النص المفهرس
صفحات 201-220
٦٠- أَوْلَادُ المُشْرِكِينَ - حديث رقم ١٩٥٢ ٢٠١ == و١٩٥٢- وفي («الكبرى))٢٠٧٨/٦٠ و٢٠٧٩. وأخرجه (خ) ١٣٨٣ و٦٥٩٧ (م) ٢٦٦٠ (د)٤٧١١ (أحمد) ٣٠٢٦ و٣١٥٥ و٣٣٥٧ . وشرحه يعلم من شرح حديث أبي هريرة رَّ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم يسمع ابن عباس رَّت هذا الحديث من النبيّ وَله، بيّن ذلك أحمد من طريق عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عباس، قال: كنت أقول في أولاد المشركين: هم منهم، حتى حدّثني رجل، عن رجل من أصحاب النبيّ وَيِّز، فلقيته، فحدثني عن النبيّ ◌َّ أنه قال: ((ربهم أعلم بهم، هو خلقهم، وهو أعلم بما كانوا عاملين))، فأمسكت عن قولي انتهى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحیح؛ لأنه مرسل صحابي، ومراسیلهم موصولة حكمًا؛ ولا سيما وقد بین ابن عباس -كما في رواية أحمد- أنه حدثه رجل من أصحاب النبيّ وَّ، قال السيوطيّ ◌َخّْتُهُ في ((ألفية الحديث))، مبينًا حكم مراسيل الصحابة :. وَمُرْسَلُ الصَّاحِبٍ وَضْلٌ فِي الأَصَحُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٥٢- أَخْبَرَنِي (٢) مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هُشَيْم، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: ((اللَّهُ أَعْلَمَّ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). هذا طريق ثان لحديث ابن عباس رضييقت، ورجاله تقدموا في الذي قبله، سوى: ١- (مجاهد بن موسى) الْخُوَارَزْميّ الْخُتَّليّ، أبو عليّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠]٨٥٪ ١٠٢ . ٢- (هُشيم) بن بشير الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧]٨٨] ١٠٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . (١)-(فتح) ج٣ ص٦١٨ . (١) -وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ ٦١ - الصَّلَاةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر من صنيع المصنّف رحمه الله تعالى أنه يرى جواز الصلاة على الشهداء، وجواز تركها، حيث ترجم بـ(الصلاة على الشهداء))، ثم أورد حديثين، كلّ منهما يدلّ على جواز الصلاة عليهم، ثم ترجم بعد هذا بترك الصلاة عليهم))، وأورد حديثا يدلّ على ترك الصلاة عليهم، فدلّ على أنه يرى أنه إن صُلي عليهم، فحسن، وإن ترك، فحسن، وهو المنقول عن أحمد، وإسحاق بن راهويه، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي بيان ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. و («الشُّهداء»: جمع شَهِيد، كما قال في ((الخلاصة)): وَلِكْرِيمٍ وَيَخِيلِ فُعَلَا كَذَا لِمَا ضَاهَاهُمَا قَذْ جُعِلَا وهو فَعيل، بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول، على اختلاف التأويل التالي. قال ابن الأنباريّ: سمي الشهيد شهيدًا، لأن اللَّه، وملائكته شُهُود له بالجنّة. وقيل: سمُّوا شهداء، لأنهم ممن يُستَشهَد يوم القيامة مع النبي بَّر على الأمم الخالية. وقال أبو منصور: والشهادة تكون للأفضل، فالأفضل من الأمة، فأفضلهم من قُتل في سبيل الله، مُيّزوا عن الخلق بالفضل، وبيّن اللَّه أنهم ﴿بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (gَ) فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، ثم يتلوهم في الفضل من عدّه النبي وَالر شهيدًا، فإنه قال: ((المبطون شهيد، والمطعون شهيد)). وقيل: سمي شهيدًا لأنه حيّ لم يمت، كأنه شاهد أي حاضر. وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهده. وقيل: لقيامه بشهادة الحقّ في أمر الله حتى قُتل. وقيل: لأنه يشهد ما أعدّ اللَّه له من الكرامة بالقتل. وقيل: غير ذلك. أفاده ابن منظور رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب. ١٩٥٣ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، أَنَّ ابْنَ أَبِي عَمَّارٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ، جَاءَ إِلَى النَِّّ ◌ََّ، فَآَمَنَ بِهِ، وَاتَّعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ◌َلِّ، بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَّمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ، غَنِمَ النَِّيُّ ◌َّهِ سَبْيًا (٢)، فَقَسَمَ، وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَضْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَّمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ، (١)- ((لسان العرب)» باختصار. (٢) - وفي نسخة: ((شيئا)). ٦١ - الصَّلاَةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ - حديث رقم ١٩٥٣ = ٢٠٣ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيِّ نَّهِ، فَأَخَذَهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَسَمْتُهُ لَكَ، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ، عَلَّى أَنْ أُزْمَى إِلَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْم، فَأَمُوتَ، فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: (إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ))، فَلَبِثُوا قَلِيلًا، ثُمَّ نََّضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأَتِيَ بِهِ النَّبِيِّنَّهِ يُحْمَلُ، قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ، حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َّ: (أَهُوَ هُوَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ))، ثُمَّ كَفَّتَهُ النَّبِيِّ نَّهِ، فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ ◌َِّ، ثُمَّ قَدَّمَهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ، («اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ، خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ، فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ)). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (سويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠]٥٥/٤٥ . ٢- (عبدالله) بن المبارك المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨]٣٦/٣٢. ٣- (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل مدلس [٦]٣٢/٢٨. ٤ - (عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام المخزوميّ المكيّ، ثقة [٣]٩٤٠/٣٧. ٥- (ابن أبي عمّار) عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي عمّار المكيّ، الملقّب بالقَسّ، ثقة عابد [٣]١/ ١٤٣٣. ٦- (شدّاد بن الهاد) الليثيّ، صحابيّ شهد الخندق، وما بعدها [١٧٢ / ١١٤١]. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، والصحابيّ، فإنهما من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) قيل: اسمه أسامة، ولقبه شدّاد، واسم الهاد عمرو، وقال خليفة ابن خياط: اسم الهاد أسامة بن عمرو بن عبدالله بن جابر بن بشر بن عتوارة بن عامر بن مالك ابن ليث بن بكر(١). وإنما قيل له: الهاد لأنه كان يوقد النار بالليل للأضياف (٢). (١) - (تت)) ج٢ ص ١٥٦ . (٢)- ((تحفة الأشراف)) ج٤ ص١٤٨. ٢٠٤ = = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ (أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْأَعْرَابِ) لم أر من سماه (جَاءَ إِلَى النَِّيِّ نَِّ، فَآَمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ) من عطف اللازم على الملزوم، لأن الإيمان يستلزم الاتباع (ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ) أي قال للنبي والتر: أترك بلدي، وأكون معك في المدينة، وإنما طلب ذلك منه رغبةً فيما أعدّ للمهاجرين من الثواب، وليتمكّن من الخروج للجهاد ونحوه، بسهولة (فَأَوْصَى بِهِ النَِّيُّ وَلَه، بَعْضَ أَضْحَابِهِ) عطف على مقدّر، أي أذن له ◌َّ في أن يهاجر، وأن يكون معه، ثم أوصى، أي أمر النبي رَله بعض الصحابة، ليقوم بأمره، حيث إنه غريب، يحتاج إلى من يساعده في أموره. فإن قلت: ظاهر هذا الحديث يعارض ما أخرجه الشيخان، وأبو داود، والمصنّف(١) من حديث أبي سعيد الخدريّ رَّه أن أعرابيا، سأل رسول اللّه وَل عن الهجرة؟، فقال: ((ويحك، إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟))، قال: نعم، قال: ((فهل تؤدي صدقتها))، قال: نعم، قال: ((فاعمل من وراء البحار(٢)، فإن الله عز وجل، لن يترك(٣) من عملك شيئا)). فإنه يدلّ على أن النبي ◌َّر، لم يأذن لهذا الأعرابيّ في الهجرة، بخلاف الأعرابي المذكور في حديث الباب، فقد أذن له فيها، فكيف توفّق بينهما؟. قلت: يجمع بينهما بأن النبي ◌َ لو كان يعامل كلّ أحد بما يناسب حاله، فالأعرابيّ في حديث أبي سعيد الخدريّ رَّه كان ممن لا يتحمّل مشقة الغربة عن أهله، ووطنه، بخلاف الأعرابيّ الذي في حديث الباب، فإنه كان ممن يتحمّل المشاقّ في سبيل الله، كما ظهر مصداق ذلك في إعراضه عن الغنائم، واشتياقه إلى النعيم المقيم الدائم، فمنع الأول من الهجرة، وأذن للثاني فيها، نظرًا لمصلحة كلّ منهما، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ) لم أعرف هذه الغزوة، و((كان)) هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها، كما قال ابن مالك تَخْذّلهُ في ((الخلاصة)): وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي وقال الحريريّ رَآتُ في ((ملحته)): وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمٍ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ فَلَسْتَ تَخْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَز (غَنِمَ) بكسر النون، يقال: غَنِمْتُ الشيءَ أَغْتَمُهُ، من باب تَعِبَ، غُنْمًا بالضمّ: أَصَبْتُهُ (١)- سيأتي للمصنف في ((كتاب الجهاد)) برقم ٤١٦٤/١١. (٢)- أي من وراء القرى والمدن. (٣)-أي لن يَنقُصك، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [سورة محمد رَ: ٣٥]. ٢٠٥ = ٦١ - الصَّلاةُ على الشهداءِ - حديث رقم ١٩٥٣ غَنِيمَة. أفاده في ((المصباح)). وفي ((ق): والغَنِيمُ، والغَنِيمَةُ، والغُثْمُ بالضمّ: الفَيءُ، غَنِمَ بالكسر، غُنْمًا بالضمّ، وبالفتح، وبالتحريك، وغَنِيمَةٌ، وغُنْمَانًا، بالضمّ، والفَوْزُ بالشيء بلا مشقّةٍ، أو هذا الغُنْمُ، والفَيْىُ: الغنيمة انتهى (النِّيُّنَّهِ سَبْيًا) أي أَسارَى، يقال: سَبَى العدوَّ سَبْيًّا، وسِبَاءَ: أَسَرَه، كاستباه، فهو سَبِيٍّ، وهي سبيٍّ أيضًا. قاله في ((ق)). وفي ((المصباح)): سبيت العدوَّ سَبْيًا، من باب رَمَى، والاسم السِّبَاء، وزانُ كتاب، والقصر لغةٌ، وأسبيته مثلهُ، فالغلام سبيّ، والجارية سبيّةٌ، ومسبيّةٌ، وجمعها سبايا، مثل عطيّة وعَطَايا، وقومٌ سَبْيٌّ، وَضْفٌ بالمصدر انتهى(١). ووقع في نسخة ((شيئًا)) بدل ((سبيًا)). (فَقَسَمَ) وَّر ذلك السبي، يقال: قسمته قَسْمًا، من باب ضرب: فَرَزْتُهُ أجزاءً، والاسم القِسْم بالكسر، ثم أطلق القِسْم على الحصّة والنصيب، فيقال: هذا قِسْمي، والجمع أقسام، مثلُ حِمْلٍ، وأَحْمَال. أفاده في «المصباح)) (وَقَسَمَ لَهُ) أي لذلك الأعرابي (فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَّةً) أي أعطى النبي وَلِّ حظّ ذلك الأعرابي من الغنية لأصحابه، والضمير في ((أصحابه)) يحتمل أن يعود لذلك الأعرابيّ، ومعناه: رُفقته الذين يلازمونه في حال سفره، ويحتمل أن يعود إلى النبي وَل﴿ ﴿وَكَانَ) ذلك الرجل (يَرْعَى ظَهْرَهُمْ) أي يَحرُس ظهر النبي وَله، وأصحابه، لئلا يأتيهم العدوّ من جهته بغتةً (فَلَمَّا جَاءَ) من محلّ حراسته (دَفَعُوهُ إِلَيْهِ) أي أعطوه حظه الذي أعطاهم النبي ◌َلّ ليحفظوه له (فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ) بكسر القاف: أي نصيب، كما تقدم ضبطه قريبًا (قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيِّ وَِّ، فَأَخَذَهُ) أي ذلك القِسم (فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ بَِّهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَسَمْتُهُ لَكَ، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ) أي لم أتبعك لأجل أن أصيب عَرَضًا دنيويا (وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ، عَلَى أَنْ أَرْمَى) بالبناء للمفعول (إِلَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْم) متعلّق بـ((أشار))، أو بـ(أُزْمَى)) (فَأَمُوتَ، فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أي إنما اتبعتك لأجل أن أدخل الجثّة بالاستشهاد في سبيل اللّه تعالى (فَقَالَ) وَّهِ (إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ) بتخفيف الدال المهملة في الموضعين، من باب نصر، يقال: صَدَقَ صِدقًا: خلاف كَذَبَ، فهو صادق، وصَدُوقٌ مبالغةٌ، وصدقته في القول، يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله في ((المصباح)). والمعنى: إن كنتَ صادقًا ومخلصًا فيما تقول، وتُعاهد الله تعالى عليه، يجازيك على صدقك بإعطاء ما رغبت فيه (فَلَبِثُوا قَلِيلًا، ثُمَّ نََّضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ) أي قاموا مُسرِعين، يقال: نَّضَ إلى العدوّ: أسرع إليه. قاله الفيّوميّ، فـ(في)) بمعنى ((إلى)) (فَأَتِيّ بِ النَّبِيُّ وَّهِ يُخْمَلُ) بالبناء للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه محمولا (قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ، حَيْثُ أَشَارَ) أي في المحلّ الذي أشار إليه حينما قال (١)-((ق)) و((المصباح)) في مادة سبى. ٢٠٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ للنبي وَلِّ: ((ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ههنا)) (فَقَالَ النَّبِيُّ ونَ: «أَهُوَ هُوَ؟) أي أهذا المحمول هو ذلك الرجل الذي قال مقالته التي سبقت؟ (قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقَ اللَّهَ) بتخفيف الدال في الموضعين، أي أخلص لله في قوله، وعهده (فَصَدَقَهُ) أي جازاه بتحقيق رغبته (ثُمَّ كَفَّتَهُ النَّبِيُّ ◌ِهِ، فِي جُبَّةِ الشَِّيِّ وَّ) والظاهر أن تكفينه في جبته وَّل لبركتها، وإلا فالسنة أن يُكفّن الشهيد في ثيابه، فقد أمر بَّر في قتلى أحد أن يُنزع عنهم الحديد، والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم، وثيابهم، رواه أبو داود، وابن ماجه، وفي سنده ضعف، لكن يشهد له ما أخرجه أبو داود بإسناد على شرط مسلم، عن جابر رضي الله قال: «رُمي رجل بسهم في صدره، فمات، فأدرج في ثيابه، كما هو، ونحن مع رسول اللَّه ◌َ) (ثُمَّ قَدَّمَهُ) أي وضعه بين يديه (فَصَلَّى عَلَيْهِ) هذا محلّ الترجمة، حيث يدلّ على أنه وَل ◌َ صلّى على شهيد (فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ) أي تبيّن لمن صلّى معه من الدعاء لذلك الميت (اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ، خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ، فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ) أي على المذكور من هجرته في سبيل الله، ثم قتله شهيدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث شدّاد بن الهاد ◌َّه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا٦١/ ١٩٥٣ - وفي ((الكبرى)) ٦١/ ٢٠٨٠. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال المصنّف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) بعد إخراجه لهذا الحديث: ما نصّه : قال أبو عبدالرحمن: ما نعلم أحدًا تابع ابن المبارك على هذا، والصواب ابن أبي عَمَّار، عن ابن شدّاد بن الهاد، وابن المبارك أحد الأئمة، ولعلّ الخطأ من غيره. والله أعلم انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف رَخْذّتُهُ يريد إعلال الحديث بالإرسال، فإن ابن شدّاد تابعيّ، لكن الذي يظهر أن انفراد ابن المبارك بوصله كاف، لأنه إمام ثبت، فزيادته مقبولة، فلا يؤثّر مخالفة غيره له بالإرسال، فلعل المصنف دَخّْلهُ أعرض عن ذكر هذا الإعلال لما اختصر ((المجتبى))، لعدم تأثيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة الصلاة على الشهداء. ٢٠٧= ٦١ - الصَّلَاةُ عَلَى الشُّهَداءِ - حديث رقم ١٩٥٣ ومنها: أن النبي ◌َّير كان يعامل كلّ أحد على حسب حاله، فقد أذن لهذا الأعرابيّ في الهجرة، لكونه ممن يقوم بحقّها، ومنع منها الأعرابي الذي قد منا ذكره، لكونه ممن لا يقوم بحقها. ومنها: شدة عنايته وَ ل﴿ بأصحابه، ولا سيما الغرباء، فقد أمر بعض أصحابه أن يقوم بشأن هذا الأعرابيّ، لئلا يناله مشقة الغربة، فيحمله على أن يبغض الإسلام، كما وقع لبعضهم، فقد أخرج البخاري في (صحيحه)) عن جابر بن عبدالله تعطيهتا، أن أعرابيا، بايع رسول اللّه ◌َ هر على الإسلام، فأصاب الأعرابيَّ وَغْكٌ(١) بالمدينة، فجاء الأعرابي إلى رسول اللَّه ◌َله، فقال: يا رسول اللَّه، أقلني بيعتي، فأبى رسولُ اللَّه وَّل، ثم جاءه، فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه، فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال رسول اللَّه وَله: ((إنما المدينة كالكِير، تَنْفِي خَبَثَها، ويَنصَعُ(٢) طيبها)). ومنها: كون الغنيمة حلالاً. ومنها: أن الغنيمة تقسم بين من حضر الوقعة. ومنها: أن الإمام يقسم الغنيمة، وإن لم يجتمع الغزاة، فمن حضر أعطاه حظّه، ومن غاب حفظه له. ومنها: مشروعية حِرَاسة ظهور الجيش، لئلا يفاجئهم العدوّ من جهتها. ومنها: استحباب الإعراض عن الغنيمة، وإن كانت حلالاً، لئلا ينقص من أجر الغزو شيء، فقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) عن عبد الله بن عمرو، وَهَا أن رسول اللّه وَله قال: ((ما من غازية تغزو، في سبيل اللّه، فَيُصيبون الغنيمة، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة، تَمَّ لهم أجرهم)). ومنها: فضل صدق العبد ربه في معاملته، ليجازيه على صدقه، فإن هذا الرجل لما صَدَق في كونه غزا ليفوز بالجنة، لا لعَرَض الدنيا، حقق اللَّه تعالى رغبته في ذلك، فاستُشهِد، ودخل الجنّة. ومنها: عدم مشروعية غسل الشهيد، حيث إنه وَّلقر لم يغسل هذا الشهيد. ومنها: مشروعية تكفين الشهيد. ومنها: مشروعيّة الدعاء للميت في الصلاة عليه، وقد ثبت الأمر بذلك، فيما رواه أبو داود، وصححه ابن حبّان، عن أبي هريرة ◌َّه، قال: سمعت رسول اللَّه وَ لي قال: ((إذا صلّيتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة على الشهداء: قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على الشهيد، فقال بعضهم: لا يصلى على الشهيد، وهو قول أهل المدينة، وبه يقول الشافعيّ، وأحمد. وقال بعضهم: يصلّى على الشهيد، واحتجّوا بحديث النبي وَلّ أنه (١)- بفتح، فسكون: أي وجع الحُمّى. (٢)- من باب نفع: أي يخلُص. = ٢٠٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ صلى على حمزة، وهو قول الثوريّ، وأهل الكوفة، وبه يقول إسحاق انتهى كلام الترمذيّ رحمه الله تعالى(١). وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ رحمه اللّه تعالى: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والجمهور إلى أنه لا يصلى عليهم. وذهب أبو حنيفة إلى الصلاة عليهم كغيرهم، وبه قال المزنيّ، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخلال، وحكاه ابن بطّال عن الثوريّ، والأوزاعيّ، وعكرمة، ومکحول انتھی(٢). وقد وردت أحاديث تدلّ لما ذهب إليه الفريقان، ولنذكرها، مع بيان ما لها، وما عليها : فمنها: حديث جابر بن عبدالله تصنيفها، قال: كان النبي وَل، يجمع بين الرجلين، من قتلى أحد، في ثوب واحد، ثم يقول: ((أيهم أكثر أخذًا للقرآن))، فإذا أشير له إلى أحدهما، قدّمه في اللحد، وقال: ((أنا شهيد على هؤلاء، يوم القيامة))، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم. متفق عليه. ومنها: حديث أنس رضي إن شهداء أحد لم يغسّلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصلّ عليهم. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وقال: إنه غريب، لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود في ((المراسيل))، والحاكم من حديثه، قال: (مرّ النبي ◌َّر على حمزة، وقد مُثل به، ولم يصلّ على أحد من الشهداء غيره)). وأعلّه البخاريّ، والترمذيّ، والدارقطنيّ بأنه غَلِطَ فيه أسامةُ بن زيد - يعني الليثيّ - فرواه عن الزهريّ، عن أنس، ورجّحوا رواية الليث، عن الزهريّ، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر رَّه . ومنها: ما أخرجه الحاكم من حديث جابر ◌َنّه، قال: فَقَدَ رسولُ اللَّه ◌َلّ حمزة حين جاء الناس من القتال، فقال رجل: رأيته عند تلك الشجيرات، فلما رآه، ورأى ما مُثل به شَهِق، وبكى، فقام رجل من الأنصار، فرمى عليه بثوب، ثم جيء بحمزة، فصلى عليه ... )) الحديث. وفي إسناده أبو حماد الحنفيّ، وهو متروك. ومنها: حديث شدّاد بن الهاد ◌َّه المذكور في الباب. لكن حمله البيهقيّ على أنه لم يمت في المعركة. وفيه نظر، إذ ظاهر الحديث على خلافه. (١)-راجع ((الجامع)) ج٤ ص١٢٧ - ١٢٨ . بنسخة شرح المباركفوريّ. (٢)-((طرح التثريب)) ج٣ ص٢٩٤-٢٩٥. ٢٠٩ ٦١ - الصَّلَةُ عَلَى الشَّهَدَاءِ - حديث رقم ١٩٥٣ ومنها: حديث عقبة بن عامر رَزيه الآتي للمصنّف بعد هذا. ومنها: حديث ابن عباس تؤث عند ابن إسحاق، قال: ((أمر رسول اللّه وَ الل بحمزة، فسُجِّي ببردة، ثم صلى عليه، وكبّر سبع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى، فيوضعون إلى حمزة، فيصلي عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاةً)). وفي إسناده رجل مبهم، لأن ابن إسحاق قال: حدثني من لا أتّهم، عن مقسم، مولى ابن عباس، عن ابن عباس. قال السهيليّ: إن كان الذي أبهمه ابن إسحاق هو الحسنَ بنَ عُمَارة، فهو ضعيف، وإلا فهو مجهول، لا حجة فيه. قال الحافظ: الحامل للسهيليّ على ذلك ما وقع في مقدّمة مسلم، عن شعبة أن الحسن بن عمارة حدّثه، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: ((أن النبي ◌َّ صلى على قتلى أحد))، فسألت الحكم؟ فقال: لم يصلّ عليهم انتهى. لکن حديث ابن عباس رُوي من طرق أخرى: منها: ما أخرجه الحاكم، وابن ماجه، والطبرانيّ، والبيهقيّ، من طريق يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس مثله، وأتمّ منه. ويزيد فيه ضعيف يسير. وفي الباب أيضًا عن أبي مالك الغفاريّ عند أبي داود في ((المراسيل)) من طريقه، وهو تابعيّ، اسمه غزوان، ولفظه: ((أن النبي ◌َّ صلى على قتلى أحد، عشرةً، عشرةً، في كلّ عشرة حمزة، حتى صلى عليه سبعين صلاة)). قال الحافظ: ورجاله ثقات. وقد أعلّه الشافعيّ بأنه متدافع، لأن الشهداء كانوا سبعين، فإذا أَتي بهم عشرةً، عشرةً يكون قد صلى سبع صلوات، فكيف تكون سبعين؟ قال: وإن أراد التكبير، فيكون ثمانية وعشرين تكبيرة. وأجيب بأن المراد صلى على سبعين نفسًا، وحمزة معهم كلهم، فكأنه صلى عليه سبعين صلاة . قال الجامع: في هذا التأويل نظر. والله تعالى أعلم. وعن ابن مسعود عند أحمد بلفظ: ((فوضع رسول اللَّه ◌َ ل حمزة، فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار، فوضع إلى جنبه، فصلى عليه، فرُفع الأنصاريّ، وتُرك حمزة، ثم جيء بآخر، فوضعه إلى جنب حمزة، فصلى عليه، ثم رُفع، وتُرك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة)). قال الجامع: فيه عطاء بن السائب، مختلط، والراوي عنه حماد بن سلمة، وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط، وبعده(١)، فلا يعتمد على روايته. والله تعالى أعلم. (١)-انظر ما كتبه في ((تت)) في ترجمة عطاء بن السائب. ٢١٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ ومنها: حديث أبي سَلّام، عن رجل من أصحاب النبي بَّر، قال: أغرنا على حيّ من جُهينة، فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم، فضربه، فأخطأه، وأصاب نفسه، فقال رسول اللّه وَ له: ((أخوكم يا معشر المسلمين))، فابتدره الناس، فوجدوه قد مات، فلفّه رسول اللّه وَّه بثيابه، ودمائه، وصلى عليه، ودفنه، فقالوا: يا رسول اللّه أشهيد هو؟ قال: ((نعم، وأنا له شهيد)). رواه أبو داود، وفي إسناده سلام بن أبي سلّام، وهو مجهول، وقال أبو داود بعد إخراجه عن سلّام المذكور: إنما هو عن زيد بن سلّام، عن جدّه أبي سلّام انتهى. احتجّ القائلون بمشروعيّة الصلاة على الشهيد بهذه الأحاديث، وأجاب عنها القائلون بعدم الصلاة عليه، فقالوا: أما حديث جابر، ففيه متروك، كما تقدّم، وأما حديث شدّاد بن الهاد، فهو مرسل، لأن شدادًا تابعيّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الكلام خطأ، لأنه لم يقل أحد: إن شدّادًا تابعيّ، فقد تقدم أنه ممن شهد الخندق، وإنما الكلام هو الذي تقدم عن المصنف في ((الكبرى)) أن هذا الحديث عن عبدالله بن شداد، وهو تابعيّ، لا عن شدّاد، وقد تقدّم الجواب عنه، فلا تغفل. وأجاب البيهقي عنه أيضًا بأنه لم يمت في المعركة، وقد تقدم الجواب عن هذا بأنه مخالف لظاهر النصّ. وأجيب أيضًا بأن المراد بالصلاة الدعاء، والجواب عنه أيضًا أنه خلاف الظاهر. والله تعالى أعلم. وأما حديث أنس، فقد تقدّم أن البخاريّ، والترمذيّ، والدارقطنيّ، قالوا: بأنه غلط فيه أسامة، وقد قال البيهقيّ، عن الدارقطنيّ: إن قوله فيه: ((ولم يصلّ على أحد من الشهداء غيره))، ليست بمحفوظة. على أنه يقال: الحديث حجة عليهم، لا لهم لأنها لو كانت واجبة لما خصّ بها واحدا من سبعين. وأما حديث عقبة، فلنبدأ بتقرير الاستدلال به، ثم نذكر جوابه، وتقريرُه: ما قاله الطحاويّ: إن معنى صلاته وَّلور عليهم، لا يخلو من ثلاثة معان: إما أن يكون ناسخًا لما تقدّم من ترك الصلاة