النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
٥٣- الأمْرُ باتباع الجنائز - حديث رقم ١٩٣٩
هذا الاحتمال مرجوح، للعلم بعدالته، ومعرفته بمدلولات الألفاظ لغة .
الثالثة: قوله: أُمرنا، ونُهينا على البناء للمجهول، وهي كالثانية، وإنما نزلت عنها،
لاحتمال أن يكون الآمر غير النبي وَلقر انتهى(١).
(أَمَرَنَا) بدل تفصيل من قوله: ((أمرنا رسول اللَّه وَ لَّ، بدلُ فعل من فعل، كما قال في
(الخلاصة)) :
وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ
(بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ) متعلّق بـ «أمرنا»، وهو بكسر العين المهملة، وتخفيف التحتانيّة
مصدر عاده، يقال: عُدتُ المريضَ عِيَادةً: زُرتُهُ، فالرجل عائد، وجمعه عُوّاد، والمرأة
عائدةٌ، وجمعها عُوَّد بغير ألف، قال الأزهريّ: هكذا كلام العرب. قاله في ((المصباح)).
وقد أشار ابن مالك رَّتمُ إلى أن فُعّالًا بالألف للمذكّر فقط، دون الفُعَّل بلا ألف، فإنه
للمذكر والمؤنث، حيث قال في («خلاصته)) :
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلِ وَفَاعِلَهُ وَصْفَيْنٍ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهُ
وِمِثْلُهُ الْفُغَالُ فِيمَا ذُكِرَا وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامَا نَدَرَا
(وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ) تقدّم في الباب الماضي ضبطه بالمعجمة، والمهملة، واختلاف
العلماء في تفسيره (وَإِبْرَارِ الْقَسَم) بكسر الهمزة، مصدر أبَرّه، و((القسم)) بفتحتين:
اليمين، ومعنى ((إبرار القسم)): فعل ما أراده الحالف ليصير بذلك بارًا، ووقع في
((الكبرى))، بلفظ: ((وإبرار المقسم))، وظاهر كلام السنديّ أنه يوجد بهذا الضبط أيضًا في
بعض نسخ ((المجتبى)).
وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه اللّه تعالى: قوله: ((إبرار القَسَم، أو المقسم)):
فيه وجهان: ((أحدهما)): أن يكون ((المقسم)) مضموم الميم، مكسور السين، ويكون
في الكلام حذف مضاف، تقديره يمين المقسم. (والثاني)): بفتح الميم(٢) والسين،
على أن يكون بمعنى القسم، وإبراره هو الوفاء بمقتضاه، وعدم التحنيث فيه، فإن
كان ذلك على سبيل اليمين، كما إذا قال: واللّه لتفعلنّ كذا، فهو آكد مما إذا كان
على سبيل التحليف، كقوله: باللّه افعل كذا، لأن في الأول إيجاب الكفارة(٣) على
الحالف، وفيه تغريم للمال، وذلك إضرار به انتهى(٤). ووقع في بعض روايات
(١)-راجع ((الفتح)) ج١١ ص٥٠٢ ((كتاب اللباس)) رقم الحديث ٥٨٦٣ .
(٢)- يحتمل أن يكون بضم الميم أيضا، كما هو مقتضى ما يأتي عن عبارة الحافظ، فتنبه.
(٣) - هذا مبنيّ على أنها تنعقد اليمين على الغير انتهى ((عدة حاشية العمدة)) ج٤ ص٤٩٣ .
(٤)- ((إحكام الأحكام)) ج٤ ص ٤٩٤ بنسخة الحاشية.

١٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
((صحيح البخاري)) باللفظ الثاني.
قال الحافظ عند قوله: ((وإبرار المقسم)): واختلف في ضبط السين، فالمشهور أنها
بالكسر، وضمّ أوله على أنه اسم فاعل، وقيل: بفتحها، أي الإقسام، والمصدر قد يأتي
للمفعول، مثل أدخلته مُذْخَلًا بمعنى الإدخال، وكذا أخرجته. انتهى.(١)
[تنبيه]: إبرار القسم إنما يلزم فيما إذا كان جائزا، ولا يمنع منه مانع، وإلا فلا يلزم،
لأن النبي وَ لّ لما أقسم أبو بكر عليه لَيُخبرنه بما أصاب في تعبير الرؤيا، وما أخطأ، قال
له: ((لا تُقسم))، ولم يبرّ وَل قسمه، لحكمة لا نعلمها، قاله الصنعانيّ. ومعنى قوله:
((لا تقسم)): أي لا تكرر القسم، وإلا فإنه قد أقسم، حيث قال: «أقسمت عليك يا
رسول اللَّه لتخبرني بالذي أصبت من الذي أخطأت ... )). قاله الكرمانيّ. والحديث
أخرجه البخاريّ. وسيأتي تمام البحث في إبرار القسم في ((كتاب الأيمان))، في باب
((إبرار المقسم)) - ٣٧٧٨/١٣ - إن شاء الله تعالى.
(وَنُصْرَةِ الْمَظْلُوم) أي إعانته، وهو فرض كفاية، وهو عامّ في المظلومين، وكذلك
في الناصرين، بناءً على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع، وهو الراجح، ويتعيّن
أحيانا على من له القدرة عليه وحده، إذا لم يترتّب على إنكاره مفسدة، أشدّ من مفسدة
المنكر، فلو علم، أو غلب على ظنه أنه لا يُفيد سقط الوجوب، وبقي أصل الاستحباب
بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخيّر .
وشَرْطُ الناصرِ أن يكون عالمًا بكون الفعل ظلمًا، ويقع النصر مع وقوع الظلم، وهو
حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه، كمن أنقذ إنسانًا، من يد إنسان طالبه بمال ظلما،
وهدّده إن لم يبذله، وقد يقع بَعْدُ، وهو كثير. قاله في ((الفتح))(٢).
وقد جاء الأمر بنصر الأخ ظالما، أو مظلومًا، وذلك فيما أخرجه البخاريّ في
((صحيحه) عن حميد، عن أنس ◌َّه، قال: قال رسول اللّه وَليّ: ((انصر أخاك ظالمًا،
أو مظلومًا، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: ((تأخذ
فوق يديه)). وللإسماعيليّ من رواية معاذ، عن حميد: ((فقال: ((يَكُفّه عن الظلم، فذاك
نصره إياه))، ولمسلم من حديث جابر ◌َّه نحوه، وفيه: ((إن كان ظالمًا، فلَنْهَه، فإنه
له نصرةٌ» .
(وَإِقْشَاءِ السَّلام) وفي رواية للبخاريّ في ((الجنائز)) من طريق شعبة، عن الأشعث
بلفظ: ((ورَدِّ السلام))، ولا مغايرة بين الروايتين في المعنى، لأن ابتداء السلام وردّه
(١)- ((فتح)) ج١٣ ص ٣٩٢. ((كتاب الأيمان والنذور))
(٢) - ((فتح)) ج٥ ص٣٨٨ ((كتاب المظالم)) رقم الحديث ٢٤٤٥ .

