النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١= ٤٦- (القِيَامُ لِجَنَازَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ) - حديث رقم ١٩٢١ والتكبّر والأَنَفَة، وهذا المعنى لا يخصّ نفس المؤمن، بل يعمّ كل نفس حلّ بها الموت . وهذا لا يعارض التعليل الآتي في الحديث التالي بقوله: ((إن للموت فَزَعًا»، على ما سيأتي، وكذا ما أخرجه الحاكم من طريق قتادة، عن أنس رَّه، مرفوعًا، فقال: ((إنما قمنا للملائكة))، ونحوه لأحمد من حديث أبي موسى ◌َّه، ولأحمد، وابن حبان، والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: ((إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس)). ولفظ ابن حبّان: ((إعظاما للذي يقبض الأرواح)) (١)، فإن ذلك أيضا لا ينافي التعليل السابق، لأن القيام للفَزَع من الموت فيه تعظيم لأمر الله، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك، وهم الملائكة . وأما ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن عليّ تَطَائتنا، قال: ((إنما قام رسول اللَّه وَلجر تأذيا بريح اليهوديّ))، زاد الطبرانيّ من حديث عبد الله بن عياش - بالتحتانية، والمعجمة -: ((فآذاه ريح بَخُورها))، وللطبرانيّ، والبيهقيّ من وجه آخر عن الحسن: ((كراهية أن تعلو رأسه))، فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة، أما أوّلًا، فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحة، وأما ثانيًا، فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي ◌َّير، فكأن الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه، فعلل باجتهاده . وقد روى ابن أبي شيبة، من طریق خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه یزید بن ثابت، قال: ((كنا مع رسول اللَّه وَلغيره فطلعت جنازة، فلما رآها قام، وقام أصحابه حتى بعدت، والله ما أدري من شأنها، أو من تضايق المكان؟، وما سألناه عن قيامه)) . ثم إن مقتضى التعليل بقوله: ((أليست نفسًا)) أن ذلك يستحبّ لكلّ جنازة . وقد تقدّم في الباب الماضي بيانُ اختلاف أهل العلم في حكم القيام للجنازة، وأن الراجح هو القول بالاستحباب، جمعًا بين الأحاديث. وباللَّه تعالى التوفيق . واستدلّ بهذا الحديث على جواز إخراج جنائز أهل الذمة نهارًا غير متميّزة عن جنائز المسلمين، أشار إلى ذلك الزين ابن المنيّر رحمه اللّه تعالى، قال: وإلزامهم بمخالفة رسوم المسلمين وقع اجتهادًا من الأئمّة. ويمكن أن يقال: إذا ثبت النسخ للقيام تبعه ما عداه، فيحمل على أن ذلك كان عند مشروعيّة القيام، فلما تُرك القيام منع من الإظهار. قاله في (الفتح))(٢). (١)-انظر ((صحيح ابن حبان)) ج٧ ص٣٢٤-٣٢٥ رقم الحديث ٣٠٥٣ . (٢)- ((فتح) ج٣ ص ٥٣٥ . ١٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: في هذا الكلام نظر؛ لأنه إذا لم يرد نصّ على أمر الذميّ بالتميّز، فمن أين أتى المنع من الإظهار؟، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩٢٢ - (أَخبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ هِشَامِ حِ وأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ(١)، عَنْ يَخْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: مَرَّتْ بِنَا جَنَازَةٌ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلَتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هِيَ جَنَازَةُ بُهُودِيَّةٍ، فَقَالَ: ((إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ، فَقُومُوا)). اللَّفْظُ لِخَالِدٍ) . رجال هذا الإسناد: ثمانية، كلهم تقدّموا في الباب الماضي، سوى: ١- (عبيدالله بن مِقْسَم) القرشيّ، مولى ابن أبي نَمِر المدنيّ، ثقة مشهور [٤]. قال أبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. ووثقه يعقوب بن سفيان. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الجماعة، إلا الترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٩٢٢) و(٤٢٠٠). ٢- (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ رَوالهتا ٣٥/٣١. و((إسماعيل)) شيخ ابن حُجْر: هو ابن عُليّة. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و((هشام)): هو الدستوائيّ . وقوله: ((إن للموت فَزَعًا)). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معناه: إن الموت يُفزّع إليه، إشارة إلى استعظامه، ومقصودُ الحديث أن لا يستمرّ الإنسان على الغفلة بعد رؤية الميت، لما يُشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثَمَّ استوى فيه الميت مسلمًا، أوغير مسلم. وقال غيره: جَعَل نفس الموت فَزَعًا، مبالغةً، كما يقال: رجل عدلٌ. وقال البيضاويّ: هو مصدرٌ، جَرَى مَجْرَى الوصف، للمبالغة، أو فيه تقديرٌ، أي الموت ذو فزّع. ويؤيّد الثاني - كما قال الحافظ تَخّْتُهُ - رواية المصنّف، وابن ماجه بلفظ: ((إن للموت فَزَعًا))، وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يَقْلَقِ من أجلها، ويضطرب، ولا يَظهر منه عدم الاحتفال(٢) والمبالاة. قاله في ((الفتح))(٣). وقال السنديّ تَخّْلهُ: قوله: ((إن للموت فزعًا)): أي فلا ينبغي الاستمرار على الغفلة على رؤية الميت، فالقيام لترك الغفلة، والتشمير للجدّ والاجتهاد في الخير. وفي بعض (١)- وفي نسخة ((عن هشام)). (٢)- الاحتفال: حسن القيام بالأمور، ويقال: ما احتفل به: أي ما بالى. أفاده في ((ق)). فيكون قوله: والمبالاة عطف تفسير. (٣) - ((فتح)) ج٣ ص ٥٣٤ . ٤٧- ( الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِ القِيام ) - حديث رقم ١٩٢٣ ١٠٣ النسخ: ((إن الموت فَزَعْ))، أي ذو فزع، أو هو من باب المبالغة. وقوله: ((فإذا رأيتم الجنازة، فقوموا))، أي تعظيما لهول الموت وفَزَعه، لا تعظيما للميت، فلا يختصّ القيام بميت دون ميت انتهى . وقوله: ((واللفظ لخالد)): أي اللفظ المذكور هنا لخالد بن الحارث الهُجَيميّ، وأما إسماعيل ابن عُليّة، فرواه بالمعنى . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وأخرجه المصنف هنا- ١٩٢٢/٤٦ - و١٩٢٨٠/٤٧ وفي ((الكبرى)) ٢٠٤٩/٤٦ و٢٠٥٦/٤٧ . وأخرجه (خ) ١٣١١ (م) ٩٦٠ (د) ٣١٧٤ (ق) ٥٤٣ (أحمد) ٧٨٠٠ و٨٣٢٢و١٤٣٩٨. وتمام شرحه، وما يُستبط منه، ومذاهب العلماء في حكم العمل به قد تقدمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٤٧- ( الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِ الْقِيَام ) ١٩٢٣ - (أَخْبَرَنَا تَحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِ نَچِیحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَلي، فَمَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ، فَقَامُوا لَّهَا،َ فَقَالَ عُلي: مَا هَذَا؟، قَالُوا: أَمْرُ أَبِيَ مُوسَى، فَقَالَ: (إِنَّمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ بِّه الجِنَازَةِ مُودِيَّةٍ، وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ))) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن منصور) الْجَوَّاز المكيّ، ثقة [١٠]٢١/٢٠. ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الثبت الحجة المكيّ [٨]١/١. ٣- (ابن أبي نَجِيح) عبد الله بن يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة، رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦]١٥٥/١١٢. ٤-(مجاهد) بن جَبْر، أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكيّ، ثقة إمام في التفسير والعلم [٣]٣١/٢٧. ٥- (أبو معمر) عبد الله بن سَخْبَرَة الأزديّ الكوفيّ، ثقة [٢]٨٠٧/٢٣. ٦- (علي) بن أبي طالب، أبو الحسن الهاشميّ أحد الخلفاء الراشدين، وأحد ١٠٤ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ المبشرين بالجنة رَزاليه ٩١/٧٢. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبَرَة، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَلِيِّ) رَّهِ (فَمَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ، فَقَامُوا لَهَا) أي قام الناس الذين كانوا جالسين مع عليّ رَّه (فَقَالَ عَلِيٍّ:) رَّهِ (مَا هَذَا؟) أي أيّ شيء هذا القيام الذي قمتموه عند مرور الجنازة، أبحجة، أم بغير حجة؟ (قَالُوا: أَمْرُ أَبِي مُوسَى) خبر لمحذوف، أي هو أمر أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعريّ تَالثّ، أي إنما قمنا لكون أبي موسى تظلّه أمرنا به، وفي نسخة ((أمر أبو موسى)) بصيغة الماضي، ((أبو موسى)) فاعل، أي أمرنا به أبو موسى . والظاهر أنه أخذه عن النبي ◌ِِّ (فَقَّالَ) علي ◌َّيِ (إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَه لِجَنَازَةِ ◌ُودِيَّةٍ) يعني أنه فعله مرّة واحدة لجنازة امرأة يهوديّة، ولا تنافي بينه، وبين ما يأتي في حديث الحسن، وجابر تطويها، من أنها جنازة يهوديّ، لاحتمال أن تتعدد الواقعة، أو المراد باليهوديّ الشخص، وهو يشمل الرجل والمرأة، والله تعالى أعلم (وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ))) بفتح الياء، وضم العين، مضارع عاد، من باب قال: إذا رجع. يعني أنه لم يقم مرّة أخرى للجنازة . واستَدَلّ به من قال بنسخ القيام للجنازة، وقد تقدم قبل باب أن الراجح أنه لا يدلّ على النسخ، وإنما يدلّ على أن الأمر ليس للوجوب، وهذا هو مذهب المصنّف رحمه الله تعالى، حيث ترجم بـ((الرخصة في ترك القيام))، ولم يترجم باباب نسخ القيام))، ومثله في ذلك الإمام الترمذي رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث : المسألة الأولى: في درجته: حديث علي ◌َّ هذا أخرجه مسلم بنحوه . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه المصنّف رحمه الله تعالى هنا ١٩٢٣/٤٧ و١٩٩٩/٨١ و٢٠٠٠ وفي ((الكبرى)) ٤٧/ ٢٠٥٠ و٢١٢٦/٨١ و٢١٢٧. وأخرجه (م) ٢٢٢٤ و ٢٢٢٥ و٢٢٢٧ (د) ٣١٧٥ (ت) ١٠٤٤ (أحمد) ٦٢٤ و١٠٩٧ و١١٧١ (مالك في الموطأ) ٥٤٩. وقد تقدم بيان مذاهب أهل العلم في حكم القيام للجنازة، وبيان أدلّتهم، وأن الراجح هو الاستحباب، مستوفّى قبل باب، فراجعه هناك تستفد، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤٧- ( الرُخْصَةُ فِي تَركِ القِیام ) - حدیث رقم ١٩٢٥ = ١٠٥ == ١٩٢٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَّادْ، عَنْ أَيُوبَ، عَنْ تَحَمَّدٍ، أَنَّ جَنَازَةٌ، مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِي، وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَامَ الْحَسَنُ، وَلَّ يَقُم ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ الْحَسَنُ: أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّه لِجِنَازَةِ يُودِيٍّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسَ: نَعَمْ، ثُمَّ جَلَسَ) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (قتيبة) بن سعيد المتقدّم قريبًا . ٢- (حماد) بن زيد، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت [٨]٣/٣. ٣- (أيوب) بن أبي تميمة كَيْسَان السَّخْتياني البصري، ثقة ثبت فقيه [٥]٤٨/٤٢. ٤ - (محمد) بن سيرين الإمام الحجة البصري [٣]٥٧/٤٦. ٥- (الحسن بن علي) بن أبي طالب، سِبْط رسول وََّ، ورَيحانته، الصحابيّ ابن الصحابيّ تطر قت ١٧٤٥/٥١. ٦ - (ابن عباس) عبد اللّه الحبر رَالاقت ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدٍ) بن سيرين (أَنَّ جَنَازَةَ، مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ) *ُ (فَقَّامَ الْحَسَنُ) بن علي ◌َّهَا (وَلَمْ يَقُمِ ابْنُ عَبَّاسِ) وَ (فَقَالَ الْحَسَنُ: أَلَيْسَ قَدْ قَّامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، لِجَنَازَةِ يُهُودِيٍّ؟، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ، ثُمَّ جَلَسَ) وفي الرواية التالية: ((قام لها، ثم قعد)). يعني أنه قام لها أوّلًا، ثم ترك القيام لها، والظاهر أن ابن عباس رُوَّا، ممن يرى الأمر بالقيام منسوخا، وقد تقدّم الجواب عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث الحسن بن علي تَيقت هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى أخرجه هنا-١٩٢٤/٤٧ و١٩٢٥ و١٩٢٦ و١٩٢٧٠ وفي (الكبرى)) ٢٠٥١/٤٧ و٢٠٥٢ و ٢٠٥٣ و٢٠٥٤ . والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩٢٥ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ، عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَامَ الْحَسَنُ، وَلَمْ يَقُمِ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ الْحَسَنُ لِبْنِ عَبَّاسٍ: أَمَا قَامَ لَّهَا رَسُولُ اللَّهِ بَِّ؟، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَامَّ لَهَا، ثُمَّ قَعَدَ) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (يعقوب بن إبراهيم) الدَّورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠]٢٢/٢١. ١٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ ٢- (هُشَيم) بن بَشِير، أبو معاوية بن أبي خازم، الواسطيّ، ثقة ثبت مدلس [٧]٨٨/ ١٠٩ . ٣-(منصور) بن المعتمر، أبو عّاب الكوفي، ثقة ثبت [٥]٢/٢، والباقون تقدموا في الذي قبله، وكذا شرح الحديث، وهو حديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩٢٦ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ النَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، مَرَّتْ بِهِمَا جَنَازَةٌ، فَقَامَ أَحَدُهُمَا، وَقَعَّدَ الْآخَرُ، فَقَالَ الَّذِي قَامَ: أَمَا وَاللَّهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ، قَدْ قَامَ، قَالَ لَهُ الَّذِي جَلَسَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ، قَدْ جَلَسَ). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (ابن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم البصريّ الحافظ الحجة [٨]١٩/١٨. ٢- (سليمان التيميّ) ابن طَرْخان البصريّ، ثقة [٤]١٠٧/٨٧. ٣- (أبو مِجْلَز) -بكسر الميم، وسكون الجيم، وفتح الزاي- لاحِق بن حُمَيد الضُّبعيّ البصريّ، ثقة [٤]٢٩٦/١٨٨، والباقون تقدموا في الذي قبله . قوله: ((فقام أحدهما)) هو الحسن، كما بُيِّن في الذي قبله. وقوله: ((لقد علمت)) في الموضعين بضم التاء للمتكلّم، ويحتمل أن يكون بفتحها، للمخاطب . والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩٢٧ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمْ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، كَانَ جَالِسًا، فَمُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ، حَتَّى جَاوَزَتِ الْجَنَازَةُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا مُرَّ بِجَنَازَةٍ يُودِيٌّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه عَلَى طَرِيقِهَا جَالِسًا، فَكَرِهَ أَنْ تَغْلُوَ رَأْسَهُ جَنَازَةُ يُهُودِيٍّ، فَقَامَ) . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (إبراهيم بن هارون البَلْخِيّ) العابد، صدوق [١١]٥٤٣/٢٤. ٢- (حاتم) بن إسماعيل الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق تِهِم، صحيح الكتاب [٨]٥٤٣/٢٤. ٣- (جعفر بن محمد) الصادق، أبو عبد الله المدنيّ، صدوق فقيه إمام[٦]١٨٢/١٢٣. ٤ - (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر المدنيّ، ثقة فاضل [٤]١٢٣/ ١٨٢، والصحابي ◌َّه ذكر في الذي قبله. والله تعالى أعلم. ٠٧ ١ = ٤٧- (الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِ القِيَام ) - حديث رقم ١٩٢٧ لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذي في ((الشمائل)). (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فإنه بلخيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عن جعفر بن محمد، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ) ◌َّهَا (كَانَ جَالِسًا، فَمُرَّ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول أي مرّ الناس على مكان قريب منه (بِجَنَازَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ) أي الذين كانوا جالسين مع الحسن رَّه (حَتَّى جَاوَزَتِ الْجَنَازَةُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا مُرَّ) ببناء الفعل للمفعول أيضًا (بِجَنَازَةِ يُودِيٍّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّه عَلَى طَرِيقِهَا جَالِسَا) الجارّ والمجرور خبر ((كان))، و((جالسًا)) منصوب على الحال، ويحتمل أن يكون خبرا [((كان))، والجارّ والمجرور متعلّقٌ به (فَكَرِهَ) وَ (أَنْ تَعْلُوَ رَأْسَهُ جَنَازَةُ يُودِيٍّ) أي أن تكون عالية فوق رأسه الشريف وَلّ جنازة شخص، وهي جِيفَة قَذِرَة (فَقَامَ) تقذّرًا لها. قال السنديّ رحمه الله تعالى: هذا تأويل وقع في خاطر الحسن وَظمي ، وإلا فمقتضى الأحاديث، أنه كان لتعظيم أمر الموت، وقد جاء به الأمر أيضًا، إلا أن يقال: هذا مما يُضمّ إلى دواعي القيام أيضًا، وكانت الدواعي متعدّدة، والله تعالى أعلم انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما سبق من التعليلات، بكونها نفسًا، وبأن للموت فزعًا، وكذا ما يأتي في حديث جابر ◌َظنّه: ((إنما قمنا للملائكة)) مرفوعة، صحيحة، فلا يعارضها ما قاله الحسن، إذ لم يرفعه إلى النبي وَّر، وإنما ذكره من فهمه. والله تعالى أعلم . ثم إن رواية الحسن هذه فيها إشكال، من حيث إنها تخالف الروايتين السابقتين له، فإنهما تدلان على أن الحسن كان يقوم للجنازة، وهذه تدلّ على أنه أنكر على من قام لها، وعلّل أن قيام النبي وَلو كان لئلا تعلو رأسه جنازة يهوديّ !!!. ويمكن أن يجاب بأن الحسن لما خالفه ابن عباس تَطَّهَا، تتبع قضيّة قيام النبيّ وَّر، فعلم أنه إنما قام مرّة لجنازة يهوديّ، ثم لم يقم بعدُ، ولعله أخذه عن أبيه، فقد تقدّم أول الباب، من رواية مجاهد، عنه بلفظ: ((إنما قام رسول اللَّه وَ له لجنازة يهوديّة، ولم يَعُد بعد ذلك)). فلعلّ الحسن لما سمع هذا حمله على أنه قام لئلا تعلو رأسه جنازة يهوديّ. (١)- (شرح السنديّ)) ج٣ ص ٤٧ . ١٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه قبل حديثين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩٢٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأْنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: ((قَامَ النَّبِيِّ بَّهِ لِجَنَازَةِ بُودِيٍّ، مَرَّتْ بِهِ، حَتَّى تَوَارَتْ)) . وأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَيْضًا، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا رٍَّ، يَقُولُ: ((قَامَ النَِّيُّ ◌َِّ، وَأَصْحَابُهُ، لِجَنَازَةِ ◌ُودِيٍّ، حَتَّى تَوَارَتْ))) . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١-(محمد بن رافع) أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقة عابد [١١]١١٤/٩٢ . ٢- (عبد الرزاق) بن هَمّام الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف [٩]٦١/ ٧٧. ٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل يدلّس [٦]٣٢/٢٨. ٤- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق [٤]٣٥/٣١. ٥- (جابر) بن عبد اللَّه رَطائهنا . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، والكلام على مسائله في الباب الماضي، فلا حاجة إلى إعادتهما، وبالله تعالى التوفيق . وقوله: ((حتى توارت)): أي تباعدت، واختفت عن أعينهم. وقوله: ((وأخبرني أبو الزبير الخ)) عطف على قوله: ((أخبرني أبو الزبير)) الماضي، فالقائل: ((وأخبرني)) هو ابن جُريج، والفرق بين الإخبارين أن في الأول الإقتصار على قيام النبي ◌َّ، بخلاف الثاني، فقد بيّن فيه قيام أصحابه * معه. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: كان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يورد حديث جابر رَّه هذا في الباب الماضي، لأنه لا مطابقة بينه وبين هذا الباب، وإنما يطابق الباب الماضي، ومثله حديث أنس تظنّه الآتي بعده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩٢٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ بِهِ، فَقَامَ، فَقِيلَ: إِنَّا جَنَازَةُ بُهُودِيٍّ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا قُّمْنَا لِلْمَلَائِكَةِ») . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (إسحاق) بن إبراهيم الحنظلي المروزيّ الإمام الحافظ الحجة [١٠]٢/٢. ٤٨- ( اسْتِرَاحَةُ الْمُؤْمِنِ بِالْمَوْتِ) - حديث رقم ١٩٣٠ ١٠٩ ٢- (النضر) بن شُمَيل، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار[٩]٤١/ ٤٥ . ٣- (حماد بن سَلَمة) بن دينار البصريّ، ثقة عابد[٨]٢٨٨/١٨١. ٤ - (قتادة) بن دِعامة السَّدُوسيّ البصريّ، ثقة ثبت، مدلس، رأس [٤]٣٤/٣٠. ٥- (أنس) بن مالك رَزيم ٦/٦. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أنس ◌َّه هذا صحيح، انفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا١٩٢٩/٤٧ - وفي «الكبرى»٢٠٥٥/٤٧ وشرحه يعلم مما سبق . وقوله: ((إنما قمنا للملائكة)) أي لاحترامهم، حيث قاموا بأمر عظيم، وهو قبض الروح، ولا تعارض بينه وبين ما تقدّم من التعليل بكونها نفسًا، وبأن للموت فَزَعًا، إذ يجوز تعدّد الأغراض والعلل، فيكون القيام مطلوبا لكونها نفسًا، ولكون الموت فَزَعًا، ولاحترام الملائكة، وقد تقدّم في الحديث الذي قبله أنه كان الأولى للمصنّف إيراده في الباب الذي قبله، إذ هو المناسب له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٤٨- (اسْتِرَاحَةُ الْمُؤْمِنِ بِالْمَوْتِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر من صنيع المصنّف ◌َّثُ أنه يرى حمل المؤمن على عمومه، مطيعًا كان، أو عاصيًا، حيث أطلق هذه الترجمة، بخلاف الفاجر، فحمله على الكافر، حيث قيد به الترجمة التالية، وسيأتي ما قاله الشُّرَّاح قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى . والله تعالى أعلم بالصواب. ١٩٣٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدَّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِ، مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: ((مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ))، فَقَالُوا: مَا الْمُسْتَرِيحُ؟، وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟، قَالَ: ((الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ، يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا، وَأَذَاهَا، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ، يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُ))). ١١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (قتيبة) بن سعيد، تقدم قريبًا . ٢ - (مالك) بن أنس الإمام الفقيه المجتهد الحجة المدنيّ [٧]٧/ ٧. ٣- (محمد بن عمرو بن خَلْحَة)-بمهملتين مفتوحتين، ولامين، الأولى ساكنة، والثانية مفتوحة- الدِّيليّ المدنيّ، ثقة [٦]١٨٥٩/١٦. ٤- (مَعْبَد بن كعب بن مالك) الأنصاريّ السَّلَميّ ببفتحتين - المدنيّ، مقبول [٣]. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وروى له أبو داود في ((الناسخ والمنسوخ))، له في ((صحيح البخاريّ)) حديث واحد، حديث الباب فقط، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا وأعاده بعده، و(٤٤٦٢) حديث: ((إياكم وكثرة الحلف ... )) الحديث، و(٥٤٢١) حديث: ((من اقتطع حقّ امرىء مسلم بيمينه ... )) الحديث . ٥- (أبو قتادة بن رِبْعيّ) الأنصاريّ الصحابيّ الشهير توميه ٢٤/٢٣. واللَّه تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانيا إلا أن الظاهر أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) اسمه الحارث، ويقال: عمرو، ويقال: النعمان (بْنِ رِبْعِيٍّ) بكسر الراء، وسكون الموحّدة، وعين مهملة السَّلَميّ الأنصاريّ، شهد أحدًا، وما بعدها، ولم يصحّ شهوده بدرًا، مات سنة (٥٤) وقيل: (٣٨) والأول أصحّ، وأشهر. قال الحافظ أبو عمر رحمه اللّه تعالى: هكذا الحديث في ((الموطّآت)) بهذا الإسناد، وأخطأ فيه سُويد بن سعيد، عن مالك، فقال: ((عن معبد بن كعب، عن أبيه))، وليس بشيء انتهى (أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِ لَّهِ، مُرَّ) بضم الميم، مبنيًّا