عليهم، أو يكون من سنتهم أن يصلى عليهم إلا بعد هذه المدة، أو تكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم، فإنها واجبة، وأيها كان فقد ثبت بصلاته عليهم صلاته على الشهداء، ثم الكلام بين المختلفين في عصرنا إنما هو في الصلاة عليهم قبل دفنهم، وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن كانت قبل الدفن أولى انتهى. وأجيب بأن صلاته عليهم تحتمل أمورًا أَخر: منها أن تكون من خصائصه، ومنها أن تكون بمعنى الدعاء، ثم هي واقعة عين لا عموم لها، فكيف ينتهض الاحتجاج بها لدفع ٢١١ ٦١ - الصَّلَةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ - حديث رقم ١٩٥٣ حكم قد ثبت. وأيضًا لم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني الذي ذكره الطحاويّ، كذا قال الحافظ. قال العلامة الشوكانيّ رحمه اللّه تعالى: وأنت خبير بأن دعوى الاختصاص خلاف الأصل، ودعوى أن الصلاة بمعنى الدعاء يردّها قوله في الحديث: ((صلاتَهُ على الميت)). وأيضًا قد تقرّر في الأصول أن الحقائق الشرعيّة مقدّمة على اللغويّة، فلو فُرض عدم ورود هذه الزيادة لكان المتعيّنُ المصيرَ إلى حمل الصلاة على حقيقتها الشرعيّة، وهي ذات الأذكار والأركان. ودعوى أنها واقعة عين لا عموم لها يردّها أن الأصل فيما ثبت لواحد، أو لجماعة في عصره وَلي ثبوته للغير. على أنه يمكن معارضة هذه الدعوى بمثلها، فيقال: ترك الصلاة على الشهداء في يوم أحد واقعة عين، لا عموم لها، فلا تصلح للاستدلال بها على مطلق الترك بعد ثبوت مطلق الصلاة على الميت، ووقوع الصلاة منه على خصوص الشهيد في غيرها، كما في حديث شدّاد بن الهاد، وأبي سلام. وأما حديث ابن عباس رَّتًا ، وما ورد في معناه من الصلاة على قتلى أحد قبل دفنهم، فأجاب عن ذلك الشافعيّ رحمه اللّه تعالى بأن الأخبار جاءت كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي وَ له لم يصلّ على قتلى أُحُد، قال: وما روي أنه مَله صلى عليهم، وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصحّ، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحادیث أن يستحي على نفسه انتهى. وأجيب أيضًا بأن تلك الحالة الضيّقة لا تتسع لسبعين صلاة، وبأنها مضطربة، وبأن الأصل عدم الصلاة. قال الشوكانيّ رحمه الله تعالى: ولا يخفى عليك أنها رُويت من طرق يشدّ بعضها بعضًا (١)، وضيق تلك الحالة لا يمنع من إيقاع الصلاة، فإنها لو ضاقت عن الصلاة لكان ضيقها عن الدفن أولى. ودعوى الاضطراب غير قادحة، لأن جميع الطرق قد أثبتت الصلاة، وهي محلّ النزاع. ودعوى أن الأصل عدم الصلاة مُسَلَّمَة قبل ورود الشرع، وأما بعد وروده فالأصل الصلاة على مطلق الميت، والتخصيص ممنوع. وأيضًا أحاديث الصلاة قد شَدّ من عضدها كونها مثبتة، والإثبات مقدّم على النفي، وهذا مرجّح معتبر. والقدح في اعتباره في المقام ببُعد غفلة الصحابة عن إيقاع الصلاة على أولئك (١)- قد عرفت ما فيها من الضعف الشديد، فلا تصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة، فتفطّن. ٢١٢ شرح سنن النسائي - کِتابُ الْجَنَائِزِ الشهداء مُعارَض بمثله، وهو بُعْدُ غفلة الصحابة عن الترك الواقع على خلاف ما كان ثابتًا عنه وَلَه من الصلاة على الأموات، فكيف يرجّح ناقله، وهو أقلّ عددًا من نقلة الإثبات الذي هو مظنّة الغُفُول عنه، لكونه واقعًا على مقتضى عادته بَّر من الصلاة على مطلق الميت . ومن مرجّحات الإثبات الخاصة بهذا المقام أنه لم يُرو النفي إلا عن أنس، وجابر، وأنس عند تلك الواقعة من صغار الصبيان، وجابر قد روى أنه وَلّ صلى على حمزة، وكذلك أنس، كما تقدّم(١)، فقد وافقا غيرهما في وقوع مطلق الصلاة على الشهيد في تلك الواقعة، ويبعد كلّ البعد أن يخصّ النبي ◌َّله بصلاته حمزة لمزيّة القرابة، ويدع بقية الشهداء، ومع هذا فلو سلّمنا أن النبي وَله لم يصل عليهم حال الواقعة، وتركنا جميع هذه المرجحات لكانت صلاته عليهم بعد ذلك مفيدة للمطلوب(٢)، لأنها كالاستدراك لما فات، مع اشتمالها على فائدة أخرى، وهي أن الصلاة على الشهيد لا ينبغي أن تترك بحال، وإن طالت المدّة، وتراخت إلى غاية بعيدة. قال: وأما حديث أبي سلّام، فلم أقف للمانعين من الصلاة على جوابٍ عليه(٣)، وهو من أدلّة المثبتين، لأنه قُتل في المعركة بين يدي رسول اللَّه وَ له، وسماه شهيدًا، وصلى عليه. نعم لو كان النفي عامًا غير مقيّد بوقعة أُحُد، ولم يرد في الإثبات غير هذا الحديث لكان مختصًا بمن قُتل على مثل صفته انتهى كلام الشوكانيّ رحمه اللَّه تعالى(٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما تقدّم من مناقشة هذه الأحاديث أن أحاديث صلاة النبي وَلهر على قتلى أُحُد يومَ أُحد لا تثبت، ولا تصلح لمعارضة ما في (الصحيح)) من حديث جابر رَّه أنه لم يصلّ عليهم، وإن حاول الشوكانيّ إثباتها، وذَكَرَ المرجحات لذلك، فهي كما قال الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى: كان ينبغي لمن عارض بهذه الأحاديث أن يستحي على نفسه انتهى. (١)-لكن قد عرفت أن رواية الإثبات عنهما ضعيفة، لا تقاوم النفي الثابت عنهما في الصحاح، فتبصّر. (٢)- يعني صلاته على قتلى أحد بعد ثمان سنين، وهذا الوجه هو المعتبر المعوّل عليه مما ذكره الشوكانيّ لإثبات الصلاة على الشهيد، وحاول إثباته مع الضعف المعارض بما صحّ في ((صحيح البخاريّ)) وغيره، فتنبّه. (٣)-قد تقدّم أن راويه سلّام بن أبي سلام مجهول، فهذا هو الجواب عنه، فلو ثبت لكان هو الثالث لحديثي جابر، وشداد الذين اعتمدنا عليهما في صحة مذهب القائلين بجواز الصلاة على الشهيد، كما يأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. (٤) - (نيل الأوطار)) ج٤ ص٥٢ - ٥٦ . ٢١٣ ٦١ - الصَّلَاةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ - حديث رقم ١٩٥٣ وإنما العمدة في هذا الباب حديثان: أحدهما: ما أخرجه البخاريّ وغيره من حديث عقبة بن عامر رَّم أنه وَ له صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين صلاته على الميت))، وقد تقدم أن دعوى كون المراد بالصلاة الدعاء غير صحيحة، بل المراد الصلاة المشروعة على الأموات، بدليل قوله: ((صلاتَهُ على الميت)). والثاني: حديث شداد بن الهاد رَّه المذكور في هذا الباب، وقد عرفت أنه حديث صحيح. فهذان الحديثان يكفيان لإثبات مشروعية الصلاة على الشهيد، فالمذهب الراجح هو مذهب من أثبت الصلاة عليه، لكن على سبيل الجواز، لا على سبيل الوجوب، كما نقل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فإنه قال في رواية المروزيّ عنه : الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ. انتهى. وقال أبو محمد ابن حزم تَخّْلهُ : إن صُلي على الشهيد، فحسن، وإن لم يصلّ عليه فحسن، واستَدَلَّ بحديثي جابر، وعقبة رَّ المذكورين، وقال: ليس يجوز أن يُترك أحد الأثرين المذكورين للآخر، بل كلاهما حقّ مباح، وليس هذا مكان نسخ، لأن استعمالهما معًا ممكن في أحوال مختلفة (١) . انتھی" والحاصل أن الصواب جواز الصلاة على الشهيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلف في الشهيد الذي وقع الخلاف في غسله، والصلاة عليه، هل هو مختصّ بمن قُتل في المعركة في حرب الكفّار، أو أعم من ذلك؟