النص المفهرس

صفحات 321-340

١٧- دعوى الجاهلية - حديث رقم ١٨٦٠
٣٢١
١٧- دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أفرد هذا القدر بترجمة ليشعر بأن النفي الذي حاصله
التبرّي يقع بكلّ واحدة من الخصال المذكورات في الحديث، لا بمجموعها، ويؤيّد
ذلك رواية مسلم بلفظ: ((أو شقّ الجيوب، أو دعا الخ)). أفاده في ((الفتح))(١).
والدَّغوى -بالفتح مقصورًا- مصدر دَعَا، كالدُّعاء. يقال: دعوت زيدًا أدعوه دعاءً
ودَغْوَى: ناديته، وطلبت إقباله، ودعوت اللَّهَ: ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما عنده
من الخير. والمناسب هنا المعنى الأول .
وجمع الدَّغْوَى الدَّعَاوي بكسر الواو، وفتحها، قال بعضهم: الفتح أولى، لأن العرب
آثرت التخفيف، ففتحت، وحافظت على ألف التأنيث التي بُني عليها المفرد، وبه يُشعر
كلام أبي العباس أحمد بن ولّاد، ولفظه: وما كان على فُعْلَى بالضمّ، أو الفتح، أو
الكسر، فجمعه الغالب الأكثر فَعَالَى بالفتح، وقد يكسرون اللام في كثير منه. وقال
بعضهم: الكسر أولى، وهو المفهوم من كلام سيبويه، لأنه ثبت أن ما بعد ألف الجمع
لا يكون إلا مكسورًا، وما فُتح منه فمسموع، لا يُقاس عليه، لأنه خارج عن القياس.
أفاده في ((المصباح)) .
والمراد من الجاهلية زمن الفترة التي قبل الإسلام، والمراد بدعوى الجاهلية أن يدعو
عند البكاء بالويل، والثبور، أو أن يقول: واكهفاه، واجبلاه، ونحو ذلك، مما كان
يقوله الجاهلية . والله تعالى أعلم بالصواب.
١٨٦٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ حِ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ
إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِذْرِيسٍّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَِّ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ،
وَدَعَا بِدُعَاءِ الْجَاهِلِيَةِ)). وَاللَّفْظُ لِعَلِيٍّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: ((بِدَعْوَى)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (علي بن خَشْرم) المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠] ٨/٨.
٢- (الحسن بن إسماعيل) المُجَالديّ المصّيصيّ، ثقة [١٠] ٤٣٢/٢٦.
٣- (عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة مأمون [٨]٨/٨.
(١)- ((فتح)) ج٣ ص٥١٢ .

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
٣٢٢
٤- (ابن إدريس) عبد الله الأودي الكوفي الثقة الفقيه العابد [٨]١٠٢/٨٥.
٥- (الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الحجة الشهير [٥]١٨/١٧.
٦- (عبد الله بن مُرّة) الهمدانيّ الخارفيّ -بمعجمة، وراء، وفاء - الكوفيّ، ثقة [٣].
وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ، وابن حبّان. وقال ابن سعد: كان
ثقة، وله أحاديث صالحة، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال عمرو بن عليّ:
سنة (١٠٠) وأرخه ابن قانع سنة (٩٩) روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا
الكتاب تسعة أحاديث.
٧- (مسروق) بن الأجدع الهمدانيّ الكوفي المخضرم، ثقة ثبت [٢]١١٢/٩٠.
٨- (عبد الله) بن مسعود رَّ ٣٩/٣٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه سداسيات المصنف رَّهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فعلي
مروزيّ، والحسن مصيصي. وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض:
الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) ابن مسعود ◌َّه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَيْسَ مِنَّا) أي من
أهل سنتنا، وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ
المبالغة في الرَّذع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لستُ
منك، ولستَ منّي، أي ما أنت على طريقتي .
وقال الزين ابن المنير رَخْذَلهُ: ما ملخّصه: التأويل الأول يستلزم أن يكون الخبر إنما
ورد عن أمر وجوديّ، وهذا يُصان كلام الشارع عن الحمل عليه، والأولى أن يقال:
المراد أن الواقع في ذلك يكون قد تعرّض لأن يُهُجَر، ويُعرض عنه، فلا يَختلط بجماعة
السنة، تأديبًا له على استصحابه حاله الجاهلية التي قبحها الإسلام، فهذا أولى من
الحمل على ما لا يُستفاد منه قدر زائد على الفعل الموجود .
وحُكي عن سُفيان(١) أنه كان يكره الخوض في تأويله، ويقول: ينبغي أن يمسك عن
ذلك ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر .
وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل، أي أنه خرج من فرع من فروع الدين، وإن
(١)- هو ابن عيينة، كما بينه النووي في ((شرح مسلم)) ج٢ ص٢٩١ .

١٧ - دَعْوَى الْجَاهِلِية - حديث رقم ١٨٦٠
-٣٢٣
كان معه أصله، حكاه ابن العربيّ .
قال الحافظ تَّلهُ: ويظهر لي أن هذا النفي يفسّره التبرّي الآتي في حديث أبي
موسى رَّه، حيث قال: ((بريء منه النبي ◌َّ))، وأصل البراءة الانفصال من الشيء،
وكأنه توعّده بأن لا يُدخله في شفاعته مثلًا. وقال المهلّب: قوله: ((أنا بريء))، أي من
فاعل ما ذُكر وقت ذلك الفعل، ولم يُرد نفيه عن الإسلام .
وهذا يدلّ على تحريم ما ذُكر من شقّ الجيب، وغيره، وكأن السبب في ذلك ما
تضمّنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال مع العلم بالتحريم،
أو التسخّط مثلًا بما وقع، فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين. قاله في
(الفتح))(١).
(مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ) ولفظ البخاريّ: ((من لَطَمَ الخدود)). و((الخدود)) جمع خدّ، قال
المجد اللغوي ◌َخّْثهُ: الخَدّان - بالفتح- والخُدَّان - بالضمّ -: ما جاوز مؤَخَّر العينين
إلى منتهى الشّذْق، أو اللذان يكتنفان الأنف عن يمين وشمال، أو من لدُن المَخجِر(٢)
إلى اللَّخي، مذكّر انتهى .
وخصَّ الخدّ بذلك لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك
(وَشَقَّ الْجُيُوبَ) جمع جَيب -بالجيم، والموحّدة- وهو ما يفتح من الثوب ليُدْخَل فيه
الرأس، والمراد بشقّه إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات التسخّط (وَدَعَا بِدُعَاءِ
الْجَاهِلِيَّةِ) في ((الكبرى)): ((بدعاء أهل الجاهلية))، ولمسلم: ((بدعوى أهل الجاهلية))،
أي من النياحة، ونحوها، وكذا الندبة، كقولهم: واجبلاه، وكذا الدعاء بالويل
والثبور، فقد أخرج ابن ماجه، وصححه ابن حبّان، من حديث أبي أمامة رَزَّه: ((إن
رسول اللَّه وَ ليهِ لعَنَ الخامشة وجهها، والشّاقّة جيبها، والداعية بالويل والثبور)).
ثم إن عمومه يشمل الذكر والأنثى، وتخصيص الإناث في بعض الأحاديث خرج
مخرج العادة، فإن هذه الأفعال إنما هي عادتهنّ، لا عادة الذكور، والواو فيهما بمعنى
((أو))، فالحكم في كلّ واحد منها، لا في المجموع، لأن كلّا منها دالٌ على عدم الرضا،
والتسليم للقضاء .
وقوله (وَاللَّفْظُ لِعَلِيٍّ) بيّن به اختلاف شيخيه في لفظ الحديث، فاللفظ المذكور هنا
لشيخه عليّ بن خشرم، وأما شيخه الحسن بن إسماعيل، فيختلف لفظه عن لفظه قليلًا،
(١)-ج٣ ص٥١٢- ٥١٣ .
(٢) - الْمَحْجِر وزان مجلس، ومِنبَر: الحديقة، ومن العين ما دار بها، وبدا من البرقع، أو ما يظهر من
نقابها. اهـ ((ق)).

