النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ ٤٠- القَمِيصُ فِي الْكَفَنِ - حديث رقم ١٩٠٠ صحته بعدم معرفة الحديث، وقلّة الاطلاع على طرقه . قال ابن المنير: مفهوم الآية زلّت فيه الأقدام، حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث، وقال: لا يجوز أن يُقبل هذا، ولا يصحّ أن الرسول وَ لقول قاله انتهى. ولفظ القاضي أبي بكر الباقلانيّ في ((التقريب)): هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يُعلم ثبوتها. وقال إمام الحرمين في ((مختصره)): هذا الحديث غير مخرّج في الصحيح، وقال في ((البرهان)): لا يصححه أهل الحديث. وقال الغزالي في ((المستصفى)): الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح. وقال الداوديّ الشارح: هذا الحديث غير محفوظ . والسبب في إنكارهم صحته ما تقرّر عندهم مما قدمناه، وهو الذي فهمه عمر رَّه ، من حمل ((أو)) على التسوية لما يقتضيه سياق القصّة، وحمل السبعين على المبالغة. قال ابن المنير: ليس عند أهل البيان تردد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد انتھی . وأيضا فشرط القول بمفهوم الصفة، وكذا العدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت، وعدم فائدة أخرى، وهنا للمبالغة فائدة واضحة، فأشكل قوله: ((سأزيد على السبعين)) مع أن حكم ما زاد عليها حكمها . وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال: ((سأزيد على السبعين)» استمالةً لقلوب عشيرته، لا أنه إن زاد على السبعين يغفر له، ويؤيّده تردده في قوله: ((لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له لزدت))، لكن ثبتت الرواية بقوله: ((سأزيد)» ووغْدُهُ صادق، ولا سيما، وقد ثبت قوله: ((لأزيدنّ)) بصيغة المبالغة في التأكيد . وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون فَعَلَ ذلك استصحابًا للحال، لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتًا قبل مجيء الآية، فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز، وهذا جواب حسن . وحاصله أن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان، فكأنه جوّز أن المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين، لا أنه جازم بذلك، ولا يخفى ما فيه . وقيل: إن الاستغفار يتنزل منزلة الدعاء، والعبد إذا سأل ربّه حاجة، فسؤاله إياه يتنزّل منزلة الذكر، لكنه من حيث طلب تعجيل حصول المطلوب ليس عبادة، فإذا كان كذلك، والمغفرة في نفسها ممكنة، وتعلّق العلم بعدم نفعها لا بغير ذلك، فيكون طلبها لا لغرض حصولها، بل لتعظيم المدعوّ، فإذا تعذّرت المغفرة عُوّض الداعي عنها بما يليق به، من الثواب، أو دفع السوء، كما ثبت في الخبر، وقد يحصل بذلك عن المدعوّ لهم تخفيف، كما في قصّة أبي طالب. هذا معنى ما قاله ابن المنيّر . ٤٢ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِز قال الحافظ: وفيه نظر لأنه يستلزم مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعًا، وقد ورد إنكار ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. ووقع في أصل القصّة إشكال آخر، وذلك أنه والتي أطلق أنه خُيّر بين الاستغفار لهم، وعدمه بقوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ﴾، وأخذ بمفهوم العدد من السبعين، فقال: ((سأزيد عليها)) مع أنه سبق قبل ذلك بمدّة طويلة نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ﴾ فإن هذه الآية نزلت في قصة أبي طالب، حين قال وَ لجر: ((لأستغفرنّ لك، ما لم أَنْهَ عنك))، فنزلت، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقًا، وقصة عبد الله بن أَبيّ هذه في السنة التاسعة من الهجرة، كما تقدّم، فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم في نفس الآية؟ . قال الحافظ: وقد وقفت على جواب لبعضهم عن هذا، حاصله أن المنهي عنه استغفارٌ تُرجَى إجابته حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم، كما في قصّة أبي طالب، بخلاف الاستغفار لمثل عبد الله بن أبي، فإنه استغفار لقصد تطييب قلوب من بقي منهم . قال الحافظ: وهذا الجواب ليس بمرضي عندي، ونحوه قول الزمخشريّ، فإنه قال : فإن قلت: كيف خفي على أفصح الخلق، وأَخبَرِهم بأساليب الكلام، وتمثيلاته أن المراد بهذا العدد أن الاستغفار، ولو كثر لا يُجدي، ولا سيما وقد تلاه قوله: ﴿ذَلِكَ ◌ِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالَّهِ وَرَسُولٍ﴾ الآية، فبين الصارف عن المغفرة لهم؟ قلت: لم يَخفَ عليه ذلك، ولكنه فعل ما فعل، وقال ما قال، إظهارًا لغاية رحمته، ورأفته على من بُعث إليهم، وهو كقول إبراهيم ◌َ لَّهُ: ﴿وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ زَحِيمٌ﴾، وفي إظهار النبي وَلّ الرأفة المذكورة لطف بأمته، وباعث على رحمة بعضهم بعضًا انتهى . وقد تعقّبه ابن المنيّر وغيره، وقالوا: لا يجوز نسبة ما قاله إلى الرسول وَلل، لأن الله أخبر أنه لا يغفر للكفار، وإذا كان اللَّه لا يغفر لهم، فطلب المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا يقع من النبي وَّر. ومنهم من قال: إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركًا لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهرًا للإسلام، لاحتمال أن يكون معتقده صحيحًا. وهذا جواب ٤٣ ٤٠- القمِیصُ فِي الكفن - حديث رقم ١٩٠١ جيّد، وقد رجّح الحافظ في تفسير ((سورة القصص)) (١) أن نزول الآية كان متراخيّا عن قصة أبي طالب جدًّا، وأن الذي نزل في قصته: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ الآية [القصص : ٥٦]. قال: إلا أن في بقية هذه الآية من التصريح بأنهم كفروا بالله ورسوله ما يدلّ على أن نزول ذلك وقع متراخيًا عن القصّة، ولعلّ الذي نزل أوّلا، وتمسّك به النبي وَّل قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ ﴾ إلى هنا خاصّة، ولذلك اقتصر في جواب عمر على التخيير، وعلى ذكر السبعين، فلما وقعت القصّة المذكورة کشف الله عنهم الغطاء، وفضحهم على رؤوس الملأ، ونادى عليهم بأنهم كفروا بالله، ورسوله . قال: وإذا تأمل المنصف وجد الحامل لمن