٥٣- الأمْرُ باتباع الجنائز - حديث رقم ١٩٣٩
١٤٣
متلازمان، وإفشاء السلام ابتداءً يستلزم إفشاءَهُ جوابًا. أفاده في ((الفتح)) (١).
والمراد من إفشاء السلام نشره بين الناس ليُخْيُوا سنته، وقد جاء إفشاء السلام من
حديث البراء وَّه بلفظ آخر، أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))، وصححه ابن
حبّان، من طريق عبد الرحمن بن عَوْسَجة، عنه رفعه: ((أفشوا السلام تسلموا))، وله
شاهد من حديث أبي هريرة تني ، مرفوعًا: ((ألا أدلكم على ما تَحَابّون به؟ أفشوا
السلام بينكم)) .
وعن عبد الله بن سَلَام نَّه رفعه: ((أطعموا الطعام، وأفشوا السلام ... ))
الحديث، وفيه: ((تدخلوا الجنّة بسلام)). أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))،
وصححه الترمذيّ، والحاكم، وللأولين، وصححه ابن حبّان، من حديث عبد الله بن
عمرو رؤ يثق، رفعه: ((اعبدوا الرحمن، وأفشوا السلام ... )) الحديث، وفيه: ((تدخلوا
الجنّة)) .
ومن الأحاديث في إفشاء السلام ما أخرجه النسائيّ في ((عمل اليوم والليلة))(٢)، عن
أبي هريرة تَثي، رفعه: ((إذا جاء أحدكم إلى القوم، فليُسلّم، وإذا قام فليسلّم، فليست
الأولى بأحقّ من الآخرة)). وأخرج ابن أبي شيبة، من طريق مجاهد، عن ابن عمر
رَوَّا، قال: ((إن كنت لأخرج إلى السوق، وما لي حاجة إلا أن أسلّم، ويُسلّم عليّ)).
والأحاديث في إفشاء السلام كثيرة، منها عند البزار، من حديث ابن الزبير، وعند
أحمد من حديث عبد الله بن الزبير، وعند الطبرانيّ من حديث ابن مسعود، وأبي
موسى، وغيرهم .
وأخرج البخاريّ ◌َّلهُ في ((الأدب المفرد)) بسند صحيح، عن ابن عمر تَيتا: ((إذا
سلمتَ، فأسمع، فإنها تحيّة من عند اللّه)).
واستدلّ بالأمر بإفشاء السلام أنه لا يكفي السلام سرّا، بل يُشترط الجهر، وأقلّه أن
يُسمَع في الابتداء، وفي الجواب .
قال النووي ◌َّلهُ: وأقلّه أن يرفع صوته بحيث يُسمِع المسلّمَ عليه، فإن لم يُسمعه
لم يكن آتيًا بالسنّة، ويستحبّ أن يرفع صوته بقدر ما يتحقّق أنه سمعه، فإن شكّ
استظهر، ويُستثنى من رفع الصوت بالسلام ما إذا دخل على مكان، فيه أيقاظ، ونيام،
فالسنّة فيه ما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن المقداد ◌َّه، قال: ((كان النبيّ ◌َلل يجيء
من الليل، فيسلّم تسليمًا، لا يُوقظ نائمًا، ويُسمِع اليقظان)).
(١)- ج ١٢ ص٢٨١. ((كتاب الاستئذان)).
(٢)- ((عمل اليوم والليلة)) رقم ٣٤٢.

١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه، وقد أخرج النسائيّ في ((عمل اليوم والليلة)) بسند
جيّد، عن جابر ◌َّه، رفعه: ((لا تسلّموا تسليم اليهود، فإن تسليمهم بالرؤوس
والأكفّ))(١) .
ويُستثنى من ذلك حالة الصلاة، فقد وردت أحاديث جيّدة أنه وَ ل وردّ السلام، وهو
يصلي إشارةً، منها: حديث أبي سعيد تَظْه: ((أن رجلًا سلّم على النبي ◌َّ، وهو
يُصلي، فردّ عليه إشارةً)). ومن حديث ابن مسعود نحوه .
وكذا من كان بعيدًا، بحيث لا يسمع التسليم يجوز السلام عليه إشارةً، ويتلفّظ مع
ذلك بالسلام. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء، قال: يكره السلام باليد، ولا يكره
بالرأس .
ونقل النوويّ، عن المتولّي أنه قال: يُكره إذا لقي جماعة أن يخصّ بعضهم بالسلام،
لأن القصد بمشروعيّة السلام تحصيل الألفة، وفي التخصيص إيحاشٌ لغير من خصّ
بالسلام انتهى .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى: ويدلّ لما قاله المتولي ما أخرجه البخاريّ في ((الأدب
المفرد)) بسند صحيح عن ابن مسعود رَزّه أنه مرّ رجل، فقال: السلام عليك يا أبا
عبد الرحمن، فردّ عليه، ثم قال: ((إنه سيأتي على الناس زمان يكون السلام فيه
للمعرفة))، وأخرجه الطحاويّ، والطبرانيّ، والبيهقيّ في ((الشعب)) من وجه آخر عن ابن
مسعود مرفوعًا، ولفظه: ((إن من أشراط الساعة أن يمرّ الرجل بالمسجد، لا يُصلي فيه،
وأن لا يُسلّم إلا على من يعرفه))، ولفظ الطحاويّ: ((إن من أشراط الساعة السلام
للمعرفة)). (٢) وسيأتي تمام البحث عنه في المسائل، إن شاء الله تعالى.
(وَإِجَابَةِ الدَّاعِي) تقدّم شرحه فى الباب الماضي، ويأتي تمام البحث عنه في
المسائل، إن شاء اللّه تعالى (وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) هذا محلّ الترجمة، حيث إن فيه الأمر باتباع
الجنائز .
قال ابن دقيق العيد ◌َحّْلهُ: ((اتباع الجنائز)) يحتمل أن يراد به اتباعها للصلاة، فإن عبّر
به عن الصلاة، فذلك فرض من فروض الكفاية عند الجمهور، ويكون التعبير بالاتباع
عن الصلاة من باب مجاز الملازمة في الغالب، لأنه ليس من الغالب أن يصلى على
الميت، ويدفن في محلّ موته. ويحتمل أن يراد بالاتباع الرواح إلى محلّ الدفن
(١)- ((عمل اليوم والليلة)) رقم ٣٤٠.
(٢)- المصدر السابق ج ١٢ ص ٢٨٠ ((كتاب الاستئذان)) رقم الحديث ٦٢٣٥. وص ٢٨٤ رقم ٦٢٣٦ -
٦٢٣٧ .

٥٣- الأمرُ باتباع الجنائز - حديث رقم ١٩٣٩
١٤٥ ==
المواراته، والمواراة أيضًا من فروض الكفايات، لا تسقط إلا بمن تتأدى به انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الأقرب، لأنه حقيقة، فالحمل
عليه أولى، كما أشار إلى ذلك الصنعاني ◌َّثمُ في ((حاشيته)) (وَنَّانَا عَنْ خَوَاتِيم
الذَّهَبِ) أي عن لبسها، وهي جمع خاتم، ويجمع أيضًا على خواتم بلا ياء، وعلىَ
خياتيم بياء بدل الواو، وبلا ياء أيضًا، وفي الخاتم ثماني لغات: فتح التاء، وكسرها،
وهما واضحتان، وبتقديمها على الألف، مع كسر الخاء، خِتَام، وبفتحها، وسكون
التحتانيّة، وضمّ المثنّاة، بعدها واو، وبحذف الياء والواو، مع سكون المثنّاة، خَتْم،
وبألف بعد الخاء، وأخرى بعد التاء، خاتام، وبزيادة تحتانية بعد المثناة المكسورة،
خاتِيَام، وبحذف الأولى، وتقديم التحتانيّة، خَيْتَام، وقد جمعها الحافظ(٢) وَخّْتُهُ بقوله
[من البسيط]:
ثَمَانِيَا مَا حَوَاهَا قَبْلُ نِظَامُ
خُذْ نَظْمَ عَدْ لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ
مٌ خَاتِيَامٌ وَخَيْثُومٌ وَخَيْتَامُ
خَاتَامُ خَاتَمُ خَثْمٌ خَائِمٌ وَخِئَا
وَهَمْزُ مَفْتُوحِ تَاءٍ تَاسِعٌ وَإِذَا سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَأْتَامُ
قال في ((الفتح)): أما الأول، فذكر أبو البقاء في إعراب الشواذْ في الكلام على من قرأ
(العالمين)) بالهمز، قال: ومثله الْخَأْتَم، وأما الثاني فهو على الاحتمال، واقتصر كثيرون
منهم النوويّ على أربعة(٣)، والحقّ أن الختم، والختام مختصّ بما يُختم به، فتكمل
الثمان به، وأما ما يُتزيّن به فليس فيه إلا ستّة، وأنشدوا في ((الخاتيام))، وهو أغربها:
أَخَذْتَ مِنْ سُعْدَاكَ خَاتِيَامَا لِمَوْعِدٍ تَكْتَسِبُ الآثَامَا
ثم إن النهي عن لبسه للتحريم، وهو خاصّ بالرجال .
(وَعَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ) أي ونهانا عن استعمال آنية الفضة. والنهي فيه للتحريم، وهو عامّ
في الرجال والنساء، فيحرم استعمال آنية الفضة، ومثله الذهب في الأكل، والشرب،
ونحوهما على كلّ مكلف، رجلا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحليّ للنساء، لأنه
ليس من التزيّن الذي أُبيح لهنّ في شيء .
(١)- ((إحكام الأحكام)) ج٤ ص٤٩١ بنسخة الحاشية.
(٢)- هكذا نسب الأبيات الحافظ في (الفتح)) إلى نفسه، لكن رأيت في ((تاج العروس شرح القاموس))
في مادة ((ختم)) أن الأبيات للحافظ العراقي، فلا أدري الخطأ ممن هو؟ فليحرّر.
(٣)- وعبارة النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) ج٣ ص٨٨: الخاتم، والخاتم، بفتح التاء،
وكسرها، والخيتام، والخاتام، كله بمعنى، والجمع خواتيم، هذه اللغات الأربع مشهورة انتهى.