٣٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
كما بيّنه بقوله (وَقَالَ الْحَسَنُ: ((بِدَغْوَى))) والدعاء بالضم، والدعوى بالفتح والقصر
مصدران لدعا، يقال: دعوت فلانًا: إذا ناديته، وطلبت إقباله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن مسعود تبني هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٧/ ١٨٦٠ - و١٨٦٢/١٩ و١٨٦٤/٢١. وفي («الكبرى»١٧/ ١٩٨٧
و١٩٨٩/١٩ و١٩٩١/٢١. وأخرجه (خ) ١٢٩٧ و١٢٩٤ و١٢٩٨ (م) ١٠٣ (ت) ٩٩٩
(ق) ١٥٨٤ (أحمد) ٣٦٥٠ و٣١٠٠ و٤٢٠٣ و٤٣٤٨ و٤٤١٦. والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: تحريم هذه الأشياء المذكورة في هذا الحديث، لأنها مشعرة بعدم الرضا
بالقضاء. ومنها: أن هذه الأشياء من صنيع الجاهلية، وأن المسلم يجب عليه الابتعاد
من صنيعهم. ومنها: وجوب الرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لأمره، لأنه تعالى أعلم
بمصالح عباده منهم، وإنما يبتليهم بالمصائب إما ليكفّر بها عنهم سيئاتهم، وإما لیرفع بها
درجاتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]، فواجب العبد إذا أصيب بمصيبة، أن
يسترجع، ويعلم أنه يعوّض من عند الله تعالى خيرًا مما أصيب به، كما قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنََّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّنْ زَّيِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .
وقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث أم سلمة رَثها ، أنها قال: سمعت رسول
اللَّهِ وَ ل يقول: ((ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول: ما أمره الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ
رَجِعُونَ﴾، اللّهم أجرني في مصيبتي، وأخلِفْ لي خيرًا منها، إلا أخلف اللَّه له خيرًا
منها))، وفي لفظ: ((إلا أجره اللَّه في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها)).
وأخرج البخاري ◌َّتُهُ في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة تَّه، عن النبي ◌َّ،
قال: ((يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إذا قبضت صفيّه من أهل
الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة)). وأخرج مسلم في ((صحيحه))، من حديث صهيب رنّ ،
عن النبي وَّر: ((قال: ((عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا
للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرًا
له)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .

٣٢٥ ===
١٨ - السَّلْقُ - حديث رقم ١٨٦١
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٨ - السَّلْقُ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((السَّلْقُ)) بفتح، فسكون، مصدر سَلَقَ، من باب
ضرب، ويقال: بالصاد بدل السين. قال ابن منظور رحمه اللّه تعالى: السَّلْقُ: شدّة
الصوت، وسَلَقَ لغةٌ في صَلَقَ: أي صاح، قال الأصمعيّ: الصوت الشديد وغيره
بالسين، وقال أبو عُبيد: سَلَقَ: يعني رفع صوته عند موت إنسان، أو عند المصيبة،
وقيل: هو أن تصُكَّ المرأة وجهها، وتَمْرُسَهُ، والأول أصحّ، ويقال: بالصاد. وقال ابن
المبارك: من سَلَقَ: أي خَمَشَ وجهَه عند المصيبة، ومن السَّلْقِ رفع الصوتِ قولُهُم:
خَطِيب مِسْلَقٌ انتهى كلام ابن منظور باختصار(١) . والله تعالى أعلم بالصواب.
١٨٦١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ عَوْفٍ، عَنْ خَالِدِ الْأَحْدَبِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، قَالَ: أَغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى،
فَبَكَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَبْرَأُ إِلَيْكُمَ، كَمَا بَرِئَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ، (لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ، وَلَا
خَرَقَ، وَلَا سَلَقَ)).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلاس البصري الحافظ الثبت [١٠]٤/٤.
٢- (سليمان بن حرب) الأزديّ الواشحيّ البصري، ثم المكيّ، ثقة ثبت [٩]١٨١/
٢٨٨ .
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧]٢٦/٢٤.
٤- (عوف) بن أبي جميلة الأعرابي البصري، ثقة رمي بالقدر والتشيع [٦]٥٧/٤٦.
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ ((المجتبى)): ((عمرو(( بدل عوف، وهو تصحيف
فاحش، فتنبه. والله تعالى أعلم .
٥- (خالد الأحدب) هو: ابن عبد الله بن مُحرز ابن أخي صفوان بن مُحرز المازنيّ
البصريّ، صدوق [٧].
وثقه العجليّ، وابن حبان. روى له مسلم، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا
(١)- ((لسان العرب)) في مادة سلق.