ردّ الحديث، أو تعسّف في التأويل ظَنُّهُ بأن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِةٍ﴾ نزل مع قوله: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَّمْ﴾، أي نزلت الآية كاملة، لأنه لو فُرض نزولها كاملة لاقترن بالنهي العلة، وهي صريحة في أن قليل الاستغفار، وكثيره لا يُجدي، وإلا فإذا فُرض ما حرّرته أن هذا القدر نزل متراخيًا عن صدر الآية ارتفع الإشكال، وإذا كان الأمر كذلك، فحجة المتمسّك من القصّة بمفهوم العدد صحيح، وكون ذلك وقع من النبي بَلّر متمسّكًا بالظاهر على ما هو المشروع في الأحكام إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك لا إشكال فيه، فللَّه الحمد على ما ألهم، وعلّم انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى ملخصًا(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي حرّره الحافظ حسنٌ جداً، وسيأتي زيادة البحث فيما يتعلّق بتأخر نزول آية ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ﴾ الآية عن وفاة أبي طالب في ((باب النهي عن الاستغفار للمشركين)) ٢٠٣٥/١٠٢- إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩٠١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا، يَقُولُ: (أَتَى النَّبِيُّ ◌َ، قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيِّ، وَقَدْ وُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِهِ، فَأَخْرِجَ لَهُ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ)) . (١)- هذا هو الصواب فما وقع في ((الفتح)) في تفسير ((سورة التوبة))، من أنه ذكر هذا البحث، والترجيح في ((كتاب الجنائز)) غير صحيح، بل ذكر ذلك في تفسير ((سورة القصص))، فتنبه. (٢)- ((فتح)) في تفسير ((سورة التوبة"ج٩ ص٢٣٨ - ٢٤٠. ٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ رجال هذا الإسناد: أربعة: ١- (عبد الجبّار بن العلاء بن عبد الجبّار) العطار، أبو بكر البصريّ، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [ ١٠]١٩٩/١٣٢. ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨]١/١. ٣- (عمرو) بن دينار الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤]١٥٤/١١٢. ٤- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ رَتواقيت ٣٥/٣١. والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١١٢) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فبصريّ. (ومنها): أن فيه جابرًا تَظفيه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم . شرح الحدیث (عَنْ عَمْرِو) بن دينار، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا) رَّه (يَقُولُ: ((أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَيِّ، وَقَدْ وُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ) أي في قبره (فَوَقَفَ عَلَيْهِ) أي قام على حافة قبره (فَأَمَرَ بِهِ) أي بإخراجه (فَأَخْرِجَ لَهُ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَتَفَثَ عَلَيْهِ) قال في ((المصباح)): نَفْتَه من فِيهِ، نفْثًا، من باب ضرب(١): رَمَّى به، ونَفَثَ: إذا بَزَق، ومنهم من يقول: إذا بَزَقَ، ولا ريق معه انتهى . وقال ولي الدين: النَّفْث -بالنون، والفاء، والثاء -: شَبيه بالنفخ، وهو أقلّ من التقْل، قاله في ((الصحاح))، و((المحكم))، و((النهاية))، زاد في ((النهاية)): لأن النَّفْل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق، وقال في ((الصحاح): أولُهُ البَزْقُ، ثم التَّفْلُ، ثم النَّفْتُ، ثم النّفْخُ، ثم قال: في ((المحكم)): وقيل: هو التفل بعينه، وحكى في ((المشارق)) كونَ التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق، عن أبي عُبيد، ثم قال: وقيل: هما سواء، يكون معهما ريق، وقيل: بعكس الأول انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول من قال: إن النفث يكون معه ريق، هو الأشبه، لأنه يؤيّده قوله: (مِنْ رِيقِهِ) و((من)) تبعيضية، أي نفث بَّر عليه بعض ريقه المبارك. - - (١)- وفي (ق)) ما يفيد أنه من بابي قتل، وضرب، قال: وهو كالنفخ، وأقلّ من التَّقْلِ. اهـ. (٢)- ((طرح التثريب)) ج٣ ص٢٨١. ٤٥ ٤٠- القَمِيصُ فِي الكَفَن - حديث رقم ١٩٠١ قال ابن بطال رَّهُ: فيه حجة على من قال: إن ريق ابن آدم، ونُخامته نجس، وهو قول يُروَى عن سلمان الفارسيّ، والعلماءُ كلهم على خلافه، والسننُ وردت بردّه، فمعاذ الله أن يكون ريق النبي بَ ﴿ نجسًا، ونفثه على وجه التبرك به، وهو وَلّ عَلَّمَنَا النظافة، والطهارة، وبه طهّرنا اللَّه تعالى من الأدناس انتهى(١). ثم إن ظاهر هذا الحديث يقتضي أنه وغير إنما ألبسه قميصه بعد إدخاله حفرته، وهو مخالف لما تقدّم من حديث ابن عمر تَّها، حيث إن ابنه جاء إلى النبي وَّرَ، فسأله قميصه، فأعطاه له، وأمره أن يؤذنه بالصلاة، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه، جذبه عمر الخ، فإن ظاهره أنه أعطاه قميصه أول وفاته، قبل دفنه، وإدخاله في حفرته . وقد جمع بينهما بأن معنى قوله في حديث ابن عمر: ((فأعطاه)) أي أنعم له بذلك، فأطلق على الْعِدَةِ اسم العطيّة مجازًا، لتحقّق وقوعها، وكذا قوله في حديث جابر: ((بعد ما دُفن عبد الله بن أبيّ)) أي دُلّي في حفرته، وكأن أهل عبد الله بن أبيّ خَشُوا على النبي وَ لجر المشقّة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي ◌َّر، فلما وصل وجدهم قد دلُّوه في حفرته، فأمر بإخراجه، إنجازًا لوعده في تكفينه في القميص، والصلاة عليه. والله أعلم . وقيل: أعطاه ◌َ لير أحد قيميصه أوّلًا، ثم لما حضر أعطاه الثاني بسؤال ولده. وفي ((الإكليل)) للحاكم ما يؤيّد ذلك. وقيل: ليس في حديث جابر دلالة على أنه ألبسه قميصه بعد إخراجه من القبر، لأن لفظة ((فوضعه على ركبتيه، وألبسه قميصه))، والواو لا ترتّب، فلعلّه أراد أن يذكر ما وقع في الجملة من إكرامه له من غير إرادة ترتيب . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الأخير عندي حسنٌ جداً. والله تعالى أعلم . (وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ))) أي بحال عبد الله بن أبي، هل هو ممن يستحق قبول شفاعته حَ له؟ فيه، أم لا؟ وهذا من كلام جابر تعميمه، كما سيأتي التصريح به في - ٢٠٢٠/٩٢ - ولفظه: قال جابر: ((وصلى عليه، والله أعلم))، ولفظ ((الكبرى)): ((قال جابر: والله أعلم)). وقد قدمنا مثله في حديث ابن عباس، عن عمر تَظّه . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر تَّه هذا متفق عليه . (١)- المصدر المذكور. ٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٩٠١/٤٠ و٢٠١٩/٩٢ و٢٠٢٠ وفي ((الكبرى)) ٢٠٢٨/٤٠ و٩٢/ ٢١٤٦ و٢١٤٧٠ وأخرجه (خ) ١٢٧٠ و١٣٥٠ و٥٧٩٥ (م) ٢٧٧٣ (أحمد) . ١٤٦٥٧ وبقية المسائل تقدمت في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩٠٢- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ الْبَصْرِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: وَكَانَ الْعَبَّاسُ بِالْمَدِينَةِ، فَطَلَبَتِ الْأَنْصَارُ ثَوْبًا، يَكْسُونَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا قَمِيصًا، يَضْلُحُ عَلَيْهِ، إِلَّا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيٍّ، فَكَسَوْهُ إِيَّهُ . رجال هذا الإسناد: أربعة أيضا، كلهم تقدّموا في السند الماضي إلا: ١- (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهريّ البصريّ) صدوق، من صغار [١٠]٤٨/٤٢ . ومن لطائف السند أيضًا من رباعيات المصنف، كسابقه، وهو (١١٣) من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ عَمْرٍو) بن دينار، أنه (سَمِعَ جَابِرًا) رَيه (يَقُولُ: وَكَانَ الْعَبَّاسُ بِالْمَدِينَةِ) أي حينما أسِرَ في بدرٍ، وفي رواية البخاريّ في ((الجهاد والسير)) في ٣٠٠٨/١٤٢ - قال: لما كان يوم بدر أتي بأسارى، وأتي بالعباس، ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ◌َّ له قميصا، فوجدوا قميص عبد الله بن أَبيّ، يَقْدُرُ عليه، فكساه النبي ◌َّ إياه، فلذلك نزع النبيِ وَِّ قميصه الذي ألبسه)) انتهى (فَطَلَبَتِ الْأَنْصَارُ) هذا لا تنافي بينه، وبين ما قبله من رواية البخاريّ، إذ معناه أن الأنصار لما علموا طلب النبي وَالر قميصا لعمه العباس، أرادوا أن يكون لهم الفضل في ذلك، فطلبوا من قبيلتهم (ثَوْبًا، يَكْسُونَهُ) أي يكسون العباس ذلك الثوب (فَلَمْ يَجِدُوا قَمِيصًا، يَضْلُحُ عَلَيْه) أي يأتي على قدر العباس، لكونه مُفرطًا في الطول (إِلَّا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَيِّ) لكونه طويلا مثل العباس (فَكَسَوْهُ إِيَّاهُ) أي كست الأنصار العباس قميص عبد الله بن أبيّ، فلذا نزع النبي وَالر قميصه لعبد الله بن أبيّ حينما مات، وكفّنه به، مكافئة. ففي رواية البخاري في ((الجهاد)) ٣٠٠٨/٢٤٢ - قال ابن عيينة: كانت له عند النبي وَليريدّ، فأحبّ أن يكافئه. وفي رواية له في ((الجنائز))٧٧/ ١٣٥٠- قال سفيان: فيرون أن النبي وَلّر ألبس عبد الله قميصه، مكافأة لما صنع بالعباس انتهى . = ٤٧ ٤٠- القمیصُ فِي الکفن - حديث رقم ١٩٠٣ ولا تنافي بين هذه الرواية، والرواية المتقدمة حيث جعل هناك سبب إعطاء النبي وَل قميصه لعبد الله بن أَبَيِّ طَلَبَ ولده عبد الله بن عبد اللَّه ذلك منه، لإمكان كون الأمرين سببا لذلك، وذلك أنه لما مات ابنُ أَبَيِّ جاء ولده إلى النبي ◌َ ◌ّ- يؤذنه بذلك، وطلب منه أن يُعْطِيَهُ قميصه، ويصلي عليه، فأعطاه قميصه، مكافأة لابن أبيّ، وإكراما لولده. وقد تقدم هذا الجمع قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ◌َّ هذا أخرجه البخاري . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٩٢/٤٠ - وفي ((الكبرى))٢٠٢٩٠/٤٠ وأخرجه (خ) ٣٠٠٨ . وبقية المسائل تقدّمت قبل حديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩٠٣- أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنِ الْأَعْمَشِ ح وِ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، قَالَ: سَمِعَتُ الْأَعْمَشَ، قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقًا، قَالَ: حَدَّثَنَا خَبَّابٌ، قَالَ: ((هَاجَزْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّ مَنْ مَاتَ، لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا، نُكَفّئُهُ فِيهِ، إِلَّا نَمِرَةً، كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ، خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَّيْهِ، خَرَجَتْ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، أَنْ نُغَطْيَ بِهَا رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ إِذْخِرًا، وَمِنَّا مَنْ أَيْتَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ بُهْدِبُهَا)) . وَاللَّفْظُ لِإِسْمَاعِيلَ . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عُبيدالله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت [١٠]١٥/١٥. ٢- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدَريّ البصريّ، ثقة [١٠]٤٧/٤٢. ٣- (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الثبت الحجة [٩]٤/٤. ٤- (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي، ثقة ثبت فاضل، يدلس [٥]١٨/١٧. ٥- (شقيق) بن سلمة، أبو وائل الكوفيّ، ثقة ثبت مخضرم فقيه [٢]٢/٢. ٦- (خبّاب) بن الأرت، أبو عبد الله التميمي الصحابي المشهور رقم ٢ / ٤٩٧. والله تعالى أعلم . ٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل، فإنه من أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أن فيه كتابة ح إشارة إلى تحويل الإسناد، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وعبيدُ اللَّه سرخسيّ، ثم نيسابوري، وإسماعيل، ويحيى بصريان، والباقون كوفيون. والله تعالى أعلم . شرح الحديث عن خبّابِ رَّهِ أنه: (قال: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وََّ) أي بأمره وإذنه، أو المراد بالمعية الاشتراك في حكم الهجرة، إذ لم يكن معه حسّا إلا الصّدّيق، وعامرُ بن فُهَيرة رَوَّهَا (نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى) أي نطلب بهجرتنا مرضاة الله تعالى، لا عَرَضًا من الدنيا. وقال