للمفعول، قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم أقف على اسم المارّ، ولا الممرور بجنازته انتهى (١) (عَلَيْهِ) أي على النبي بَطهور. ووقع في ((الموطآت)) للدار قطنيّ، من طريق إسحاق بن (١)- ((فتح) ج١١ ص٣٧٢. ١١١ ٤٨- ( اسْتِرَاحَةُ الْمُؤْمِنِ بِالْمَوْتِ) - حديث رقم ١٩٣٠ عيسى، عن مالك بلفظ: ((مَرَّ برسول اللَّه وَّله جنازة))، والباء على هذا بمعنى ((على))، وذكّر الجنازة باعتبار الميت. قاله في ((الفتح)) (بِجَنَازَةٍ) متعلّق بـ)مُرّ)) (فَقَالَ) وَل ((مُسْتَرِيحَ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ))) قال ابن الأثير ◌َّلهُ: يقال: أراح الرجلُ، واستراح: إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء انتهى(١) . والواو فيه بمعنى ((أو))، والتقدير: هذا الميت، أو كلّ ميت إمّا مستريح، أو مستراح منه، أو بمعناها، على أن هذا الكلام بيان لمقدّر، يقتضيه الكلام، كأنه قال: هذا الميت، أو كلّ ميت أحد رجلين، فقال: مستريح، ومستراح منه. وقال السيوطي: الواو فيه بمعنى ((أو))، وهي للتقسيم، وقال أبو البقاء في إعرابه: التقدير الناس، أو الموتى مسريح، أو مستراح منه . قال السندي: ولا يخفى ما فيه من عدم المطابقة بين المبتدأ والخبر، فليُتأمّل انتهى . (فَقَالُوا) أي الصحابة ه، قال الحافظ رَّتُهُ: لم أقف على اسم السائل منهم، إلا أن في رواية إبراهيم الحربيّ، عند أبي نُعيم: «قلنا»، فيدخل فيهم أبو قتادة، فيحتمل أن يكون هو السائل انتهى (مَا الْمُسْتَرِيحُ؟، وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟، قَالَ: ((الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ) قال ابن التين رحمه اللّه تعالى: يحتمل أن يريد بـ) المؤمن)) التقيّ خاصّة، ويحتمل كلّ مؤمن. انتهى (يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا) بفتح النون، والصاد المهملة: التعَب وزنا ومعنى، وفي نسخة: ((من تعب الدنيا)) (وَأَذَاهَا) من عطف العامّ على الخاصّ . قاله في ((الفتح)). وقال السنديّ ◌َخْدَّتُهُ: ما أشبهه بعطف المتساويين انتهى . وفي رواية لمسلم: ((يستريح من أذى الدنيا، ونَصَبِها إلى رحمة الله)) (وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ) قال ابن التين رَّلهُ: يحتمل أن يريد بـ((الفاجر)) الكافر، ويحتمل أن يدخل فيه العاصي انتهى . (يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالِْلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالذَّوَابُّ))) قال الداوديّ رحمه اللّه تعالى: أما استراحة العباد، فلما يأتي به من المنكرات، فإن أنكروا عليه آذاهم، وإن تركوه أثموا، واستراحة البلاد مما يأتي به من المعاصي، فإن ذلك مما يحصل به الْجَذب، فيقتضي هلاك الحرث والنسل . وتعقّب الباجي أوّلَ كلامه بأن من ناله أذاه لا يأثم بتركه، لأنه بعد أن ينكر بقلبه، أو ينكر بوجه، لا يناله به أذى . ويحتمل أن يكون المراد براحة العباد منه، لما يقع لهم من ظلمه، وراحةُ الأرض منه (١)- ((النهاية)) ج٢ ص٢٧٤ . ١١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ لما يقع عليها من غصبها، ومنعها من حقّها، وصرفه في غير وجهه، وراحة الدواب منه مما لا يجوز من إتعابها. ذكره في ((الفتح))(١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)): معنى استراحة العباد من الفاجر، اندفاع أذاه عنهم، وأذاه يكون من وجوه: منها ظلمه لهم، ومنها ارتكابه للمنكرات، فإن أنكروها قاسَوْا مشقّة من ذلك، وربما نالهم ضرره، وإن سكتوا عنه أثموا. واستراحة الدوابّ منه كذلك، لأنه يؤذيها بضربها، وتحميلها ما لا تطيقه، ويُجيعها في بعض الأوقات، وغير ذلك. واستراحة البلاد والشجر، فقيل: لأنها تُمنَع القطرَ بمعصيته. قاله الداوديّ. وقال الباجيّ: لأنه يَغصِبها، ويمنعها حقّها، من الشرب، وغيره انتهى (٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن جميع ما ذكروه من أنواع الأذى صالح للدخول في معنى الحديث، فالأولى حمل الحديث على جميع أنواع الأذى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي قتادة رَزيه هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف رحمه الله تعالى، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا١٩٣٠/٤٨٠ و١٩٣١/٤٩ وفي ((الكبرى))٢٠٥٧/٤٨و٢٠٥٨٠/٤٩ وأخرجه(خ) ٦٥١٢ و٦٥١٣ (م) ٢١٩٩ و٢٢٠٠ (أحمد) ٢٢٠٣٠ و٢٢٠٨٦و٣٢٠٧٠٠ والله تعالى أعلم . المسألة الثانية: في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان استراحة المؤمن من تعب الدنيا، وهمومها بموته (ومنها): تقسيم الناس إلى قسمين: مؤمن، وفاجر(ومنها): بيان فضل الإيمان (ومنها): بيان قبح الفجور، وأنه سبب البلايا والمصائب (ومنها): أن فجور الفاجر يتسبّب منه ضرر العباد، والبلاد، كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾ الآية [الروم: ٤١]. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). (١)- ((فتح)) ج١١ ص٣٧٢ . طبعة دار الريّان. (٢)-((شرح مسلم)) ج٧ ص ٢٤ . ١١٣ ٤٩- ( الاسْتِرَاحَة مِن الكَافِر) - حديث رقم ١٩٣١ ٤٩- (الاسْتِرَاحَة مِن الْكَافِرِ) ١٩٣١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ بْنٍ أَبِي كَرِيمَةَ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَهُوَ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنِي زَيْدٌ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ مَعْبَدٍ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةً، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا، عِنْدَ (١) رَسُولِ اللَّهِ وَ، إِذْ طَلَعَتْ جَنَازَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: «مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ، فَيَسْتَرِيحُ مِنْ أَوْصَابِ الدُّنْيَا، وَنَصَبِهَا، وَأَذَاهَا، وَالْفَاجِرُ يَمُوتُ، فَيَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ))) . رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (محمد بن وهب