٣٢٦
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
الحديث فقط .
[تنبيه]: قوله: ((الأحدب))، ويقال له أيضًا: ((الأثبج))، بمثلثة، بعدها موحدة،
وجيم، وهو كما في ((ق)): العريض الثَّج، أو الناتئه، والشََّج محرّكةً: ما بين الكاهل
إلى الظهر انتهى .
٦- (صفوان بن مُحرِز) بن زياد، المازنيّ، وقيل: الباهليّ، وقال الأصمعيّ: كان
نازلاً في بني مازن، وليس منهم، ثقة عابد [٤] .
قال أبو حاتم: جليل. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله فضل وَرَع. وقال العجليّ:
تابعيّ بصريّ ثقة. قال الواقديّ: توفي في ولاية بشر بن مروان. وقال ابن حبّان: مات
سنة (٧٤) في ولاية عبد الملك، وكان من العبّاد، اتخذ لنفسه سَرَبًا يبكي فيه. وروى
محمد بن نصر في ((قيام الليل)) من طريق يزيد الرقاشي أن صفوان بن مُحرِز كان إذا قام
إلى التهجّد قام معه سُكّان داره من الجنّ، فصلّوا بصلاته. انتهى. لكن يزيد الرقاشي،
وهو ابن أبان، مع زهده ضعيف .
روى له الجماعة سوى أبي داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط .
٧- (أبو موسى الأشعريّ) عبد الله بن قيس الصحابي المشهور ونه ٣/٣. والله
تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): شيخه هو أحد مشايخ الأئمة
الستة الذين رووا عنهما بلا واسطة، وأن فيه رواية الراوي، عن عمه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُخْرِزٍ) المازني، أنه (قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى) الأشعريّ، وفي
رواية «وجع أبو موسى وَجَعًا، فَغُشي عليه)) (فَبَكَوْا عَلَيْهِ) وفي رواية مسلم من طريق أبي بردة
ابن أبي موسى، قال: وجع أبو موسى وجعًا، فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله،
فصاحت امرأة من أهله ... ))، وفي رواية له من طريق عبد الرحمن بن يزيد، وأبي بردة بن
أبي موسى، قالا: أغمي على أبي موسى، وأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برَنَّة ... )).
قال الحافظ بعد ذكر هذه الاختلافات: فحصلنا على أنها أم عبد الله بنت أبي دومة،
وأفاد عمر بن شبّة في ((تاريخ البصرة)) أن اسمها صفية بنت دمون، وأنها والدة أبي بُردة
ابن أبي موسى، وأن ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة، من قِبَلٍ عمر بن

١٨ - السَّلْقُ - حديث رقم ١٨٦١
٣٢٧ -
الخطاب ◌َظّيه انتهى.
وهي صحابية هاجرت مع أبي موسى، ذكرها الحافظ، وابن عبد البرّ في الكنى من
الصيجابيات(١).
(فَقَالَ: أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ) وفي رواية مسلم المذكورة: ((فلم يستطع أن يردّ عليها شيئًا، فلما
أفاق قال: أنا بريء مما برىء منه رسول اللَّه وَّل، فإن رسول اللّه ◌َ ل برىء من
الصالقة، والحالقة، والشاقّة))، وفي رواية له: ((ثم أفاق، قال: ألم تعلمي - وكان
يحدّثها- أن رسول اللّه وَ لير قال: ((أنا بريء ممن حلق، وسلق، وخرق)).
قال القرطبي تَخْذّلهُ: أصل البراءة الانفصال عن الشيء، والبينونة منه، ومنه البراءة
من العيوب والدين، ويحتمل أن يريد به أنه متبرّىء من تصويب فعلهم هذا، أو من
العهدة اللازمة له في التبليغ انتهى (٢).
وقال النوويّ نقلًا عن القاضي عياض رحمهما الله تعالى: قوله: ((أنا بريء ممن
حلق))، أي بريء من فعلهنّ، أو ما يستوجبن من العقوبة، أو من عهدة ما لزمني من
بيانه، وأصل البراءة الانفصال انتهى. قال النووي: ويجوز أن يراد به ظاهره، وهو
البراءة من فاعل هذه الأمور، ولا يقدّر فيه حذف انتهى(٣).
(كَمّا بَرِئَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، ((لَيْسَ مِنَّ) مقول لقول مقدّر، أي قائلًا ليس منّا،
فالكلام للنبي وَّه لا لأبي موسى ◌َّثه (مَنْ حَلَقَ) أي الذي حلق شعره عند المصيبة
(وَلَّا خَرَقَ) أي شقّ ثوبه عند المصيبة (وَلَّا سَلَقَ) أي الذي رفع صوته عند المصيبة،
ويقال: بالسين والصاد، كما تقدّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي موسى تظلّ هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٨/ ١٨٦١ و١٨٦٣ و ١٨٦٥ و١٨٦٦ و١٨٦٧٠ وأخرجه (خ) ١٢٩٦
تعليقا (م) ١٠٤ (د) ٣١٣٠ (ق) ١٥٨٦ (أحمد) ١٩٠٤١ و١٩٠٩٣ و١٩١١٩ و١٩١٢٩
و١٩١٩١ و١٩٢٣٠٠ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١)-راجع ((الإصابة)) ج١٣ ص ٢٤٧ .
(٢)- ((المفهم)) ج١ ص٣٠١ -٣٠٢ .
(٣)-(شرح مسلم» ج٢ ص٢٩٤ .

٣٢٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِز
١٩ - ضّرْبُ الْخُدُودِ
١٨٦٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
حَدَّثَنِي زُبَيْدٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((لَيْسَ مِنَّا
مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَغْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (محمد بن بشار) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠]٢٧/٢٤.
٢- (يحيى) بن سعيد القطّان الإمام الحجة الثبت [٩]٤/٤.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفي الإمام الثبت الحجة [٧]٣٧/٣٣ .
٤ - (زبيد) بن الحارث اليامي الكوفي، ثقة ثبت عابد [٦]١٤٢٠/٣٧.
٥- (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ الكوفي الثقة الفقيه [٥]٣٣/٢٩.
٦- (مسروق) بن الأجدع الهداني الكوفي المذكور قبل باب .
٧- (عبد الله) بن مسعود رَزّه ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم.
ومن لطائف هذا الإسناد أن رجالہ کلهم رجال الصحيح، وأنهم کوفیون، إلا شیخه،
وشيخ شيخه، فهما بصريان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ .
والحديث متفق عليه، وقد تقدم البحث فيه قبل باب، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٠- الْحَلْقُ
١٨٦٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ،
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ أَبِي صَخْرَةَ، عَنَّ عَبْدِ الرَّحِمَنِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي بُرْدَّةً،
قَالَا: لَمَّا ثَقُلَ أَبُو مُوسَى، أَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ تَصِيحُ، قَالَا: فَأَفَاقَّ، فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبِرْكِ (٢)
(١) -وفي نسخة: ((أخبرنا))، وفي أخرى: ((أنبأنا)».
(٢) - وفي نسخة ((ألا أخبرك))، وفي أخرى ((ألم أخبركم)).

