النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ = ١٥- النّاحَةُ عَلَى الْمَنْتِ - حديث رقم ١٨٥٤ اللَّهِ، إِنَّ نِسَاءَ، أَسْعَدْنَنَا فِي الْجَاهِلِيَةِ، أَفَتُسْعِدُهُنَّ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لَا إِسْعَادَ فِي الإسْلام)). هذاَ الإسناد بعينه تقدّم قبل باب ١٨٤٤/١٣. و((إسحاق)): هو ابن راهويه . وقوله: ((أخذ على النساء)) أي أخذ منهنّ العهد. وقوله: ((أن لا يَنُخْنَ)) في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر، أي بعدم النوح. وقوله: ((أسعدننا)) أي عاونْنَا على النياحة، قال في ((النهاية)): إسعاد النساء في الْمُناحاة، أن تقوم المرأة، فتقوم معها أخرى من جاراتها، فتساعدها على النياحة، وقيل: كان نساء الجاهلية يُسعِد بعضهنّ بعضًا على ذلك سنةً، فنهين عن ذلك . وقال الخطابيّ: أما الإسعاد، فخاصّ في هذا المعنى، وأما المساعدة، فعامة في كلّ معونة، يقال: إنها من وضع الرجل يده على ساعد صاحبه إذا تماشيا في حاجة. (١) . انتھی وقال السنديّ: وإسعاد النساء في الْمُنَاحَاة، هو أن تقوم امرأة، فتقوم معها - يعني امرأة أخرى- للموافقة والمعاونة على مرادها، وكان ذلك فيهنّ عادة، فإذا فعلت إحداهما بالأخرى ذلك، فلا بدّ لها أن تفعل بها مثل ذلك، مُجازاةً على فعلها(٢). والحديث صحيح، انفرد به المصنف، أخرجه هنا -١٥/ ١٨٥٢- وفي ((الكبرى))١٩٧٩٠/١٥ وأخرجه (أحمد). ١٢٦٢٠ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٨٥٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وِ، يَقُولُ: ((الْمَيْتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِالتَِّاحَةِ عَلَيْهِ)) . رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلهم تقدّموا قريبًا . و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((يحيى)): هو القطّان. والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الباب الماضي برقم [١٨٤٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٨٥٤ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا(٣) (١)- ((النهاية)) ج٢ ص٣٦٦. (٢)- ((شرح السندي)) ج٤ ص١٦. (٣) -وفي نسخة: ((نا))، وفي أخرى: ((أنبأنا)). ٣٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) مَنْصُورٌ، هُوَ ابْنُ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسِنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: ((الْمَيْثُ يُعَذَّبُ بِنِيَاحَةٍ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا مَاتَ بِخُرَاسَانَ، وَنَاحَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ هَاهُنَا،َ أَكَانَ يُعَذَّبُ بِنِيَاحَةِ أَهْلِهِ؟، قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ، وَكَذَبْتَ أَنْتَ . رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (إبراهيم بن يعقوب) الجوزجاني الدمشقي، ثقة حافظ [١١]١٧٤/١٢٢. ٢- (سعيد بن سليمان) الضبّيّ، أبو عثمان الواسطيّ، نزيل بغداد البزاز، لقبه سعدويه، ثقة حافظ، من كبار [١٠] . قال أبو حاتم: ثقة مأمون، ولعله أوثق من عفّان. وقال صالح بن محمد عنه: ما دلّستُ قط، ليتني أُحدّث بما سمعت، قال: وسمعته يقول: حججت ستين حجة. وقال الدوريّ: سئل ابن معين عنه، وعن عمرو بن عون؟ فقال: كان سعدويه أكيسهما. ووثقه العجليّ، وابن حبان، وابن سعد، وقال: كان كثير الحديث، توفي ببغداد لأربع خلون من ذي الحجة، سنة (٢٢٥). قيل: مات وله مائة سنة. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة أحاديث . ٣- (منصور بن زاذان) الثقفي، أبو المغيرة الواسطي، ثقة ثبت عابد [٦]٥/ ٤٧٥. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة الثبت الشهير [٣]٣٢/ ٣٦. ٥- (عمران بن حُصين) تؤثّا، تقدم في الباب الماضي. والإسناد فيه انقطاع، لأن الحسن البصريّ لم يسمع من عمران بن حصين رَّا، كما بُيّن في ترجمته من ((تهذيب التهذيب)) وغيره . وقوله: ((رجلًا مات)) بالنصب على أنه مفعول ((رأيت))، وفي بعض النسخ: ((رجلٌ)) بالرفع، والأول أولى . وقوله: ((ههنا)» الظاهر أنه أشار إلى البصرة، لأن عمران ريه كان ممن نزل البصرة، ومات بها والله تعالى أعلم . وقوله: ((أكان يعذّب بنياحة أهله)) أراد به إنكار ذلك، وأنه بعيد من الوقوع، فلذلك ردّ عليه عمران بقوله: ((كذبتَ أنت))، وإلا فصورته استفهام، وهو إنشاء، فلا يصلح للتكذيب. قاله السنديّ رحمه الله تعالى . والحديث المرفوع منه صحيح، كما سبق برقم ١٨٤٩، والموقوف ضعيف؛ (١) -وفي نسخة: ((نا))، وفي أخرى: ((أنبأنا)). ١٥- النیاحةُ علی المَنْتِ - حديث رقم ١٨٥٥ = ٣٠٣ : للانقطاع المذكور، وقد تقدم تخريجه في الباب الماضي والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآبٍ، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٨٥٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنَّ الْمَيْتَ لَيُعَذَّبُ بِيُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيَّهِ))، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: وَهِلَ، إِنَّمَا مَرَّ النَّبِيِّ(١) بَّرِ عَلَى قَبْرِ، فَقَالَ: ((إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ (٢) لَيُعَذَّبُ، وَإِنَّ أَهْلَهُ يَيْكُونَ عَلَيْهِ»، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَلَا نَزُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَ﴾. رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن آدم) بن سليمان الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق [١٠] ١١٥/٩٣. ٢- (عبدة) بن سليمان الكلابي الكوفي الحافظ الثبت، من صغار [٨]٣٣٩/٧ . ٣- (هشام) بن عروة المدنيّ الفقيه، ثقة ربما دلْس [٥]٤٩/ ٦١. ٤- (عروة) بن الزبير الدني الفقيه الثقة الثبت [٣]٤٤/٤٠. ٥- (ابن عمر) رَؤُّ المذكور قبل حديث. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رَّتُهُ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. وأحد المشهورين بالفتوى. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ◌َا، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنَّ الْمَيْتَ لَيُعَذَّبُ بِيُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)) تقدم الكلام عليه في الباب الماضي (فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ) تَعَّها (فَقَالَتْ: وَهِلَ) بفتح الواو، وكسر الهاء: كغلط وزنا ومعنى. يقال: وَهِلَ عن الشيء، وفيه، وَهَلّا، من باب تعب: غلط فيه، ووَهَلْتُ إليه وَهْلًا، من باب وَعَدَ: ذهب وَهْمُك إليه، وأنت تريد غيره، مثل وَهَمتُ. قاله في ((المصباح))، والأول هو المناسب هنا (إِنَّمَا مَرَّ النَّبِيُّ) وفي نسخة: ((رسول اللَّه)) (مَ ﴿ عَلَى قَبْرٍ) وفي نسخة: ((بقبر)) (فَقَالَ: ((إِنَّ صَاحِبَ الْقَبْرِ لَيُعَذَّبُ) أي بذنوبه، لا ببكاء أهله عليه، ولفظ مسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام: إنما قال رسول اللَّه ◌َله: ((إنه يعذّب بخطيئته، أو بذنبه، وإن أهله لييكون عليه الآن)) (وَإِنَّ أَهْلَهُ يَيْكُونَ عَلَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من نائب الفاعل (ثُمَّ قَرَأَتْ: (١) - وفي نسخة: ((رسول اللَّه)). (٢) - وفي نسخة: ((إن صاحب القبر)). ٣٠٤ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ (﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]) أي فكيف يعذّب الميت ببكاء غيره بعد أن مات، وانقطع عمله أصلًا، فاستبعدت رَّه الحديث، لكونها رأته مخالفًا للآية المذكورة، لكن الصواب أن الحديث صحيح، فقد جاء من وجوه كثيرة، فالوجه حمله على ما إذا تسبب لذلك بوجه، أو رضي به حالة الحياة، فبذلك يندفع التدافع بينه وبين الآية المذكورة. والله تعالى أعلم . وقال القرطبي رحمه الله تعالى: أنكرت عائشة رضيثتها هذا الحديث، وصرّحت بتخطئة الناقل، أو نسيانه، وحَمَلَها على ذلك أنها لم تسمعه كذلك، وأنه معارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىَ﴾ وهذا فيه نظر، أما إنكارها، ونسبة الخطأ لراويه فبعید، وغیر بیِّنِ، ولا واضح، وبیانه من وجهين: أحدهما: أن الرواة لهذا المعنى كثيرون: عمر، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وقَيْلَة بنت مَخْرَمَة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم، وإذا أَقدِم على ردّ خبر جماعة مثلٍ هؤلاء، مع إمكان حمله على محمل صحيح، فلأن يُردّ خبر راو واحد أولى، فرد خبرها أولى، على أن الصحيح أن لا يُردّ واحد من تلك الأخبار، ويُنظر في معانيها، كما نُبيِّنه . ثانيهما: أنه لا معارضة بين ما روت هي، ولا ما رووا هم، إذ كلّ واحد منهم أخبر عما سمع وشاهَدَ، وهما واقعتان مختلفتان، وأما استدلالها على ردّ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ فلا حجة فيه، ولا معارضة بين هذه الآية والحديث، على ما نُبدِيه من معنى الحديث، إن شاء الله تعالى . وقد اختلف العلماء فيه، فقيل: محمله على ما إذا كان النّوْح من وصيته وسنته، كما كانت الجاهلية تفعل، حتى قال طرفة: إِذَا مِتُ فَأَنعِينِي البيت. وقد جمع عبد المطلب بناته عند موته، وأمرهنّ أن ينعينه، ويَندُبنه، ففعلن، وأنشدت كلّ واحدة منهنّ شعرًا تمدحه فيه، فلما فرغن قال آخر ما كلّمهنّ: أحسنتنّ، هكذا فانعينني، وإلى هذا نحا البخاريّ. وقيل: معناه أن تلك الأفعال التي يُبكَى بها الميت مما كانوا يفعلونه في الجاهلية، من قتل النفس، وأخذ المال، وإخراب البلاد، وغير ذلك، فأهله يمدحونه بها، ويُعدّدونها عليه، وهو يُعذّب لسببها، وعلى هذا تُحمل رواية من رواه: ((ببعض بكاء أهله))، إذ ليس كلّ ما يُعدّدونه من خصاله مذمومًا، فقد يكون من خصاله كَرَمٌ، وإعتاق رقاب، وكشف كرب، إلى آخر كلام القرطبيّ وقد تقدّم خلاصته (١) . (١)- ((المفهم)) ج٢ ص ٥٨١ - ٥٨٣ . ٣٠٥ ١٥- النيّاحَةُ عَلَى الْمَنْتِ - حديث رقم ١٨٥٧ والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدم تخريجه في ١٨٤٨/١٤ - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٨٥٦ - أَخْبَرَنَا قُتَنِيَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، وَذُكِرَ لَهَا، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: إِنَّ الْمَيْتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَّبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَّمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنْ نَسِيَ، أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، عَلَى يُودِيَّةٍ، يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: ((إِنَّهُمْ لَيَيْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّا لَتُعَذَّبُ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (قتيبة) بن سعيد، ثقة ثبت [١٠]١/١. ٢- (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدني [٧]٧/٧. ٣- (عبد الله بن أبي بكر) الأنصاري المدني القاضي، ثقة [٥]١١٨/ ١٦٣. ٤- (أبو بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم، الأنصاريّ النجاريّ المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة عابد[٥]١٦٣/١١٨. ٥- (عمرة) بن بنت عبد الرحمن المذكورة في الباب الماضي . ٦ - (عائشة) رطلفيه ٥/٥. وقولها: ((يغفر الله لأبي عبد الرحمن)): هو كنية عبد الله بن عمر، قدمته تمهيدًا، أو دفعا لمن يُوحَش من نسبته إلى النسيان والخطأ، كما قال اللّه تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فمن استغرب من غيره شيئا ينبغي أن يوطّىء، ويمهّد له بالدعاء، إقامةً لعذره فيما وقع منه، وأنه لم يتعمده، ومن ثمّ زادت على ذلك بيانًا واعتذارًا بقولها (أما) بفتح الهمزة، والتخفيف، أداة تنبيه، واستفتاح، يُلقَى بها إلى المخاطب تنبيها له، وإزالةً لغفلته (إنه لم يكذب) أي لم يرد الكذب، ولم يتعمّده (ولكنه نسي) أي مَورِدَهُ الخاصّ (أو أخطأ) أي في إرادته العامّ. وقوله: ((يُبكَى عليها)) بالبناء للمفعول، وقوله: ((لييكون)) بالبناء للفاعل . والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٨٥٧ - أخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: قَصَّهُ لَنَا عَمْرُو ابْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» . ٣٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عبد الجبّار بن العلاء بن عبد الجبار) العطّار البصريّ، أبو بكر، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار[ ١٠]١٩٩/١٣٢. ٢- (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي الإمام الحجة الثبت [٨]١/١. ٣- (عمرو بن دينار) الأثرم المكيّ، ثقة ثبت [٣]١٥٤/١٢٢. ٤- (ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيدالله بن أبي مليكة التيمي المكيّ الثقة الفقيه [١٣٢/٣١٠١] . والباقيان تقدما قريبًا . وقوله: ((إن الله يزيد الكافر)) قال السندي ◌َخْذّلهُ: فحملت الميت على الكافر، وأنكرت الإطلاق، وقد جاء فيه الزيادة، كقوله تعالى: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]، وقوله: ﴿فَلَنْ تَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]، لكن قد يقال: زيادة العذاب بعمل الغير أيضًا مشكلة، معارضة بقوله تعالى: ﴿وَلَا فَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ﴾ فينبغي أن تُحمل الباء في قوله: ((ببعض بكاء أهله)) على المصاحبة، لا السببية، وتخصيص الكافر حينئذ لأنه محلّ للزيادة، والله تعالى أعلم انتهى(١). وقوله: ((ببعض بكاء أهله)) إنما قيده بالبعض لأن منه ما لا يكون سببا للتعذيب، كعتق الرقاب، وصلة الأرحام، ونحوهما، كما تقدم في كلام القرطبي رحمه الله تعالی . والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٨٥٨- أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورِ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: لَمَّا هَلَكَتْ أُمُّ أَبَانَ، حَضَرْتُ مَعَ النَّاسِ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَبَكَيْنَ النِّسَاءُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَلَا تَنْهَى هَؤُلَاءِ عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الْمَيْتَ لَيُعَذَّبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ، يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، خَرَجْتُ مَعَ عُمَّرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَنِدَاءِ، رَأَى رَكْبًّا، تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَقَالَ: انْظُرْ مَنِ الرَّكْبُ، فَذَهَبْتُ، فَإِذَا صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَاَ صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِصُهَيْبٍ، فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، أُصِيبَ عُمَرُ، فَجَلَسَ صُهَيْبٌ يَبْكِي عِنْدَهُ، يَقُولُ: وَا أُخَيَّاهُ، وَاَ أُخَيَّاهُ، (١)- ((شرح السندي)) ج٤ ص١٨ . ٣٠٧ ١٥- النّاحَةُ عَلَى الْمَنْتِ - حديث رقم ١٨٥٨ فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، لَا تَبْكِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، يَقُولُ: ((إِنَّ الْمَيْتَ لَيُعَذَّبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَمَا وَاللّهِ، مَا تُحدِّثُونَ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ كَاذِبَيْنِ، مُكَذَّبَيْنٍ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرْآنِ، لَمَا يَشْفِيكُمْ، ﴿ أَلَّا نَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُغْرَى﴾ [النجم: ٣٨]، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا، بِيُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)) . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (هو سليمان بن منصور البَلْخيّ) البزاز الدُّهْنيّ، لقبه زَرْغَنْده(١) لا بأس به [١٠] تقدم في ٧٥/٦٠ . من أفراد المصنف . ٢- (عبد الجبار بن الورد) بن أبي الورد، المخزومي مولاهم، أبو هشام المكيّ، صدوق يهم [٧]. قال أحمد: ثقة لا بأس به. ووثقه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، والعجليّ. وقال ابن المديني: لم يكن به بأس. وقال البخاري: يُخالف في بعض حديثه. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطىء وتِهِم. وقال ابن عديّ: هو عندي لا بأس به، يكتب حديثه. وعن الدارقطنيّ: ليّنٍ. أخرج له أبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم . والباقون تقدموا قريبًا. والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف، وهو (١١٠) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما عنده من الأسانيد، كما سبق غير مرّة، وفيه ابن عمر، وابن عباس رَّه ، من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى. والله تعالى أعلم . شرح الحديث عن عبد الجبار بن الورد أنه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبيدالله المذكور في السند الماضي (يَقُولُ: لَمَّا هَلَكَتْ أُمُّ أَبَانَ) هي بنت عثمان بن عفان رَّه ، ماتت بمكة (حَضَرْتُ مَعَ النَّاسِ) أي للصلاة عليها، ودفنها (فَجَلَسْتُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ) له ولفظ البخاري من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة: ((قال: توفيت ابنة لعثمان ◌َظَّه بمكة، وجئنا لنشهدها، وحَضَرَها ابنُ عمر وابن عباس رَّا، وإني لجالس بينهما، أو قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر، فجلس إلى (١)- بفتح الزاي، وسكون الراء، بعدها غين معجمة، ثم ساكنة . ٣٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ جنبي ... ))، ولمسلم من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة، قال: كنت جالسا إلى جنب ابن عمر، ونحن ننتظر جنازة أم أبان بنت عثمان، وعنده عمرو بن عثمان، فجاء ابن عباس، يقوده قائده، فأراه أخبره بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي، فكنت بينهما، فإذا صوت من الدار ... )). قال النووي رحمه الله تعالى: فيه دليل لجواز الجلوس، والاجتماع لانتظار الجنازة، واستحبابه. وأما جلوسه بين ابن عمر، وابن عباس رَويثبتًا، وهما أفضل بالصحبة، والعلم، والفضل، والصلاح، والنسب، والسنّ، وغير ذلك، مع أن الأدب أن المفضول لا يجلس بين الفاضلين إلا لعذر، فمحمول على عذر، إما لأن ذلك الموضع أرفق بابن عباس، وإما لغير ذلك انتهى (١) (فَبَكَيْنِ النِّسَاءُ) تقدم أن مثل هذا يتخرّج على لغة («أكلوني البراغيث)) (فَقَّالَ ابْنُ عُمَرَ) تَّهَا (أَلَّا تَنْهَى هَؤُلَاءِ) هكذا رواية المصنف هنا، وفي ((الكبرى)) لم يذكر المخاطب، وقد ثبت في روية الشيخين، ولفظ البخاريّ: (فقال عبد الله بن عمر لعَمْرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ .... )). وعمرو بن عثمان هو أكبر أولاد عثمان رَظّه الذين أعقبوا، وإن معاوية زوّجه لما ولي الخلافة ابنته رملة. قاله الزبير بن بكّار. ويكنى أبا عثمان، مدنيّ ثقة، من كبار التابعين (عَنِ الْبُكَاءِ) أي بالصياح والنياح، وهو متعلق ب)تنهى)) (فَإِنِّي) الفاء للتعليل، أي لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَال﴾) فيه