١٤٦
==
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
(وَعَنِ الْمَيَائِرِ) وفي رواية للبخاريّ، من طريق الثوريّ، عن أشعث: ((والمياثير
الْحُمْرِ)).
و ((المياثير)): جمع مِيثرة، قال ابن الأثير: المِيثرة بالكسر، مِفْعلَةٌ، من الْوَثَارَة، يقال:
وَثُرَ وَثَارَةً، فهو وَثِيرٌ: أي وَطِىءٌ لَيِّنٌ، وأصلها مِؤْثَرَةٌ، فقُلِيت الواو ياءً، لكسرة الميم،
وهي من مراكب العجم، تُعمل من حرير، أو ديباج انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): ((الميثرة)): بكسر الميم، وسكّون التحتانيّة، وفتح المثلة، بعدها
راء، ثم هاء، ولا همز فيها أصلًا، وأصلها من الوَثَارة، أو الوِثْرَة بكسر الواو، وسكون
المثلثة، والوَثِيرُ هو الفراش الوطئ، وامرأة وَثيرة، كثيرة اللحم انتهى. وفي ((صحيح
البخاري)) أن أبا بردة سأل عليّا رَظّه عن الميثرة؟ فقال: كانت النساء تصنعنه لبعولتهنّ،
مثل القَطَائف(٢)، يَصُفُّونها انتهى.
قال في ((الفتح)): ((يصفّونها)) أي يجعلونها كالصُّفّة، وحَكَى عياض في رواية
((يصَفُرْنَها)) بكسر الفاء، ثم راء، وأظنّه تصحيفا، وإنما قال: ((يصفّونها)) بلفظ المذكّر
للإشارة إلى أن النساء يصنعن ذلك، والرجال هو الذين يستعملونها في ذلك. وقال
الزبيديّ اللغويّ: و((الميثرة)) مِرْفَقَة، كصُفّةِ السرج. وقال الطبريّ: هو وِطَاء يوضع على
سرج الفرس، أو رَخل البعير، كانت النساء تصنعنه لأزواجهنّ، من الأرجوان
الأحمر (٣)، ومن الديباج، وكانت مراكبَ العجم. وقيل: هي أغشية للسروج من
الحرير. وقيل: هي سروج من الديباج. فحصلنا على أربعة أقوال في تفسير ((الميثرة))،
هل هي وطاء للدابّة، أو لراكبها، أو هي السرج نفسه، أو غشاوته(٤).
وقال في ((الفتح)) أيضًا عند شرح قوله: ((والمياثير الْحُمْر)): ما نصّه: قال أبو عُبيد:
المياثر الحمر التي جاء النهي عنها، كانت من مراكب العجم، من ديباج، أو حریر.
وقال الطبريّ: هي وعاء يوضع على سرج الفرس، أو رحل البعير، من الأُرْجُوَان.
وحكى في ((المشارق)) قولًا: إنها سروج من ديباج، وقولًا: إنها أغشية للسروج من
(١)-((النهاية)) ج٥ ص ١٥٠.
(٢)- جمع قطيفة: دثار مُخمل، يضعونه فوق الرحال. اهـ ((طرح التثريب)) ج٣ص٢٣٠.
(٣)- ((الأرجوان)) بضم الهمزة، والجيم، بينهما راء ساكنة، ثم واو خفيفة، وحكى عياض، ثم
القرطبيّ ((فتح)) الهمزة، وأنكره النوويّ، وصوّب أن الضمّ هو المعروف في كتب الحديث،
واللغة، والغريب، واختلفوا في المراد به، فقيل: هو صبغ أحمر شديد الحمرة، وهو نور شجر
من أحسن الألوان، وقيل: الصوف الأحمر، وقيل: كل شيء أحمر، فهو أرجوان. انتهى ((فتح))
ج١١ ص٤٩١ .
(٤)- انظر ((الفتح)) ج١١ ص ٤٧٣-٤٧٤.

١٤٧
٥٣- الأمْرُ باتباع الجنائز - حديث رقم ١٩٣٩
حرير، وقولا: إنها تُشبه المِخَدَّة، ◌ُحُشَى بقطن، أو ريش، يَجعلها الراكب تحته، وهذا
يوافق تفسير الطبريّ، والأقوال الثلاثة يحتمل أن لا تكون متخالفةً، بل الميثرة تطلق
على كلّ منها، وتفسير أبي عبيد يحتمل الثاني، والثالث .
وعلى كلّ تقدير، فالميثرة، إن كانت من حرير، فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس
على الحرير، ولكن تقييدها بالأحمر أخصّ من مطلق الحریر، فیمتنع إن كانت حریرًا،
ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء، وإن كانت من غير حرير، فالنهي فيها للزجر عن
التشبّه بالأعاجم .
قال ابن بطال: كلام الطبريّ يقتضي التسوية في المنع من الركوب عليه، سواء كانت
من حرير، أم من غيره، فكان النهي عنها إذا لم يكن من حرير للتشبّه، أو للسرف، أو
التزيّن، وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التحريم والتنزيه، وأما تقييدها بالحمرة، فمن
يَحمل المطلق على المقيّد وهم الأكثرون يخصّ المنع بما كان أحمر انتهى(١).
وقال الحافظ ولي الدين تَخّْلهُ : قال النوويّ: قال العلماء: الميثرة، وإن كانت من
الحرير، كما هو الغالب فيما كان من عادتهم، فهي حرام، لأنه جلوس على حرير،
واستعمال له، وهو حرام على الرجال، سواء كان على رحل، أو سرج، أو غيرهما،
وإن كانت ميثرة من غير حرير، فليست بحرام، ومذهبنا أنها ليست مكروهة أيضًا، فإن
الثوب الأحمر، لا كراهة فيه، فسواء كانت حمراء، أم لا، وقد ثبتت الأحاديث
الصحيحة أن النبي وَله لبس حُلَّة حمراء. وحكى القاضي عياض، عن بعض العلماء
كراهتها، لئلا يظنها الرائي من بُعُد حريرًا انتهى .
وقال ابن قدامة: قال أصحابنا: يكره لبس الأحمر، وهو مذهب ابن عمر،
والصحيح أنه لا بأس به، وأحاديث الإباحة أصح .
وقال أبو العباس القرطبيّ: وأما من كانت عنده الميثرة من جلود السباع، فوجه النهي
عنها أنها لا تَعْمَل الذّكاة فيها، وهو أحد القولين عند أصحابنا، أو لأنها لا تُذكَّى غالبًا .
قال ولي الدين: لكنها تطهر بالدباغ، إلا أن العلماء اختلفوا في طهارة الشعر تبعًا
للجلد، إذا دُبغ، والمشهور عند الشافعية عدم طهارته، وقالت الحنفيّة بطهارته،
والأغلب في المياثير أنها لا شعر عليها، والله أعلم .
وقد يقال: إن المعنى في النهي عن المياثير ما فيه من الترفّه، وقد يتعذّر في بعض
الأوقات، فيشقّ تركها على من اعتادها، فيكون حينئذ إرشادًا، نهي عنه لمصلحة
(١)- ((فتح)) ج١١ ص ٤٩٠-٤٩١. ((كتاب اللباس)) رقم الحديث ٥٨٣٩.