: فعند الشافعي أن المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفّار، ولا فرق في ذلك بين الرجل، والمرأة، والكبير، والصغير، والحرّ، والعبد، والصالح، وغيره. وخرج بقوله: ((في المعركة)) من جُرح في المعركة، وعاش بعد ذلك حياة مستقرّة، وخرج بـ((حرب الكفّار)) من مات بقتال المسلمين، كأهل البغي، وخرج بجميع ذلك من يسمّى شهيدًا بسببٍ غير السبب المذكور، كمن مات مبطونًا، أو مطعونًا، فإنما يقال له: شهيد بمعنى ثواب الآخرة، وهذا كله هو القول الراجح من مذاهب العلماء. وروي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد أن من جُرح في المعركة إن مات قبل الارتثاث، فشهيد، والارتثاث أن يُحمَل، أو يأكل، أويشرب، أو يوصي، أو يَبقَى في المعركة يوما وليلة حيًّا. (١)- ((المحلى)) ج٥ ص١١٥- ١١٦ . ٢١٤ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ وأما من قُتل مدافعًا عن نفس، أو مال، أو في المصر ظلمًا، فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف شهيد، وقال الشافعيّ: إنه وإن قيل له: شهيد، فليس من الشهداء الذين لا يُغسلون(١) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعي وَيَخّْتُهُ أرجح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في غسل الشهداء(٢): قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلفوا في غسل الشهيد، فقال عامّة أهل العلم: لا يُغسَل، كذلك قال مالك بن أنس، ومن تبعه، من أهل المدينة، وبه قال الحكم، وحماد، وأصحاب الرأي، ومن وافقهم من أهل الكوفة، وبه قال الشافعيّ، وأصحابه، وكذلك قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وكذلك قال عطاء، وسليمان بن موسى، ويحيى الأنصاريّ، وإبراهيم النخعيّ. وكانالحسن، وسعيد بن المسيب، يقولان: یغسل، فإن كلّ میت یُجنب، وسئل ابن عمر عن غسل الشهيد، فقال: قد غُسل عمرُ، وكُفْن، وحتّط، وصُلّ عليه، وكان شهيدًا. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ثابت عن رسول اللّه وَ ليل أنه لم يَغسِل شُهداء أُحُد، ولم يُصلّ عليهم. قال: واختلفوا في الصبيّ، والمرأة يُقتلان، فكان الشافعيّ يقول: يُصنع بهما ما يُصنع بالشهداء، لا يُغسلان، ولا يصلّى عليهما، وكذلك قال أبو ثور، وقال يعقوب، ومحمد: يُصنع بالولدان ما يُصنع بالشهداء، ولا يغسلون. وكان النعمان يقول: أما النساء، والرجال، فلا يغسلون، ويصنع بهم ما يصنع بالشهيد، وأما الولدان الذین لیست لهم ذنوب فيغسلون. قال ابن المنذر: لما كانت السُّنَّة في غسل الرجال، والنساء، والولدان، والصلاة عليهم سبيلاً واحدًا، حيث يغسلون، ويُصلى عليهم، كان كذلك سبيلهم في الموضع الذي يوقف عنه عن غسلهم، والصلاة عليهم سبيلاً واحدًا، استدلالاً بالسنة، لا فرق بين الأخيار والأشرار، والذين لهم ذنوب، والذين لا ذنوب لهم في ذلك، إن شاء الله. قال: واختلفوا فيمن قتله غير أهل الشرك، فكان الشعبيّ يقول: من قتله اللصوص لم يغسل، وقال سفيان الثوريّ: من قُتل مظلوما لم يغسل، وكذلك قال الأوزاعيّ فيمن قتله اللصوص. وكان مالك، والشافعيّ يقولان: يغسلون، ويصلّى عليهم، قال الشافعيّ: الغسل، والصلاة سنة بني آدم لا يخرج منها إلا من تركه رسول اللَّه وَ لتره (١)- أفاده في ((الفتح) ج٣ ص٥٧١ و((نيل الأوطار)) ج٤ ص٥٦، ونقلته باختصار. (٢)-حق هذه المسألة أن تذكر قبل المسألة السابقة، لكن أخرتها لكون تلك موضوع ترجمة المصنّف رحمه الله تعالى. ٢١٥ = ٦١ - الصَّلَاةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ - حديث رقم ١٩٥٤ وهم الذين قتلهم المشركون خاصّة في المعركة. قال ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: وهذا الذي قاله مالك، والشافعيّ حسن، وروینا عن أسماء بنت أبي بكر أنها غسلت عبدالله بن الزبير بعد ما تقطّعت أوصاله. انتهى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تقدم في المسألة الماضية ترجيح القول بجواز الصلاة على الشهداء، وأما غسلهم، فالأرجح عندي عدم مشروعيته، لعدم ثبوت دليل يُعْتَمد عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٥٤- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ، صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيْتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِثْبَرِ، فَقَالَ: ((إِنِّي فَرَطْ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١. ٢- (الليث) بن سعد، أبو الحارث الفَهْميّ المصريّ الإمام الثبت الحجة الفقيه [٧]٣٥/٣١. ٣- (يزيد) بن أبي حبيب سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقة فقيه يرسل [٥]١٣٤/ ٢٠٧. ٤- (أبو الخير) مَرْئَد بن عبداللَّه اليَزَنيّ المصريّ، ثقة فقيه [٣]٥٨٢/٣٨. ٥- (عقبة) بن عامر الْجُهَنيّ، صحابيّ مشهور، ولي إِمْرَة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيها فاضلاً، مات قرب الستين ١٤٤/١٠٨. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأنه مسلسل بالمصريين، سوى شيخه، فبغلانيّ، وأنه أصح أسانيد عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، يزيد، عن أبي الخير، وأن أبا الخير مشهور بكنيته. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُقْبَةَ) بن عامر رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ، خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ، صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيَّتِ) أي مثل صلاته، زاد البخاريّ في ((غزوة أُحُد))، من طريق حيوة بن شُريح، عن يزيد: ((بعد ثمان سنين، كالموَدِّع الأحياء والأموات))، وزاد فيه: ((فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول اللّه وَ لّ)). وكانت أحد في شوال سنة ثلاث، (١)- ((الأوسط)) ج٥ ص٣٤٦-٣٤٨. ٢١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ ومات وَل في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، فعلى هذا فقوله: ((بعد ثمان سنين)) تجوّز على طريق جبر الكسر، وإلا فهي سبع سنين، ودون النصف. وهذا محل استدلال المصنّف ◌َخْذّتمُ على الترجمة، ففيه مشروعية الصلاة على الشهداء، ويؤيّد كون الصلاة على حقيقتها قوله: ((صلاتَهُ على الميت))، فلا يصحّ تأويل الصلاة بالدعاء، كما تقدّم (ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: ((إِنِّي فَرَطْ لَكُمْ) وفي بعض النسخ: ((فرطكم)). قال أهل اللغة: الفَرَط - بفتح الفاء، والراء - والفارط هو الذي يتقدّم رُوّادَ الماء، ليُصلح لهم الحياض، والدِّلاء، ونحوها، من أمور الاستسقاء، فمعنى قوله وَالقر: ((إني فَرَط لكم)) أي سابقكم إلى الحوض كالمهيّء لهم، ولهذا قال في رواية البخاريّ: ((وإن موعدكم الحوض))، ولهذا المعنى ذكره في رواية أخرى، فقال: ((إني واللَّه لأنظر إلى حوضي الآن))، وفيه إشارة إلى قرب وفاته وَله، وتقدّمه أصحابَهُ. (وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ))) هو موافق لقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، ولقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. زاد في رواية البخاريّ: ((وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها)). وقوله: ((وإني والله)) فيه الحلف لتأكيد الخبر، وتعظيمه. وقوله: ((لأنظر إلى حوضي الآن)) هو على ظاهره، وكأنه كُشف له عنه في تلك الحالة. وفيه إثبات حوضه وَيه، وأنه حوض حقيقيّ على ظاهره، مخلوق، موجودٌ اليومَ، وهو كذلك عند أهل السنّة والجماعة، لا يتأولونه، ويجعلون الإيمان به فرضًا، وأحاديثه قد بلغت التواتر. قال القاضي عياض ◌َخّْلهُ بعد الإشارة إلى كثير منها: وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترًا، وقد عرفت أنه في رواية مسلم: ((وأن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة))، وفي رواية ((بين ناحتيه كما بين جَزْباء وأذرح))، وفي رواية: ((عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى المدينة))، وفي رواية: ((من مقامي إلى عمان))، وفي رواية: ((قدر حوضي ما بين أيلة، وصنعاء اليمن))، وفي رواية: ((ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة))، وفي رواية: ((حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء)»، وكلّ هذه الروايات في ((الصحيح))، قال القاضي عياض: وهذا الاختلاف في قدر عرض الحوض ليس موجبا للاضطراب، فإنه لم يأت في حديث واحد، بل في أحاديث مختلفة الرواة، عن جماعة من الصحابة، سمعوها في مواطن مختلفة، ضربها النبي وقال في كلّ منها مثلاً لبُعد أقطار الحوض، وسعته، وقَرَّبَ ذلك من الأفهام ببعد ما بین البلاد ٢١٧ ٦١ - الصَّلَةُ عَلَى الشُّهَداءِ - حديث رقم ١٩٥٤ المذكورة، لا على التقدير الموضوع للتحديد، بل للإعلام بعظم بعد المسافة، فبهذا تجتمع الروايات. وقال النوويّ بعد حكايته: وليس في القليل من هذه المسافات منع الكثير، فالكثير ثابت على ظاهر الحديث، ولا معارضة، والله أعلم انتهى (١). وقوله: ((وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض))، أو ((مفاتيح الأرض))، هكذا الرواية، وكأنه شكّ من بعض الرواة في اللفظ المقول، وأشار وَ لّر بذلك إلى ما فُتح على أمته من الملك والخزائن. وقوله: ((وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي)) أي على مجموعكم، لأن ذلك قد وقع من البعض، أعاذنا الله تعالى منه. وقوله: ((ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها)) أي في خزائن الأرض المتقدم ذكرها، ويحتمل أن يعود الضمير على الدنيا، وإن لم يتقدّم ذكرها صريحا، ويدلّ لذلك قوله في رواية مسلم: ((ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها)) (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عقبة بن عامر رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه: المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٩٥٤/٦١ - وفي ((الكبرى))٢٠٨١/٦١. وأخرجه (خ) ١٣٤٤ و٣٥٩٦ و٤٠٤٢ و٤٠٨٥ و٦٥٩٠ (م)٢٢٩٦ (د) ٣٢٢٣ (أحمد) ١٦٨٩٣ و١٦٩٤٦ و١٦٩٤٩ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده (٣): منها: ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو مشروعيّة الصلاة على الشهداء، وقد استوفينا بحثه في شرح الحديث السابق. ومنها: بيان فضل هذه الأمة، حيث كان نبيها وَلَ فَرَطا لها، يتقدّمها، وينتظرها على حوضه الشريف، فلها البشرى العظيمة. ومنها: أنه ◌َ* سيشهد على أمته في الآخرة بما عملت. ومنها: ما قاله وليّ الدين رحمه الله تعالى: إن في هذا الحديث معجزات للنبيّ وََّ، فإن معناه الإخبارُ بأن أمته تملك خزائن الأرض، وقد وقع ذلك، وأنها لا ترتدّ جملة، وقد عصمهم اللَّه تعالى من ذلك، وأنها تتنافس في الدنيا، وتقتتل عليها، وقد وقع ذلك، عصمنا اللّه تعالى منه آمين. قاله (١)-((طرح التثريب)) ج٣ ص٢٩٦-٢٩٧ . (٢)- ((طرح)) ج٣ ص٢٩٧ و((فتح) ج٧ ص٣٢٠ . (٣)-المراد فوائد الحديث كله، لا خصوص رواية المصنّف، فتنبه. شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ ٢١٨ = في ((الطرح))(١). وقال في ((الفتح)): وفيه إنذار بما سيقع، فوقع كما قال ◌َلهير، وقد فتحت عليهم الفتوح بَعْدُ، وآل الأمر إلى أن تحاسدوا، وتقاتلوا، ووقع ما هو المشاهد المحسوس لكلّ أحد مما شهد بمصداق خبره وَّ ر، ووقع من ذلك في هذا الحديث إخباره بأنه فرط، أي سابقهم، وكان كذلك، وأن أصحابه لا یشرکون بعده، فکان کذلك، ووقع ما أنذر به من التنافس في الدنيا، وقد ثبت معنى ذلك فيما أخرجه البخاريّ من حديث عمرو بن عوف، مرفوعًا: ((ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بُسطت على من كان قبلكم، فتتنافسوها، كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم»، وفي حديث أبي سعيد عند البخاريّ أيضًا: ((إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض ... )) الحديث، فوقع كما أخبر به، وفتحت عليهم الفتوح الكثيرة، وصُبّت