أن ابن عمر رؤيتها سمعه بنفسه، وهذا لا یعارض ما تقدّم من أنه سمعه من أبيه، لاحتمال أن يسمعه من أبيه أوّلًا، ثم يسمعه من النبي ◌َّ، فكان يحدّث بهما. والله تعالى أعلم . (يَقُولُ: إِنَّ الْمَيْتَ لَيُعَذَّبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) هكذا نسخ ((المجتبى)) ((ببعض بكاء أهله عليه))، والذي في ((الكبرى)): ((ببكاء أهله عليه))، وهو الذي في رواية الشيخين، والظاهر أنه الصواب بدليل قول ابن عباس رَوّها: ((قد كان عمر يقول بعض ذلك))، فلو كان كلام ابن عمر ((ببعض بكاء أهله))، لما استقام قول ابن عباس تعبرفيها هذا. ومما يؤيد ذلك أيضًا زيادة في رواية مسلم، وهي: ((قال: فأرسلها عبد الله مرسلة، وأما عمر فقال: ببعض)). قال النووي: معناه أن ابن عمر أطلق في روايته تعذيب الميت ببكاء الحيّ، ولم يقيده بيهوديّ، كما قيّدته عائشة، ولا بوصيّة، كما قيّده آخرون، ولا قال: ((ببعض بكاء أهله))، كما رواه أبوه عمر انتهى. والحاصل أن الظاهر أن رواية ابن عمر تَ فيها هنا غير مقيّدة ((ببعض)). والله تعالى أعلم . (١)- ((شرح مسلم) ج٦ ص ٤٧٠. ١٥- النيّاحَةُ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم ١٨٥٨ ٣٠٩ (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: قَدْ كَانَ عُمَرُ، يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ) أي العموم، وهو أن يكون بصوت، أوندبة، أو يروي بعض ذلك الكلام، لأن في روايته ((ببعض بكاء أهله))، كما سيأتي قريبا (خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ) وفي رواية البخاريّ: ((ثم حدّث، فقال: صَدَرتُ مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء ... )) (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ) بفتح الموحّدة، وسكون التحتانية: مفازة بين مكة والمدينة، قاله العينيّ، وقال القاري: موضع قريب من ذي الحليفة (رَأَى رَكْبًا) بفتح، فسكون: أي جماعة راكبين (تَحَتَ شَجَرَةٍ) ولفظ الشيخين: ((فإذا هو بركب تحت ظلّ سمرة)) و ((السمرة)) بفتح المهملة، وضم الميم: شجرة عظيمة، من شجر العضاه (فَقَالَ) أي عمر ◌َّهِ (انْظُرْ مَنِ الرَّكْبُ؟) أي تحقق لي هؤلاء الجماعة، من هم؟ (فَذَهَبْتُ، فَإِذَا) هي الْفُجَائِيَّةُ (صُهَيْبٌ) بصيغة التصغير ابن سنان بن قاسط، كان من السابقين الأولين المعذّبين في اللّه تعالى، وقد تقدّمت ترجمته ٨٩/ ١٣٤٦ (وَأَهْلُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) أي إلى عمر (فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا) الركب (صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ، فَقَالَ) عمر (عَلَيَّ بِصُهَيْبٍ) وللبخاري: ((ادعه لي))، و((عليّ)) اسم فعل، بمعنى أحضره عندي. زاد في رواية البخاري: ((فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحل، فالحَقْ أمير المؤمنين)) (فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، أُصِيبَ عُمَرُ) رَيه ، أي أصيب بالطعن، طعنه أبو لؤلؤة عبد للمغيرة بن شعبة تنظمه ، وسبب ذلك ما رواه ابن سعد في ((الطبقات)) بإسنا صحيح إلى الزهري، قال: ((كان عمر ◌َظّه لا يَأَذَن لسبي قد احتلم في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة بن شعبة، وهو على الكوفة، يذكر له غلاما عنده صانعًا، ويستأذنه أن يُدخله المدينة، ويقول: إن عنده أعمالًا تنفع الناس، إنه حدّاد، نقّاش، نجار، فأذن له، فضرب عليه المغيرة كلَّ شهر مائة، فشكى إلى عمر شدّة الخراج، فقال له: ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل، فانصرف ساخطًا، فلبث عمر ليالي، فمرّ به العبد، فقال: ألم أَحَدَّث بأنك تقول: لو أشاء لصنعت رحّى، تَطحَن بالريح؟، فالتفت إليه عابسًا، فقال: لأصنعنّ لك رحى يتحدّث الناس بها، فأقبل عمر على من معه، فقال: توعّدني العبد، فلبث ليالي، ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس: ((الصلاة الصلاة))، وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنا منه عمر وثب إليه، فطعنه ثلاث طعنات، إحداهنّ تحت السرّة، قد خرقت الصفاق(١)، وهي التي قتلته)). وفي حديث أبي رافع: ((كان أبو لؤلؤة عبدا للمغيرة بن شعبة، وكان يستغلّه أربعة دراهم -أي كلّ يوم- فلقي عمر، فقال: إن المغيرة أثقل عليّ، فقال: اتق الله، وأحسن (١) ((الصُّفَاق)) ككتاب: الجلد الذي عليه الشعر، أو ما بين الجلد والْمُضْرَان، أو جلد البطن كله. قاله في ((ق)). صـ ٨١٠ - ٨١١ . ٣١٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ إليه، ومن نيّة عمر أن يَلقَى المغيرةَ، فيكلّمه، فيخفّف عنه، فقال العبد: وَسِعَ الناسَ عدلُهُ غيري، وأضمر على قتله، فصنع له خنجرًا، له رأسان، وسَمَّه، فتحرّى صلاة الغداة حتى قام عمر، فقال: أقيموا صفوفكم، فلما کبر طعنه في كتفه، وفي خاصرته، فسقط)). وعند مسلم من طريق معدان بن أبي طلحة: ((أن عمر خطب، فقال: رأيت ديكًا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلي))، وزاد في رواية: ((فما مرّ إلا تلك الجمعة، حتى طُعن)). وقد ساق البخاريّ رحمه اللّه تعالى قصة قتله رَظنّه في («صحيحه)) مطولة فقال: ٣٧٠٠- حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت عمر بن الخطاب ◌َظه ، قبل أن يُصاب بأيام بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف، قال: كيف فعلتما، أتخافان أن تكونا، قد حملتما الأرض(١) ما لا تطيق، قالا: حَمَّلْناها أمرا، هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا، أن تكونا حملتما الأرض، ما لا تطيق، قال: قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني اللَّه، لأدعن أرامل أهل العراق، لا يحتجن، إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه إلا رابعة، حتى أصيب، قال: إني لقائم، ما بيني وبينه، إلا عبد الله بن عباس، غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين، قال: استووا، حتى إذا لم ير، فيهن خللا، تقدم، فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك، في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو، إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العِلْج(٢) بسكين، ذات طرفين، لا يمر على أحد، يمينا ولا شمالا، إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين، طرح عليه بُرْنُسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ، نحر