١٤٨
=
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
دنيويّة، وقد يكون لمصلحة دينيّة، وهي ترك التشبّه بعظماء الفرس، لأنه كان شعارهم
ذلك الوقت، فلما لم يصر شعارًا لهم، وزال ذلك المعنى زالت الكراهة، والله تعالى
أعلم .
قال: وقد عرفت أن الميثرة قُيّدت تارة بكونها حمراء، وأطلقت تارة، فمن يحمل
المطلق على المقيّد يخصّ النهي بالحمراء، ومن يأخذ بالمطلق، وهم الحنفيّة،
والظاهريّة، فمقتضى مذهبهم طرد النهي عنها، وإن لم تكن حمراء .
ووقع في حديث علي ◌َّهِ عند أبي داود: ((ونُهي عن مَيَاثير الأُرْجُوان)). فإن فُسّر
الأرجوان بمطلق الأحمر ساوى الرواية التي فيها المياثر الحمر، وإن فسّرناه بالمصبوغ
بصبغ مخصوص، فمقتضاه اختصاصه بالمصبوغ بذلك الصبغ المخصوص خاصّة، وأنه
لا يتعدّى لما سواه إلا أن تكون تعديته بطريق القياس، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التعليلات التي ذكروها في سبب النهي عن المیاثر،
من كونها حريرًا، أو غير ذلك، لم تُذكر في الحديث، فالظاهر أن النهي عام في جميع
أنواع المياثر، سواء كانت من حرير، أو من غيره، وسواء كانت حمراء، أو غيرها، كما
تقدّم عن الطبريّ، وأن النهي للتحريم في الجميع، إذ النصّ لم يفرّق بين نوع ونوع،
والله تعالى أعلم .
(وَالْقَسِّيَّةِ) أي نهى عن لبس الثياب القَسّيّة، وهي بفتح القاف، وتشديد المهملة،
بعدها ياء النسبة. وقد ذكر البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) تفسيرها فيما علّقه
عن عاصم يعني ابن كُليب عن أبي بُردة، قال: قلت لعلي: ما القسّيّة؟ قال: ثيابٌ أتتنا
من الشام -أو من مصر - مُضَلَّعَةٌ(٢) فيها حرير، وفيها أمثال الأَتْرُنْج(٣) انتهى.
وقال في ((الفتح)): وذكر أبو عبيد في ((غريب الحديث)) أن أهلَ الحديث يقولونه
بكسر القاف، وأهل مصر يفتحونها، وهي نسبة إلى بلدة، يقال لها: القَسّ، رأيتها، ولم
يعرفها الأصمعيّ، وكذا قال الأكثر: هي نسبة للقَسّ بمصر، منهم الطبريّ، وابن سِيدَهْ،
وقال الحازميّ: هي من بلاد الساحل، وقال المهلّب: هي على ساحل مصر، وهي
حصن بالقرب من الْفَرَمَا، من جهة الشام، وكذا وقع في حديث ابن وهب أنها تلي
الفرَمَا - والْفَرَمَا بالفاء، وراء مفتوحة- وقال النوويّ: هي بقرب تِنْيس، وهو متقاربٌ.
وحكى أبو عبيد الهرويّ عن شَمِر اللغويّ أنها بالزاي، لا بالسين، نسبة إلى الْقَزّ، وهو
(١)-((طرح التثريب)) ج٣ص٢٣١.
(٢)-أي فيها خطوط عريضة كالأضلاع.
(٣)- أي إن الأضلاع التي فيها غليظة معوجّة.

١٤٩ =
٥٣- الأمْرُ باتباع الجنائز - حديث رقم ١٩٣٩
الحرير، فأبدلت الزاي سينًا. وحكى ابن الأثير في ((النهاية)) أن القَسّ الذي نسب إليه هو
الصقيع، سمي بذلك لبياضه، وهو، والذي قبله كلام من لم يعرف القَسّ القرية
(١)
انتھی
وقيل: هي ثياب من كَتّان مخلوط بحرير، وقيل: هي ثياب من القّزّ، وأصله الْقَزّيّ،
بالزاي، منسوب إلى القَزّ، وهو رديء الحرير، فأبدلت الزاي سينا، ذكره في
(الطرح))(٢).
(وَالْإِسْتَبْرَقِ) بكسر الهمزة، هي -كما في ((المصباح)) غليظ الديباج، فارسيّ مُعَرَّب.
وقال ابن الأثير ◌َّلهُ: قد تكرر ذكر الإستبرق في الحديث، وهو ما غَلُظ من الحرير،
والإِبْرَيْسَم، وهي لفظة أعجميّة، معرَّبَةٌ، أصلها اسْتَبْرَه، وقد ذكرها الجوهريّ في الباء
من القافَ، على أن الهمزة، والسين، والتاء زوائد، وأعاد ذكرها في السين من الراء،
وذكرها الأزهريّ في خُماسيّ القاف، على أن همزتها وحدها زائدة، وقال: أصلها
بالفارسية اسْتَفْرَه، وقال أيضًا: إنها، وأمثالها من الألفاظ حروفٌ عربيّة، وقع فيها وفاق
بين العجمية والعربيّة، وقال: هذا عندي هو الصواب انتهى (٣).
(وَالْحَرِيرِ) بفتح الحاء المهملة، معروف، وهو عربيّ، سمي بذلك لخلوصه، يقال
لكلّ خالص مُحرَّر، وحرّرتُ الشيءَ خلّصته من الاختلاط بغيره. وقيل: هو فارسيّ
معرَّبٌ (٤) .
(وَالدِّيَاج))) بكسر الدال المهملة، وقد تفتح، وبعضهم قال: الكسر أصوب من
الفتح: هي الثياب المتّخذة من الإبرَيسَم، فارسيّ معرّب. أفاده في ((اللسان))، وقال في
(المصباح)): الدِّيَاجُ: ثوب سَدَاه ولُخْمَتُهُ إِبْرَيْسَم، ويقال: هو معَرَّبٌ انتهى.
و((الإبريسم)): معرّبٌ، وفيها لغات، كسر الهمزة، والراء، والسين، وابن السِّكُيت
يمنعها، ويقول: ليس في الكلام إِفْعِيلِلٌ بكسر اللام، بل بالفتح، مثلُ إِهْلِيلَج،
وإِطْرِيف، والثانية فتح الثلاثة، والثالثة كسر الهمزة، وفتح الراء والسين، قاله في
(المصباح)) أيضًا. وقال في ((القاموس)) ((الإبريسم)) بفتح السين وضمها: الحرير، أو
معرّب انتهى .
وقال وليّ الدين يَظْلَلهُ: ذِكرُ الديباج، والاستبرق بعد الحرير -أي في بعض
(١)- ((فتح)) ج١١ ص٤٧٣ ((كتاب اللباس)) رقم الحديث ٥٨٣٨.
(٢)- ((طرح التثريب)) ج٣ ص٢٣٢ .
(٣)- ((النهاية)) ج١ ص٤٧ .
(٤)- ((فتح)) ج ١١ ص ٤٦٣.

١٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
الروايات- من ذكر الخاصّ بعد العامّ، وكأنه أشار بذلك إلى أنه لا فرق في تحريم الحرير
بين جيّده، وهو الديباج، ورديئه، وهو الإستبرق. والله أعلم انتهى .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: النهي عن لبس الحرير، والإستبرق، والديباج،
مختصّ بالرجال، فيجوز لبسه للنساء. والله تعالى أعلم .
وسيأتي البحث عن خواتيم الذهب، وما بعدها مستوفّى في («كتاب الزينة)»، إن شاء
اللَّه تعالى، أسأل الله تعالى أن يمنّ عليّ بالتوفيق لشرحها، وشرح تمام الكتاب، إنه
سميع قريب مجيب الدعوات، وغافر الذنوب والسيئات، والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث البراء بن عازب تََّ هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٩٣٩/٥٣ - و٣٧٧٨/١٣ و٥٣٠٩/٩١ - وفي («الكبرى » ٢٠٦٦/٥٣
و ٤٧٢١/١٣ و٩٦١٢/٨١ و٩٦١٣. وأخرجه (خ) ١٢٣٩ و٥٦٣٥ و٥٦٥٠ و٥٨٣٨
و ٥٨٤٩ و ٥٨٦٣ و ٦٢٢٥ و ٦٢٣٥ و٦٦٥٤ و٢٤٤٥ و٥١٧٥ (م) ٢٠٦٦ (ت) ١٧٦٠
و٢٨٠٩ (ق) ٢١١٥ و٣٥٨٩ (أحمد) ١٨١٧٠ و١٨٠٦١ و١٨٠٣٤. والله تعالى
أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو وجوب اتباع الجنائز، وهو على
الكفاية، كما تقدّم. ومنها: وجوب نصرة المظلوم، وهو على الكفاية، كما تقدّم أيضًا.
ومنها: الأمر بإفشاء السلام، وقد تقدم أن المراد بإنشائه نشره بين الناس. ومنها: تحريم
استعمال خواتيم الذهب، وهو خاصّ بالرجال، كما تقدّم. ومنها: تحريم استعمال آنية
الفضّة، ومثلها الذهب، وهو عامّ للرجال والنساء، كما تقدّم. ومنها: تحريم استعمال
المياثر، وقد تقدم اختلاف أهل اللغة في معناها. ومنها: تحريم استعمال القَسّيّة، وهي
الثياب المخطّطة بالحرير. ومنها: تحريم لبس الإستبرق، وهو ما غلظ من الديباج،
والحرير، والديباج، وقد تقدّم بيان الفرق بينها في خلال شرحها. وما عدا ذلك من
الفوائد تقدم في المسألة الرابعة من شرح الحديث المذكور آخر الباب الماضي. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في وجوب عيادة المريض:
قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): ((باب وجوب عيادة المريض))،

١٥١
٥٣- الأمْرُ باتباع الجنائز - حديث رقم ١٩٣٩
ثم أخرج بسنده عن أبي موسى الأشعريّ رَزيه، قال: قال رسول اللَّه وَ له: ((أطعموا
الجائع، وعودوا المريض، وفُكّوا العاني)). وأخرج أيضًا حديث البراء وَّه المذكور
في الباب .
قال في ((الفتح)): قوله: ((باب وجوب عيادة المريض)) كذا جزم بالوجوب على ظاهر
الأمر بالعيادة. قال ابن بطّال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية،
كإطعام الجائع، وفكّ الأسير، ويحتمل أن يكون للندب، للحثّ على التواصل والألفة،
وجزم الداوديّ بالأول، فقال: هي فرض، يحمله بعض الناس عن بعض .
وقال الجمهور: هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حقّ بعض دون
بعض. وعن الطبريّ: تتأكّد في حقّ من تُرجی برکته، وتُسنّ فیمن یراعی حاله، وتباح
فيما عدا ذلك .
ونقل النوويّ الإجماع على عدم الوجوب. يعني على الأعيان. انتهى .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح عندي ما جزم به الإمام البخاريّ رحمه الله
تعالى، من وجوب عيادة المريض، لصريح الأمر في قوله: ((وعودوا المريض))، لكنه
على الكفاية كما قال الداوديّ، وأما ما ذهب إليه الجمهور من الندب، فيحتاج إلى
صارف للأمر عن الوجوب إلى الندب، ولم يذكروا ذلك، وأما ما قاله الطبريّ من
التفصيل بين من تُرجى بركته وغيره، ففما لا دليل عليه، وأما ما ادعاه النوويّ من
الإجماع، فقد أجاب عنه الحافظ بأنه يقصد عدم الوجوب على الأعيان، فلا يخالف
القول الأول. والله تعالى أعلم .
[تنبيه]: يستحبّ عيادة الذميّ، قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)):
((باب عيادة المشرك))، ثم أخرج بسنده عن أنس تظنّيه أن غلاما ليهود، كان يخدُم النبي
وَالحجر، فمرض، فأتاه يعوده، فقال: ((أسلم)) فأسلم انتهى.
قال ابن بطال ◌َّتُهُ : إنما تشرع عيادته إذا رُچِي أن يجيب إلى الدخول في الإسلام،
فأما إذا لم يُطمَع في ذلك، فلا انتهى .
قال الحافظ نَّهُ: والذي يظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع
بعيادته مصلحة أخرى، قال الماورديّ نَّلهُ: عيادة الذميّ جائزة، والقربة موقوفة على
نوع حرمة، تقترن بها، من جوار، أو قرابة انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن استحباب عيادة الذمّيّ هو الأرجح، اقتداء
(١) - ((فتح)) ج١١ ص٢٥٩ - ٢٦٠.

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بالنبي ◌َّ، ورجاء إسلامه، وقول ابن بطال: فإذا لم يُطمع الخ فيه نظر، لأن ذلك غير
محقّق، إذ ربما يظهر عليه الآن عدم الرغبة في الإسلام، ثم يتحوّل بعده، فيرغب، فلا
ينبغي اليأس نظرا لأول حاله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم تشميت العاطس:
ذهبت طائفة إلى أنه فرض عين، قال في ((الفتح)): وقد أخذ بظاهرها - يعني
الأحاديث المذكورة في الباب- ابن مزين من المالكية، وقال به جمهور أهل الظاهر،
وقال ابن أبي جمرة: قال جماعة من علمائنا: إنه فرض عين. وقوّى ابن القيم رحمه الله
تعالى هذا المذهب، كما سيأتي ذكر كلامه قريبًا. وذهب آخرون إلى أنه فرض كفاية،
إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ورجحه أبو الوليد ابن رشد، وأبو بكر ابن العربي،
وبه قالت الحنفيّة، وجمهور الحنابلة .
وذهب عبد الوهاب، وجماعة من المالكيّة إلى أنه مستحبّ، ويجزىء الواحد عن
الجماعة، وهو قول الشافعيّة. احتجّ الأولون بأحاديث كثيرة، منها حديث الباب:
((للمؤمن على المؤمن ست خصال ... ))، ولفظ مسلم: ((حقّ المسلم على المسلم
ستّ، فذكر فيها: ((وإذا عَطَس، فحمد الله، فشمّته)).
وأخرج البخاريّ، عن أبي هريرة تَّه، مرفوعًا: ((خمس تجب للمسلم على
المسلم ... ))، وأخرج من حديث أبي هريرة أيضًا عن النبي وَله، قال: ((إن اللَّه يُحِبّ
العطاس، ويَكْرَه التثاؤب، فإذا عطس، فحمِد اللَّه، فحقّ على كلّ مسلم سمعه أن
يشمته ... )) الحديث. وأخرج من حديثه أيضًا، عن النبي وَلّر، قال: ((إذا عطس
أحدكم، فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه، -أو صاحبه- يرحمك الله، فإذا قال له:
يرحمك الله، فليقل: يهديكم اللّه، ويُصلح بالكم .
وفي حديث عائشة رؤيتها عند أحمد، وأبي يعلى: ((إذا عطَس أحدكم، فليقل:
الحمد لله، وليقل له مَنْ عنده يرحمك الله))، ونحوه عند الطبرانيّ، من حديث أبي
مالك .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بهذه الأحاديث الصحيحة أن المذهب الراجح
وجوب تشميت العاطس على الأعيان، كما هو المذهب الأول. وقد قَوَّى العلامة ابن
القيّم رحمه اللّه تعالى هذا المذهب، في ((حواشي السنن))، فقال: جاء بلفظ الوجوب
الصريح، وبلفظ ((الحقّ)) الدالّ عليه، ويلفظ ((عَلَى)) الظاهرة فيه، وبصيغة الأمر التي هي
حقيقة فيه، وبقول الصحابيّ: ((أَمَرَنا رسول اللَّه ◌َيّ)، قال: ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا
وجوب أشياء كثيرةً بدون مجموع هذه الأشياء انتهى .