في (الفتح)): أي جهة ما عنده، من الثواب، لا جهة الدنيا انتهى (فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ) وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن عيينة، عن الأعمش: ((فوقع أجرنا على اللَّه))، والمراد بالوجوب على الله إيجابه على نفسه بمقتضى وعده الصادق، حيث قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَثَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْيِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا﴾ الآية [التوبة: ٧٢]. وقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَخْهَا اُلْأَنْهَرِّ وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠] (فَمِنَّا مَنْ مَاتَ، لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا) أي من عرض الدنيا، وهو كناية عن الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح، وكأن المراد بالأجر ثمرته، فليس مقصورًا على أجر الآخرة(١) . قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: وهذا مشكل على ما تقدّم من تفسير ابتغاء وجه الله، ويُجْمَع بأن إطلاق الأجر على المال في الدنيا بطريق المجاز بالنسبة لثواب الآخرة، وذلك أن القصد الأول هو ما تقدّم لكن منهم من مات قبل الفتوح، كمصعب بن عمير، ومنهم من عاش إلى أن فُتح عليهم، ثمّ انقسموا، فمنهم من أعرض عنه، وواسى به المحاويج، أوّلًا، فأوّلًا، بحيث بقي على تلك الحالة الأولى، وهم قليل، منهم أبو ذرّ، وهؤلاء ملتحقون بالقسم الأول، ومنهم من تبسّط في بعض المباح فيما يتعلّق بكثرة النساء، والسراري، أو الخدم، والملابس، ونحو ذلك، ولم يستكثروا، وهم كثير، ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد، فاستكثر بالتجارة، وغيرها، مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة، وهم كثير أيضًا، منهم عبد الرحمن بن عوف، وإلى هذين القسمين أشار (١)- ((فتح)) ج٣ ص ٤٨٥ . ٤٩ ٤٠- القَمِيصُ فِي الکَفَنِ - حديث رقم ١٩٠٣ خبّاب، فالقسم الأول، وما التحق به توفّر له أجره في الآخرة، والقسم الثاني مقتضى الخبر أنه يُحسب عليهم ما وصل إليهم، من مال الدنيا، من ثوابهم في الآخرة، ويؤيّده ما أخرجه مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو، رفعه: ((ما من غازية، تغزو، فتغنّمُ، وتَسْلَمُ، إلا تعجّلوا ثلثي أجرهم ... )) الحديث. ومن ثَمَّ آثر كثير من السلف قلّة المال، وقنعوا به، إما ليتوفّر لهم ثوابهم في الآخرة، وإما ليكون أقلَّ لحسابهم عليه(١). (مِنْهُمْ مُضْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) أي من هؤلاء الذين لم يأكلوا من أجرهم شيئًا مصعب بن عُمير- بصيغة التصغير - ابن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيّ، يجتمع مع النبي وَ﴿ فِي قُصيّ، وكان يُكنى أبا عبد الله، من السابقين إلى الإسلام، وإلى هجرة المدينة، قال الحافظ ابن عبد البرّ: أسلم قديما، والنبي والتر في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفا من أمه، فعَلِمَه عثمان بن طلحة، فأعلم أهله، فأوثقوه، فلم يزل محبوسًا، إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع مع من رجع إلى مكة، فهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، ثم أحدًا، ومعه اللواء، فاستُشهد. وقال البراء: أول من قدم علينا مُصعب ابن عمير، وابن أم مكتوم، وكانا يقرئان القرآن، أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)). وذكر ابن إسحاق أن النبي و 18 أرسله مع أهل العقبة الأولى، يقرئهم، ويُعلّمهم، وكان مصعب، وهو بمكة في ثروة، ونعمة، فلما هاجر صار في قلّة، فأخرج الترمذيّ من طريق محمد بن كعب، حدثني من سمع عليّا، يقول: ((بينما نحن في المسجد، إذ دخل علينا مصعب بن عمير، وما عليه إلا بُردة، له مرقوعة بفروة، فبكى رسول اللّه وَلّ لما رآه للذي كان فيه من النعم، والذي هو فيه اليوم))(٢). (قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ) جملة مستأنفة، أو في محل نصب على الحال من ((مصعب))، أي استُشهد في غزوة أحد، وكان صاحب لواء رسول اللَّه ◌َ ل# يومئذ، ثبت ذلك في مرسل عُبيد بن عُمير بسند صحيح، عند ابن المبارك في ((كتاب الجهاد)). قاله في ((الفتح)) (فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا، تُكَفِّنُهُ فِيهِ، إِلَّا نَمِرَةً) بفتح النون، وكسر الميم، ثم راء: هي إزار، من صوف، مخطّط، أو بُردة. وفي (المصباح)): والنّمِرَة)) بفتح النون، وكسر الميم: كساء فيه خطوط، بيض، وسُودٌ، تلبسه الأعراب، قال ابن الأثير: وجمعها نِمَار، كأنها أُخذت من لون النمر، لما فيها من السواد والبياض انتهى (٣) (كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ) أي سترنا (١)- ((فتح)) ج١١ ص٢٨٢- ٢٨٣ . طبعة دار الريان. (٢)- راجع ((الإصابة)) ج٩ ص٢٠٨-٢٠٩. و((الفتح)) ج١١ ص ٢٨٣ . (٣)- ((المصباح)) في مادة نمر، و((النهاية)) ج٥ ص١١٨ . شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ بتلك النمرة رأس مصعب ◌َزيه (خَرَجَتْ رِجْلَاهُ) لكونها قصيرة، لا تواري جسده کلّه (وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، أَنْ نُغَطِّيَ بِهَا رَأْسَهُ) فيه أنه إذا لم يواري الثوب جميع بدن الميت، فرأسه أولى بالستر (وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ إِذْخِرًا) بكسر الهمزة، وسكون الذال المعجمة، وكسر الخاء المعجمة، بعدها راء: نبات معروف، ذَكيّ الريح، وإذا جفّ ابيضٌ. قاله في ((المصباح)). وقال ابن الأثير تَخّْشُهُ: حَشيشة طيّبة الرائحة، تسقّف بها البيوت فوق الخشب، وهمزتها زائدة، وإنما ذكرناها ههنا - يعني باب الهمزة- حملاً على ظاهر لفظها. انتهى(١) (وَمِنَّا مَنْ أَيْتَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ) بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، وفتح النون والمهملة: أي نضِجَتْ، واستحقت القَطْفَ، وفي بعض الروايات: (يَنَعَت)) بغير ألف، وهي لغة، قال القزّاز: وأينعت أكثرُ. قاله في ((الفتح))(٢) وفي ((المصباح)): يَنَّعَتِ الثمارُ، يَتْعًا، من