عليهم الدنيا صبًا (٢). والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). * ٦٢- تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ ١٩٥٥- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ، فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: ((أَيُهُمَا (٣) أَكْثَرُ، أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟، فَإِذَا أُشِيرَ إِلَّى أَحَدِهِمَا، قَدْمَهُ فِي اللَّحْدِ، قَالَ: ((أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ))، وَأَمَرَ بِدَفْتِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ (٤)، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا. رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدموا قریبا، سوى: ١- (عبدالرحمن بن كعب بن مالك) الأنصاريّ، أبو الخطّاب المدنيّ، ثقة، من كبار (١)-(طرح التثريب)) ج٣ ص ٢٩٧. (٢)- ((فتح)) ج٧ ص٣٢٠ بزيادة، وتصرّف. (٢) -وفي نسخة: ((أیهم)). (٤) - وفي نسخة: ((بدمائهم)). ٢١٩ ٦٢- تركُ الصَّلاةِ علیهِمْ - حديث رقم ١٩٥٥ التابعين، ويقال: وُلد في عهد النبي ◌َّرَ ٧٣١/٣٨. ٢- (جابر بن عبدالله) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السلميّ رَوَّ﴾ ٣٥/٣١. لطائف هذا الإسناد: (منها): من خماسيات المصنف رَحْذَللهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوی شیخه، فبغلانيّ، والليث، فمصريّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه جابر بن عبدالله صحابي ابن صحابيّ رَ ◌ّهَا، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠). والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) كذا یقول اللیث، عن ابن شهاب، قال المصنّف في ((الكبرى)): لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهاب تابع الليث على ذلك، ثم ساقه من طريق عبدالله بن المبارك، عن معمر، عن ابن شهاب، عن عبدالله بن ثعلبة، فذكر الحديث مختصرًا. قال الحافظ: وكذا أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، والطبرانيّ من طريق عبدالرحمن بن إسحاق، وعمرٍو بنٍ الحارث، كلهم عن ابن شهاب، عن عبدالله بن ثعلبة، وعبدالله له رؤية، فحديثه من حيث السماع مرسل، وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، فزاد فيه جابرًا، وهو مما يقوّي اختيار البخاريّ، فإن ابن شهاب صاحب حديث، فيحمل على أن الحديث عنده عن شيخين، ولا سيّما أن في رواية عبدالرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبدالله بن ثعلبة . وعلى ابن شهاب فيه اختلاف آخر، رواه أسامة بن زيد الليثيّ عنه، عن أنس، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وأسامة سَيِّء الحفظ، وقد حكى الترمذيّ في ((العلل)) عن البخاريّ أن أسامة غَلِط في إسناده، وأخرجه البيهقيّ من طريق عبدالرحمن بن عبد العزيز الأنصاريّ، عن ابن شهاب، فقال: ((عن عبدالرحمن بن كعب، عن أبيه))، وابنُ عبد العزيز ضعيف، وقد أخطأ في قوله: ((عن أبيه)). وقد ذكر البخاريّ رحمه الله تعالى فيه اختلافا آخر، فقال بعد إخراجه من طريق ابن المبارك، عن الليث: ما نصّه: قال ابن المبارك: وأخبرنا الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن جابر بن عبدالله تعضائها، قال: كان رسول اللّه وَله يقول لقتلى أحد: ((أيُّ هؤلاء أكثر أخذًا للقرآن؟))، فإذا أشير له إلى رجل قدّمه في اللحد قبل صاحبه - وقال جابر -: فكفّن أبي وعمي في نَمِرَة واحدة. وقال سليمان بن كثير: حدثني الزهريّ، حدثني من سمع جابرًا رَزَّه انتهى ما ذكره ٢٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ البخاريّ رحمه اللَّه تعالى(١). قال في (الفتح)): قوله: ((وقال سليمان بن كثير الخ)) هو موصول في ((الزهريات)) للذهليّ، وفي رواية سليمان المذكور إبهام شيخ الزهريّ، قال الدارقطنيّ في ((التتبّع)): اضطرب فيه الزهريّ. وأجيب بمنع الاضطراب، لأن الحاصل من الاختلاف فيه على الثقات أن الزهريّ حمله عن شيخين، وأما إبهام سليمان لشيخ الزهريّ، وحذف الأوزاعيّ له، فلا يؤثّر في رواية من سمّاه، لأن الحجّة لمن ضبط، وزاد، إذا كان ثقة، لا سيما إذا كان حافظا، وأما رواية أسامة، وعبدالعزيز، فلا تقدح في الرواية الصحيحة لضعفهما، وقد بيّا أن البخاريّ صرّح بغلط أسامة فيه انتهى (٢). (أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ، كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، مِنْ قَتْلَى أَحُدٍ) جمع قتيل، وإضافته إلى ((أحد)) بمعنى ((في)) (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) أي من الكفن، للضرورة، ولا يلزم منه تلاقي بشرتهما، إذ يمكن حيلولتهما بنحو إذخر، ويحتمل أن الثوب كان طويلاً، فقطعه بينهما نصفين، وكفّن كلّ واحد على حياله، ويؤيّد الأول، بل يُعيّنه قول جابر في تمام الحديث عند البخاريّ: ((فكفّن أبي وعمّي في نمرة واحدة)). وقال المظهريّ في ((شرح المصابيح)): قوله: ((في ثوب واحد)) أي في قبر واحد، إذ لا يجوز تجريدهما في ثوب واحد، بحيث تتلاقى بشرتاهما. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تأويل المظهريّ رحمه الله تعالى فيه نظر لا يخفى، إذ هو بعيد عن سياق الحديث، بل يبطله قول جابر عظيم في آخر الحديث: ((فكفّن أبي وعمّي في نمرة واحدة))، وكذا قول بعضهم: معناه أنه قطّع الثوب الواحد باثنين، فكفّن كلّ واحد بقطعة بعيدٌ أيضًا. بل الصواب أن يحمل على أن تكفين الاثنين كان في ثوب واحد، كما هو ظاهر الحديث، وهو محمول على الضرورة، فتأمل بإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. (ثُمَّ يَقُولُ: ((أَيُمَا) وفي نسخة: ((أيهم)) (أَكْثَرُ، أَخْذًا) منصوب على التمييز (لِلْقُرْآنِ) متعلق بـ((أخذًا))، وفي رواية الترمذيّ: ((أيهم أكثر حفظًا للقرآن)) (فَإِذَا أُشِيرَ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ) أي ذلك الأحدَ المشارَ إليه (فِي اللَّخْدِ) بفتح اللام، وسكون المهملة: هو الشَّقُّ في عرض القبر في جانب القبلة، وسمي لحدًا لأنه يُشقّ في ناحية من القبر، مائلاً عن وسطه قدر ما يوضع الميت في جهة القبلة، والإلحاد لغة الميل. وفي حديث عبدالله بن ثعلبة، عند ابن إسحاق، فكان يقول: ((انظروا أكثر هؤلاء (١)-((صحيح البخاري)) ج٣ ص٥٧٤-٥٧٥ بنسخة الفتح. (٢)- ((فتح)) ج ٣ ص ٥٧٤ - ٥٧٦ .