٣٢٩
٢٠ - الخَلْقُ - حديث رقم ١٨٦٣
أَنّي بَرِيءٌ، مِمَّنْ(١) بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ بِ، قَالَا: وَكَانَ يُحَدِّثُهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وَهِ، قَالَ: ((أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ، وَخَرَقَ، وَسَلَقَ)).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (أحمد بن عثمان بن حَكيم) الأوديّ الكوفي، ثقة [١١]٢٥٢/١٦٠.
٢- (جعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ،
صدوق [٩]٦٨٤/٤٠.
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ ((المجتبى)) جعفر بن عوف)) بالفاء بدل النون، وهو
تصحيف فاحش، فتنبّه. والله تعالى أعلم .
٣- (أبو العميس) - بصيغة التصغير - عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود
الْهُذَلِيّ المسعوديّ الكوفيّ ثقة [٧] ٤٠ /٦٨٤.
[تنبيه]: أبو العُمَيس هذا مشهور بكنيته، ذكره الحاكم في أفراد الكنى، يعني أنه لا
يشاركه في كنيته أحد. والله تعالى أعلم .
٤- (أبو صخرة) ويقال: ((أبو صخر)) بلاهاء: جامع بن شدّاد المحاربي، الكوفيّ،
ثقة [٥]١٤٥/١٠٨.
٥- (عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة من كبار [٣]٣٧/
٤١ .
٦- (أبو بردة) بن أبي موسى الأشعري: اختلف في اسمه، فقيل: الحارث، وقيل:
عامر، ثقة [٣]٣/٣.
٧- (أبو موسى) الأشعريّ ◌َظميه المذكور قبل باب .
والإسناد كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد
تقدم البحث فيه قبل باب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
(١)- وفي نسخة ((مما)).

٣٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
٢١- شَقُّ الْجُيُوبِ
١٨٦٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَِّيِّ وَِّ، قَالَ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ
ضَرَبَّ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَغْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» .
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (إسحاق بن منصور) الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ ثقة ثبت [١١]٨٨/٧٢.
٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ البصري الإمام المشهور[٩]٤٩/٤٢.
والباقون تقدموا قبل باب، وسفيان هو الثوريّ. والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق
بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٨٦٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ(١)، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَبَكَثْ أُمُّ
وَلَدٍ لَهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ لَهَا:َ أَمَا بَلَغَكِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ؟، فَسَأَلْنَاهَا؟، فَقَالَتْ:
قَالَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ سَلَقَ، وَحَلَقَ، وَخَرَقَ)) .
رجال هذا الإسناد : ثمانية :
١- (محمد بن المثنى) البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٨٠/٦٤.
٢- (محمد) بن جعفر المعروف بغندر البصريّ، ثقة [٩]٢٢/٢١.
٣- (شعبة) الإمام المذكور قبل بابين .
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ: ((سعيد)) بدل ((شعبة))، وهو غلط، فتنبّه. والله تعالى
أعلم .
٤- (منصور) بن المعتمر الكوفي الثقة الثبت [٥]٢/٢.
٥- (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ المذكور قبل باب .
٦- (يزيد بن أوس) الكوفيّ مقبول [٤].
روى عن أبي موسى، وامرأته، وثابت بن قيس النخعي، وعلقمة. وعنه إبراهيم
النخعيّ. قال علي بن المديني: نظرت، فإذا قلّ رجل من الأئمة إلا قد حدّث عن
رجل، لم يرو عنه غيره. فقال له رجل: فإبراهيم النخعيّ عمن روى عن المجهولين؟
(١)- وفي نسخة ((سعيد)) بدل ((شعبة))، وهو تصحيف.

٣٣١
٢١- شتىَّ الجُيُوب - حديث رقم ١٨٦٥
قال: روى عن يزيد بن أوس، عن علقمة، فمن يزيد بن أوس؟ لا نعلم أحدًا روى
عنه غير إبراهيم. انتهى. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). انفرد به أبو داود،
والمصنّف، وله عندهما هذا الحديث، وله عند المصنف حديث آخر تقدّم في
(الصلاة)) برقم (٥٠١) .
٧- (أم ولد أبي موسى) الأشعريّ هي أم عبد اللّه الآتية في السند التالي، وهي بنت
أبي دومة، لها صحبة، وحديث .
٨- (أبو موسى) الأشعريّ رَّه ٣/٣.
وقوله: ((فبكت أم ولدله))، أراد به زوجته أم عبد الله بنت أبي دومة الآتية في الحديث
التالي. والله تعالى أعلم .
[تنبيه]: قال الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)» ١٣/ ٩٠ في مسند أم
عبد الله امرأة أبي موسى الأشعريّ: ما نصّه: حديث: ((دخلت على أبي موسى، وهو
ثقيل، فذهبت امرأته لتبكي .... )) الحديث وفيه: ((فلقيت المرأة، فقالت: قال رسول
اللّهِ وَ له: (ليس منّا من حلق ... )) (د) في ((الجنائز عن عثمان، عن جرير، عن
منصور، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس، قال دخلت ... فذكره. (س) فيه عن ابن
المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن منصور نحوه. وعن هنّاد، عن أبي معاوية، عن
الأعمش، عن إبراهيم، عن سهم بن منجاب، عن القرثع، قال: لما ثقُل أبو موسى
صاحت امرأته ... فذكر معناه. رواه زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن
إبراهيم النخعيّ، عن ثابت بن قيس، عن أم عبد اللَّه، عن أبي موسى، عن النبيّ وَّ،
ورواه هُشيم، عن عياض بن غنم الأشعريّ، عن امرأة أبي موسى، ولم يسمّها، عن أبي
موسى، عن النبيّ ◌َّر. انتهى.
وكتب الحافظ في ((النكت الظراف)): ما نصّه: رواية جرير ظاهرها أن الحديث من
مسند أم عبد الله، ورواية شعبة ظاهرها أن الحديث من مسند أبي موسى، وأن أم عبد
الله إنما سمعته منه، كذلك أخرجه النسائيّ، ولفظه: عن يزيد بن أوس، عن أبي موسى
أنه أغمي عليه، فبكت أم ولد له، فلما أفاق قال: أما بلغك ما قال رسول اللَّه ◌َليه؟
فسألناها، فقالت: قال: ((ليس منا من سلق، وحلق، وخرق))، ثم أخرجه النسائيّ من
طريق إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس، عن أم عبد الله امرأة أبي
موسى، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللَّه وَاليه ... فذكره. وقد أخرجه النسائيّ
أيضًا من رواية القُرتُع، قال: لما ثقُل أبو موسى صاحت امرأته، فقال: أما علمت ما قال

٣٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز
رسول اللَّه وَلّ؟ قالت: بلى، ثم سكتت، فقيل لها بعد ذلك: أيّ شيء قال رسول الله
وَهُ؟ قالت: إن رسول اللّه ◌َالله قال ... فذكرت الحديث. وهذا ظاهره كظاهر رواية
جرير وشعبة، ومع ذلك ذكره المزّيّ في مسند أبي موسى. وذكره المزيّ من رواية ثابت
ابن قيس، ومن رواية عياض الأشعريّ، كلاهما عن امرأة أبي موسى، عن أبي موسى،
وروية ثابت في ((فوائد أبي العباس بن نجيح))، ورواية عياض في ((معجم الطبرانيّ))،
وكلها يدل على أن أم عبد الله إنما حملته عن أبي موسى، فتُحمل الروايات المطلقة
على ذلك، والحديث إنما هو من مسند أبي موسى. انتهى ((النكت الظراف))١٣ / ٩٠ -
٩١ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: وهذا ظاهره كظاهر رواية جرير، وشعبة. فيه
نظر؛ لأنه سبق له أن رواية شعبة ظاهرها أن الحديث من مسند أبي موسى، وأن أم عبد
اللَّه إنما سمعته منه. فتنبه .
وقوله ذكره المزيّ في مسند أبي موسى من رواية قرثع الخ. فيه نظر أيضًا؛ لأنه لم يذكره
في مسند أبي موسى، وإنما ذكره في مسند امرأة أبي موسى، نَبَّهَ على هذا بعضهم .
والحاصل أن الأرجح كون الحديث من مسند أبي موسى الأشعريّ تنميه ، وأن
امرأته روته عنه، لا عن النبيّ وَّر. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح بما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٨٦٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَحْتِى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ،
عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَزِيدَ بْنٍ أَوْسٍ، عَنْ أُمّ عَبْدِ اللَّهِ (١)، امْرَأَةٍ أَبِي مُوسَى، عَنْ
أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (لَّيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ، وَسَلَقَ، وَخَرَقَ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية أيضًا:
١- (عبدة بن عبد اللَّه) الصفّار الخزاعيّ البصريّ كوفي الأصل، ثقة [١١]٨٠٠/١٨ .
٢- (يحيى بن آدم) أبو زكريا الكوفي الثقة الحافظ الفاضل من كبار[٩]١/ ٤٥١.
٣- (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة [٦]١٠٠٦/٧٥.
٤- (أم عبد اللَّه امرأة أبي موسى) الأشعريّ، بنت أبي دومة، لها صحبة، وحديث .
والباقون تقدموا في الذي قبله. والحديث أيضًا صحيح بما سبق. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
(١) وفي نسخة ((عن أم لعبد الله)).

٢٢- الأمَّرُ بِالاخْتِسَاب وَالصَّبْرِ عِنْدَ ...- حديث رقم ١٨٦٨
٣٣٣
١٨٦٧ - أَخْبَرَنَا هَنَّدٌ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَهْم بْنِ
مِنْجَابٍ، عَنِ الْقَرْثَعِ، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ أَبُوَ مُوسَى،َ صَاحَتِ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتِ، مَا
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لهَ﴾ قَالَتْ: بَلَى، ثُمَّ سَكَتَتْ، فَقِيلَ لَهَا، بَعْدَ ذَلِكَ: أَيُّ شَيْءٍ قَالَ رَسُولُ
اللّهِ وَلَ؟ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، لَعَنَ مَنْ حَلَقَ، أَوْ سَلَقَ، أَوْ خَرَقَ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية أيضًا:
١- (هناد) بن السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠]٢٥/٢٣ .
٢- (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير البصريّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث
الأعمش، وقد يَهم في حديث غيره، من كبار[٩]٣٠/٢٦.
٣- (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي الإمام الحافظ الثبت [٥]١٨/١٧.
٤- (إبراهيم) النخعي المذكور في الذي قبله .
٥- (سهم بن مِنْجَاب) بن راشد الضبّيّ الكوفيّ، ثقة [٦].
قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذيّ في ((الشمائل))، والمصنّف، وابن ماجه، له عند
المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط .
٦- (قرثع) (١) بن أحمد الضبّيّ الكوفيّ، صدوق مخضرم [٢] ١٤٠٣/٢٣.
٧- (أبو موسى) رَّه المذكور قبله.
وقوله: ((لما ثقل)) بفتح، فضمّ: أي اشتدّ مرضه .
والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٢- الأَمْرُ بِالاخْتِسَابِ وَالصَّبْرِ عِنْدَ
.(٢)
نُزُولِ الْمُصِيبَةِ(٢)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الاحتساب)): مصدر ((احتسب))، يقال: احتسب
الأجر على اللَّه: ادخره عنده، لا يرجو ثواب الدنيا، والاسم الحِسْبَة. قاله في
(١) بفتح القاف، وسكون الراء، وفتح الثاء المثلثة، وِزَانُ أحمد.
(٢) - وفي نسخة ((عند المصيبة)).

٣٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
(المصباح)). وقال ابن الأثير رحمه اللّه تعالى: الاحتساب من الحَسَب، كالاعتداد من
العَدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللّه: احتسبه، لأن له حينئذ أن يعتدّ عمله،
فجُعِلَ في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به، والْحِسْبةُ اسم من الاحتساب، كالعدّة من
الاعتداد، والاحتسابُ في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات: هو البِدَار إلى طلب
الأجر، وتحصِيلِهِ بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البرّ والقيام بها على الوجه
المرسوم فيها، طلبًا للثواب المرجوّة منها انتهى(١).
و ((الصبر)): مصدر صَبَرَ، يقال: صَبَرتُ صَبْرًا، من باب ضَرَب: حَبَسْتُ النفس عن
الْجَزَع. ذكره في ((المصباح)). وقال في ((الفتح)): وأحسن ما وصف به الصبر أنه حبس
النفس عن المكروه، وعقد اللسان عن الشكوى، والمكابدة في تحمله، وانتظار الفرج،
وقد أثنى الله تعالى على الصابرين في عدّة آيات. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن
مسعود رَّ موقوفًا: ((اليقين الإيمان كلّه، والصبر نصف الإيمان))، وأخرجه أبو نعيم
في ((الحلية))، والبيهقي في ((الزهد)) مرفوعًا، ولا يصحّ رفعه .
وقال الراغب: الصبر الإمساك في ضيق، صبرتُ الشيءَ حبستُهُ، فالصبر حبس
النفس على ما يقتضيه العقل، أو الشرع، وتختلف معانيه بتعلقاته، فإن كان عن مصيبة،
سمي صبرًا فقط، وإن كان في لقاء عدوّ سمي شجاعةً، وإن كان عن كلام سمي كتمانًا،
وإن كان عن تعاطي ما نُهي عنه سمي عفّةً انتهى(٢).
و((المصيبة)): الشدّة النازلة، وجمعها المشهور مَصَائب، قالوا: والأصل مَصَاوب، وقال
الأصمعيّ: قد جُمعت على لفظها بالألف والتاء، فقيل: مصيبات، قال: وأرى أن جمعها
على مَصَائب من كلام أهل الأمصار. ذكره في ((المصباح)). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٨٦٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عَاصِم بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي
عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَنَّدٍ، قَالَ: أَرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ ◌َِّهِ إِلَّيْهِ، أَنَّ ابْنَا لِي قُبِضَ،
فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ، يَقْرَأُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: (إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَّ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَ اللَّهِ
بِأَجَلِ مُسَمَّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ))، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، تُقْسِمُ عَلَيْهِ، لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ، وَمَعَهُ سَعْدُ
بَنُ غَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
وَّهِ الصَّبِيُّ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: ((هَذَا
رَحْمَةٌ، يَجْعَلُهَا اللَّهُ، فِي قُلُوبٍ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)).
(١)- ((النهاية)) ج١ ص٣٨٢ .
(٢)- راجع ((الفتح)) ج ١٣ ص ٩٤ .