بن أبي كَرِيمة الْحَرَّانيّ) هو: محمد بن وهب بن عُمَر بن أبي كريمة، أبو المعافَى الْحَرَّانيّ، صدوق [١٠]٣٠٦/١٩١. ٢-(محمد بن سلمة الحرّانيّ) الباهلي مولاهم، ثقة [٩]٣٠٦/١٩١. ٣- (أبو عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد سماك، أو رُستَم الأمويّ مولاهم، الحرّاني، ثقة [٦]٣٠٦/١٩١. ٤-(زيد) بن أبي أنيسة زيد، أبو أسامة الجَزَريّ،، كوفي الأصل، ثم سكن الرُّهَا، ثقة، له أفراد [٦]٣٠٦/١٩١. ٥- (وهب بن كيسان) القرشيّ مولاهم، أبو نُعيم المدنيّ، ثقة، من كبار[٤]٣٢/ ١٥٩٢ . والباقيان تقدما في السند الذي قبله، والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث الماضي، وبالله تعالى التوفيق . وقوله: ((إذا طَلَعت)) -بفتح الطاء المهملة، واللام -: أي ظهرت. وقوله: ((من أوصاب الدنيا)): جمع وَصَب -بفتح الواو، والمهملة، آخره موحّدة: وهو دوام الوجع، ويطلق أيضًا على فتور البدن، وفي نسخة ((من مصائب الدنيا)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١)- وفي نسخة ((مع)). ١١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ ٥٠- (بَابُ الثَّتَاءِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد جواز ثناء الناس على الميت، وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، بنحو من ترجمته، حيث قال: ((باب ثناء الناس على الميت)). أي مشروعية الثناء على الميت، وجوازه مطلقًا، بخلاف الحيّ، فإنه منهيّ عنه، إذا أفضى إلى الإطراء، خشيةً عليه من الزَّهْوِ، أشار إلى ذلك الزين ابن الْمُنَيِّر رحمه اللّه تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب. ١٩٣٢ أ- (أخبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((وَجَبَتْ))، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ أُخرَى،َ فَأَثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ النَّبِيِّ نَِّ: ((وَجَبَتْ))، فَقَّالَ عُمَرُ: فِدَاكَ أَبِي وَأَمْيَ، مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنِيَ عَلَيْهَاِ خَيْرًا، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ: ((مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١- (زياد بن أيوب) أبو هاشم الطُّسيّ، نزيل بغداد، يُلقّب دَلُّويَهْ، وكان يَغضَب منها، ولقّبه أحمد شعبةَ الصغير، ثقة حافظ [١٠]١٠١/ ١٣٢. ٢- (إسماعيل) ابن عُليّة البصريّ الحافظ الحجة [٨]١٩/١٨. ٣- (عبد العزيز) بن صُهَيب البُنَانيّ البصريّ، ثقة [٤]١٦٤٣/١٧. ٤ - (أنس) بن مالك رَّ ٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١١٤) وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة، وأنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه، فطوسيّ، ثم بغداديّ، وفيه أنس ◌َمّ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا وهو آخر من مات من الصحابة ه بالبصرة. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) رضي اللّه تعالى عنه (قَالَ: مُرَّ) بضمّ الميم، على البناء للمفعول (بِجَنَازَةٍ) تقدّم ضبطه بالكسر والفتح، واختلاف العلماء في معناه (فَأَثْنِيَ عَلَيْهَا) قال الفيوميّ رحمه (١)۔ «فتح» ج٣ ص٥٩٥ . ١١٥ ٥٠- (بَابُ الثَّاءِ) - حديث رقم ١٩٣٢ = الله تعالى: الثناء بالفتح والمدّ، يقال: أثنيت عليه خيرًا، وبخير، وأثنيت عليه شرّا، وبشرّ، لأنه بمعنى وَصَفْتُهُ، هكذا نصّ عليه جماعة، منهم صاحب ((المحكم))، وكذلك صاحب ((البارع))، وعزاه إلى الخليل، ومنهم محمد بن القُوطِيّة، وهو الحبر الذي ليس في منقوله غَمْزٌ، والبحر الذي ليس في منقوده لَمْز، وكأن الشاعر عَنَاه بقوله: إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدْقُوهَا فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ وقد قيل فيه: هو العالم النّخرير، ذو الإتقان والتحرير، والحجّةُ لمن بعده، والبُزهان الذي يوقّف عنده . وتبعه على ذلك مَن عُرف بالعدالة، واشتَهَرَ بالضبط، وصحّة المقالة، وهو السَّرَقُسْطِيُّ، وابن القَطّاع، واقتصر جماعة على قولهم: أثنيت عليه بخير، ولم يَنفُوا غيرَه، ومن هذا اجترأ بعضهم، فقال: لا يُستعمل إلا في الحسن، وفيه نظر؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفيه عما عداه، والزيادة من الثقة مقبولة، ولو كان الثناء لا يُستعمل إلا في الخير كان قول القائل: أثنيت على زيد كافيًا في المدح، وكان قوله: (له الثناء الحسن))، لا يُفيد إلا التأكيد، والتأسيسُ أولى، فكان في قوله: ((الحسن)) احترازٌ عن غير الحسن، فإنه يُستعمل في النوعين، كما قال: ((والخير في يديك، والشرّ ليس إليك)). وفي ((الصحيحين)): مَرُّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا ... ))، فقال ◌َله: ((وَجَبَت))، ثم مرّوا بأخرى، فأثنوا عليها شرّا، فقال ◌َله: ((وَجبت))، وسُئل عن قوله: ((وجبت؟))، فقال: ((هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنّة، وهذا أثنيتم عليه شرّا، فوجبت له النار ... )) الحديث. وقد نُقِل النوعان في واقعتين، تراخت إحداهما عن الأخرى، من العدل الضابط، عن العدل الضابط، عن العرب الفصحاء، عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة، فإنهم قد يكتفون بالنقل عن واحد، ولا يُعرَف حاله، فإنه قد يَعْرِض له ما يُخرجه عن حيّزِ الاعتدال، من دَهَشٍ، وسُكْرٍ، وغير ذلك، فإذا عُرِف حاله لم يُحتجّ بقوله . ويرجع قول من قال: لا يُستعمل إلا في الشرّ إلى النفي، وكأنه قال: لم يُسمع، فلا يقال، والإثبات أولى، ولله درّ من قال: وَإِنَّ الْحَقَّ سُلْطَانْ مُطَاعُ وَمَا لِخِلَافِهِ أَبَدًا سَبِيلُ وقال بعض المتأخرين: إنما استُعمل في الشرّ في الحديث للازدواج. وهذا كلام من لا يعرف اصطلاح أهل العلم بهذه اللفظة. انتهى كلام الفيوميّ رحمه اللَّه تعالى(١). (١)- ((المصباح المنير في غريب الشرح الكبير)) في مادة ثنى. = ١١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ (خَيْرًا) صفة لمصدر محذوف، أي ثناءً خيرًا، أو هو منصوب بنزع الخافض، أي أُثني عليها بخير . وفي رواية النضر بن أنس، عن أبيه، عند الحاكم: ((كنتُ قاعدًا عند النبيّ وَّ، فَمُرّ بجنازة، فقال: ((ما هذه الجنازة؟))