نفسه، وتناول عمرُ يد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، فمن يلي عمر، فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن، صلاة خفيفة، فلما انصرفوا، قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة، ثم جاء، فقال: غلام المغيرة، قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله اللّه، لقد أمرت به معروفا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل، يَدَّعي الإسلام، قد كنتَ أنت وأبوك، تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس، أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلتُ، أي إن شئت قتلنا، قال: كذبتَ، بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلّوا قبلتكم، وحجوا حجكم، فاحتُمل إلى بيته، فانطلقنا معه، (١)-هي أرض السواد، بعثهما إليها يضربان عليها الخراج، وعلى أهلها الجزية. (٢)- بكسر، فسكون: الرجل من كفار العجم، جمعه عُلُوج، وأعلاج. ((ق)). ٣١١ ١٥- النَّحَةُ عَلَى الْمَنْتِ - حديث رقم ١٨٥٨ وكأن الناس، لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف . عليه، فأتي بنبيذ، فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن، فشربه، فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس، فجعلوا يُثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، ببشرى الله لك، من صحبة رسول اللَّه وَلتر، وقدم في الإسلام، ما قد علمتّ، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كفاف، لا علي، ولا لي، فلما أدبر، إذا إزاره يمس الأرض، قال: رُدُّوا عليّ الغلام، قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفا، أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر، فأدّه من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تَعْدُهم إلى غيرهم، فأدّ عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يَقرَأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب، أن يدفن مع صاحبيه، فسلّمَ، واستأذَنَ، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله بن عمر، قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب، يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله، ما كان من شيء، أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قضيت، فاحملوني، ثم سلم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي، فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة، والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجتُ داخلا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر، من هؤلاء النفر، أو الرهط الذين توفي رسول اللّه مَله، وهو عنهم راض، فسمى عليا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدا، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدا، فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي، بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، ﴿وَاَلَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٩] أن يُقبَل من محسنهم، وأن يُعفَى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم رِذءُ الإسلام، وجُبَاة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم، إلا فضلهم، عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، ٣١٢ = شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة اللّه، وذمة رسوله وَّلتر، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم، فلما قُبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلم عبد الله بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هنالك، مع صاحبيه، فلما فرغ من دفنه، اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر، فنجعله إليه، واللَّه عليه والإسلام، لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ؟ والله علي أن لا الُوَ عن أفضلكم، قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول اللّه وَلّر، والقدم في الإسلام، ما قد علمت، فاللَّهُ عليك لئن أمّرتك، لتعدلن، ولئن أمّرت عثمان، لتسمعن، ولتطيعن، ثم خلا بالآخر، فقال له: مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار، فبايعوه انتهى(١). (فَجَلَسَ صُهَيْبٌ يَبْكِي عِنْدَهُ) جملة في محل نصب على الحال (يَقُولُ) بدل اشتمال من (بكي))، أو حال، فيكون من الأحوال المترادفة، أو المتداخلة (وَا أُخَيَّاهُ، وَا أُخَيَّاهُ) لفظة ((وا)) للندبة، والألف في آخره زيدت للندبة، لتويل الصوت، والهاء للسكت، و ((أُخَيَّ)) بصيغة التصغير. ولفظ البخاريّ: ((وا أخاه، وا صاحباه)) (فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، لَا تَبْكِ) قال السنديّ ◌َخّْثُ: خاف أن يفضي بكاؤه إلى البكاء بعد الموت، وإلا فالحديث في البكاء بعد الموت انتهى. وفي رواية البخاريّ: يا صهيب، أتبكي عليّ، وقد قال رسول اللّه بَ له: ((إن الميت ... )) (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، يَقُولُ: ((إِنَّ الْمَيْتَ لَيُعَذَّبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))) قيّده ببعض البكاء، فَيُحمّل على ما فيه نوح، وندبة، جمعًا بين الأحاديث، وقيل: المراد بالبعض ما يكون من وصيته، وقد تقدم تمام البحث في هذا، فلا تغفُل (قَالَ) أي ابن عباس ◌َهَا (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ) ولفظ البخاريّ: ((فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرتُ ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، لا، والله ما حدّث رسول اللّه وَله إن اللَّه يعذّب المؤمن ببكاء أحد)). قال النووي ◌َّثُ في ((شرحه)): في هذا جواز الحلف بغلبة الظنّ بقرائن، وإن لم يقطع الإنسان، وهذا مذهبنا، ومِنْ هذا قالوا: له الحلف بدين رآه بخط أبيه الميت على (١)- انظر (صحيح البخاري)) بنسخة ((الفتح)) ج٧ ص ٤١٩-٤٢١. ١٥- النّاحَةُ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم ١٨٥٨ ٣١٣ = فلان، إذا ظنه . فإن قيل: فلعلّ عائشة لم تحلف على ظنّ، بل على علم، وتكون سمعته من النبي وَالر في آخر أجزاء حياته. قلنا: هذا بعيد من وجهين: أحدهما: أن عمر، وابن عمر سمعاه وَالقول يقول: ((يعذّب ببكاء أهله)). والثاني: لو كان كذلك لاحتجت به عائشة، وقالت: سمعته في آخر حياته ◌َّ، ولم تحتجّ به، إنما