٢٢- الأَمْرُ بالاحْتِسَاب وَالصَّبْ عِنْدَ ...- حديث رقم ١٨٦٨
٣٣٥
رجال هذا الإسناد : خمسة:
١- (سُويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠]٥٥/٤٥ .
٢- (عبد الله) بن المبارك الإمام الجليل المشهور[٨]٣٦/٣٢.
٣- (عاصم بن سليمان) الأحول البصريّ ثقة [٤]٢٣٩/١٤٨.
٤- (أبو عثمان) عبد الرحمن بن ملّ النهديّ المخضرم الثقة الثبت العابد
الكوفيّ [٢]١١/ ٦٤١.
[تنبيه]: كتب في ((الكبرى)) عقب هذا الحديث: ما نصّه: قال لنا أبو عبد الرحمن:
أبو عثمان هو النهديّ، واسمه عبد الرحمن بن ملّ انتهى(١).
٥- (أسامة بن زيد) الصحابي ابن الصحابي ◌َ ات١٢٠/٩٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف، ورجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه،
وهو ثقة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيه حبُّ رسول ◌َّهِ وابن حِبِّه
رَوَّهَا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) النهديّ وفي رواية للبخاري في أواخر (الطبّ)) من طريق شعبة، عن
عاصم، قال: سمعت أبا عثمان (قَالَ: حَدَّثَنِي أَسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) الصحابيّ ابنِ الصحابيّ،
حبّ رسول اللّه ◌ِّه وابن حبّه رَّهَا، تقدمت ترجمته في ١٢٠/٩٦ (قَالَ: أَرْسَلَتْ بِنْتُ
النَّبِيِّ ◌ََّ) هي زينب، كما وقع في رواية أبي معاوية، عن عاصم المذكور في ((مصنف
بن أبي شيبة، وكذا ذكره ابن بشكوال(٢) (إِلَيْهِ، أَنَّ ابْتَا لِي) قيل: هو علي بن أبي العاص
بن الربيع، وهو من زينب، كذا كتب الدمياطيّ بخطه في ((الحاشية)).
قال الحافظ: وفيه نظر (٣)، لأنه لم يقع مسمّى في شيء من طرق هذا الحديث،
وأيضًا فقد ذكر الزبير بن بكّار وغيره، من أهل العلم بالأخبار أن عليّا المذكور عاش
حتى ناهز الحُلُم، وأن النبي وَلَّ أردفه على راحلته يوم فتح مكة، ومثل هذا لا يقال:
في حقه صبيّ عرفًا، وإن جاز من حيث اللغة .
قال: ووجدت في ((الأنساب)) البلاذريّ أن عبد الله بن عثمان بن عفّان من رقية بنت
(١)-انظر ((السنن الكبرى)) ج١ ص ٦١٣.
(٢)- انظر ((عمدة القاري)) ج٦ ص٤٣٨.
(٣) - تعقّب العينيّ تعقّب الحافظ على الدمياطيّ، فانظر كلامه في ((عمدة القاري)) ج٦ ص٤٣٨-٤٣٩.

٣٣٦
شرح سنن النسائي - کِتابُ الْجَنَائِزِ
النبي ◌َ ◌ّ لَمّا مات وضعه النبي وَّ في حجره، وقال: ((إنما يرحم الله من عباده
الرحماء)) .
وفي ((مسند البزار)) من حديث أبي هريرة، قال: ثقل ابن لفاطمة، فبعثت إلى النبي
وَلـ، فذكر نحو حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء، فعلى هذا،
فالابن المذكور محسن بن عليّ بن أبي طالب، وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات
صغيرًا، في حياة النبي و لتر، فهذا أولى أن يفسّر به الابن إن ثبت أن القصّة كانت لصبيّ،
ولم يثبت أن المرسلة زينب، لكن الصواب في حديث الباب أن المرسلة زينب، وأن
الولد صبيّة، كما ثبت في ((مسند أحمد))، عن أبي معاوية، بالسند المذكور، ولفظه:
((أُتِي النبيُّ وَّر بأمامة بنت زينب))، زاد سعدان بن نصر في الثاني من حديثه، عن أبي
معاوية بهذا الإسناد: ((وهي لأبي العاص بن الربيع، ونفسها تقعقع، كأنها في شنّ))،
فذكر حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة، وهكذا أخرجه أبو سعيد بن الأعرابيّ
في (معجمه))، عن سعدان، ووقع في رواية بعضهم ((أَمينة)) بالتصغير، وهي أمامة
المذكورة، فقد اتفق أهل العلم بالنسب أن زينب لم تلد لأبي العاص إلا عليّا، وأمامة
فقط .
وقد استُشكِل ذلك، من حيث إن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن أمامة بنت أبي
العاص من زينب بنت النبي وَّر، عاشت بعد النبي ◌َّر، حتى تزوجها علي بن أبي
طالب بعد وفاة فاطمة، ثم عاشت عند عليّ حتى قُتل عنها .
ويجاب بأن المراد في حديث الباب: ((أن ابنا لي قُبض))، أي قارب أن يُقبض، ويدلّ
على ذلك أن في رواية حماد: ((أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت))، وفي رواية شعبة:
((أن ابنتي قد حُضِرَت))، وهو عند أبي داود من طريقه: ((أن ابني))، أو ((ابنتي))، وقد
قدّمنا أن الصواب قول من قال: ((ابنتي))، لا ((ابني)).
ويؤيّده ما رواه الطبرانيّ في ترجمة عبد الرحمن بن عوف، في ((المعجم الكبير)) من
طريق الوليد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، قال: ((استُعِزَّ
بأمامة بنت أبي العاص، فَبَعَثَت زينب بنت رسول اللّه وَ لّه إليه، تقول له ... ))، فذكر
نحو حديث أسامة، وفيه مراجعة سعد في البكاء، وغير ذلك. وقوله في هذه الرواية:
((استُعِزْ)) -بضم المثناة، وكسر المهملة، وتشديد الزاي -: أي اشتدّ بها المرض،
وأشرفت على الموت .
قال: والذي يظهر لي أن الله تعالى أكرم نبيّهِ وَ الَ لَمَا سَلَّمَ لأمر ربه، وصبّر ابنته،
ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة، والشفقة، بأن عافى اللَّه ابنة ابنته في ذلك الوقت،