، قالوا: جنازة فلان ابن فلان الفلانيّ، كان يحبّ اللّه ورسوله، ويَعمل بطاعة الله، ويَسعَى فيها، وقال ضدّ ذلك في التي أثنوا عليها شرّا)). ففيه تفسير ما أبهم من الخير والشرّ في رواية عبد العزيز. وللحاكم أيضًا من حديث جابر رَاليه: ((فقال بعضهم: لنعم المرءُ، لقد كان عفيفًا مسلمًا))، وفيه أيضًا: ((فقال بعضهم: (بئس المرءُ كان، إن كان لَفَظًّا غَلِيظًا)). (فَقَّالَ النَّبِيُّ وَّه: ((وَجَبَثْ))) أي ثبتت له الجنّة. وفي رواية لمسلم: ((وجبت، وجبت، وجبت)) ثلاث مرّات. قال النوويّ: والتكرار فيه لتأكيد الكلام المهتمّ بتكراره، ليُحفَظَ، ویکون أبلغ انتهى . (وَمُزَّ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَأَثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا) قال الطيبيّ: استعمال الثناء في الشرّ مشاكلة، أو تهكّم انتهى. وقال القاري: ويمكن أن يكون أثنوا في الموضعين بمعنى وصفوا، فيحتاج إلى القيد، ففي ((القاموس)): الثناء وصف بمدح، أوذمّ، أو خاص بالمدح انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم في كلام الفيّوميّ أن الصواب عند أهل اللغة أنّ الثناء هو الوصف مطلقًا، وأما كونه خاصًا بالمدح فغير ثابت عنهم، وقد اعترض الشارح على صاحب ((القاموس)) قولَه: أو خاصّ بالمدح بأنه لم يَقُل به أحد ممن يوثق به(١). فما ادعاه الطيبيّ من المشاكلة، وكذا ما أجاب به القاري غير صحيح. فتبصّر بالتحقيق، والله تعالى الهادي إلى أقوم الطريق . (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((وَجَبَتْ))، فَقَالَ عُمَرُ: فِدَاكَ أَبِ وَأُمِّي) فيه جواز التفدية بالأبوين (مُرَّ بِجَنَازَةٍ) ببناء الفعل للمفعول، وكذا قوله (فَأَثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ) يعني ما المراد بقولك: ((وجبت)) في هاتين الجنازتين (فَقَالَ) وَ (مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْتَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) يعني أن المراد بقوله: ((وجبت)) أي الجنّة لذي الخير، والنار لذي الشرّ، والمراد بالوجوب الثبوت، إذ هي في صحّة الوقوع كالشيء الواجب، والأصل أنه لا يجب على اللَّه شيء، بل الثواب فضله، والعقاب عدله، لا يسأل عما يفعل . (١)- انظر ما كتبه نصر الهُورينيّ على هامش ((ق)) ص ١١٤١ . ١١٧ = ٥٠- (بابُ الثَنَّاءِ) - حديث رقم ١٩٣٢ ورواية المصنّف -وهي لمسلم أيضًا- بلفظ ((من أثنيتم الخ)) أبين في العموم من رواية البخاري، بلفظ: ((هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا، فوجبت له النار)) . وفيها ردًّ على من زعم أن ذلك خاصّ بالميتين المذكورين، لغيب أطلع الله نبيه وَل عليه، فالصواب أنه خبر عن حكم أعلمه الله تعالى به. والله تعالى أعلم . [تنبيه]: قوله وَله: ((من أثنيتم شرّا الخ)) يشكل عليه النهي عن سبّ الأموات - الآتي بعد باب- وأجيب عن هذا الإشكال بأوجه: (أحدها): أن الذي تُحدّث عنه بالشرّ كان مستظهرًا له، ومشهورًا به. (الثاني): أن محمل النهي إنما هو فيما بعد الدفن، وأما قبله، فيجوز، ليتعظ به الفسّاق، وهذا كما يُكره لأهل الفضل الصلاة على المعلن بالبدَع والكبائر. (الثالث): أن الذي أثنى عليه الصحابة بالشرّ يحتمل أن يكون من المنافقين، ظهرت عليه دلائل النفاق، فشهدت الصحابة بما ظهر لهم، ولذلك قال ◌َله: ((وجبت له النار))، والمسلم لا تجب له النار، وهذا هو مختار القاضي عياض رحمه الله تعالى. (الرابع): أن النهي عن سبّ الأموات متأخر عن هذا الحديث، فيكون ناسخا. أفاده القرطبيّ رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الوجه الأول أرجح. والله تعالى أعلم . (أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ))) وفي رواية مسلم تكراره ثلاث مرّات، ((أنتم شهداء اللَّه في الأرض، أنتم شهداء اللَّه في الأرض، أنتم شهداء اللَّه في الأرض)). والخطاب للصحابة، ومن كان على صفتهم من الإيمان. وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة، لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة، بخلاف من بعدهم. قال: والصواب أن ذلك يختصّ بالثقات والمتقين انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ كونه عاما للصحابة، وغيرهم من المؤمنين، فقد ثبت في ((صحيح البخاري)) في ((كتاب الشهادات)) بلفظ: ((المؤمنون شهداء اللَّه في الأرض)). وللمصنف من حديث أبي هريرة التالية: ((الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء اللَّه في الأرض))، ولأبي داود، من حديث أبي هريرة تَظّه أيضًا في نحو هذه القصّة: ((إن بعضكم على بعض لشهيد)). والله تعالى أعلم. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: والظاهر أن الذي أثنوا عليه شرّا كان من المنافقين. انتهى . (١)-((المفهم)) ج٢ ص ٦٠٧ - ٦٠٨ . ١١٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ قال الحافظ رحمه الله تعالى: يرشد إلى ذلك ما رواه أحمد من حديث أبي قتادة رَّه بإسناد صحيح، أنه وُّلير لم يصلّ على الذي أثنوا عليه شرّا، وصلى على الآخر (١) . . انتھی(١ وقال الداوديّ ◌َخّْلهُ: المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفَسَقَة، لأنهم يُثنون على من يكون مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة، لأن شهادة العدوّ لا تقبل انتهى . ونقل الطيبيّ عن بعض شرّاح ((المصابيح)) قال: ليس معنى قوله: ((أنتم شهداء الله في الأرض)) أن الذي يقولونه في حقّ شخص يكون كذلك حتى يصير من يستحقّ الجنة من أهل النار بقولهم، ولا بالعكس، بل معناه أن الذي أثنوا علیه خیرًا رأوه منه كان ذلك علامة كونه من أهل الجنّة، وبالعكس . وتعقّبه الطيبيّ بأن قوله: ((وجبت)) بعد الثناء حُكْمٌ عَقَبَ وصفًا مناسبًا، فأشعر بالعلّيّة، وكذا قوله: ((أنتم شُهداء اللَّه في الأرض))، لأن الإضافة فيه للتشريف، لأنهم بمنزلة