النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١ ==
٥٠- (بَأَبُ الثَنَّاءِ) - حديث رقم ١٩٣٤
٦ -(أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/١ .
وقوله: ((قولك للأولى والأخرى وجبت)): مبتدأ، وخبره محذوف، أي قولك
للجنازة الأولى، والجنازة الأخرى: وجبت ما معناه؟ .
وهذا هو الذي وقع في بعض النسخ، كما أشار إليه في هامش ((الهندية))، ووقع في
معظم نسخ ((المجتبى)): ((قولك الأولى والأخرى وجبت)) بتأنيث ((الأولى، والأخرى))
وفيه بُعدٌ، ووقع في ((الكبرى)): ((قولك الأول والآخر)) وهو صحيح .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح،
ولا يقال: في سنده عامر بن سعد، وهو مقبول، لأنا نقول: رَوَى عنه جماعة، ووثقه ابن
حبان وأحاديث الباب تشهد لحديثه. والله تعالى أعلم.
والحديث أخرجه المصنّف هنا-١٩٣٣/٥١ - وفي ((الكبرى)) ٢٠٦٠/٥٠ - وأخرجه
(د) ٣٢٣٣ (ق) ١٤٩٢ (أحمد) ٧٤٩٩ و٩٦٨٤ و٩٧٢٦ ١٠٠٩٣ و ١٠٤٥٥. وشرحه
يُعلم مما قبله، وكذا فوائده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل .
١٩٣٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ
يَزِيدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْقُرَاتِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ
الدِّيِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَجَلَسْتُ إِلَىٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنِيَ عَلَى
صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى، فَأَثْنِيَ عَلَىَ صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ:
وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثِ، فَأَثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ عُمَّرُ: وَجَبَتْ، فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((أَيُّمَا مُسْلِم، شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ، قَالُوا:
خَيْرًا، أَدْخَلَهُ اللّهُ الْجَنَّةَ))، قُلْنَا: أَوْ ثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: ((أَوْ ثَلَاثَةٌ))، قُلْنَا: أَوِ اثْنَانٍ؟ قَالَ: ((أَوِ اثْنَانٍ))).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١-( إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذكور قبل بابين .
٢- ( هشام بن عبد الملك) المذكور في الذي قبله .
٣- (عبد الله بن يزيد) المقرىء المكيّ، ثقة فاضل [٩]٧٤٦/٤.
٤- (داود بن أبي الفُرَات) عَمْرٍو بن الفُرات، الكنديّ، أبو عمرو المروزيّ، قدم
البصرة، ثقة [٨].
وثقه ابن المبارك، وابن معين، وأبو داود، والعجليّ، وقال الدارقطنيّ: ليس به
بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). مات سنة (١٦٧). روى له البخاريّ، والترمذيّ،
والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): قوله: ((حدثنا داود بن أبي الْقُرَات)) هو بلفظ النهر

١٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
المشهور، واسمه عمرو، وهو كنديّ، من أهل مروَ، ولهم شيخ آخر، يقال له: داود
ابن أبي الفرات، اسم أبيه بكر، وأبو الفرات اسم جدّه، وهو أشجعيّ، من أهل
المدينة، أقدمُ من الكنديّ انتهى (١) .
٥- (عبد الله بن بُريدة) بن الحُصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ قاضيها، ثقة
[٣]٣٩٣/٢٥ .
٦- (أبو الأسود الديليّ) -بكسر المهملة، وسكون التحتانيّة- ويقال: الدُّؤَليّ -
بالضمّ، بعدها همزة مفتوحة- البصريّ القاضي، اسمه ظالم بن عمرو بن سُفيان بن
جَنْدَل بن يَعمَر بن حِلْس بن نُفاثة بن عديّ بن الدِّيل، ويقال: اسمه عمرو بن ظالم،
ويقال: بالتصغير فيهما، ويقال: عمرو بن عُثمان، أو عثمان بن عمرو، ثقة فاضل
مخضرم [٢] .
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة، وهو أول
من تكلّم في النحو. وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة: كان شاعرًا
متشيّعًا، وكان ثقة في حديثه، إن شاء الله تعالى، وكان ابن عباس لما خرج من البصرة
استخلف عليها أبا الأسود، فأقرّه عليّ ﴾. وذكره ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب))،
فقال: كان ذا دين، وعقل، ولسان، وبيان، وفَهْم، وذكاء، وحَزْم، وكان من كبار
التابعين. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين .
وقال الواقديّ: كان ممن أسلم على عهد النبيّ وَّرَ، وقاتل مع عليّ يوم الجمل،
وهلك في ولاية عبيدالله بن زياد .
وقال يحيى بن معين وغيره: مات في طاعون الجارف سنة (٦٩) وفيها أرّخه ابن أبي
خَيْثَمة، والْمَرزُبَانيّ، وزاد: وكان له يوم مات (٨٥) سنة. روى له الجماعة، وله في
هذا الكتاب حديثان، هذا وحديث ((إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم))، کرره
ثلاث مرات برقم ٥٠٨٠ و٥٠٨١ و٥٠٨٢ .
٧- (عمر بن الخطّاب) رَنافيه ٧٥/٦٠. والله تعالى أعلمز
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم .
(١)۔ (فتح) ج٣ ص٥٩٦.

-١٢٣ =
٥٠- (بَأَبُ الثَّّاءِ) - حديث رقم ١٩٣٤
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ) التابعيّ الكبير المشهور، قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم
أره من رواية عبد الله بن بُرَيدة عنه إلا معنعنًا، وقد حكى الدار قطنيّ في ((كتاب التتبع))
عن عليّ بن المدينيّ أن ابن بُريدة إنما يروي عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ولم
يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود .
قال الحافظ: وابن بريدة وُلد في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريب، لكن
البخاريّ لا يكتفي بالمعاصرة، فلعلّه أخرجه شاهدًا، واكتفى للأصل بحديث الذي
قبله. والله أعلم انتهى(١) .
(قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ) وفي رواية البخاريّ، من روايته عن عفّان بن مسلم، عن داود بن
أبي الفرات: ((قَدِمتُ المدينة، وقد وقع بها مرض))، وزاد في ((الشهادات)) عن موسى بن
إسماعيل، عن داود: ((وهم يموتون موتا ذَرِيعًا)). وهو بالذال المعجمة، أي سريعًا.
(فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) يحتمل أن تكون ((إلى)) هنا على بابها لانتهاء الغاية،
والمعنى: انتهى جلوسي إلى عمر رَّ، ويحتمل أن تكون بمعنى ((عند))، أي جلست
عنده، على حدّ قول الشاعر [من البسيط]:
أَمْ لَا سَبِيلَ إِلَى الشَّبَابِ وَذِكْرُهُ أَشْهَى إِلَيَّ مِنَ الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
أي عندي(٢) .
(فَمُرَّ بِجَنَازَةٍ) ببناء الفعل للمفعول (فَأَثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) قال في ((الفتح)): كذا
في جميع الأصول ((خيرًا)) بالنصب، وكذا ((شرّا)) وقد غَلِطَ من ضبط ((أثنى)) بفتح الهمزة،
على البناء للفاعل، فإنه في جميع الأصول مبنيّ للمفعول. قال ابن التين: والصواب
الرفع، وفي نصبه بُعْدّ في اللسان. ووجهه غيره بأن الجارّ والمجرور أقيم مقام المفعول
الأول، و((خيرا)) مقام الثاني، وهو جائز، وإن كان المشهور عكسه، كما قال في
((الخلاصة)) :
وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أَوْ مِنْ مَضْدَرٍ أَوْ حَرْفِ جَرِّ بِنِيَابَةٍ حَرِي
وَلَا يَنُوبُ بَعْضُ هَذِي إِنْ وُجِدْ فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ وَقَدْ يَرِد
وقال النوويّ نَّثُ: منصوب بنزع الخافض، أي أَثني عليه بخير. وقال ابن مالك
(١)۔ (فتح) ج٣ ص ٥٩٧ .
(٢)- انظر ((مغني اللبيب)) ج١ ص٧٥. و((عمدة القاري)) ج٧ ص ١١٦.

١٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
رَّتُهُ: ((خيرًا)) صفة لمصدر محذوف، فأقيمت مقامه، فنُصبت، لأن أُثني مسند إلى
الجازّ والمجرور، قال: والتفاوت بين الإسناد إلى المصدر، والإسناد إلى الجارّ
والمجرور قليل انتهى .
(فَقَّالَ عُمَرُ) رَّهِ (وَجَبَتْ) أي ثبتت الجنّة (ثُمَّ مُرَّ بِأُخرَى) أي بجنازة أخرى (فَأُثْنِيَ
عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثِ) هكذا نسخ ((المجتبى)) ((بالثالث))
بالتذكير، وإنما ذكّره، وإن كان صفة لجنازة، لأنها بمعنى الميت، وقد تقدّم أن الجنازة
تطلق على الميت، على خلاف في فتح الجيم، وكسرها، والذي في ((الكبرى))،
و((صحيح البخاري)): ((بالثالثة))، ولا إشكال فيه، لأنه صفة لجنازة (فَأَثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا
شَرًّا، فَقَالَ عُمَرُ) رَّهِ (وَجَبَتْ، فَقُلْتُ) القائل هو أبو الأسود المذكور رحمه الله تعالى
(وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟) هو معطوف على مقدّر، أي قلت: هذا شيء عجيب،
وما معنى قولك لكلّ منها: وجبت مع اختلاف الثناء بالخير والشرّ .
(قَالَ) عمر رَّهِ (قُلْتُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَيُّمَا مُسْلِم) قال في ((الفتح)):
الظاهر أن قوله: ((أيما مسلم)) هو المقول، فحينئذ يكون قول عمر لَكلّ منها: ((وجبت))
قاله بناء على اعتقاده صِدقَ الوعدِ المستفادٍ من قوله وَلّ: ((أدخله الله الجنة)).
وأما اقتصار عمر على ذكر أحد الشقّين، فهو إما للاختصار، وإما لإحالته السامع
على القياس، والأول أظهر .
وعُرِف من القصّة أن المُثْنِيَ على كلٍّ من الجنائز المذكورة كان أكثر من واحد، وكذا
في قول عمر: قلنا: ((وما وجبت)) إشارةٌ إلى أن السائل عن ذلك هو وغيره. وقد وقع
في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: آية ١٤٣] عند ابن أبي
حاتم من حديث أبي هريرة تَظّه أن أبيّ بن كعب ممن سأل عن ذلك(١).
(شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ) أي من المسلمين، وظاهره العموم، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك،
أو لا، كما اختاره النووي رحمه الله تعالى، وقد تقدم ذلك (قَالُوا: خَيْرًا) تفسير
لشهادتهم، أي أثنوا عليه خيرًا. والله تعالى أعلم (أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ))، قُلْنَا: أَوْ ثَلَاثَةٌ؟)
وفي رواية البخاريّ: ((وثلاثة)) بالواو، أي أو شهد له ثلاثة، فما الحكم؟ (قَالَ) ◌ِل
((أَوْ ثَلَاثَةٌ))) أي أو شهد له ثلاثة، أدخله الله الجنة.
وفيه اعتبار مفهوم الموافقة، لأنهم سألوا عن الثلاثة، ولم يسألوا عما فوق الأربعة،
كالخمسة مثلًا. وفيه أن مفهوم العدد ليس دليلاً قطعيًا، بل هو في مقام الاحتمال. قاله
(١)- (فتح) ج٣ ص٥٩٧ .

٥١- ( النَّھْيُ عَنْ ذِكْرِ الهَلحَى إِلاَّ بِخَيْر ) - حديث رقم ١٩٣٥
١٢٥ =
في (الفتح)).
(قُلْنَا: أَوِ اثْنَانِ ؟ قَالَ: ((أَوِ اثْنَانٍ))) زاد في رواية البخاريّ: ((ثم لم نسأله عن الواحد)).
وإنما لم يسألوا عن الواحد، استبعادًا منهم أن يُكتَفَى في مثل هذا المقام العظيم بأقلّ من
النصاب. أفاده ابن المنير رحمه الله تعالى .
وقد استدلّ به البخاريّ رحمه الله تعالى على أن أقلّ ما يُكتفَى به في الشهادات اثنان.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عمر تَّ هذا أخرجه المصنّف هنا - ٥٠٪
١٩٣٤ - وفي ((الكبرى)) - ٢٠٦١/٥٠- وأخرجه (خ) ١٣٢٨ و ٢٦٤٣ (ت) ١٠٥٩
(أحمد) ١٤٠ و٢٠٤ و٣٢٠. وبقية متعلقات الحديث تقدمت قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٥١- ( النَّهْيُ عَنْ ذِكْرِ الْهَلْكَى إِلَّا
بِخَيْرِ )
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على النهي عن ذكر الأموات إلا بخير أعمالهم .
ف(ذكر)) مصدر مضاف إلى المفعول، وحُذِفَ فاعله، أي ذكر الناس الهكى. والله
تعالى أعلم بالصواب.
١٩٣٥- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ذُكِرَ عِنْدَ
النَِّّ وَِّ هَالِكٌ بِسُوءٍ، فَقَالَ: ((لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ، إِلَّا بِخَيْرٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزَجانيّ الثقة الحافظ [١١]١٧٤/١٢٢.
٢- (أحمد بن إسحاق) بن زيد بن عبد الله الحضرمي، أبو إسحاق البصريّ، ثقة
حافظ [١١]٤ / ١٨٢٧ .
٣- (وُهيب) بن خالد الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، تغيّر قليلًا بآخره [٧]٢١/
٤٢٧ .