بابي نَّفْعَ، وضَرَبَ: أدركت، والاسم اليُثْعُ بضمّ الياء، وفتحها، وبالفتح قرأ السبعة: ﴿ويَنْعِهِ﴾ فهي يانِعةٌ، وأينعَتْ بالألف مثله، وهو أكثر استعمالاً من الثلاثيّ انتهى (٣) (فَهُوَ يُهْدِبْهَا) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وكسر المهملة، أي يجتنيها، ويقتطفها. وضبطه النوويّ بضم الدال، وحكى ابن التين تثليثها. (٤) . والله تعالى أعلم. وقوله (وَاللَّفْظُ لِإِسْمَاعِيلَ) أي لفظ هذا الحديث الذي ساقه لفظ شيخه إسماعيل بن مسعود، وأما شيخه عبيدالله فرواه بمعناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث خباب رَّه هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٤٠ /١٩٠٣ - وفي ((الكبرى))٢٠٣٠/٤٠- وأخرجه (خ) ١٢٧٦ و ٣٨٩٧ و٣٩١٤ و٤٠٤٧ و٦٤٣٢ و٦٤٤٨. (م) ٩٤٠ (د) ٢٨٧٦ (ت) ٣٨٥٣ (أحمد) ١٠٥٥٤ و٢٠٥٥٠ و٢٠٥٦٧ . والله تعالى أعلم . (١)- ((المصباح)) في مادة ذخر، و((النهاية)) ج١ ص٣٣. (٢)- ((فتح)) ج١١ ص٢٨٣ . (٣)- ((المصباح)) في مادة ينع. (٤)- هكذا نقل في ((الفتح)) عن النوويّ، وابن التين، والذي في ((ق)) و((اللسان)) أنه بكسر الدال فقط، فليحرّر. ٠٠ ٥١ ٤٠- القَمِيصُ فِي الکَفَن - حديث رقم ١٩٠٣ المسألة الثالثة: في فوائده : منها: ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية الكفن بدون القميص. ومنها: أن الكفن يكون سائرًا لجميع البدن، إن تيسّر، وإلا فستر رأسه أولى. ومنها: ما كان عليه السلف، من الصدق في وصف أحوالهم. ومنها: أن الصبر على مكابدة الفقر، وصعوبته من منازل الأبرار. ومنها: أن هجرة أصحاب رسول اللَّه وَ ل لم تكن لدنيا، يصيبونها، ولا نعمة يتعجّلونها، وإنما كانت خالصة لله تعالى، ليثيبهم عليها في الآخرة أجرا عظيما، كما وعدهم بذلك، فمن مات منهم قبل فتح البلاد توفّر له ثوابه، ومن بقي حتى نال من طيبات الدنيا خَشِيَ أن يكون عُجّل له أجر طاعته، كما ثبت في قصة عبد الرحمن بن عوف، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه))، فقال: ١٢٧٥- حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم، أن عبد الرحمن بن عوف، تَ ثُ ، أَتي بطعام، وكان صائما، فقال: قُتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، كفن في بُردة، إن غُطي رأسه، بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه، بدا رأسه، وأُراه قال: وقُتل حمزةُ، وهو خير مني، ثم بُسط لنا، من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خَشِينا أن تكون حسناتنا، عجلت لنا، ثم جعل يبكي، حتى ترك الطعام . وبالجملة فكانوا أحرص الناس على نعيم الآخرة، رضي الله تعالى عنهم، وعنّا معهم برحمته، إنه أرحم الراحمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: دلّ هذا الحديث على أن الكفن من جميع المال: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: ((ذِكْرُ إخراج الكفن قبل قضاء الديون، والوصايا، والمواريث)): اختلف أهل العلم في الكفن من أين يُخرَج؟ فقال أكثر أهل العلم: يُخرج من جميع المال، هكذا قال سعيد بن المسيّب، وعطاء، ومجاهد، والحسن البصريّ، وعمرو بن دينار، والزهريّ، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، ومالك، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن الحسن، وروينا ذلك عن الشعبيّ، والنخعيّ. قال: وبهذا نقول، لأن خبر مصعب بن عمير دليل على ذلك، وهو قوله: ((لم يترك إلا نمرة، كفّن فيها)). قال: وفي المسألة قولان شاذّان: أحدهما قول خِلَاس بن عمرو: إن الكفن من الثلث. والقول الثاني قول طاوس: إن الكفن من جميع المال، وإن كان المال قليلًا، فمن الثلث. وفي حديث ابن عباس تَؤفتا في قصة المحرم الذي مات دليل على أن ٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ الكفن من رأس المال، وهو قوله: ((وكفّنوه في ثوبيه)) انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى(١) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. وحاصله أن الكفن من جميع المال، وأنه مقدّم على الدين والوصية، لأن النبي وَله نصّ على تكفين مصعب بتلك النمرة، ولم يستفصل، هل عليه دين، أو وصية، أم لا؟ وكذلك في قصّة المحرم، كما سيأتي، إن شاء اللّه تعالى، وقد ثبت عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى مقالته المشهورة وهي، قاعدةٌ مسلّمة لَدَى المحقّقين في باب الاستدلال، وهي: («تركُ الاستفصال، في حكاية الحال، مع قيام الاحتمال، ينزّل منزلة العموم في المقال)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)) ٤١- كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ إِذَا مَاتَ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وهكذا ترجم الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى، فقال ابن المنيّر ◌َّْلهُ: تضمّنت الترجمة الاستفهام عن الكيفية، مع أنها مبيّنة، لكنها لما كانت تحتمل أن تكون خاصة بذلك الرجل، وأن تكون عامة لكلّ محرم آثر المصنّف الاستفهام انتهى . قال الحافظ رحمه الله تعالى: والذي يظهر لي أن المراد بقوله: ((كيف يُكفّن)) أي كيفية التكفين، ولم يرد الاستفهام، وكيف يُظنّ به أنه متردد فيه، وقد جزم قبل ذلك بأنه عامّ في حقّ كلّ أحد، حيث ترجم بجواز التكفين في ثوبين؟ انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحافظ رحمه اللَّه تعالى حسنٌ جداً . وحاصله أن مقصود الترجمة الإشارة إلى أن الحديث المذكور تحتها فيه بيان كيفية تكفين المحرم إذا مات في حال إحرامه. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٩٠٤ - أَخْبَرَنَا عُثْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ نَافِعِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((اغْسِلُوا الْمُخْرِمَ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَخْرََ فِيهِمَا، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِذْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُوهُ بِطِيبٍ، (١)- ((الأوسط)) ج٥ ص ٣٦٢- ٣٦٣. ٥٣ ٤١- كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُخْرِمُ إِذاَ مَاتَ - حديث رقم ١٩٠٤ وَلَا تُخُمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَةُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُخْرِمًا)) . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عتبة بن عبد الله) بن عُتبة الْيُحمِديّ، أبو عبد الله المروزيّ، صدوق [١٠]٨١/ ٩٨ . ٢- (يونس بن نافع) الْخُراسانيّ، أبو غانم القاضي، صدوق يخطئ [٨]. روى عن أبي سهل كثير بن زياد، وعمرو بن دينار، وأبي الزبير، ومنيع بن عبد الله، وأبي إياس الشاميّ، والمثنى. وعنه حامد بن آدم، وابن المبارك، وعتبة بن عبد الله، ومعاذ بن أسد، وأبو تُملية المروزيون. قال ابن المبارك: هو أول من اختلفت إليه. قال النسائيّ في ((الكبرى)) بعد إيراد حديث الباب: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: يونس بن نافع، يُكنى أبا غانم، ثقة مروزيّ، روى عنه عبد الله بن المبارك انتهى. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: يُخطئ، مات سنة (١٥٩). روى له أبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . ٣- (عمرو بن دينار) هو المذكور في الباب الماضي . ٤- (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]٤٣٦/٢٨. ٥- (ابن عبّاس) عبد الله البحر رَّت ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، يونس بن نافع، وقد وُثَّق. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، ومن المشهورين بالفتوى. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌َّهَا، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (اغْسِلُوا الْمُخْرِمَ) وفي بعض النسخ: ((اغسلوا الميت))، و((ال)) فيهما للعهد الحضوريّ، أي الرجل الذي مات محرما عندهم في عرفة، كما يوضّحه سياق الحديث، فإنه مختصر، وسيأتي تاما في ((كتاب مناسك الحجّ))، ولفظه في -٩٩/ ٢٨٥٥- من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رَّا، قال: بينا رجل واقف بعرفة مع رسول اللّه وَ ل، إذ وقع من راحلته، فأقعصه - أو قال فأقعصته- فقال رسول اللَّه وَالير: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبين، ولا تحتّطوه، ولا تخمّروا رأسه، فإن اللَّه عزّ وجلّ يبعثه يوم القيامة ملبيًا)). ومعنى ((أقعصه)): أي قتله قتلًا سريعًا. وفي لفظ: ((وقصت رجلًا محرما ناقته: أي ٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ كسرت عنقه . (فِي ثَوْبَيْهِ) متعلّق بـ)) اغسلوا)) (اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا) فيه أن المحرم يغسل في ثوبيه، ولا يُنزعان منه عند الغسل، لئلا تنكشف عورته (وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فيه أن السدر ليس من الطيب المحرّم على المحرم (وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ) هذا نصّ في أن كفن المحرم ثوباه اللذان أحرم بهما، ولا يزاد عليهما غيرهما . وفي رواية أخرى: ((في ثوبين)) بدون الضمير، قال القاضي عياض: والأولى أكثر الروايات، قال القرطبيّ: فعلى الرواية الأولى يحتجّ الشافعيّ على بقاء حكم إحرامه، كما سيأتي، لأنه أمر أن يكفّن في ثيابه التي كانت عليه. والرواية الثانية يحتمل أن تُحمل على الأولى، ويحتمل أن یرید زیدوا علی ثوبه الذي أحرم فيه ثوبین، ليكون كفنه وترًا، والأول أولى لأن إحدى الروايتين مفسّرة للأخرى . وقال المحبّ الطبريّ ◌َحّْثهُ في ((أحكامه)): إنما لم يزده ثوبًا ثالثًا، تكرمةً له، كما في الشهيد، حيث قال: ((زمّلوهم بدمائهم)) انتهى (١). وقال في ((الفتح)): يحتمل اقتصاره له على التكفين في ثوبيه، لكونه مات فيهما، وهو متلبّس بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد له غيرهما انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الظاهر، كما بينه المحبّ الطبريّ، ورجحه القرطبيّ رحمهما الله تعالى. والله تعالى أعلم . (وَلَا تَمَسُّوهُ) بفتح التاء، والميم، يقال: مَسّ الماء الجسدَ، من باب تَعِبَ، مَسأَّ: أصابه، ويتعدى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مسِسْتُ الجسدَ بماء، وأمسَسْتُ الجسد الماءَ. قاله في ((المصباح))، فالباء في قوله (بِطِيبٍ) للتعدية، فما وقع في شرح السيوطيّ، والسنديّ، من ضبطه بضم التاء، وكسر الميم، من الإمساس رباعيا فغلطٌ، لأن الرباعيّ يتعدى بنفسه، لا بالباء، ولفظ الرواية الآتية في -٢٨٥٤/٩٨ -: ((ولا تُمسّوه طيبًا)) وعليه فهو بضم التاءِ، وكسر الميم، من الإمساس. فتنبّه. وفي الرواية الآتية في - ٢٨٥٥/٩٩ -: ((ولا تُنِّطُوه)): هو بالحاء المهملة: أي لا تمسوه حَنُوطًا، والْحَنُوط بفتح الحاء، ويقال له: الْحِنَاط بكسر الحاء، وهو أخلاط من طيب، تُجمع للميت خاصّة، لا تُستعمل في غيره(٣). (وَلَا تُخُمِّرُوا رَأْسَهُ) أي لا تُغَطُّوا رأسه، ثم علّل النهي بقوله (فَإِنَةً يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١)-راجع ((الإعلام)) ج٤ ص ٤٥٠-٤٥١. و((الفتح)) ج٣ ص ٤٨٠. (٢)- ((فتح)) ج٣ ص ٤٨٠ . (٣)- ((شرح مسلم)) ج٨ ص ٣٦٧. ٥٥ ٤١- كَيْفَ يُكَفِّنُ المُخرِمُ إِذاَ مَاتَ - حديث رقم ١٩٠٤ مُخرِمًا))) أي لأنه يُبعث يوم القيامة على الحالة التي مات عليها، وهي الإحرام. وفي الرواية الآتية - في - ٩٩/ ٢٨٥٥ - ((فإن الله عزّ وجلّ يَبعثه يوم القيامة ملبّيّا)). وفي لفظ: ((يُبْعَثُ يُهُلُ))، وفي لفظ: ((يلبي)). قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: معناه على الهيئة التي مات عليها، ومعه علامة لحجّه، وهي دلالة الفضيلة، كما يجيء الشهيد يوم القيامة، وأوداجه تَشْخَب دمًا انتهى . ووقع في رواية: ((يبعث يوم القيامة ملبّدًا)) بدال بدل التحتانية، والتلبيد جمع الشعر بصمغ، أو غيره، ليخفّ شعثه، وكانت عادتهم في الإحرام أن يصنعوا ذلك. وقد أنكر عياض هذه الرواية، وقال: ليس للتلبيد معنى(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا وجه لإنكار القاضي عياض لرواية ((مُلَبِّدًا)) بعد صحة نقلها، ودعواه عدم المعنى لها، غير صحيحة، بل لها معنى مقصود، وهو أن يكون التلبيد علامة على موته، وهو كذلك، كما أن الشهيد يأتي بدمه وكلمه علامة على موته كذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس تَّ هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٩٠٤/٤١ - و٢٧١٣/٤٧ و٢٨٥٤/٩٨ و٩٩/ ٢٨٥٥ و٢٨٥٦ و٢٨٥٧/١٠٠ و٢٨٥٨٠/١٠١ وفي))الكبرى))٢٠٣١/٤١ و٣٨٣٦/٩٦ و٣٨٣٧/٩٧ و٣٨٣٨/٩٨ و٣٨٣٩ و٩٩/ ٣٨٤٠ و٣٨٤١/١٠٠. وأخرجه (خ) ١٢٦٥ و١٢٦٦ و١٢٦٧ و١٨٥٠ و١٨٥١ (م) ١٢٠٦ (د) ٣٢٣٨ و٣٠٨٤ (ق) ٣٠٨٤ (أحمد) ١٨٥٣ و١٩١٧ و٢٣٩٠ و٢٥٨٦ (الدارمي). ١٨٥٢ والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان كيفية تكفين المحرم. ومنها: استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأن إحرامه باق. ومنها: أنه لا يكفّن في المخيط. ومنها: أن فيه التعليل بالفاء، لقوله: ((فإنه يبعث الخ)). ومنها: أن التكفين في الثياب الملبوسة جائز، قال النووي تَخْذّلهُ: وهو مجمع عليه انتهى. ومنها: جواز التكفين في ثوبين، والأفضل الثلاثة إذا تيسر، لغير المحرم. ومنها: أن الكفن يكون من (١)- ((فتح) ج٤٧٩٣. ٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ رأس المال، وأنه مقدّم على الدين وغيره، لأن النبي وَ لّ أمر بتكفينه في ثوبيه، ولم يستفصل هل عليه دين مستغرق، أم لا؟ ومنها: أن التكفين واجب، قال النوويّ ◌َخّْثُ: وهو إجماع في حقّ المسلم، وكذلك غسله، والصلاة عليه، ودفنه انتهى.(١) ومنها: استحباب دوام التلبية في الإحرام، واستحباب التلبيد. ومنها: إباحة غسل المحرم الحيّ بالسدر، خلافًا لمن كرهه له. ومنها: أن الوتر في الكفن ليس بشرط في الصحّة، بل هو مستحبّ لغير المحرم، وهو قول الجمهور، واختلف فيما إذا شحّ بعض الورثة بالثاني، أو الثالث، والمرجّح أنه لا يلتفت إليه، وأما الواحد الساتر لجميع البدن، فلا بدّ منه بالاتفاق. (٢) ومنها: أن الإحرام يتعلّق بالرأس، وسيأتي الكلام على ما وقع في -٢٧١٤/٤٧ - بلفظ: ((ولا تخمروا وجهه، ورأسه الخ)) في محله إن شاء الله تعالى. ومنها: أن من شرع في عمل طاعة، ثم حال بينه وبين إتمامه الموت يُرجَى له أن اللَّه يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل. ومنها: أنه يدلّ على ترك النيابة في الحجّ، لأنه وَليّ لم يأمر أحدًا أن يُكَمِّل عن هذا المحرم أفعال الحجّ. هكذا قيل، وفيه نظر لا يخفى. (٣) ومنها: أنه استنبط الإمام الشافعي، وتبعه المزنيّ رحمه الله تعالى من هذا الحديث جواز قطع شجر السدر، لقوله: ((اغسلوه بماء وسدر)). وأما حديث: ((من قطع شجر سدر، صوّب الله رأسه في النار)). حديث صحيح أخرجه أبو داود، فمحمول على من قطع ما يَستَظِلُّ به ابنُ السبيل، والبهائم عبثا بغير حقّ، وقيل: غير ذلك. والله تعالى أعلم . [تنبيه]: أغرب القرطبي، فحكى عن الشافعيّ أن المحرم لا يصلَّى عليه، وليس ذلك بمعروف عنه. ذكره في ((الفتح))(٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء فيما يُفعل بالمحرم إذا مات: قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: وقد اختلف أهل العلم في تخمير رأس المحرم الميت، وتطييبه، فقالت طائفة: يُصنع به كما يُصنع بسائر الموتى، هذا قول عائشة، وبه قال عمر، وطاوس، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا بأس بأن يُحنّطَ الحلالُ المحرمَ الميتَ بالطيب . وقالت طائفة: لا يُغطى رأسه، ولا يُمسّ طيبا، رُوي هذا القول عن عليّ رَّه ، (١)-((شرح مسلم)) ج٨ص٣٦٦. (٢)- ((فتح)) ج٣ ص ٣٧٧ . (٣)- ((فتح)) ج٣ ص ٣٧٧ . (٤)- ((فتح)) ج٣ ص ٤٨٠ . ٤١- كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُخْرِمُ إِذاَ مَاتَ - حديث رقم ١٩٠٤ = ٥٧ وقال ابن عباس رَبِّ: لا يُغطّى رأسه، وقال الشافعيّ: لا يُمسّ طيبًا، ولا يُخمّر رأسه، وبه قال أحمد، وإسحاق . قال ابن المنذر ريحّْثُ: وبما ثبت عن رسول اللّه وَل نقول -يعني حديث الباب -. قال: وكان الثوريّ يميل إلى القول بالحديث . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وبما قاله ابن المنذر، ومال إليه الثوريّ رحمهما الله تعالى أقول، لصحة المنقول. وحاصله أن المحرم الميت يكفّن في ثوبيه، ولا يمسّ طيبًا، ولا يغطّ رأسه، كما أرشد إلى ذلك النبي ◌َّر في حديث الباب. والله تعالى أعلم. قال: وروينا عن عطاء قولا ثالثًا، وهو أن يُغسل بالماء، ويكفّن، ويُغطّى رأسه، ولا يُحتّط . قال: واختلفوا في تخمير وجهه، فأما من قال: إذا مات المحرم ذهب إحرامه، فلا معنى للمسألة على مذهبه، لأنه يَرى أن يُفعل به كما يُفعل بسائر الموتى، وقياس قول من رأى أن للمحرم الحيّ أن يُحمِّرَ وجهَهُ أن يقول: يُخَمَّرُ وجهُ المحرم الميت . وممن كان لا يرى بأسّا أن يُخَمِّرَ المحرمُ وجهَهُ سعد بن أبي وقّاص، وجابر بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وطاوس، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور . وكرهت طائفة من أصحاب الحديث أن يُخَمِّرَ وجهَهُ، وأن يُخَمَّر وجهُ المحرم الميت. وحُجَّةُ هؤلاء حديثُ ابن عباس الآتي ٢٧١٤/٤٧ -بلفظ: ((ولا تخمروا وجهه ورأسه ... )). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما عزاه إلى أصحاب الحديث هو الحقّ، لصحة الحديث بذلك كما سيأتي في محله إن شاء اللّه تعالى، والله تعالى أعلم(١). وقال في ((الفتح)) عند قول البخاريّ: ((باب الحنوط للميت)): أي غير المحرم، وأورد حديث ابن عباس المذكور في الباب، قال: وشاهد الترجمة قوله: ((ولا تحنّطوه))، ثم علل بأنه يُبعث ملبيًا، فدلّ على أن سبب النهي أنه كان محرمًا، فإذا انتفت العلّة انتفى النهي، وكأن الحنوط للميت كان مقرّرا عندهم، وكذا قوله: ((ولا تخمّروا رأسه))، أي لا تُغَطُوه . قال البيهقيّ نَخّْلهُ: فيه دليل على أن غير المحرم يُحتّط، كما يُحمّر رأسه، وأن (١)- (الأوسط)) ج٥ ص ٣٤٣-٣٤٦. =٥٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ النهي إنما وقع لأجل الإحرام، خلافا لمن قال من المالكيّة وغيرهم: إن الإحرام ينقطع بالموت، فيُصنع بالميت ما يُصنع بالحيّ. قال ابن دقيق العيد ◌َخْذَّلهُ: وهو مقتضى القياس، لكن الحديث بعد أن ثبت يقدّم على القياس. وقد قال بعض المالكية: إثبات الحنوط في هذا الخبر بطريق المفهوم من منع الحنوط للمحرم، ولكنها واقعة حال، يتطرّق