١٥٣ =
٥٣- الأمْرُ باتباع الجنائز - حديث رقم ١٩٣٩
وأما ترجيح الحافظ القولَ بأنه فرض كفاية، قائلًا: إن الأحاديث الصحيحة الدالّة
على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية إلى آخر كلامه، فيرده ما تقدم من حديث أبي
هريرة رَّه، عند البخاريّ بلفظ: ((فحقّ على كلّ مسلم سمعه أن يشمّته))، فإنه صريح
في كونه فرض عين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
[تنبيه]: ثم إن شرط فرض التشميت أن يَحمّد العاطسُ اللَّه تعالى، لما أخرجه مسلم
في (صحيحه))، من حديث أبي موسى الأشعريّ رَّه، قال: سمعت رسول اللّه وَليّ
يقول: ((إذا عَطَسَ أحدكم، فحمد الله، فشمّتوه، وإن لم يحمد، فلا تشمتوه)). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
المسألة السادسة: في اختلاف العلماء في حكم الابتداء بالسلام:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الابتداء بالسلام واجب، لظاهر الأمر، وذهب آخرون
إلى استحبابه: قال العلامة ابن دقيق العيد ◌َخْذَلهُ: استَدَلّ بالأمر بإفشاء السلام من قال
بوجوب الابتداء بالسلام، وفيه نظر، إذ لا سبيل إلى القول بأنه فرض عين على التعميم
من الجانبين، وهو أن يجب على كلّ أحد أن يسلّم على كلّ من لقيه، لما في ذلك من
الحرج والمشقّة، فإذا سقط من جانبي العمومين سقط من جانبي الخصوصين، إذ لا
قائل: يجب على واحد دون الباقين، ولا يجب السلام على واحد دون الباقين، قال:
وإذا سقط على هذه الصورة، لم يسقط الاستحباب، لأن العموم بالنسبة إلى كلا
الفريقين ممكن انتهى .
قال الحافظ وَخْدٌمُ: وهذا البحث ظاهر في حقّ من قال: إن ابتداء السلام فرض
عين، وأما من قال: فرض كفاية، فلا يرد عليه إذا قلنا فرض الكفاية ليس واجبا على
واحد بعينه .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن قول من قال بالوجوب هو
الأرجح، لظاهر النصوص الواردة بصيغة الأمر، ولكنه وجوب كفائيّ، لما تقدّم من
حديث عليّ رَّ، وغيره. وما ذكره ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى من الحرج
والمشقّة في الإيجاب على كل أحد أن يسلم على كل من لقيه، فليس كذلك، فإن
الراجح أنه كفائيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
المسألة السابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة:
قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى: ((باب حقّ إجابة الوليمة والدعوة))، فقال في
(الفتح)): ما حاصله: قوله: ((حَقٌّ إجابة الدعوة)) يشر به إلى وجوب الإجابة، وقد نقل
ابن عبد البرّ، ثم عياض، ثم النوويّ الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس،

١٥٤ جـ
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
وفيه نظر، نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب، وصرّح جمهور الشافعيّة، والحنابلة
بأنها فرض عين، ونصّ عليه مالك، وعن بعض الشافعية، والحنابلة أنها مستحبّة، وذكر
اللخميّ من المالكية أنه المذهب، وكلام صاحب الهداية يقتضي الوجوب مع تصريحه
بأنها سنّة، فكأنه أراد أنها وجبت بالسنّة، وليست فرضًا، كما عُرف من قاعدتهم، وعن
بعض الشافعيّة، والحنابلة هي فرض كفاية، وحكى ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام))
أن محلّ ذلك إذا عمّت الدعوة، أما لو خصّ كلّ واحد بالدعوة، فإن الإجابة تتعيّن .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن إجابة الدعوة واجبة؛ لصراحة الأدلّة في
ذلك، كقوله وَله: ((إذا دعا أحدكم أخاه، فليُجب)). رواه مسلم. وقوله: ((إذا دُعي
أحدكم إلى وليمة عُرس، فليُجب))، وقوله: ((من دُعي إلى عرس، أو نحوه فليجب)).
رواهما مسلم أيضًا. وكقوله: ((من دُعي، فلم يُجب، فقد عصى الله ورسوله)). رواه أبو
داود، إلى غير ذلك من الأدلّة التي تدلّ على الوجوب، ولا صارف لها عنه. والله تعالى
أعلم .
وقال في ((الفتح)) أيضًا: وشرط وجوبها أن يكون الداعي مكلّفًا حرّا رَشِيدًا، وأن لا
يخصّ الأغنياء دون الفقراء، وأن لا يُظهر قصد التودد لشخص بعينه لرغبة فيه، أو رهبة
منه، وأن يكون الداعي مسلمًا على الأصح، وأن يخصّ باليوم الأول على المشهور،
وأن لا يُسبَقَ، فمن سَبَقَ تعينت الإجابة له، دون الثاني، وإن جاءا معًا قُدّم الأقرب
رحمًا على الأقرب جوارًا على الأصحّ، فإن استويا أُقرع، وأن لا يكون هناك ما يتأذى
بحضوره، من منكر وغيره، وأن لا يكون له عذرٌ، وضبطه المارديّ بما يُرخّص به في
ترك الجماعة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ستكون لنا عودة إلى هذا البحث في محله من ((كتاب
النكاح))، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
المسألة الثامنة: في اختلاف أهل العلم، هل الدعوة، تخصّ وليمة العرس، أم تعمّ
غيرها؟ :
قال الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)): ((باب إجابة الدعوة في العُرس،
وغيره)) .
ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: سمعت عبد الله بن عمر رؤيتها يقول: قال
رسول اللَّه وَ له: ((أجيبوا هذه الدعوة، إذا دُعيتم لها))، قال: كان عبد اللَّه يأتي الدعوة
في العُرس وغير العُرس، وهو صائم انتهى .
(١)- ((فتح)) ج١٠ ص٣٠٢. طبعة دار الفكر.

٥٣- الأمْرُ باتباع الجنائز - حديث رقم ١٩٣٩
١٥٥ =
وأخرج مسلم من طريق عبد الله بن نمير، عن عُبيد الله بن عمر العمريّ، عن نافع،
بلفظ: ((إذا دُعي أحدكم إلى وليمة عرس، فليجب)). وأخرجه مسلم، وأبو داود من طريق
أيوب، عن نافع، بلفظ: ((إذا دعا أحدكم أخاه، فليجب، عرسا كان، أو نحوه))، ولمسلم
من طريق الزبيديّ، عن نافع، بلفظ: ((من دُعي إلى عُرس، أو نحوه، فليُجب)).
قال الحافظ ◌َّتُهُ: وهذا يؤيّد ما فهمه ابن عمر أن الأمر بالإجابة لا يختصّ بطعام
العرس، وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعيّة، فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة
مطلقًا، عُرسًا كان، أو غيره بشرطه، ونقله ابن عبد البرّ عن عُبيد الله بن الحسن العنبريّ،
قاضي البصرة، وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين، ويعكر عليه ما نقلناه
عن عثمان ابن أبي العاص، وهو من مشاهير الصحابة، أنه قال في وليمة الختان: لم يكن
يُدعى لها، لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دَعَوا .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اعتراض الحافظ على ابن حزم غير صحيح، لأنه لم
يدّعي الإجماعَ، وإنما قال: إنه قول الجمهور، فكيف يعترض عليه بقول عثمان بن أبي
العاص وَّه؟: إن هذا لغريب من مثله !. والله تعالى وليّ التوفيق.
وأخرج عبد الرزّاق بإسناد صحيح عن ابن عمر تَّ، أنه دعا بالطعام، فقال رجل
من القوم: أعفني، فقال ابن عمر: إنه لا عافية لك من هذا، فقم. وأخرج الشافعيّ،
وعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس ◌َّ أن صفوان دعاه، فقال: إني مشغول،
وإن لم تُعفني جئتُهُ. وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكيّةُ والحنفيّة،
والحنابلة، وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسيّ منهم، فنقل فيه الإجماع، ولفظ الشافعيّ
◌َّْثُّهُ: إتيان دعوة الوليمة حقّ، والوليمة التي تُعرف وليمة العرس، وكلّ دعوة دُعي
إليها رجل وليمة، فلا أرخص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبيّن لي أنه عاص في
تركها، كما تبيّن لي في وليمة العرس انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأحاديث الصحيحة، أن
المذهب الراجح وجوب إجابة الدعوة، مطلقًا، عُرْسًا كانت، أو غيرها. وسنعود إلى
تحقيق البحث في محله من ((كتاب النكاح))، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١)- (فتح)) ج١٠ ص ٣٠٨ رقم الحديث ٥١٧٩ .