=
١٢٦
:
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
٤ - (منصور بن عبد الرحمن) بن طلحة العَبْدَريّ الحَجَبيّ المكيّ، ثقة [٥]١٥٩/ ٢٥١.
٥-(صفية) بنت شيبة بن عثمان بن طلحة العبدرية، لها رؤية، وفي ((صحيح
البخاري)) التصريح بسماعها من النبي ◌َلتر، لكن أنكر ذلك الدارقطنيّ ٢٥١/١٥٩.
٦ - (عائشة) رَاثنا ٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أمه، ورواية تابعي، عن تابعيّة، أو صحابيّة، عن
صحابية، كما تقدم الخلاف في سماع صفية تعرَّها، من النبي وَّر. ومنها: أن فيه عائشة
رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ نَِّ هَالِكٌ) أي
شخص ميت (بِسُوءٍ) متعلّق بـ(ذُكر))، لا بـ«هالك)) (فَقَالَ) وَ (لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ) أي
أمواتكم. و((الهلكى)) -بفتح الهاء، وسكون اللام، وفتح الكاف- بوزن ((فَعْلَى)): جمع
((هالك))، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة)):
فَعْلَى لِوَصْفٍ كَقَتِيلٍ وَزَمِنْ وَهَالِكِ وَمَيِّتْ بِهِ قَمِنْ
(إِلَّا بِخَيْرِ))) فإن قيل: هذا يشكل على ما تقدّم في الباب الماضي من قوله: ((ومُرّ
بجنازة، فَأَثْنِّي عليها شرّا))، حيث لم ينههم النبيّ وَّل عن الثناء بالشرّ.
أجيب بأن النهي عن سبّ الأموات هو في غير المنافق، وسائر الكفار، وفي غير
المتظاهر بفسق، أو بدعة، فأما هؤلاء، فلا يحرم ذكرهم بالشرّ، للتحذير من طريقتهم،
ومن الاقتداء بآثارهم، والتخلّق بأخلاقهم، والحديث الآخر محمول على أن الذي أثنوا
عليه شرًا، كان مشهورًا بنفاق، أو نحوه، مما ذكرنا. قاله النووي في ((شرح مسلم))
انتهى(١). والله تعالى وليّ التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عائشة بعثها هذا حديث صحيح، وهو من
أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٩٣٥/٥١ - وفي ((الكبرى)) - ٥١/
٢٠٦٢ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١)- ((شرح صحيح مسلم)) ج٧ ص٢٣ .

٥٢- ( النَّهْيُ عَنْ سَبُ الأموات) - حديث رقم ١٩٣٦
١٢٧ =
٥٢- ( النَّهْيُ عَنْ سَبِ الأَمْوَاتِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأولى أن تكون ((ال)) في ((الأموات)) عهديّة، أي
أموات المسلمين، جمعًا بين أحاديث النهي عن السبّ، والأحاديث المبيحة له، كما
سبق .
وإشارةً إلى هذا ترجم الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى بقوله: ((باب ما يُنْهَى عن سبّ
الأموات)» .
قال الزين ابن الْمُنَيِّر رحمه الله تعالى: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهيّ
عنه، وغير منهيّ، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السبّ مطلقًا، والجواب أن عمومه
مخصوص بحديث أنس ◌َّ السابق، حيث قال وَ ◌ّ عند ثنائهم بالخير والشرّ:
((وجبت، وأنتم شهداء الله في الأرض))، ولم ينكر عليهم.
ويحتمل أنّ اللام في ((الأموات)) عهدية، والمراد به المسلمون، لأن الكفّار مما
يُتقرّب إلى الله بسبّهم انتهى .
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: في الكلام على حديث ((وجبت)): يحتمل أجوبةً:
[الأول]: أن الذي كان يُحَدَّث عنه بالشرّ كان مستظهرًا به، فيكون من باب ((لا غيبة
لفاسق))(١)، أو كان منافقًا .
[ثانيها]: يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله، ليتعظ به من
سمعه .
[ثالثها]: يكون النهي العامّ متأخرًا، فيكون ناسخًا. وهذا ضعيف.
وقال ابن رُشيد رَّلهُ: ما مُحَصَّله: أن السبّ ينقسم في حقّ الكفّار، وفي حقّ
المسلمين، أما الكافر، فيُمنع إذا تأذى به الحيّ المسلم، وأما المسلم، فحيث تدعو
الضرورة إلى ذلك، كأن يصير من قبيل الشهادة، وقد يجب في بعض المواضع، وقد
يكون فيه مصلحة للميت، كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور، ومات الشاهد، فإن ذكر
ذلك ينفع الميت، إن علم أن ذلك المال يُردّ إلى صاحبه، قال: ولأجل الغفلة عن هذا
التفصيل ظنّ بعضهم أن البخاريّ سها عن حديث الثناء بالخير والشرّ. وإنما قصد
البخاريّ أن يبيّن أن ذلك الجائز كان على معنى الشهادة، وهذا الممنوع هو على معنى
(١)- تقدم أنه حديث ضعيف.
٠٫٠

١٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
السبّ، ولَمّا كان المتن قد يُشعر بالعموم أتبعه بالترجمة التي بعده -یعني «باب ذكر شرار
الموتى)»- وتأول بعضهم الترجمة الأولى على المسلمين خاصّة، والوجه عندي حمله
على العموم، إلا ما خصّه الدليل، بل لقائل أن يمنع أن ما كان على جهة الشهادة،
وقصد التحذير يسمّى سبّا في اللغة .
وقال ابن بطّال رحمه اللّه تعالى: سبّ الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب
أحوال المرء الخيرَ، وقد تكون منه الفَلْتَة، فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقًا مُعلنًا،
فلا غيبة له، فكذلك الميت .
ويحتمل أن يكون النهي على عمومه فيما بعد الدفن، والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل
الدفن، ليتّعظ بذلك فُسّاق الأحياء، فإذا صار إلى قبره أمسك عنه لإفضائه إلى ما قَدَّم .
وقد عَلِمَت عائشة راوية هذا الحديث بذلك في حقّ من استحقّ عندها اللعن، فكانت
تلعنه، وهو حيّ، فلما مات تركت ذلك، ونهت عن لعنه. قاله في ((الفتح)). والله
تعالى أعلم بالصواب
١٩٣٦- (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ بِشْرِ، وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تَسُبُّوا
الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمَ قَدْ أَفْضَوْا، إِلَى مَا قَدَّمُوا))) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حُميد بن مسعدة) البصريّ، صدوق [١٠]٥/٥.
٢- (بشر بن المفضّل) أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨]٨٢/٦٦.
٣- (شعبة) الإمام الحجة الثبت المشهور المذكور قبل باب .
٤- (سليمان الأعمش) ابن مهران الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة [٥]١٨/١٧.
٥- (مجاهد) بن جَبْر الإمام المكيّ المفسّر الثبت [٣]٣١/٢٧.
٦ -(عائشة) رَ الثها ٥/٥. والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبعده بالكوفيين إلا مجاهدًا فمكي،
وعائشة، فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا تَسُبُّوا
الْأَمْوَاتَ) ذَكَروا لذِكْرِ عائشة رَّها لهذا الحديث سببًا، وهو ما أخرجه عُمر بن شبّة في