الاحتمال إلى منطوقها، فلا يستدلّ بمفهومها . وقال بعض الحنفية: هذا الحديث ليس عامًا بلفظه، لأنه في شخص معيّن، ولا بمعناه، لأنه لم يقل: يبعث ملبيا لأنه محرم، فلا یتعدی حکمه إلى غيره إلا بدليل منفصل. وقال ابن بزيزة: وأجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث بأن هذا مخصوص بذلك الرجل، لأن إخباره وَله بأنه يُبعث ملبيا شهادة بأن حجه قُبل، وذلك غير محقّق لغيره. وتعقّبه ابن دقيق العيد بأن هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام، فتعمّ كلّ محرم، وأما القبول وعدمه فأمر مغيّب . واعتلّ بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وبقوله وَ له: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث))، وليس هذا منها، فينبغي أن ينقطع عمله بالموت . وأجيب بأن تكفينه في ثوبي إحرامه، وتبقيته على هيئة إحرامه من عمل الحيّ بعده، كغسله، والصلاة عليه، فلا معنى لما ذكره . وقال ابن المنيّر ◌ََّّهُ في ((الحاشية)): وقد قال ◌َ له في الشهداء: (زمّلوهم بدمائهم)) مع قوله: ((والله أعلم بمن يُكلم في سبيله))، فعمّم الحكم في الظاهر، بناء على ظاهر السبب، فينبغي أن يُعمّم الحكم في كلّ محرم، وبين المجاهد والمحرم جامعٌ، لأن كلّا منهما في سبيل اللَّه. وقد اعتذر الداوديّ عن مالك، فقال: لم يبلغه هذا الحديث. وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقيًا، لوجب أن يكمّل به المناسك، ولا قائل به . وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل، فيقتصر به على مورد النصّ، ولا سيّما وقد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام، كاستبقاء دم الشهيد انتهى ما قاله في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أكثر هذه الأقوال آراء ساقطة، لأنها في مقابلة النصّ، واحتجاج على المنقول بالمعقول، وأحسن ما يُعتذر به عن الأئمة كمالك، ونحوه هو ما قاله الداوديّ، وهو أنه لم يبلغهم النصّ، وإلا لما خالفوه مع وضوحه . (١)- ((فتح) ج٣ ص٤٧٨ . ٥٩ ٤٢ - الْمِسْكُ - حديث رقم ١٩٠٥ والحاصل أن الصواب العمل بما دلّ عليه حديث ابن عباس رَّا المذكور في الباب، فلا يُخمّر رأسه المحرم الميت، ولا وجهه، ولا يحنّط، وأنه باق على إحرامه، وأن العلة هي الإحرام، وهي عامة في كل محرم، والأصل أن ما ثبت لشخص في زمنه وَلّر ثابت لغيره حتى يدلّ الدليل على خلافه، ولم يثبت خلافه، كيف، وقد ثبت أنه وَالتل قال: ((يبعث كلّ عبد على ما مات عليه)) رواه مسلم، وهذا عام في كل صورة ومعنى، فاقتضى ذلك تعلق هذا الحكم على الإحرام حيث مات محرما، فيعمّ كل محرم، كيف والتلبية من لوازم الإحرام، والعمل بالحديث مقدم على القياس، وهو متعين. (١) ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال (مِن الوافر]: إِذاْ جَالَتْ خُيُولُ النَّصْ يَوْمًا تُجارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيْينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٤٢- الْمِسْكُ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد المصنف رحمه اللّه تعالى بهذه الترجمة الاستدلال على مشروعية استعمال المسك للميت، ووجه ذلك أن النبي وَ لّ قال في قصّة المحرم: (ولا تَمَسُوه بطيبٍ))، فإن مفهومه أن غير المحرم من الأموات يُمَسُ طيبًا، وحديث الباب نصّ في كون المسك من أطيب الطيب، فدل على أن استعمال المسك للميت غيرِ المحرم مستحبّ، وهذا من دقيق فقه المصنّف رحمه الله تعالى، فللَّه درّه ما أحدٌ نظره، وما أصوب فكره. وصنعيه هذا نظير صنيع الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى حيث ترجم بقوله: ((باب الحنوط للميت))، ثم أورد قصة المحرم، وفيه: ((ولا تُحتّطوه))، فاستنبط من مفهوم النهي استحبابَ الحنوط للميت غير المحرم، واستنباط المصنف رحمه الله تعالى أدقّ. والله (١)- انظر ((الإعلام)) ج ٤ ص ٤٥٣. ٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ تعالى أعلم . قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الْمِسْكُ طيب معروف، وهو معرّبٌ، والعرب تسميه المشموم، وهو عندهم أفضل الطيب، ولهذا ورد: «الخُلُوفُ فم الصائم عندالله أطيب من ريح المسك))، ترغيبًا في إبقاء أثر الصوم. قال الفَرَّاء: المسك مذكّرٌ، وقال غيره: يذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو المسكُ، وهي المسك، وأنشد أبو عُبيدة على التأنيث قولَ الشاعر [من الرجز]: وَالْمِسْكُ وَالْعَثْبَرُ خَيْرُ طِيبٍ أُخِذَتَا بِالثَّمَنِ الرَّغِيبِ وقال السجستانيّ: من أنّثَ المسك جعله جمعًا، فيكون تأنيثه بمنزلة تأنيث الذَّهَب والعَسَل، قال: وواحدته: مِسْكَةٌ، مثلُ ذَهَبٍ وذَهَبَة: قال ابن السِّكْيت: وأصله: مِسِكَّ بكسرتين، قال رُؤْبَة [من الرجز]: إِنْ تُشْفَ نَفْسِي مِنْ ذُبَابَاتِ الْحَسَكْ أَخْرٍ بِهَا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسِكْ وهكذا رواه ثَعْلَبٌ، عن ابن الأعرابيّ. وقال ابن الأنباريّ: قال السِّجِسْتَانيّ: أصله السكون، والكسر في البيت اضطرار، لإقامة الوزن، وكان الأصمعيّ يُنشد البيتَ بفتح السين، ويقول: هو جمع مِسْكَة، مثلُ خِرْقَة وخِرَق، وقِرْبَةٍ وقِرَب، ويؤيّد قول السجستانيّ أنه لا يوجد فِعِلٌ بكسرتين إلا إِلٌ، وما ذُكر معه، فتكون الكسرة لإقامة الوزن، كما قيل [من الرجز]: عَلَّمَنَا إِخْوَانُنَا بَنُو عِجِلْ شُرْبَ النَّبِيذِ وَاعْتِقَالًا بِالرُّجِلْ والأصل السكون باتفاق، أو تكون الكسرة حركة الكاف نُقلت إلى السين لأجل الوقف، وذلك سائغ انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب. ١٩٠٥- أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، وَشَبَابَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ جَعْفَرٍ، سَمِعَ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ: ((أَطْيَبُ الطَّيبِ الْمِسَّكُ . رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (محمود بن غَيلان) أبو أحمد المروزيّ، ثقة [١٠]٣٧/٣٣ . ٢- (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩]١٣/ ٣٤٣ . (١)- ((المصباح)) في مادة مسك.