١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
٥٤- فَضْلُ مَنْ تَبعَ جَنَازَةً
أي هذا باب ذكر فضل من تَبعَ جنازة، وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، و((مَنْ))
موصولة، و(تَبعَ)) من باب تَعِبَ صلتها، وفي نسخة ((يتبع)) بصيغة المضارع. والله تعالى
أعلم بالصواب.
١٩٤٠- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ بُرْدِ، أَخِي يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنِ
الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((مَنْ تَبَعَ
جَنَازَةً، حَتَّى يُصِّلِّيَ عَلَيْهَا، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ قِيرَاطٌ، وَمَنْ مَشَى مَعَ الْجَنَازَةِ، حَتَّى تُدْفَنَ،
كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ قِيرَاطَانٍ، وَالْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ)) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا .
٢- (عَبْثَر ) بن القاسم الزُبيديّ، أبو زُبيد - بالضم فيهما- الكوفيّ، ثقة [٨]١٩٠/
١١٦٤ .
٣- (بُزْد) -بضم أوله، وسكون الراء المهملة- ابن أبي زياد الهاشميّ مولاهم، أخو
يزيد، أبو عَمْرٍو، أو أبو عُمَّرَ، أو أبو العلاء الكوفيّ، مولى عبد الله بن الحارث بن
نوفل، ثقة [٥] .
قال العجليّ: ثقة أرفع من أخيه يزيد. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في
((الثقات)). انفرد به المصنف رحمه اللَّه تعالى بهذا الحديث فقط.
٤- (المسَيَّب بن رافع) الأسديّ الكاهليّ، أبو العلاء الكوفيّ الأعمى، ثقة [٤]٥/
١١٨٤ .
والصحابيّ تقدم في الذي قبله. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير برد، فمن أفراد المصنف. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير
شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِع) رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ) تََّا

١٥٧ ==
٥٤- فَضْلُ من تبع جنازةٌ - حدیث رقم ١٩٤٠
(يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((مَنْ) شرطيّة، أو موصولة (تَبعَ) يقال: تَبَعَ زيد عمرًا، من
باب تَعِبَ: مشى خلفه، أو مرّ به، فمضى معه، قاله في ((المصباح)). وفي حديث أبي
هريرة رَّه عند البخاريّ بلفظ: ((اتّبع)) بالتشديد، من الاتباع. وللأصيلي ((تبع)) بحذف
الألف، وكسر الموحدة، كلفظ المصنف هنا .
قال في ((الفتح)): وقد تمسّك بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها أفضل، ولا حجة
فيه، لأنه يقال: تبعه، إذا مشى خلفه، أو إذا مَرَّ به، فمشى معه، وكذلك اتبعه
بالتشديد، وهو افتعل منه، فإذا هو مقول بالاشتراك، وقد بيّن المرادَ الحديثُ الآخر
المصحّح عند ابن حبّان وغيره، من حديث ابن عمر في المشي أمامها، وأما أتبعه
بالإسكان، فهو بمعنى لَحِقه، إذا كان سبقه، ولم تأت به الرواية هنا انتهى(١).
[تنبيه]: لم يُبَيَّن في هذا الحديث ابتداءُ الاتباع، وقد بُيِّن في حديث أبي هريرة ◌َظّم
عند مسلم، ولفظه: ((من خرج مع جنازة من بيتها))، ولأحمد في حديث أبي سعيد
الخدريّ رَّه: ((فمشى معها من أهلها)». ومقتضاه أن القيراط يختصّ بمن حضر من
أول الأمر إلى انقضاء الصلاة، وبذلك صرّح المحبّ الطبريّ وغيره .
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن القيراط يحصل لمن صلى فقط، لأن كلّ ما قبل
الصلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيّع مثلًا، وصلّى،
ورواية مسلم من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة بلفظ: ((أصغرهما مثل أحد)) تدلّ
على أن القراريط تتفاوت .
ووقع أيضًا في رواية أبي صالح المذكورة عند مسلم: ((من صلى على جنازة، ولم
يتبعها، فله قيراط)»، وفي رواية نافع بن جُبير، عن أبي هريرة، عند أحمد: ((من صلى،
ولم يتبع، فله قيراط))، فدلّ على أن الصلاة تُحُصِّلُ القيراطَ، وإن لم يقع اتباع. ويمكن
أن يُحمَل الاتباع هنا على ما بعد الصلاة، وهل يأتي نظير هذا في قيراط الدفن؟ فيه
بحث .
قال النوويّ في ((شرح البخاريّ)) عند الكلام على طريق محمد بن سيرين، عن أبي
هريرة، في ((كتاب الإيمان)) بلفظ: ((من اتبع جنازة مسلم، إيمانًا، واحتسابًا، وكان معها
حتى يُصلّي عليها، ويُفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين ... )) الحديث:
ومقتضى هذا أن القيراطين إنما يَخْصُلان لمن كان معها في جميع الطريق حتى تدفن، فإن
صلى مثلًا، وذهب إلى القبر وحده، فحضر الدفن لم يحصل له إلا قيراط واحد انتهى .
(١)- ((فتح)) ج١ ص ١٥٠ ((كتاب الإيمان)) رقم الحديث ٤٧ .

١٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
قال الحافظ: وليس في الحديث ما يقتضي ذلك، إلا من طريق المفهوم، فإن ورد
منطوق بحصول القيراط لشهود الدفن وحده كان مقدّما، ويُجمع حينئذ بتفاوت
القيراط، والذين أبوا ذلك، جعلوه من باب المطلق والمقيّد، نعم مقتضى جميع
الأحاديث أن من اقتصر على التشييع، فلم يصل، ولم يشهد الدفن، فلا قيراط له، إلا
على الطريقة التي ذكرناها(١) عن ابن عقيل، لكن الحديث الذي أوردناه عن البراء في
ذلك ضعيف. وأما التقييد بالإيمان، والاحتساب فلا بدّ منه، لأن ترتُّبَ الثواب على
العمل يستدعي سبق النيّة فيه، فيخرج من فعل ذلك على سبيل المكافأة المجرّدة، أو
على سبيل المحاباة، والله أعلم انتهى (٢).
(جَنَازَةً) وفي حديث أبي هريرة تَّه: ((من اتبع جنازة مسلم، إيمانا،
واحتسابًا ... )).
(حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا) بكسر اللام، بالبناء للفاعل، ويحتمل أن تكون بالفتح على البناء
للمفعول. قال في ((الفتح)) في حديث أبي هريرة رَّه: واللام للأكثر مفتوحة، وفي
بعض الروايات بكسرها، ورواية الفتح محمولة عليها، فإنّ حصول القيراط متوقف على
وجود الصلاة من الذي يحصل له انتهى(٣).
وقال في موضع آخر: قوله: ((حتى يصلي)) بكسر اللام، ويروى بفتحها، فعلى
الأول لا يحصل الموعود به، إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثاني قد يقال: يحصل
له ذلك، ولو لم يُصَلِّ، أما إذا قصد الصلاة، وحال دونه مانع، فالظاهر حصول الثواب
له مطلقًا، والله أعلم انتهى(٤).
(كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ قِيرَاطٌ) بكسر القاف. قال الجوهريّ: أصله قِرّاط بالتشديد، لأن
جمعه قراريط، فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء، قال: والقيراط نصف دانق، وقال قبل
ذلك: الدانق سدس الدرهم، فعلى هذا يكون القيراط جزءا من اثني عشر جزءا من
الدراهم، وأما صاحب ((النهاية))، فقال: القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف
عشره في أكثر البلاد، وفي الشام جزء من أربعة وعشرين جزءا .
ونقل ابن الجوزيّ عن ابن عَقِيل أنه كان يقول: القيراط نصف سدس درهم، أو
نصف عشر دينار، والإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلّق بالميت في تجهيزه،
(١)- سيأتي ما نقله عن ابن عقيل قريباً، إن شاء الله تعالى.
(٢)- (فتح) ج٣ص ٥٥٥- ٥٥٦ .
(٣)- ((فتح) ج٣ص ٥٥٥ . كتاب الجنائز.
(٤)- ((فتح)) ج١ ص ١٥٠ ((كتاب الإيمان)).