عالية عند الله، فهو كالتزكية للأمّة بعد أداء شهادتهم، فينبغي أن يكون لها أثرٌ، قال: وإلى هذا يومىء قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. قال الحافظ: وقد استشهد محمد بن كعب القُرَظيّ لما روى عن جابر نحو حديث أنس رَّه بهذه الآية، أخرجه الحاكم. وقد وقع ذلك في حديث مرفوع غيرِه عند ابن أبي حاتم في التفسير، وفيه أن الذي قال للنبيّ وَلّر: ((ما قولك: وجبت)) هو أَبَيّ بن كعب . وقال النوويّ: قال بعضهم: معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أَثْنَى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع، فهو من أهل الجنّة، فإن كان غير مطابق فلا، وكذا عكسه. قال: والصحيح أنه على عمومه، وأن من مات منهم، فألهم الله تعالى الناس الثناء عليه بخير، كان دليلاً على أنه من أهل الجنّة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك، أولا، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة، وهذا إلهام، يُستدلّ به على تعيينها، وبهذا تظهر فائدة الثناء انتهى . قال الحافظ: وهذا في جانب الخير واضح، ويؤيده ما رواه أحمد، وابن حبّان، والحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس تَنَّه، مرفوعًا: ((ما من مسلم (١)- ((فتح)) ج٣ ص٥٩٦ . ١١٩ ٥٠- (بابُ الثَّاءِ) - حديث رقم ١٩٣٢ يموت، فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا، إلا قال الله تعالى: قد قبلتُ قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون)). ولأحمد من حديث أبي هريرة رَّ نحوه، وقال: ((ثلاثة)) بدل ((أربعة))، وفي إسناده من لم يُسمّ، وله شاهد من مراسيل بُشير بن كعب، أخرجه أبو مسلم الكجيّ . وأما جانب الشرّ فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن إنما يقع ذلك في حقّ من غلب شرّه على خيره. وقد وقع في رواية النضر المشار إليها أوّلًا في آخر حديث أنس: ((إن لله ملائكة، تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشرّ)). انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٩٣٠/٥٠ وفي «الكبرى» ٢٠٥٩٠/٥٠ وأخرجه (خ) ١٣٦٨ و٢٦٤٢ (م) ٢١٩٧ و٢١٩٧٨. (ت) ١٠٥٨ (ق) ١٤٩١. (أحمد) ١٤٩١ و١٢٤٢٦ و١٢٥٢٢٦ و١٢٦٢٧ و١٢٧٩١. والله تعالى أعلم . المسألة الثالثة: في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة الثناء على الميت بما فيه من خير وشر، للحاجة، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرّمةَ (ومنها): فضيلة هذه الأمة، حيث كانت شهداء اللَّه تعالى في أرضه، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. (ومنها): إعمال الحكم بالظاهر (ومنها): أنه أصل في قبول الشهادة بالاستفاضة، وأن أقلها اثنان، لقوله في حديث عمر تَّ الآتي: ((فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان)). (ومنها): ما قاله ابن العربي رَْذَتْهُ: فيه جواز الشهادة قبل الاستشهاد، وقبولها قبل الاستفصال (ومنها): قيل: فيه استعمال الثناء في الشرّ للمؤاخاة والمشاكلة، وحقيقته إنما هو في الخير . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قيل، لكن تقدّم أن الصواب استعمال الثناء في الخير والشرّ، ولم يثبت عمن يعتبر قوله من أهل اللغة عدم استعماله في الشرّ، فقوله: للمؤاخاة والمشاكلة الخ غير صحيح، كما تقدّم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَھَوَّرْ (١)- ((فتح)) ج٣ ص٥٩٨ . ١٢٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ بتقليد ذوي الاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩٣٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَامِرٍ، وَجَدَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، عَلَى النَِّيِّ نَّهِ، فَأَثْتَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَِّيُّ وَلَه : ((وَجَبَثَّ))، ثُمَّ مَرُوا بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَأَثْتَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّى: ((وَجَبَتْ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُكَ الْأُولَى وَالْأُخْرَى: ((وَجَبَتْ))، فَقَالَ النَّبِيِّ وَّ: ((الْمَلَائِكَةُ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ، وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ))) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن بشّار) بُندار البصريّ الحافظ الثبت [١٠]٢٧/٢٤. ٢-(هشام بن عبد الملك) أبو الوليد الطيالسيّ البصريّ، ثقة ثبت [٩]١٢٢/ ١٧٢. ٣- (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحافظ الثبت الحجة البصريّ [٧]٢٦/٢٤. ٤- (إبراهيم بن عامر) بن مسعود بن أمية بن خلف بن وهب بن حُذَافة بن جُمح القرشيّ الجمحيّ الكوفيّ، ثقة [٦] . قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، لا بأس به. روى له أبو داود، والمصنف . وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. [تنبيه]: قوله: ((وجدّه أمية بن خَلَف)) جملة من مبتدأ وخبر، أتى بها، تنبيهًا على أنه وقع في جدّه وَهَمّ لأبي داود الطيالسيّ، فقال: هو إبراهيم بن عامر بن سعد بن أبي وقّاص . فقد ذكر في ((تت)) في ترجمة إبراهيم بن عامر: ما نصّه: في كتاب ابن أبي حاتم: سألت أبي، قلت: فإن أبا داود الطيالسيّ روى عن شعبة، عن إبراهيم بن عامر بن سعد بن أبي وقّاص؟، فقال: هذا وَهَمّ من أبي داود، وإنما هو إبراهيم بن عامر بن مسعود انتهى (١) . والحاصل أن الصواب أنه حفيد مسعود بن أمية بن خلف، لا حفيد سعد بن أبي وقّاص. فتنبَّه. والله تعالى أعلم. ٥- (عامر بن سعد) البجلي، مقبول [٣]. روى عن أبي مسعود، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه أبو إسحاق السبيعي، والْعَيْزار بن حُريث، وإبراهيم بن عامر الْجُمَحيّ. ذكره ابن حبّان في (الثقات)). أخرج له مسلم حديثًا واحدًا، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث اللَّهو عند الْعُرْس يأتي برقم (٣٣٨٤/١٨٠). (١)- (تت)) ج١ ص ٧٠ طبعة مؤسسة الرسالة.