٥٢- (النَّهْيُ عَنْ سَبُ الأمَوَاتِ) - حديث رقم ١٩٣٧
١٢٩
((كتاب أخبار البصريين)) عن محمد بن يزيد الرفاعيّ، عن محمد بن فُضيل، عن
الأعمش، عن مجاهد: أن عائشة قالت: ما فَعَل يزيد الأَرْحَبِيّ لعنه الله؟ قالوا: مات،
قالت: أستغفر الله، قالوا: ما هذا؟، فذكرت الحديث. وأخرجه من طريق مسروق:
أن عليّا بعث يزيد بن قيس الأَرْحَبِيِّ في أيّام الجمل برسالة، فلم تردّ عليه جوابًا، فبلغها
أنه عاب عليها ذلك، فكانت تلعنه، ثم لما بلغها موته نهت عن لعنه، وقالت: ((إن
رسول اللَّهِ وَ ليل نهانا عن سبّ الأموات)). وصححه ابن حبّان (١) من وجه آخر عن
الأعمش، عن مجاهد بالقصّة. قاله في ((الفتح))(٢).
(فَإِنَّهُمْ ) الفاء للتعليل، أي لأنهم (قَدْ أَفْضَوْا) أي وَصَلوا (إِلَى مَا قَدَّمُوا))) من التقديم،
أي لأنفسهم من الأعمال، والمراد جزاؤها، أي فلا ينفع سبّهم فيهم، كما ينفع سبّ
الحيّ في النهي والزجر، حتى لا يقعَ في الهلاك، نعم قد يتضمّن سبهم مصلحة الحيّ،
كما إذا كان لتحذيره عن طريقتهم مثلًا، فيجوز لذلك، كما تقدّم، قاله السنديّ رحمه
اللَّه تعالى(٣). وقال في ((الفتح)): واستدلّ به على منع سبّ الأموات مطلقًا، وقد تقدم
أن عمومه مخصوص، وأصحّ ما قيل في ذلك أن أموات الكفّار، والفسّاق يجوز ذكر
مساويهم، للتحذير منهم، والتنفير عنهم، وقد أجمع العلماء على جواز جرح
المجروحين، من الرواة أحياء، وأمواتا انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة تعطيها هذا أخرجه البخاريّ .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٩٣٦/٥٢ - وفي ((الكبرى)) ٢٠٦٣/٥٢. وأخرجه (خ) ١٣٩٣ و٦٥١٦
(١) ٤٨٩٩ (أحمد) ١٩٤٢ و٢٤٩٤ (الدارميّ) ٢٥١١ (ابن حبان في صحيحه) ٣٠٢١.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٩٣٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
(١)-انظر ((صحيح ابن حبان)) ج٧ ص٢٩-٢٩١ رقم الحديث ٣٠٢١. وقال في آخره: قال أبو
حاتم: ماتت عائشة سنة (٥٧) وولد مجاهد سنة (٢١) في خلافة عمر، فدلّك هذا على أن من
زعم أن مجاهدا لم يسمع من عائشة کان واهماً في قوله ذلك انتهى.
(٢)- ((فتح)) ج٣ ص ٦٣٣ .
(٣)-((شرح السندي)) ج٣ ص ٥٣ .

١٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَتْبَعُ الْمَيْتَ ثَلاثَةٌ: أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَمَلُهُ،
فَيَرْجِعُ اثْنَانٍ، أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ، عَمَلُهُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لم يظهر لي إيراد المصنف تَخَّلهُ لهذا الحديث في
هذا الباب؛ لأنه ليس فيه النهي عن سبّ الأموات، اللّهم إلا إذا قيل: إن فيه بيان تفسير
قوله في الحديث الماضي: ((ما قدّموا)) بأنه العمل، ولا يخفى ما فيه، إذ لا خفاء في
معناه حتى يُحتَاج إلى تفسيره .
ويحتمل أن يكون سقط من الناسخ الترجمة المناسبة لهذا الحديث، وهذا فيه بُعدٌ
أيضًا، إذ ليس هذا خاصًا ب) المجتبى))، بل هو كذلك في ((الكبرى)). ويأتي الإشكال أيضًا
في الحديث التالي، كما سأذكره، إن شاء اللَّه تعالى . والله تعالى أعلم بالصواب.
ورجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (قيبة) بن سعيد الحافظ الثبت [١٠]١/١.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨]١/١.
٣- (عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ، أبو محمد المدنيّ
القاضي، ثقة [٥]١٦٣/١١٨.
٤- (أنس بن مالك) رَ ◌ّ ٥/٥. والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١١٥) من رباعيات
الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة. (ومنها): أن فيه أنسًا رَزفي أحد
المکثرین السبعة، روی (٢٢٨٦) حدیثا، وأنه خادم رسول الله ێ، خدمه عشر سنين،
وأنه آخر من مات من الصحابة . بالبصرة. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ) بن محمد بن عمرو بن حزم، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ
مَالِكٍ) ◌َّهِ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يَتْبَعُ الْمَيْتَ) أي إلى القبر (ثَلَاثَةٌ) قال الحافظ
وَقْتُ: هذا يقع في الأغلب، ورب ميت لا يتبعه إلا عمله فقط. والمراد من يتبع
جنازته، من أهله، ورفقته، ودوابّه، على ما جرت به عادة العرب، وإذا انقضى أمر
الحزن عليه رجعوا، سواء أقاموا بعد الدفن أم لا انتهى (١) (أَهْلُهُ) بالرفع بدل تفصيل من
(١)- ((فتح)) ج١٣ ص ١٧٣ .

١٣١ =
٥٢- (النَّْيُ عَنْ سَبِ الأَمْوَاتِ) - حديث رقم ١٩٣٧
((ثلاثة))، أهله إن كان له أهل (وَمَالُهُ) أي عبيده، ودوابّه، إن كان له ذلك (وَعَمَلُهُ،
فَيَرْجِعُ اثْنَانٍ، أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ، عَمَلُهُ))) بالرفع بدل من ((واحد)، أي يبقى مع
الميت أحد الثلاثة التي تبعته، وهو عَمَلُه الذي عَمِلَه، فينبغي الاهتمام بصلاحه، لا
بصلاح الاثنين الباقيين، إلا فيما يتعلّق بأمور الآخرة، كتعليم أهله دينهم، والقيام بماله،
لينفقه في سبيل الله تعالى .
وقال الكرمانيّ: التبيعية في حديث أنس رَّه ، بعضُها حقيقة، وبعضها مجاز،
فيستفاد منه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه .
قال الحافظ: هو في الأصل حقيقة في الحسّ، ويطرقه المجاز في البعض، وهو
المال(١)، وأما العمل فعلى الحقيقة في الجميع، وهو مجاز بالنسبة إلى التبعيّة في
الحسّ انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درحته:
حديث أنس بن مالك رَّ هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٩٣٧/٥٢ - وفي ((الكبرى)) - ٢٠٦٤/٥٢ - وأخرجه (خ) ٦٥١٤ (م)
٢٩٦٠ (ت) ٢٣٧٩ (أحمد) ١١٦٧٠. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): أن العمل یدخل القبر مع الإنسان، فینتفع به إن كان صالحا، ويتضرّر به، إن
كان غير صالح، وقد ورد ذلك في حديث البراء بن عازب تَوّها الطويل في صفة
المسألة في القبر عند أحمد وغيره، ففيه: ((ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب،
طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول له: من
أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم
الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي)) .
وقال في الكافر: ((ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنتِنُ الريح، فيقول: أبشر
بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء
بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة)) ... الحديث. وقد
(١)- وقع في نسخة ((الفتح)): ((وكذا المال))، والظاهر أن الصواب، ((وهو كالمال))، لأنه مثال للبعض
الذي يطرقه المجاز، وهو حسّيّ. والله تعالى أعلم.
(٢)- ((فتح)) ج١٣ ص١٧٣ .

١٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
ذكرت الحديث بطوله في هذا الشرح في ((باب ما يُلَقِّى به المؤمن من الكرامة عند خروج
نفسه)) ٩/ ١٨٣٣. وبالله تعالى التوفيق .
(ومنها): التنبيه على الاهتمام بإصلاح العمل، حيث إنه لا يفارق عامله في دار البقاء
(ومنها): أن مما يجب على العاقل عدمَ الاشتغال بالأهل والمال عن الأعمال الصالحات،
إلا فیما له تعلّق بالآخرة، کتعلیم أهله دینھم، وتوجيههم إلی الخیر، والقيام بماله، ليصل به
رحمه، ويواسي به الفقراء والمحتاجين، وينفقه في سبيل اللّه تعالى، فإنه هذا يعد من
أعماله الصالحات التي تدخل معه القبر، وينتفع بها، وما عدا ذلك فهو فتنة، وقد حذّر الله
تعالى منها، حيث قال: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
[الأنفال: ٢٨] وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ
فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ الآية [التغابن: ١٤] وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَاَ أَوْلَدُكُمْ عَنْ
ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٩٣٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ لَّ، قَالَ: ((لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُ خِصَالٍ، يَعُودُهُ إِذَا
مَرِضَ، وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُسَلْمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ،
وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ، أَوْ شَهِدَ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث ذُكر في نُسَخ ((المجتبى)) التي بين يديّ،
وكذا في ((الكبرى)) في هذا الباب، وهذا يحتمل أن يكون من صنيع المصنّف رحمه الله
تعالى، ولكن لم تظهر لي المناسبة بينه وبين الباب(١)، إذ هو مما يناسب الباب التالي،
فكان الأولى ذكره هناك، غير أن المصنف اتفق له غير مرّة أن يذكر في آخر أَيِّ باب
حديثًا من أحاديث الباب الذي يليه، كما نبّهت عليه في مواضعه. ويحتمل أن يكون من
تصرّف النّسّاخ، والله تعالى أعلم بالصواب.
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (قتيبة) المذكور في الذي قبله .
٢- (محمد بن موسى) الْفِطْريّ المدنيّ، صدوق رُمي بالتشيّع [٧]١/ ١٦٠٠.
٣- (سعيد بن أبي سعيد) كَيْسان المقبريّ، أبو سَعْدٍ المدنيّ، ثقة، تغيّر قبل موته
بأربع سنين [٣] ١١٧/٩٥ .
٤- (أبو هريرة) تنظيم ١/١. والله تعالى أعلم.
(١) اللهم إلا أن يقال: إنه أخذ المناسبة من قوله: ((وينصح له إذا غاب، أو شهد))؛ لأن الميت غائب،
فمن النصح له أن لا يسبّه. والله تعالى أعلم.

١٣٣
٥٢- (النَّهْيُ عَنْ سَبِ الأَمْوَاتِ) - حديث رقم ١٩٣٨
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى وهو (١١٦) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين،
سوى شيخه، فبغلانيّ، وفيه أبو هريرة وظائيه أحفظ الصحابة، رَوَى (٥٣٧٤) حديثًا،
والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((لِلْمُؤْمِنِ عَلَى
الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ) أتى بـ((على)) إشارةً إلى أن هذه الخصال واجبة، وقد جاء التصريح
بالوجوب في رواية مسلم من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، بلفظ:
((خمس تجب للمسلم على المسلم، وله من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن
أبي هريرة ◌َّه: ((حق المسلم على المسلم ست ... )).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد تبيّن أن معنى ((الحقّ)) هنا الوجوب، خلافًا لقول ابن
بطّال: المراد حقّ الحرمة والصحبة، والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول بالكفاية على الإطلاق فيه نظر، فإن بعضها
على الأعيان، كتشميت العاطس، كما سنحقّقه، إن شاء الله تعالى.
(يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ) برفع ((يعودُ))، ويجوز نصبه على مذهب الكوفيين، وهو في تأويل
المصدر بأن مقدّرة، بدل من ((ست))، أي عيادةُ المريض، أي زيارته، والسؤال عن
حاله.
وفيه دلالة على مشروعية عيادة المريض، وهي مشروعة بالإجماع، وجزم البخاريّ
رَخْ لُهُ بوجوبها، فقال: ((باب وجوب عيادة المريض)). قال ابن بطال: يحتمل أن يكون
الوجوب للكفاية، كإطعام الجائع، وفكّ الأسير، ويحتمل أن يكون الوارد فيها محمولًا
على الندب، وجزم الداوديّ بالأول، وقال الجمهور بالندب، وقد تصل إلى الوجوب
في حقّ بعض دون بعض. وعن الطبريّ تتأكد في حقّ من تُرجى بركته، وتسنّ فيمن
يُراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك، وفي حقّ الكافر خلاف، ونقل النوويّ الإجماع على
عدم الوجوب. قال الحافظ: يعني على الأعيان. انتهى .
[فائدة]: حذف ((أن)) ورفع الفعل جائز عند الأخفش، وجعل منه قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ
(١)- ((فتح) ج٣ ص٤٤٨ .

١٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
اَللَّهِ تَأْمُرُوَّ أَعْبُدُ﴾ الآية [الزمر: ٦٤] و(«تسمعُ بالمُعَيديّ خير من أن تراه)» برفع ﴿أعبدُ﴾
و ((تسمعُ)) .
وقد وافق ابن مالك الأخفشَ في شرح التسهيل، حيث قال في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ
ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَّقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤] أن ﴿يريكم﴾ صلة ((أن)) حُذفت، وبقي الفعل
مرفوعًا، وهذا هو القياس، لأن الحرف عامل ضعيف، فحذفه يُبطل عمله انتهى .
وأما حذف ((أن))، ونصب الفعل، فقياس عند الكوفيين أيضًا، وشاذٌ عند البصريين،
وأيّده ابن مالك، حيث قال في ((الخلاصة)):
وَشَذّ حَذْفُ (أَنْ)) وَنَصْبٌ فِي سِوَى مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَذْلٌ رَوَى
وذهب قوم إلى أن الحذف في غير مواضع التي أجازوا الحذف فيها سماعيّ مطلقا،
سواء رُفِعَ الفعلُ، أو نصب(١) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الصحيح أن حذف ((أن)) ورفعَ الفعل جائز، كما
ذهب إليه الأخفش؛ لوقوعه في القرآن الكريم، كما مرّ آنفًا، وتخريجُ الآية على وجه
شاذّ غير صحيح. والله تعالى أعلم .
[تنبيهات]:
(الأول): عموم هذا الحديث يدلّ على مشروعية عيادة كلّ مريض، لكن استثنى
بعضهم الأرمد، لكون عائده قد يرى ما لا يراه هو، وهذا الأمر خارجيّ، قد يأتي مثله
في بقية الأمراض، كالْمُغمَى عليه، وقد جاء في عيادة الأرمد بخصوصه حدیث زید بن
أرقم رَّه، قال: ((عادني رسول اللّه وَله من وجع كان بعيني)). أخرجه أبو داود،
وصححه الحاكم، وهو عند البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، وسياقه أتم .
وأما ما أخرجه البيهقيّ، والطبرانيّ مرفوعاً: ((ثلاثة ليس لهم عيادة: العين، والدُّمَّلُ،
والضِّرْس))، فصحح البيهقيّ أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير .
[الثاني]: يؤخذ من إطلاق الحديث عدم تقييد العيادة بزمان يمضي، من ابتداء مرضه،
وهو قول الجمهور، وجزم الغزاليّ في ((الإحياء)) بأنه لا يُعاد إلا بعد ثلاث، واستند إلى
حديث أخرجه ابن ماجه، عن أنس رَّ ((كان رسول اللَّه وَ ليل لا يعود إلا بعد ثلاث)). وهذا
حديث ضعيف جداً، تفرّد به مسلمة بن عليّ، وهو متروك، وقد سئل عنه أبو حاتم؟ فقال:
هو حديث باطل، وله شاهد من حديث أبي هريرة، عند الطبرانيّ في ((الأوسط))، لكن فيه
راو متروك، فلا يثبت الحديث أصلًا. والله تعالى أعلم .
(١)- انظر ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) في ((باب إعراب الفعل)) ج٢ ص ١٨٣.

١٣٥
٥٢- (النَّهْيُ عَنْ سَبِ الأَمْوَاتِ) - حديث رقم ١٩٣٨
ويلتحق بعادة المريض تعهّده، وتفقّد أحواله، والتلطّف به، وربما كان ذلك في
العادة سببًا لوجود نشاطه، وانتعاش قوّته .
وفي إطلاق الحديث أيضا أن العيادة لا تتقيد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها
في طرفي النهار، وترجم البخاريّ ◌َّهُ في ((الأدب المفرد)) ((العيادة في الليل))، وساق
عن خالد بن الربيع، قال: ((لما ثقُل حذيفة أتوه في جوف الليل، أو عند الصبح، فقال:
أيّ ساعة هذه؟ فأخبروه، فقال: أعوذ بالله من صباح إلى النار ... ؟)) الحديث. ونقل
الأثرم عن أحمد أنه قيل له بعد ارتفاع النهار في الصيف: تعود فلانًا؟ قال: ليس هذا
وقت عيادة. ونقل ابن الصلاح عن الفُرَاويّ أن العيادة تستحبّ في الشتاء ليلاً، وفي
الصيف نهارًا، وهو غريب .
[الثالث]: من آداب العيادة أن لا يُطيل الجلوس حتى يُضجر المريض، أو يشقّ على
أهله، فإن اقتضت ذلك ضرورة، فلا بأس، كما في حديث جابر نَظّه حيث عاده النبي
وَالخير، وأبو بكر تَظّ، فوجداه أغمي عليه، فتوضأ النبي وَّل، ثم صبّ وَضُوءه عليه،
فأفاق، فإذا النبي وَّ عنده، فقاله: كيف أصنع في مالي؟ الحديث، أخرجه البخاريّ.
أفاده في ((الفتح)) (١) .
[الرابع]: قد ورد في فضل عيادة المريض أحاديث كثيرة جياد، منها عند مسلم،
والترمذيّ، من حديث ثوبان تَّه، مرفوعًا: ((إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزل
في خُزْفة الجنّة)). و((الخرفة)) بضم المعجمة، وسكون الراء بعدها فاء، ثم هاء: هي
الثمرة، إذا نضِجَت، شُبّه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه الذي يجتني
الثمر. وقيل: المراد بها هنا الطريق، والمعنى أن العائد يمشي في طريق تؤديه إلى
الجنّة، والتفسير الأول أولى، فقد أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)» من هذا الوجه،
وفيه فقلت لأبي قلابة: ما خرفة الجنّة؟ قال: جَنَاها، وهو عند مسلم من جملة المرفوع.
وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) أيضًا من طريق عمر بن الحكم، عن جابر، رفعه:
((من عاد مريضًا خاض في الرحمة، حتى إذا قعد استقرّ فيها))، وأخرجه أحمد، والبزار،
وصححه ابن حبّان، والحاكم من هذا الوجه، وألفاظهم مختلفة، ولأحمد نحوه من
حدیث کعب بن مالك بسند حسن(٢) .
وسيأتي بيان اختلاف العلماء في حكم عيادة المريض في المسائل الآتية في الباب
التالي، إن شاء الله تعالى .
(١)- ((فتح)) ج١١ ص٢٥١- ٢٥٢. ((كتاب المرضى)).
(٢)- ((فتح)) ج١١ ص٢٥٢ كتاب المرضى.