١٥٩ =
٥٤- فضلُ من تبع جنازة - حديث رقم ١٩٤٠
وغسله، وجميع ما يتعلّق به، فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدفن قيراط،
وذكر القيراط تقريبًا للفهم لما كان الإنسان يعرف القيراط، ويعمل العمل في مقابلته،
وعدّ من جنس ما يعرف، وضرب له المثل بما يعلم انتهى. قال الحافظ: وليس الذي
قاله ببعيد، وقد روى البزار من طريق عجلان، عن أبي هريرة، مرفوعًا: ((من أتى جنازة
في أهلها، فله قيراط، فإن تبعها، فله قيراط، فإن صلى عليها، فله قيراط، فإن انتظرها
حتى تدفن، فله قيراط)). فهذا يدلّ على أن لكلّ عمل من أعمال الجنازة قيراطًا، وإن
اختلفت مقادير القراريط، ولا سيّما بالنسبة إلى مشقّة ذلك العمل، وسهولته، وعلى هذا
فيقال: إنما خصّ قيراطي الصلاة والدفن بالذكر لكونهما المقصودين، بخلاف باقي
أحوال الميت، فإنها وسائل .
ولكن هذا يخالف ظاهر سياق الحديث الذي عند البخاري في ((كتاب الإيمان))، فإن
فيه إن لمن تبعها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها قيراطين فقط. ويجاب عن هذا بأن
القيراطين المذكورين لمن شهد، والذي ذكره ابن عقيل لمن باشر الأعمال التي يَحتَاج
إليها الميتُ، فافترقا .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحديث الذي ذكره الحافظ عن البزار ضعيف، كما
اعترف به هو في ((الفتح) ج٣ص٥٥٩، فكيف يؤيد به ما نقله عن ابن عقيل؟، وكيف
يستشكله مع حديث البخاريّ، فتفطّن .
قال: وقد ورد لفظ القيراط في عدّة أحاديث، فمنها ما يُحمل على القيراط
المتعارف، ومنها ما يُحمل على الجزء في الجملة، وإن لم تُعرف النسبة: فمن الأول
حديث كعب بن مالك تَظّه، مرفوعًا: ((إنكم ستفتحون بلدًا يُذكر فيها القيراط)).
وحديث أبي هريرة ◌َّه، مرفوعًا: ((كنتُ أرعى غنما لأهل مكة بالقراريط)». قال
ابن ماجه عن بعض شيوخه: يعني كل شاة بقيراط. وقال غيره: قراريط جبل بمكة.
ومن المحتمل حديث ابن عمر تنفق في الذين أوتوا التوراة: ((أعطوا قيراطًا قيراطًا))،
وحديث الباب، وحديث أبي هريرة: ((من اقتنى كلبا نقصٍ من عمله كلّ يوم قيراط)).
وقد جاء تعيين مقدار القيراط في حديث الباب بأنه مثل أَحْد. وفي رواية عند أحمد،
والطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث ابن عمر: قالوا: يا رسول اللّه، مثل قراريطنا هذه؟
قال: ((بل مثلُ أحد)).
قال النوويّ وغيره: لا يلزم من ذكر القيراط في الحديثين تساويهما، لأن عادة الشارع
تعظيم الحسنات، وتخفيف مقابلها، والله أعلم .
وقال ابن العربي القاضي: الذّرّة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءا من حبّة،

١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
والحبّة ثلث القيراط، فإذا كانت الذّرّة تُخرج من النار، فكيف بالقيراط قال: وهذا قدر
قيراط الحسنات، فأما قيراط السيئات فلا. وقال غيره: القيراط في اقتناء الكلب جزء
من أجزاء عمل المقتني له في ذلك اليوم. وذهب الأكثر إلى أن المراد بالقيراط في
حديث الباب جزء من أجزاء معلومة عند الله، وقد قربها النبيّ وَالر للفهم بتمثيله القيراط
بأُحُد .
قال الطيبيّ: قوله: ((مثل أُحُد)) تفسير للمقصود من الكلام، لا للفظ القيراط،
والمراد منه أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وذلك لأن لفظ القيراط مبهم من وجهين،
فبيّن الموزون بقوله: ((من الأجر))، وبيّن المقدار منه بقوله: ((مثل أحد)).
وقال الزين ابن المنير: أراد تعظيم الثواب، فمَثّلَه للعيان بأعظم الجبال خَلْقًا،
وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حبّا، لأنه الذي قال في حقّه: إنه جبل يحبنا، ونحبّه
انتهى. ولأنه أيضًا قريب من المخاطبين، يشترك أكثرهم في معرفته .
وخصّ القيراط بالذكر لأنه كان أقلّ ما تقع به الإجارة في ذلك الوقت، أو جرى ذلك
مجرى العادة من تقليل الأجر بتقليل العمل. واستُدِلَّ بقوله: ((من تَبعَ)) على أن المشي
خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها، لأن ذلك هو حقيقة الاتباع حسًا .
قال ابن دقيق العيد وَخَّلهُ: الذين رجحوا المشي أمامها حملوا الاتباع هنا على
الاتباع المعنويّ، أي المصاحبة، وهو أعمّ من أن يكون أمامها، أو خلفها، أو غير
ذلك، وهذا مجاز يحتاج إلى أن يكون الدليل الدالّ على استحباب التقدّم راجحًا
انتهى(١). وسيأتي تحقيق القول في ذلك، وبيان اختلاف العلماء فيه، وترجيح الراجح
بدليله في الباب التالي، إن شاء الله تعالى .
(وَمَنْ مَشَى مَعَ الْجَنَازَةِ، حَتَّى تُدْفَنَ) أي بعد صلاته عليها، كما بينه في القسم الأول
بقوله: ((حتى يُصَلِّيَ عليها)). وقد جاء التصريح بالصلاة في القسمين في حديث أبي
هريرة راقيه عند الشيخين، ولفظ البخاريّ: ((من اتبع جنازة مسلم إيمانا، واحتسابًا،
وكان معه حتى يصلَّ عليها، ويُفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كلّ
قيراط مثلُ أحد، ومن صلّى عليها، ثم رجع قبل أن تُدفن، فإنه يرجع بقيراط)).
وفي حديث عبد الله بن المغفّل الآتي بعد هذا: ((حتى يُفرغ منها))، وفي حديث أبي
هريرة عند البخاريّ: ((ويفرغ من دفنها)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((ويُفرغ)) بضم أوله، وفتح الراء، ويروى بالعكس، وقد
(١)-راجع ((الفتح)) ج٣ص٥٥١- ٥٥٣. ((كتاب الجنائز)) رقم الحديث ١٣٢٣.