٢٢- الأمَّرُ بِالاخْتِسَاب وَالصَّبْرِ عِنْدَ ...- حديث رقم ١٨٦٨
٣٣٧
فخَلَصَت من تلك الشدّة، وعاشت تلك المدّة، وهذا ينبغي أن يُذكَر في دلائل النبوة،
والله المستعان انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الجمع بين هذه الروايات بتعدد
الواقعة أولى، من تخطئة الرواية الصحيحة، فالصواب في حديث الباب أن المحتضر
((ابن))، لا ((ابنة))، كما هو نصّ حديث الباب .
ثم رأيت القسطلانيّ نقل عن البرماويّ بأنه جمع بين ذلك باحتمال تعدد الواقعة في
بنت، أو بنتين، أرسلت زينب في عليّ، أو أمامة، أو رقيّةُ في عبد الله بن عثمان، أو
فاطمة في ابنها محسن بن عليّ انتهى (٢). والله تعالى أعلم.
(قُبِضَ) بالبناء للمفعول، أي قرب من أن يُقبض، أي هو في حالة القبض، ومعالجة
الروح، فأطلق القبض مجازًا، باعتبار أنه في حالة كحالة النزع (فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ، يَقْرَأ)
بفتح الياء (السَّلَامَ) بالنصب مفعول، ومتعلّقُهُ محذوف: أي عليها، لأنه يتعدى إلى
المفعول الثاني بـ((على)). يقال: قرأت على زيد السلامَ، أقرؤه عليه، قراءةً، وإذا أمرت
منه قلتَ: اقْرَأْ عليه السلامَ، قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأ، فلا يقال: اقْرَأُه
السلامَ، لأنه بمعنى اتلُ عليه، وحكى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه، رباعيّا، فيقال:
فلان يُقْرِئك السلامَ. قاله في ((المصباح)). ورواية البخاريّ ((يُقرىء)) بضم الياء، وجملة
(يقرأ)) حال من فاعل ((أرسل)) (وَيَقُولُ) تسليةً لها (إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي فلا
حيلة إلا الصبر، وقدّم ذكر الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخرًا في الواقع، لأن المقامَ
يقتضيه، والمعنى أن الذي أراد أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له،
فلا ينبغي الجزع، لأن مُستَودَعَ الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه. ويحتمل
أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت، أو ثوابهم على المصيبة، أو
ما هو أعمّ من ذلك. أفاده في ((الفتح)).
وقال النووي ◌َّلهُ: قوله: ((إن لله ما أخذ)): معناه الحثّ على الصبر، والتسليم
لقضاء الله تعالى، وتقديره أن هذا الذي أُخذ منكم كان له، لا لكم، فلم يأخذ إلا ما هو
له، فينبغي أن لا تَجَزَعوا، كما لا يجزع من استُرِدّت منه وديعةٌ أو عاريةٌ .
وقوله: ((وله ما أعطى)): معناه: أن ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو
سبحانه وتعالى يفعل فيه ما يشاء. انتهى (٣) .
(١)- ((فتح)) ج٣ ص ٥٠٢ - ٥٠٣ .
(٢)- ((إرشاد الساري)) ج٢ ص ٤٠١ ..
(٣)- (شرح مسلم)) ج٦ ص٤٦٤.

1
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
٣٣٨
ولفظ ((ما)) في الموضعين مصدريّة، أي إن للَّه الأخذ والإعطاء، ويحتمل أن تكون
موصولة، والعائد محذوف للدلالة على العموم، فعلى الأول التقدير إن لله الأخذَ
والإعطاء، أي أخذ الأولاد، وإعطاءهم، أو ما هو أعمّ من الأولاد، وعلى الثاني إن لله
الذي أخذه من الأولاد، وله الذي أعطى منهم، أو ما هو أعمّ من ذلك .
(وَكُلُّ شَيْءٍ) أي من الأخذ والإعطاء، أو من الأنفس، أو ما هو أعمّ من ذلك (عِنْدَ
اللَّهِ) تعالى (بِأَجَلٍ مُسَمَّى) أي مقدّر بأجل معلوم، و((الأجل)) يطلق على الحدّ الأخير،
وعلى مجموع العمر. وفي نسخة ((وكلٌ عنده بأجل مسمّى)).
وقال النووي ◌َّثُ: معنى قوله: ((وكل شيء عنده بأجل مسمى)): اصبروا، ولا
تجزعوا، فإن كل من مات قد انقضى أجله المسمى، فمحال تقدّمه أو تأخّره عنه، فإذا
علمتم هذا كله فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم. وهذا الحديث من قواعد الإسلام
المشتملة على جُمَّل من أصول الدين، وفروعه، والآداب. والله أعلم انتهى
بتصرّف(١) .
(فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ) أي تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليُحْسَبَ لها ذلك من
عملها الصالح (فأرْسَلَتْ إِلَيْهِ) أي أرسلت ابنة النبيّ ◌َّه إليه مرةً أخرى (تُقْسِمُ عَلَيْهِ) بضمّ
التاء، من الإقسام، والجملة في محلّ نصب على الحال، ووقع في حديث عبد الرحمن
ابن عوف عند الطبرانيّ أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة، وكأنها ألَحَّت
عليه في ذلك دفعًا لما يظنه بعض أهل الجهل أنها ناقصة المكانة عنده، أو ألهمها الله
تعالى أن حضور نبيه ول# عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم ببر كة دعائه، وحضوره،
فحقّق اللَّه ظنها(٢).
والظاهر أنه امتنع أوّلًا مبالغة في إظهار التسليم لربه، أو ليبيّن الجواز في أن من دُعي
لمثل ذلك لم تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة مثلًا (لَيَأْتِيَنَّهَا) بفتح اللام، ونون
التأكيد المشددة، والجملة جواب القسم (فَقَّامَ) بَّر (وَ معه) الواو للحال أي: والحال
أن مع النبيِ وََّ (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبِّيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ،
وَرِجَالٌ آخرون) ذُكر منهم في غير هذه الرواية عبادة بن الصامت، وأسامة بن زيد، راوي
الحديث، وعبد الرحمن بن عوف (فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول، قال في ((الفتح)): كذا هنا
بالراء، وفي رواية حماد ((فدُفع)) بالدال، وبيّن في رواية شعبة أنه وُضع في حجره وَّل،
قال: وفي هذا السياق حذف، والتقدير: فمشوا، إلى أن وصلوا إلى بيتها، فاستأذنوا،
(١)-المصدر المذكور.
(٢) فيه أن ولدها شفي من مرضه.