احتجّت بالآية. والله أعلمٍ انتهى(١). (فَقَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ، مَا تُحدِّثُونَ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ كَاذِبَيْنِ، مُكَذَّبَيْنٍ) اسم مفعول من كذّبه مضعّفًا: إذا نسبه إلى الكذب، تعني أنهما لا يكذبان قصدًا، ولا يَنسُبُهما أحد إلى الكذب (وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ) تعني أن هذا مما أخطأ فيه سمعهما (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرْآنِ، لَمَا يَشْفِيكُمْ) أي يزيل إشكالكم في هذه المسألة، وهو قوله تعالى ﴿أَلَّا نَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ ◌ُقْرَى﴾ [النجم: ٣٨] ((أن)) مخففة من الثقيلة، أدغمت في ((لا)) النافية، واسمها ضمير مقدّر، وخبرها الجملة المنفية، وإلى هذا أشار ابن مالك في ((الخلاصة))، حيث قال: وَإِنْ تُخُفَّفْ (أَنَّ) فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةٌ مِنْ بَغْدِ ((أَنْ)) والمعنى أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى (وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ) يحتمل أن تشدد نون ((لكن))، و((رسولُ اللَّه)) اسمها، وأن تخفف، وما بعدها مبتدأ وخبر (قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابَا، بِيُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))) زاد في رواية الشّيخين: ((وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾، قال ابن عباس ◌َّهَا عند ذلك: واللَّهُ ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَبِّكَ﴾، قال ابن أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر رَعليها شيئا انتهى. قال في ((الفتح)): قوله: قال ابن عباس الخ: أي عند انتهاء حديثه عن عائشة: واللَّهُ ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَتِكَى﴾ أي إن العَبْرة لا يملكها ابن آدم، ولا تسبب له فيها، فكيف يعاقب عليها، فضلا عن الميت. وقال الداوديّ: معناه أن اللَّه تعالى أَذِنَ في الجميل من البكاء، فلا يُعذّب على ما أذن فيه. وقال الطيبي: غرضه تقرير قول عائشة، أي أن بكاء الإنسان، وضحكه من اللَّه يظهر فيه، فلا أثر له في ذلك انتهى . وقوله: ((ما قال ابن عمر شيئا)) قال الطيبي وغيره: ظهرت لابن عمر الحجة، فسكت مُذعِنا. وقال الزين ابن المنير: سكوته لا يدلّ على الإذعان، فلعله كره المجادلة في ذلك المقام. وقال القرطبيّ: ليس سكوته لشكّ طرأ له بعد ما صرّح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلا للتأويل، ولم يتعيّن له محمل يحمله عليه إذ (١)- (شرح مسلم)) ج٦ ص ٤٧١ . ٣١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم تتعيّن الحاجة إلى ذلك حينئذ. ويحتمل أن يكون ابن عمر فهم من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته، لأنها يمكن أن يُتمسَّك بها في أن لله أن يعذّب بلا ذنب، فيكون بكاء الحيّ علامة لذلك، أشار إلى ذلك (١) الكرماني. انتهى(١) . والحديث أخرجه البخاريّ، وقد مرّ تخريجه برقم ١٨٤٨٠ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٦ - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَیْتِ ١٨٥٩ - أُخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَزْرَقِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَاتَ مَيَّتْ، مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِلَّ، فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ، يَيْكِينَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ يَتْهَاهُنَّ، وَيَطْرُدُهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ، وَالْقَلْبَ مُصَابٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ)) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (علي بن حجر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار[٩] ١٣/١٣ . ٢- (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير المدني، نزيل بغداد، ثقة ثبت [٨]١٧/١٦. ٣- (محمد بن عمرو بن حَلْحَلة) - بمهملتين بينهما لام ساكنة- الديليّ المدني، ثقة [٦ ] . وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان ذا هيئة، ملازما للمسجد، وكذا قال ابن سعد. روى له الجماعة، سوى الترمذي، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط . (١)- ((فتح)) ج٣ ص ٥٠٧ . ١٦- بَابُ الرَّخْصَةِ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم ١٨٥٩ ٣١٥ ٤- (محمد بن عمرو بن عطاء) القرشيّ العامريّ المدنيّ، ثقة [٣] تقدم ١٠٣٩/٩٦. ٥- (سلمة بن الأزرق) الحجازيّ مقبول [٣] . لم يرو عنه غير محمد بن عمرو، قال ابن القطان: لا يعرف حاله، ولا أعرف أحدًا من المصنفين في كتب الرجال ذكره. وقال الذهبي في ((المغني)) ٢٧٤/١: لا يُعرَف انتهى. انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وسيأتي ترجيح أنه ثقة، إن شاء الله تعالى . ٦- (أبو هريرة) رَظّه ١/١. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) القرشي العامري (أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَزْرَقِ، قَالَ: سَمِعْتُ أبًا هُرَيْرَةَ) رَّه، وفي الحديث قصّة ساقها الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال: ٥٨٥٥- حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا إسماعيل، أخبرني محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء بن علقمة، أنه كان جالسا، مع ابن عمر بالسوق، ومعه سلمة بن الأزرق، إلى جنبه، فَمُرَّ بجنازة، يتبعها بكاء، فقال عبد الله بن عمر: لو ترك أهل هذا الميت البكاء، لكان خيرا لميتهم، فقال سلمة بن الأزرق: تقول ذلك يا أبا عبد الرحمن؟، قال: نعم أقوله، قال: إني سمعت أبا هريرة، ومات ميت من أهل مروان، فاجتمع النساء، يبكين عليه، فقال مروان: قم يا عبد الملك، فانّههُنَّ أن يبكين، فقال أبو هريرة: دعهن، فإنه مات ميت من آل النبي ◌َّ، فاجتمع النساء، يبكين عليه، فقام عمر بن الخطاب ينهاهن، ويطردهن، فقال رسول اللَّه وَالر: دعهن يا ابن الخطاب، فإن العين دامعة، والفؤاد مصاب، وإن العهد حديث، فقال ابن عمر: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟، قال: نعم، قال، يأثره عن النبي ◌َّر؟