لو رجعا لم يطلبهما)). وعند المالكيّة في المشهور لا يُترك إذا هرب. وقيل: يشترط أن يؤخذ على الفور، فإن لم يؤخذ تُرك. وعن ابن عيينة: إن أخذ في الحال كُمِّل عليه الحدُّ، وإن أخذ بعد أيام تُرك. وعن أشهب إن ذَكّر عذرًا يُقبل ترك، وإلا فلا، ونقله القعنبيّ عن مالك، وحكى الكجيّ عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة، ومنهم من قيّده بما بعد إقراره عند الحاكم، واحتجّوا بأن الذين رجموه حتى مات بعد أن هرب لم يُلزَمُوا بديته، فلو شُرع تّركُه لوجبت عليهم الدية. والجواب أنه لم يصرّح بالرجوع، ولم يقل أحد إن حدّ الرجم يسقط بمجرّد الهروب، وقد عبّر في حديث بُريدة بقوله: ((لعله يتوب)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي ماذهب إليه الشافعيّ، وأحمد، من أنه إذا صرّح بالرجوع يُترك، لموافقته لظاهر قصّة ماعز رَتنظيم هذه، والله تعالى أعلم. ومنها: أنه استُدلّ به على الاكتفاء بالرجم في حدّ من أَحصن من غير جلد . هكذا قیل، وفيه نظر؛ لأنه ثبت الجمع بین الرجم والجلد، کما سيأتي في محله، إن شاء الله تعالى. ومنها: أن من وُجد منه ريح الخمر وجب عليه الحدّ، للأمر باستنكاه ماعز بعد أن قال له: أشربت خمرًا؟ قال القرطبيّ: وهو قول مالك، والشافعيّ، كذا قال. وقال المازريّ: استدلّ به بعضهم على أن طلاق السكران لا يقع. وتعقّبه عياض بأنه لا يلزم من درء الحدّ به أنه لا يقع طلاقه، لوجود تهمته على ما يظهر من عدم العقل، قال: ولم يختلف في غير الطافح(١) أن طلاقه لازم، قال: ومذهبنا إلزامه بجميع أحكام الصحيح، لأنه أدخل ذلك على نفسه، وهو حقيقة مذهب الشافعيّ، واستُثني من أكره، ومن شرب ما ظنّ أنه غير مسكر، ووافقه بعض متأخري المالكيّة. وقال النوويّ: الصحيح عندنا (١)-يقال: سكران طافح، أي ملأه الشراب. ٢٣٦ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ صحّة إقرار السكران، ونفوذ أقواله فيما له، وعليه، قال: والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكران لم يُقَم عليه الحدّ، كذا أطلق، فأَلزِم التناقض، وليس كذلك، فإن مراده لم يقم عليه الحدّ لوجود الشبهة، كما تقدّم من كلام عياض. ومن المذاهب الظريفة فيه قول الليث: يُعمل بأفعاله، ولا يُعمل بأقواله، لأنه يلتذّ بفعله، ويَشفِي غيظه، ولا يفقه أكثر ما يقول، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على المرجوم، ونحوه ممن قتل في حدّ: قال الإمام ابن المنذر ◌َّلهُ تعال: اختلفوا في الصلاة على من قُتل في حدّ، فروينا عن عليّ بن أبي طالب رَظمي، أنه قال لأولياء شُرَاحَة الهمدانيّة المرجومة: اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم. وقال جابر بن عبدالله رَؤيته: صلِّ على من قال: لا إله إلا الله. وممن رأى أن يُصلَّى على جميع من أصيب في حدّ الأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وقال عطاء في ولد الزنا إذا استهلّ، وأمِّه، والمتلاعنين، والذي يُقاد منه، وعلى المرجوم، والذي يزاحف، فيفرّ، فيقتل، وعلى الذي يموت موتةً سوءٍ: لا أدع الصلاة على من قال: لا إله إلا اللَّه، قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، قال: فمن يعلم أن هؤلاء من أصحاب الجحيم؟. وقال عمرو مثل قول عطاء، وقال النخعيّ: لم يكونوا يَحجبون الصلاة على أحد من أهل القبلة. وقال الأوزاعيّ: يصلّى على المرجوم، وعلى المصلوب إذا