٢٢- الأمْرُ بِالاخْتِسَاب والصَّبْرِ عِنْدَ ...- حديث رقم ١٨٦٨
٣٣٩ ===
فأُذن لهم، فدخلوا، فرُفع، ووقع بعض هذا المحذوف في رواية عبد الواحد، ولفظه:
(«فلما دخلنا، ناولوا رسول اللّه وَّهر الصبيّ ... (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِّرِ الصَّبِيُّ) أي وضع
في حجره بَِّ (وَنَفْسُهُ) أي روحه (تَتَقَّعْقَعُ) وفي نسخة ((تقعقع)) بحذف إحدى
التاءين، أي تضطرب، وتتحرّك، ولا تثبت على حالة واحدة، كذا في ((النهاية)). والجملة
في محلّ نصب على الحال من ((الصبيّ)).
وزاد في رواية للبخاري بعد قوله: ((ونفسه تتقعقع)): ما لفظه: ((قال: حسبت كأنها
شَنّ))، ولفظه في رواية: ((ونفسه تقعقع، كأنها في شنّ)). قال في ((الفتح)): والقعقعة
صوت الشيء اليابس إذا حُرّك، والشّنّ بفتح المعجمة، وتشديد النون: القِرْبة الخَلَقَة
اليابسة، وعلى الرواية الثانية شبّه البدن بالجلد اليابس الخَلَق، وحركةَ الروح فيه بما
يُطرح في الجلد من حصاة ونحوها، وأما الرواية الأولى، فكأنه شبّه النفس بنفس
الجلد، وهو أبلغ في الإشارة إلى شدة الضعف، وذلك أظهر في التشبيه انتهى(١).
(فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أي سالت بالدموع عينا رسول اللَّه ◌َّرِ (فَقَالَ سَعْدٌ) أي ابن عبادة
المتقدّم، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق عبد الواحد: ((فقال عبادة بن الصامت))،
والصواب ما في ((الصحيح)). قاله في ((الفتح)) (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟) أي أيّ شيء هذا
البكاء الذي نشاهده منك؟. وفي رواية للبخاريّ: ((فقال سعد بن عبادة: أتبكي؟))، وزاد
أبو نعيم في ((المستخرج)): وتنهى عن البكاء)) (قَالَ) ﴿ (هَذَا رَحْمَةٌ) أي هذا الدمع
الذي تراه أثر رحمه من اللّه تعالى، وللبخاري: ((هذه رحمة))، أي الدمعة.
(يَجْعَلُهَا اللَّهُ، فِي قُلُوبٍ عِبَادِهِ) أي أن الذي يَفيض من الدمع من حزن القلب بغير
تعمّد من صاحبه، ولا استدعاء منه، لا مؤاخذة عليه، وإنما المنهي عنه الجزع، وعدم
الصبر .
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((قوله: ((هذه رحمة)): أي هذه رقّة يجدها الإنسان
في قلبه، تبعثه على البكاء من خشية الله، وعلى أفعال البرّ والخير، وعلى الشفقة على
المبتلَى والمُصاب، ومن كان كذلك جازاه الله برحمته، وهو المعنيّ بقوله ◌َّ: ((إنما
يرحم الله من عباده الرحماء))، وضدّ ذلك القسوة في القلوب الباعثةُ على الإعراض عن
اللَّه تعالى، وعن أفعال الخير، ومن كان كذلك قيل فيه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ
اللهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢]. انتهى(٢) .
وقال النووي ◌َخْذّلهُ: قوله: ((ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا؟ الخ)): معناه:
(١)- ((فتح)) ج٣ ص٥٠٤ .
(٢)- ((المفهم) ج ٣ ص ٥٧٥ - ٥٧٦ .

٣٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
أن سعدًا رَّه ظنّ أن جميع أنواع البكاء حرام، وأن دمع العين حرامٌ، وظنّ أن النبيّ وَل
نسي، فذكّره، فأعلمه النبي وَلّر أن مجرّد البكاء، ودمع العين، ليس بحرام، ولا
مكروه، بل هو رحمة، وفضيلة، وإنما المحرّم النوح، والندب، والبكاء المقرون بهما،
أو بأحدهما انتهى(١) (وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) وفي رواية للبخاريّ في ((كتاب
الطبّ)): ((ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء)).
و((مِنْ)) في قوله: ((من عباده)) بيانية، وهي حال من المفعول، وهو ((الرحماء))، وقُدْم
عليه ليكون أوقع .
و((الرحماء)»: جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمة الله تختصّ بمن
اتصف بالرحمة، وتحقّق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد الله
ابن عمرو، عند أبي داود وغيره: ((الراحمون يرحمهم الرحمن))، و((الراحمون)) جمع
راحم، فيدخل كلّ مَن فيه أدنى رحمة .
وقد ذكر الحربيّ مناسبة الإتيان بلفظ ((الرحماء)) في حديث الباب بما حاصله: أن
لفظ الجلالة دالٌ على العظمة، وقد عُرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا
للتعظيم، فلما ذُكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته، وعظمته، ليكون الكلام جاريًا
على نسق التعظيم، بخلاف الحديث الآخر، فإن لفظ الرحمن دالّ على العفو، فناسب
أن يُذكر معه كلّ ذي رحمة، وإن قلّت، والله تعالى أعلم، ذكره في ((الفتح))(٢). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أسامة بن زيد تَّه هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٨٦٨/٢٢- وفي ((الكبرى))١٩٩٥/٢٢ - وأخرجه (خ) ١٢٨٤
و ٥٦٥٥ و٦٦٠٢ و٦٦٥٥ و٧٣٧٧ و٧٤٤٨ (م) ٩٢٣ (د) ٣١٢٥ (ق) ١٥٨٨
(أحمد) ٢١٢٨٢ و٢١٢٩٢ . والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: في فوائده :
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو الحثّ على الاحتساب، والصبر
عند نزول المصيبة. ومنها: مشروعيّة استحضار أهل الفضل، والصلاح عند المحتضر،
(١) - ((شرح مسلم)) ج٦ ص ٤٦٤ - ٤٦٥.
(٢)- ((فتح)) ج٣ ص ٥٠٤ -٥٠٥ .