١٣٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
(وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ) إعرابه كسابقه، أي وحضور جنازة المسلم إذا مات، ليقوم
بتجهيزه، والصلاة عليه، ودفنه .
(وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ) وإعرابه كسابقيه، أي وإجابة دعوته إذ دعاه. وظاهره عموم وجوب
الإجابة لكل دعوة، عُرْسًا كانت، أوغيرها، وبه كان يقول ابن عمر رَّا، وهو الحقّ،
وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسائل الآتية في الباب التالي، إن شاء اللّه تعالى .
(وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَّهُ) أي وسلامه عليه إذا لقيه، وهو واجب على الكفاية، أما
وجوبه، فلوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيِثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ الآية
[النساء: ٨٦]، وأما كونه على الكفاية، فلحديث عليّ رَّه، رفعه: ((يجزىء عن
الجماعة إذا مرّوا أن يسلّم أحدهم، ويجزىء عن الجُلُوس أن يردّ أحدهم)). أخرجه أبو
داود، والبزّار، وفي سنده ضعف، لكن له شاهد من حديث الحسن بن عليّ رَ ◌ّهما عند
الطبرانيّ، وفي سنده مقال، وآخر مرسل في ((الموطا)) عن زيد بن أسلم. قاله في
(١)
((الفتح))(١) .
(وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ) التشميت بالسين المهملة، والشين المعجمة، لغتان مشهورتان،
قال ابن منظور رحمه الله تعالى: والتسميت ذكر اللَّه على الشيء، وقيل: التسميتُ ذكر
الله عز وجلّ على كلّ حال، والتسميت الدعاء للعاطس، وهو قولك له: يرحمك الله.
وقيل: معناه هداك الله إلى السمت، وذلك لما في العاطس من الانزعاج، والْقَلّق، هذا
قول الفارسيّ .
وقد سمَّتَهُ: إذا عطس، فقال له يرحمك الله، أُخِذَ من السمت إلى الطريق،
والقصدِ، كأنه قصده بذلك الدعاء، أي جعلك اللَّه على سمت حسن. وقد يجعلون
السين شيئًا، كسمّر السفينةَ، وشمّرها: إذا أرساها. وقال النضر بن شُميل: التسميتُ
الدعاء بالبركة، يقول: بارك الله فيه. وقال أبو العباس: يقال: سَمَّتَ العاطسَ تسميتًا،
وشمّته تشميتًا: إذا دعا له بالهدىٍ، وقصدِ السَّمْتِ المستقيم، والأصل فيه السين،
فقُلبت شيئًا. انتهى (٢).
وقال صاحب ((المحكم)): التسميت: الدعاء للعاطس، وقال الهرويّ في باب الشين
المعجمة: قال أبو عبيد: يقال: سمّت العاطسَ، وشمّته بالسين، والشين: إذا دعا له
بالخير، والسين أعلى اللغتين. وقال أبو بكر: يقال: سمَّتُ فلانًا، وسَمَّتُ عليه: إذا
دعوت له، وكلّ داع بالخير، فهو مسمّتْ، ومشمّتْ. وقال أحمد بن يحيى: الأصل
(١)- ((فتح)) ج١٢ ص٢٦٦-٢٦٧. ((كتاب الاستئذان)).
(٢)- ((لسان العرب)) في مادّة سمت.

١٣٧
٥٢- (النَّهْيُ عَنْ سَبِ الأَمْوَاتِ) - حديث رقم ١٩٣٨
فيها السين، من السمت، وهو القصد، والهدي، قال ثعلب: ومعناه بالمعجمة: أبعد
الله عنك الشماتة انتهى (١).
وقال في ((الفتح)): ما نصّه: قال الخليل، وأبو عبيد، وغيرهما: يقال بالمعجمة،
وبالمهملة، وقال ابن الأنباريّ: كلّ داع بالخير مشمّت بالمعجمة، وبالمهملة، والعرب
تجعل الشين والسين في اللفظ الواحد بمعنى، انتهى .
وهذا ليس مطرادًا، بل هو في مواضع معدودة، وقد جمعها شيخنا شمس الدين
الشيرازيّ صاحب ((القاموس)) في جزء لطيف، قال أبو عبيد: التشميت بالمعجمة أعلى
وأكثر، وقال عياض: هو كذلك للأكثر من أهل العربية، وفي الرواية. وقال ثعلب:
الاختيار بالمهملة، لأنه مأخوذ من السمت، وهو القصد، والطريق القويم، وأشار ابن
دقيق العيد في ((شرح الإلمام)) إلى ترجيحه. وقال القزاز: التشميت التبريك، والعرب
تقول: شَمَّتَهُ: إذا دعا له بالبركة، وشَمَّتَ عليه: إذا برّك عليه. وفي الحديث في قصّة
تزويج علي بفاطمة رَواتها: ((شَمَّتَ عليهما)): إذا دعا لهما بالبركة.
ونقل ابن التين عن أبي عبد الملك، قال: التسميت بالمهملة أفصح، وهو من سُمَّتِ
الإبلُ في المرعى إذا جُمعَت، فمعناه على هذا جمع الله شملك، وتعقّبه بأن سمت الإبل
إنما هو بالمعجمة، وكذا نقله غير واحد أنه بالمعجمة، فيكون معنى سَمَّتَه دعا له بأن
يُجمَع شمله. وقيل: هو بالمعجمة من الشماتة، وهو فرح الشخص بما يسوء عدوّه،
فكأنه دعا له أن يكون في حال من يُشْمَتُ به، أو أنه إذا حمد الله أدخل على الشيطان ما
يسوؤه، فشَمَّت هو بالشيطان. وقيل: هو من الشوامت، جمع شامتة، وهي القائمة،
يقال: لا ترك اللَّه له شامتة، أي قائمة .
وقال ابن العربي في ((شرح الترمذيّ)): تكلّم أهل اللغة على اشتقاق اللفظين،
ولم يُبَيّنوا المعنى فيه، وهو بديع، وذلك أن العاطس يَنْحَلّ كلّ عضو في رأسه،
وما يتّصل به من العنق، ونحوه، فكأنه إذا قيل: رحمك الله، كان معناه أعطاه الله
رحمة يرجع بها بذلك (٢) إلى حاله قبل العطاس، ويقيم على حاله من غير تغيير،
فإن كان التسميت بالمهملة، فمعناه رجع كلّ عضو إلى سَمْته الذي كان عليه، وإن
كان بالمعجمة، فمعناه صان اللَّه شوامته، أي قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها
عن الاعتدال، قال: وشوامت كلّ شيء قوامه، فقوام الدابة بسلامة قوامها التي
يُنتَفع بها إذا سلمت، وقوائم الآدميّ بسلامة قوائمه التي بها قوامه، وهي رأسه، وما
(١)- ((تهذيب الأسماء واللغات)) ج٣ص١٥٤ - ١٥٥.
(٢)- هكذا نسخة ((الفتح)) ((بذلك))، ولعلّ الصواب: ((بدنه)). والله أعلم.

١٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
يتّصل به من عنق وصدر انتهى ملخّصًا(١) .
[تنبيه]: من آداب العاطس أن يَخْفِض صوته بالعُطاس، ويرفع بالحمد، وأن يُغطّي
وجهه، لئلا يبدو من فيه، أو أنفه ما يتأذى به جليسه، ولا يَلْوِي عنقه يمينا، ولا شمالًا،
لئلا يتضرّر بذلك .
قال ابن العربيّ ◌َّلهُ: الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رفعه إزعاجًا
للأعضاء، وفي تغطية الوجه أنه لو بدر منه شيء آذى جليسه، ولو لوى عنقه صيانة
لجليسه لم يَأْمَن من الالتواء، وقد شاهدنا مَن وقع له ذلك .
وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ بسند جيّد عن أبي هريرة رَّه، قال: ((كان النبي
(وَل﴿ إذا عطس وضع يده على فيه، وخفض صوته)). وله شاهد من حديث ابن عمر
بنحوه عند الطبرانيّ .
قال ابن دقيق العيد ◌َخْذّلهُ: ومن وفوائد التشميت تحصيل الموذة، والتأليف بين
المسلمين، وتأديب العاطس بكسر النفس عن الكبر، والحمل على التواضع، لما في
ذكر الرحمة من الإشعار بالذنب الذي لا يَعْرَى عنه أكثر المكلّفين، انتهى (٢).
(وَيَنْصَحُ لَهُ) أي يريد له الخير، أو يُصَفِّي له الودّ، قال المازريّ: النصيحة مشتقة من
نَصَحتُ العسل: إذا صفّيته، يقال: نصح الشيءُ: إذا خلُص، ونصح له القولَ: إذا
أخلصه له، أو مشتقّة من النصح، وهي الخياطة بالْمِنْصَحة، وهي الإبرة، والمعنى أنه
يَلُمّ شعث أخيه بالنصح، كما تلُمّ الْمِنصَحَة، ومنه التوبة النصوح، كأن الذنب يُمَزّق
الدين، والتوبة تخيطه. وقال الخطابيّ: النصحية كلمة جامعة معناها حِيّازة الحظّ
للمنصوح له، وهي من وجيز الكلام، بل ليس في الكلام كلمة مفردة تُسْتَوفَى بها العبارةُ
عن معنى هذه الكلمة انتهى(٣).
(إِذَا غَابَ، أَوْ شَهِدَ))) أي في جميع أحواله، إذ الأحوال لا تخلو عن غَيبَة وحضور،
والمقصود أنه لا يقصّر النصح على الحضور فقط، كحال كثير من الناس، يُراعون
النصيحة في الحضور، ويهملونها في الغيبة، بل الواجب أن ينصح في كلّ الأحوال، في
الحضور والغيبة، والسرّ والعَلَن، لأن الدين النصحية، فقد أخرج مسلم رحمه الله
تعالى في ((صحيحه)) عن تميم الداريّ ◌َّ، عن النبي وَلغيره، أنه قال: ((الدين
النصيحة))، قلنا: لمن؟ قال: ((للَّه، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)).
(١)-راجع ((الفتح)) ج١٣ ص٢٤٧ ((كتاب الأدب)).
(٢)- ((فتح)) ج١٢ ص٢٤٨ ((كتاب الأدب)).
(٣)-راجع ((الفتح)) ج١ ص١٦٧ ((كتاب الإيمان)). نسخة دار الريان.

٥٣- الأمْرُ باتباع الجنائِز - حديث رقم ١٩٣٩
١٣٩=
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة تظفي هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٩٣٨/٥٢- وفي («الكبرى»-٢٠٦٥/٥٢- وأخرجه (خ) ١٢٤٠ (م)
٢١٦٢ (د) ٥٠٣٠ (ت) ٢٧٣٧ (ق) ١٤٣٥ (أحمد) ٢٧٥١١ و١٠٥٨٣. والله تعالى
أعلم .
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): وجوب التناصر، والتعاون بين المؤمنين، لأنهم كالبنيان، كما شبههم بذلك
النبي ◌َّهور، حيث قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضًا، وشبّك بين
أصابعه))، متفق عليه. وكالجسد الواحد، كما شبههم به أيضا، حيث قال وَلتر،: ((مثل
المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثلُ الجسد، إذا اشتكى عضوٌ منه تداعى
له سائر الجسد بالسَّهَرِ والحمّى)). متفق عليه أيضًا، واللفظ لمسلم.
(ومنها): وجوب عيادة المريض (ومنها): شهوده إذا مات، لتجهيزه، والصلاة عليه
ودفنه، وهو على الكفاية (ومنها): إجابة دعوته، ويأتي بيان مذاهب العلماء في حكمه
في المسائل الآتية في الباب التالي. (ومنها): إلقاء السلام عليه إذا لقيه، وهو على
الكفاية، كما تقدّم (ومنها): تشميته إذا عطس، وحمد الله تعالى، وسيأتي تمام الكلام
عليه في الباب التالي، إن شاء اللّه تعالى (ومنها): النصيحة له في جميع أحواله، في
الغيب والشهادة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٥٣- الأمْرُ بِتْبَاعِ الْجَنَائِزِ
١٩٣٩- أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورِ الْبَلْخِيُّ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ ح وَأَنْبَأَنَا
هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، فِي حَدِيثِهِ، عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيِدٍ، قَالَ
(١)- وفي نسخة إسقاط قوله: ((البلخيّ)).

١٤٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
هَنَّادٌ: قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: ((أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ
وَّهِ بِسَبْعٍ، وَنَّانَا عَنْ سَبَّع، أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيَضِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ،
وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ، وَإِنْشَاءِ السَّلَامِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَاتُّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَنَّانَا عَنْ خَوَائِيم
الذَّهَبِ، وَعَنْ أَنِيَّةِ الْفِضَّةِ، وَعَنِ الْمَيَائِرِ، وَالْقَسِّئَّةِ، وَالْإِسْتَبْرَقِ، وَالْحَرِيرِ، وَالدِیَاجِ»
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (سليمان بن منصور الَبَلْخِيُّ) البزاز الْجَرْميّ، الملقّب زَرْغَنْدَه، ثقة، لا بأس
به [١٠]٦٠/ ٧٥ .
٢- (هنّاد بن السَّريّ) بن مصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠]٢٥/٢٣.
٣- (أبو الأحوص) سلّام بن سُلَيم الحنفي مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت [٧]٩٦/٧٩.
٤- (أشعث) بن أبي الشّعثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦]٩٠/ ١١٢.
٥- (معاوية بن سُويد) بن مُقَرِّن المُزَنيّ، أبو سُويد الكوفيّ، ابن أخي النعمان بن
مقّرِّن، ثقة [٣]، لم يصب من زعم أن له صحبة.
قال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكره أبو أحمد
العسكريّ في «الصحابة))، وقال: ليسوا یصححون سماعه، وقد روی مرسلًا. روی له
الجماعة، له عندهم حديثان، (أحدهما): حديث الباب، (والثاني): في عتق الجارية
التي لَطَّمَها أحد مواليها .
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ ((المجتبى)) ((معاوية بن سَعْد))، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه .
٦- (البراء بن عازب) تَضْو افت ١٠٥/٨٦.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، إلا شيخه الأول، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكويين، إلا
شيخه الأول، فبَلْخيّ. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: ((أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
بِسَبْع) أي سبع خصال (وَتَّنَا عَنْ سَبْع) قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى:
إخبار الصحابيّ عن الأمر والنهي على ثلاث مراتب:
الأولى: أن يأتي بالصيغة، كقوله: افعلوا، أو لا تفعلوا .
الثانية: قوله: أمرنا رسول اللَّه ◌َ ل بكذا، ونهانا عن كذا، وهو كالمرتبة الأولى في
العمل به، أمرًا ونهيًا، وإنما نزل عنها لاحتمال أن يكون ظنّ ما ليس بأمرٍ أمرًا، إلا أن