أُرسل من خشبة. وقال الشافعيّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي في المرجوم: يُغسل، ويكفّن، ويصلَّى عليه. وقال الشافعيّ: لا تترك الصلاة على أحد ممن صلى القبلة بَرّا كان أو فاجرًا. وفيه قول ثان: كان الزهريّ، يقول: يصلَّى على الذي يقاد منه في حدّ، إلا من أُقِيد منه في رجم، وقال مالك في الرجل يُقتل قَوَدًا: لا يُصلّي عليه الإمام، ويصلي عليه أهله إن شاءوا، أو غيرهم، وقال أيضًا: من قتله الإمام على حدّ من الحدود فلا يصلّي الإمام عليه، وليصلّ عليه أهله. وقال أحمد في ولد الزنا، والذي يقاد منه في حدّ: يصلّى عليه، إلا أن الإمام لا يصلي على قاتل نفس، ولا على غالّ. وقال إسحاق: يصلَّى على كلِّ. وكان الحسن البصريّ، يقول: في امرأة ماتت في نفاسها من الزنا: لا (١)-راجع ((الفتح)) ج١٤ ص ٨٤- ٨٨ ((كتاب الحدود)) رقم الحديث ٦٨١٥ - ٦٨١٦. ٦٣ - بَأَبُ تَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمَرْجُوم - حديث رقم ١٩٥٦ ٢٣٧ يُصلَّى عليها، ولا على ولدها. وقال يعقوب: من قُتل من هؤلاء المحاربين، أو صُلب لم يصلّ عليه، وإن كان يدّعي الإسلام، وكذلك الفئة الباغية لا يصلّى على قتلاها، وكذلك قال النعمان . وقال ابن المنذر أيضًا: واختلفوا في الصلاة على ولد الزنا، فقال أكثر أهل العلم: يصلّى عليه، كذلك قال عطاء، والزهريّ، والنخعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وكان قتادة يقول: لا يصلى عليه. واختلف فيه عن ابن عمر، فقيل: إنه صلى عليه، ورُوي عنه أنه كان لا يصلي عليه. واختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه، فكان الحسن، والنخعيّ، وقتادة يرون الصلاة عليه. وقال الأوزاعيّ: لا يصلى عليه، وذكر أن عمر بن عبد العزيز لم يُصلّ عليه . قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: سَنَّ رسول اللَّه وَ ل الصلاة على المسلمين، ولم يستثن منهم أحدًا، وقد دخل في جملتهم الأخيار والأشرار، ومن قُتل في حدّ، ولا نعلم خبرًا أوجب استثناء أحد ممن ذكرناهم، فيُصَلَّى على من قتل نفسه، وعلى من أصيب في أيّ حدّ أصيب فيه، وعلى شارب الخمر، وولد الزنا، لا يُستثنَى منهم إلا من استثناه النبي ◌َّر من الشهداء الذين أكرمهم الله بالشهادة، وقد ثبت أن نبيّ اللَّه ◌َل صلى على من أصيب في حدّ - يعني الغامديّة الآتية قريبًا- انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا، إلا أن للإمام خاصّةً أن لا يصلي على من يَحِيف(٢)، وعلى من غَلّ، وعلى من عليه دين، وعلى من قتل نفسه، إن رأى ذلك، لأجل أن ينزجر الناس عن مثل أفعالهم، وسيأتي بيان أدلة كلّ ذلك في الأبواب التي سيذكرها المصنّف رحمه الله تعالى فيها قريبًا، والله تعالى أعلم بالصوب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١)- ((الأوسط)) ج٥ ص٤٠٦-٤٠٩. (١)- هذا على تقدير صحة حديثه، لكن سيأتي أن حديثه لا يصحّ، فتنبه. ٢٣٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ ٦٤- الصَّلَاةُ عَلَى الْمَرْجُوم ١٩٥٧- أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَخْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، فَقَالَتْ: إِنِّي زَنَيْتُ، وَهِيَ حُبْلَى، فَدَفَعَهَا إِلَى وَلِيُّهَا، فَقَالَ أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ، فَأْتِي بِهَا، فَلَمَّا وَضَعَتْ جَاءَ بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا، فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا، ثُمَّ رَجَهَا، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا، وَقَدْ زَنَتْ، فَقَالَ: (لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةٌ، لَوْ قُسِمَتْ عَلَى سَبْعِينَ(١)، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً، أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدريّ البصريّ، ثقة [١٠]٤٧/٤٢. ٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨]٤٧/٤٢. ٣- (هشام) بن أبي عبدالله سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٣٤/٣٠ . ٤- (يحيى بن أبي كثير) اليماميّ البصريّ، ثقة ثبت يدلس ويرسل[٥] ٢٤/٢٣. ٥- (أبو قلابة) عبدالله بن زيد بن عمرو البصريّ، ثقة فاضل كثير الإرسال [٣] ٣٢٢/١٠٣. ٦- (أبو الْمُهَلَّب) عمرو بن معاوية، وقيل: غيره، الْجَزْميّ البصريّ، عمّ أبي قلابة، ثقة [٢]١٢٣٦/٢٣ . ٧- (عمران بن حُصين) بن عُبيد بن خَلَف، أبو نُجَيد رضي اللَّه تعالى عنهما ٢٠١/ ٣٢١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. وأنه مسلسل بالبصريين، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الراوي، عن عمه. والله تعالى أعلم. (١)- وفي نسخة: ((بين سبعين)). ٦٤ - الصَّلَاةُ عَلَى الْمَرْجُوم - حديث رقم ١٩٥٧ ٢٣٩ = شرح الحديث (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ) وفي رواية لمسلم : ((جاءت امرأة من غامد، من الأزد)»، قال القرطبيّ يّْثهُ: كذا في هذه الرواية، وفي الرواية الأخرى: ((من جُهينة))، ولا تباعد بين الروايتين، فإن غامدًا قبيلة من جهينة، قاله عياض، وأظنّ جهينة من الأزد، وبهذا تتفق الروايات انتهى. وكتب في هامش ((المفهم)): ما نصّه: جاء في حاشية (ما): اسم الغامديّة سُبيعة، وقيل: أمية بنت فرح انتهى (١) . (أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَتْ: إِنِّي زَنَيْتُ) وفي رواية مسلم: فقالت: يا رسول الله طهّرني، فقال: ((ويحك ارجعي، فاستغفر اللَّه، وتوبي إليه، فقالت: أراك تريد أن تردّني كما رددت ماعز بن مالك، قال: ((وما ذاك؟))، قالت: إنها حبلى من الزنا، فقال: ((آنت؟))، قالت نعم، فقال لها: ((حتى تضعي ما في بطنك ... )) (وَهِيَ حُبْلَى) قال القرطبيّ رَخّْهُ: قولها هذا اعتراف منها من غير تكرار يُطلب منها، ففيه دليل على عدم اشتراطه على ما مرّ، وكونه وَّ لم يستفصلها كما استفصل ماعزّا، لأنها لم يظهر عليها ما يوجب ارتيابًا في قولها، ولا شكًا في حالها، بخلاف حال ماعز، فإنه ظهر عليه ما يشبه الجنون، فلذلك استفصله النبي وَله، ليستثبت أمره، کما تقدّم. انتھی. (فَدَفَعَهَا إِلَى وَلِيَّهَا) ولمسلم: «فدعا نبي اللَّه وليّها)) (فَقَالَ أَحْسِنْ إِلَيْهَا) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الإحسان له سببان: أحدهما: الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة، ولحوق العار بهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها، تحذيرًا لهم من ذلك. والثاني: أمر به رحمة لها، إذ قد تابت، وحرص على الإحسان إليها، لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها، وإسماعها الكلام المؤذي، ونحو ذلك، فنهَى عن هذا كلّه. انتهى(٢). (فَإِذَا وَضَعَتْ) أي ولدت حملها (فَأْتِي بِهَا) وفي لفظ لمسلم: ((إما لا، فاذهبي حتى تلدي)). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((إما)) بكسر الهمزة التي هي همزة، ((إن)) الشرطيّة، زيدت عليها ((ما)) المؤكّدة، بدليل دخول الفاء في جوابها، و((لا)) التي بعدها للنفي، فكأنه قال: إن رأيت أن تستري على نفسك، وترجعي عن إقرارك، فافعلي، وإن لم تفعلي، فاذهبي حتى تلدي. ثم اختلف العلماء فيها إذا وضعت، فقال مالك: إذا وضعت رُجمت، ولم يُنتظر بها (١)-راجع ((المفهم)) ج٥ ص٩٦ ((كتاب الحدود)): ((باب إقامة الحدّ على من اعترف)). (٢)- ((شرح مسلم)) ج١١ ص٢٠٣ . ((كتاب الحدود)). ٢٤٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ إلى أن تفطم ولدها، وقاله أبو حنيفة، والشافعيّ في أحد قوليه، وهذا قول من لم تبلغه هذه الرواية التي فيها تأخير الغامديّة إلى أن فطمت ولدها. وقد روي عن مالك: أنها لا تُرجم حتى تجد من يكفل ولدها بعد الرضاع، وهو مشهور قول مالك، والشافعيّ، وقول أحمد، وإسحاق. وقد اختلفت الروايات في رجمها متى كان؟، هل كان قبل فطام الولد، أو بعد فطامه، والأَوْلَى رواية من روى أنها لم تُرجم حتى فطمت ولدها، ووجدت من يكفله، لأنها مثبتة حكما زائدًا على الرواية الأخرى التي ليس فيها ذلك، ولمراعاة حقّ الولد، وإذا روعي حقّه، وهو جنین، فلا تُرجم لأجله بالإجماع، فمراعاته إذا خرج للوجود أولى انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى. (فَلَمَّا وَضَعَتْ جَاءَ بِهَا) أي أتى بها ذلك الوليّ إلى النبيّ وَّهِ. وفي رواية لمسلم: ((فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي وقَّ، فقال: قد وضعت الغامديّة، فقال: إذًا لا نرجمها، وندَعَ ولدها صغيرًا، ليس له من يُرضعه، فقام رجل من الأنصار، فقال: إليّ رضاعه، يا نبيّ اللّه، قال: فَرَجَمَها)). وفي رواية: ((فلما ولدت أتته بالصبيّ في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: فاذهبي، فأرضعيه حتى تَفطميه، فلما فَطَمته أتته بالصبيّ، في يده كسرة خبز، فقالت: يا نبيّ اللَّه، قد فَطَمته، وقد أكل الطعام، فدَفَع الصبيّ إلى رجل من المسلمين ... )). قال النووي ◌َّلهُ: فهاتان الروايتان ظاهرهما الاختلاف، فإن الثانية صريحة في أن رجمها كان بعد فطامه، وأكله الخبز، والأولى ظاهرها أنه رجمها عقب الولادة. ويجب تأويل الأولى، وحملها على وفق الثانية، لأنها قضية واحدة، والروایتان صحیحتان، والثانية منهما صريحة، لا يمكن تأويلها، والأولى ليست صريحةً، فيتعيّن تأويل الأولى، ويكون قوله في الرواية الأولى: ((قام رجل من الأنصار، فقال: إليّ رضاعُهُ))، إنما قاله بعد الفطام، وأراد بالرضاعة كفالته، وتربيته، وسماه رضاعًا مجازًا. انتهى(١). (فَأَمَرَ بِهَا) أي أمر النبيّ ◌َله بشكّ ثياب تلك المرأة عليها (فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا) قال النوويّ في شرح مسلم: هكذا هو في معظم النسخ، ((فشُكَّت))، وفي بعضها: ((فشُدَّت)) بالدال بدل الكاف، وهو معنى الأول انتهى. ثم يحتمل أن يكون الفعل بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير المرأة، و((ثيابها)) بالنصب على المفعولية، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، و«ثيابها مرفوع على أنه نائب الفاعل (ثُمَّ رَجَهَا) أي أمر برجمها، ففيه إسناد (١)- ((شرح مسلم)) ج١٢ ص ٢٠١ ((كتاب الحدود)) رقم ٤٤٠٦-٤٤٠٧ .