، قال: نعم، قال: فالله ورسوله أعلم انتهى(١) . (قَالَ: مَاتَ مَيْتٌ، مِنْ آلِ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ﴾ لم أعرف اسمه (فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ، يَبْكِينَ عَلَيْهِ) جملة في محل نصب على الحال (فَقَّامَ عُمَرُ) ابن الخطاب رَبِّهِ (يَتْهَاهُنَّ) أي عن البكاء (وَيَطْرُدُهُنَّ) من باب قتل، أي يبعدهنّ من محلّ الميت (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((دَعْهُنَّ یَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ) الفاء للتعليل، أي لأن العين دامعة، أي سائل دمعها، يقال: دمعت العينُ دَمْعَا، من باب نَفَعَ، ودَمِعَت دَمَعًا، من تَعِب، لغة فيه. قاله في ((المصباح)) . (١) هو محمد بن عمرو بن عطا بن عباس بن علقمة القرشي المدني ثقة من الثالثة، مات في حدود عشرين ومائة. اهـ ((ت)). (٢) انظر ((المسند)) ج٢ ص ١١٠. ٣١٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ قال السنديّ رحمه الله تعالى: فيه أن بكاءهنّ كان بدمع العين، لا بالصياح، فلذلك رخّص في ذلك، وبه يحصل التوفيق بين أحاديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب انتهى (١) (وَالْقَلْبَ مُصَابٌ) أي أصابه الحزن، وفي نسخة، وهو الذي في ((الكبرى)) ((والفؤاد مصاب))، والمعنى واحد (وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ) أي وقت مفارقته الميت قريب، بحيث لا يغيب عن ذهنهم، حتى يتسلّوا عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة تَّه هذا صحيح . فإن قلت: كيف يصحّ، وفي سنده سلمة بن الأزرق، وهو مجهول، كما تقدّم في ترجمته؟ قلت: بل هو ثقة، بدليل أن ابن عمر رؤيتها اعتمد على روايته عن أبي هريرة رَّه هذا الحديث، حتى قال بعد أن استوثق من سماعه من أبي هريرة، وأنه رفعه إلى النبي وَ له: ما نصه: فالله ورسوله أعلم، فلو لم يكن ثقة معتمدًا عليه، لما قال ذلك ابن عمر رَّا. قال العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى فيما كتبه على («مسند الإمام أحمد» رحمه الله تعالى عند تخريجه لهذا الحديث: ما ملخّصه: ونحن نرجّح جدًا أنه ثقة، لأن محمد بن عمرو بن عطاء شهد مجلسه من ابن عمر، وروايته لابن عمر حديث أبي هريرة، وسؤال ابن عمر إياه، مستوثقًا من سماعه من أبي هريرة ما حدّثه عنه، ومن رفع أبي هريرة للحديث، عن النبي ◌َّ، ثم جواب ابن عمر بعد أن استوثق منه بقوله: «فالله أعلم))، تسليمًا منه بصحة الرواية، وهو صريحٌ في ثقة ابن عمر بهذا الرجل، وعدله، وصدقه، فلو كان مجروحًا عنده، أو متهمًا في صدقه، وفي معرفته بما يروي لَمَا قَبِلَ منه روایته، ولردها علیه، إن شاء الله، وهذا واضح بین انتهى كلام ابن شاكر رحمه الله تعالى باختصار(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما قال العلامة أحمد شاكر رحمه اللّه تعالى كلام نفيس جدًّا . وحاصله أن سلمة بن الأزرق تابعيّ ثقة معروف عند ابن عمر، فلا شكّ في كون هذا (١)- (شرح السندي)) ج٤ ص١٩. (٢)- انظر تحقيق أحمد شاكر للمسند ج٨ ص ١٤٩ . ١٦- بَابُ الرَّخْصَةِ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم ١٨٥٩ ٣١٧ = الحديث صحيحًا، على أن للحديث شواهد كثيرة، سنوردها في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بیان مواضع ذكر المصنف له، وفیمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٨٥٩/١٦ - وفي («الكبرى»١٩٨٦٠/١٦ وأخرجه (ق) ١٥٨٧ و(أحمد) ٥٨٥٥ و٧٦٣٤ و٨١٩٦ و٩٠٣٨ و٩٤٣٨٠ والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في ذكر شواهد حديث الباب من الأحاديث التي وردت بإباحة البكاء على الميت : فمنها: حديث جابر رَؤُّ في قصّة استشهاد أبيه في غزوة أحد، وقد تقدم للمصنف برقم ١٢/ ١٨٤٢، وهو متفق عليه. ومنها: حديث أبي هريرة ◌َّه، قال: ((زار النبي وَل قبر أمه، فبكى، وأبكى من حوله .... )) الحديث. أخرجه مسلم رقم ٢٢٥٦ . ومنها: حديث أنس: رَّ أن النبي ◌َّ ذرفت عيناه لَمّا جعل ابنه إبراهيم في حجره، وهو يجود بنفسه، فقيل في ذلك؟ فقال: ((إنها رحمة))، ثم قال: ((العين تدمع، والقلب يَحزَن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا)). متفق عليه . وهو عند الترمذي، وحسّنه من حديث جابر رضي بلفظ: إن النبي ◌َّ أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى ابنه إبراهيم، فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي وَلير، فوضعه في حجره، فبكى، فقال له عبد الرحمن: أتبكي، أوَ لم تكن نهيت عن البكاء؟ فقال: ((لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خَمْش وجوه(١)، وشَقّ جيوب، ورنّة شيطان)). ومنها: حديث عائشة رَّتها، قالت: رأيت رسول اللَّه ◌َ ل يقبّل عثمان بن مظعون، وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل)). أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، والترمذي رقم ٩٨٩، وقال: حديث حسن صحيح. ومنها: ما أخرجه أحمد، عن ابن عباس رَّا، قال: لما مات عثمان بن مظعون، قالت امرأة: هنيئا لك الجنة عثمانَ بنَ مظعون، فنظر رسول اللَّه وَ الر إليها، نظر غضبان، فقال: ((وما يدريك))، قالت: يا رسول اللَّه فارسك، وصاحبك، فقال رسول اللَّه وَّهِ: ((والله إني رسول الله، وما أدري ما يفعل بي))، فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب ابنة رسول اللَّه وَل، قال رسول اللّه وَلهو: ((الحقي بسلفنا الصالح الخير، عثمان بن مظعون، فبكت النساء، فجعل عمر، يضربهن بسوطه، فأخذ رسول اللّه وَلّ بيده، وقال: ((مهلا يا عمر))، ثم (١)- هكذا نسخة الترمذي، ولعله سقط منه العاطف، والله تعالى أعلم. =٣١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ قال: ((ابكين، وإياكن، ونعيق الشيطان))، ثم قال: ((إنه مهما كان من العين والقلب، فمن الله عز وجل، ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان، فمن الشيطان)) انتهى. قال الحافظ أبو بكر الهيثمي في ((مجمع الزوائد»ج ١٧/٣: وفيه علي بن زيد، وفيه کلام، وهو موثّق انتھی. ومنها: ما أخرجه أحمد في ((مسنده)) عن عائشة: أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول اللَّه وَله، وأبو بكر، وعمر، قالت: فوالذي نفسي بيده، لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأحاديث شواهد لحديث أبي هريرة ◌َلَيه المذكور في الباب. والحاصل أن حديث الباب صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في حكم البكاء على الميت: قال النوويّ رحمه اللّه تعالى في ((شرح المهذّب)): قال الشافعيّ، والأصحاب: البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى، لحديث جابر بن عَتِيك وَّه: أن رسول اللّه والر جاء يعود عبد الله بن ثابت ... الحديث، وقد تقدّم للنسائي ١٤ /١٨٤٦. ولفظ الشافعيّ في ((الأمّ)): وأرخص في البكاء قبل الموت، فإذا مات أمسكن. وقال صاحب ((الشامل)) وطائفة: يكره البكاء بعد الموت، لظاهر الحديث في النهي، ولم يقل الجمهور: يكره، وإنما قالوا: الأولى تركه، قالوا: وهو مراد الحديث، ولفظ الشافعيّ محتمل، هذا كلّه في البكاء بلا ندب، ولا نياحة(١)، أما الندب والنياحة، ولَطْم الخدود، وشقّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونَشْرُ الشّغْر، والدعاء بالويل والثبور، فكلها محرّمة باتفاق الأصحاب، وصرّح الجمهور بالتحريم، ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة، وكذا وقع لفظ الكراهة في نصّ الشافعيّ في ((الأمّ))، وحَمَلَها الأصحاب على كراهة التحريم، وقد نقل جماعةٌ الإجماعَ في ذلك. قال إمام الحرمين ◌َخَّتُهُ: ورَفعُ الصوت بإفراط في معنى شقّ الجيب، قال غيره: هذا إذا کان مختارًا، فإن كان مغلوبًا لم يُؤاخَذ به، لأنه غير مكلّف، وأما قول الشافعيّ ◌َُّ في ((الأمّ)): وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء، فمراده الجلوس للتعزية. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى(٢) . (١)- ((الندب)): تعديد محاسن الميت مع البكاء، كقولها: واجبلاه، واسنداه، واكريماه، ونحوها. و ((الياحة)): رفع الصوت بالندب. اهـ ((المجموع)) ج٥ ص ٢٨٠ . (٢) - انظر ((المجموع)) ج٥ ص ٢٨٠-٢٨١ . ١٦ - بَابُ الرُّخْصَّةِ فِي البُكَاءِ عَلَى الْمَنْتِ - حديث رقم ١٨٥٩ ٣١٩ = وقال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى في ((التمهيد»: وفي نهي جابر بن عتيك للنساء عن البكاء دليل على أنه قد كان سمع النهي عن ذلك، فتأوّله على العموم، فقال له رسول اللّه وَ لّ: دعهنّ - يعني يبكين حتى يموت، ثم لا تبكينّ باكية- يريد والله أعلم لا تبكينّ نياحًا، ولا صِيَاحًا بعد وجوب موته، وعلى هذا جمهور الفقهاء أنه لا بأس بالبكاء على الميت، ما لم يُخلَط ذلك بنُذْبة، وبنياحة، وشقّ جيب، ونشر شَعْرٍ، وخَمْش وجه. قال ابن عباس رَويّا في مثل هذا من بكاء العين، دون نياحة: اللَّهُ أضحك، وأبكى . وقال في ((الاستذكار)): ما حاصله: الصِّيّاح، والنَّيَاحة لا يجوز شيء منه بعد الموت، وأما دمع العين، وحزن القلب، فالسنّة ثابتة بإباحته، وعليه جماعة العلماء. بكى رسول اللّه وَ لل على إبراهيم ابنه، وقال: ((إنها رحمة)). أخرجه مسلم. وبكى على زينب ابنته، فقيل له: تبكي؟ فقال: ((إنما هي رحمة، جعلها الله في قلوب عباده)). أخرجه أبو داود. وعن أنس رَفي: أن النبي وَلِّ نعى جعفرًا، وزيدًا، وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجيء خبرهم، وعيناه تَذْرِفَان)). أخرجه البخاري. وعن أبي هريرة رَّم: ((زار رسول اللَّه ◌َل قبر أمه، فبكى، وأبكى من حوله)). أخرجه مسلم. ورى أبو إسحاق السبيعيّ، عن عامر بن سعد البجليّ، عن أبي مسعود الأنصاريّ، وثابت ابن زيد، وقَرَظَة بن كعب، قالوا: رُخّص لنا في البكاء على الميت من غير نَّوْح . وثبت عن النبي ◌َّ﴿ أنه نهى عن النّوْح من حديث عمر، وعليّ، والمغيرة، وأم عطيّة، وأم سلمة، وأبي مالك الأشعريّ، وأبي هريرة، وغيرهم . وأجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال والنساء، ورخص الجمهور في بكاء العين في كلّ وقت. وقد أخرج أحمد، وابن ماجه، واللفظ لأحمد بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمر، أن رسول اللّه وَ لتر، لما رجع من أحد، سمع نساء الأنصار، يبكين على أزواجهن، فقال: ((لكن حمزة لا بواكي له))، فبلغ ذلك نساء الأنصار، فجئن يبكين على حمزة، قال: فانتبه رسول اللَّه وَلير من الليل، فسمعهن، وهن يبكين، فقال: ويحهن، لم يزلن يبكين بعدُ، منذ الليلة، مُرُوهن، فليرجعن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم)). وعن أبي هريرة تَّه قال: مُرّ على النبي وَلِّ بجنازة يُبكَّى عليها، وأنا معه، وعمر ابن الخطاب ... -الحديث المذكور في الباب -. انتهى كلام الحافظ أبي عمر رحمه اللَّه تعالى(١). (١)- ((الاستذكار)) ج٨ ص٣١٢-٣١٤. ٣٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: تبيّن بما ذُكر من الأحاديث، وأقوال أهل العلم، أن البكاء على الميت مباح مطلقا، قبل الموت، وبعده، إذا خلا عن النياحة، وشَقّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونحو ذلك، مما ورد النهي عنه، وستأتي الأحاديث في ذلك في الأبواب التالية، إن شاء اللَّه تعالى . ومنه يؤخذ الجمع بين الأحاديث الواردة في النهي عن البكاء، وإباحته . وحاصله أن أحاديث النهي عن البكاء مطلقًا، ومقيّدًا بما بعد الموت تحمل على البكاء الذي يفضي إلى ما لا يجوز، من النوح، والصُّرَاخ، وغير ذلك، وأحاديث الإباحة تحمل على مجرّد البكاء الذي هو دمع العين، وما لا يمكن دفعه من الصوت، وقد أشار إلى هذا الجمع قوله ◌ّلير في الحديث المتقدّم: ((ولكن نهيت عن صوتين ... )). وقوله في حديث ابن عباس المتقدّم: ((إنه مهما كان من العين والقلب، فمن الله عز وجلّ، ومن الرحمة ... )). وقوله في حديث ابن عمر السابق: ((إن الله لا يعذّب بدمع العين، ولا بحزن القلب ... )). فيكون معنى قوله وَالر: ((لا يبكين على هالك بعد اليوم))، وقوله: ((فإذا وجب فلا تبكين باكية)) النهي عن البكاء الذي يصحبه شيء مما حرّمه الشارع، هذا هو الجمع الصحيح . وقيل: إنه يُجمَع بأن الإذن بالبكاء قبل الموت، والنهي عنه بعده. ويرده ما تقدم من حديث أبي هريرة ◌َّه المذكور في الباب، من قصّة زجر عمر للباكيات. وحديث عائشة تَعَّها في قصّة موت سعد بن معاذ، وبكاء أبي بكر وعمر تَوَّها المتقدّم، وحديث أبي هريرة ◌َّه في قصة بكاء النبي ◌َّ عند زيارة قبر أمه، وحديث جابر وَظّيه في قصة استشهاد أبيه، وبكاء عمته عليه، وحديث ابن عباس رَؤُهَا في قصة بكاء النساء على زينب ابنة رسول اللَّه وَ له، وكلها وقعت بعد الموت، فليُتنبّه. وقيل: يجمع بحمل النهي عن البكاء بعد الموت على الكراهة، وقد تقدّم نقله عن الإمام الشافعي تَخّْلهُ، لكن حمله أصحابه على كراهة التحريم . والحاصل أن الجمع الأول هو الراجح، كما قاله العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». (١)- انظر ((نيل الأوطار)) ج٤ ص ١٢٣ - ١٢٤.