النص المفهرس
صفحات 21-40
٢٦- بأَبِّ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيِّل - حديث رقم ١٦٦٧ = = ٢١ وأما قول ابن بزيزة: جوابه بقوله: ((مثنى)) يدلّ على أنه فهم من السائل طلب كيفية العدد، لا مطلق الكيفية، ففيه نظر، وأولى ما فُسّر به الحديث من الحديث . واستُدلّ بمفهومه على أن الأفضل في صلاة النهار أن تكون أربعًا، وهو عن الحنفية، وإسحاق. وتعقّب بأنه مفهوم لقب، وليس بحجة على الراجح، وعلى تقدير الأخذ به، فليس بمنحصر في أربع، وبأنه خرج جوابًا للسؤال عن صلاة الليل، فقيد الجواب بذلك، مطابقة للسؤال، وبأنه قد تبيّن من الحديث السابق ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) أن حكم المسكوت عنه حكم المنطوق به، لكن قد عرفت ما في الحديث من الكلام. والله تعالى أعلم . وقوله: ((فإذا خشيت الصبح)) وفي رواية نافع الآتية: ((فإذا خشي أحدكم الصبح)). استُدلّ به على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر، وأصرح منه ما رواه أبو داود، والنسائيّ، وصححه أبو عوانة، وغيره من طريق سليمان بن موسى، عن نافع أنه حدّثه أن ابن عمر كان يقول: ((من صلى من الليل، فليجعل آخر صلاته وترًا، فإن رسول الله وَال ﴿ كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر، فقد ذهب كلّ صلاة الليل والوتر))(١). وفي ((صحيح ابن خُزيمة)) من طريق قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، مرفوعًا: ((من أدركه الصبح، ولم يوتر، فلا وتر له)). وهذا محمول على التعمد، أو على أنه لا يقع أداء، لما رواه أبو داود (٢) من حديث أبي سعيد أيضًا مرفوعًا: ((من نسي الوتر، أو نام عنه، فليصلّه إذا ذكر)) . وقيل: معنى قوله: ((إذا خشي أحدكم الصبح -أي وهو في شفع- فلينصرف على وتر. وهذا ينبني على أن الوتر لا يفتقر إلى نية . وحكى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياريّ، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح. وحكاه القرطبيّ عن مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإنما قاله الشافعيّ في القديم. وقال ابن قُدَامة: لا ينبغي لأحد أن يتعمّد ترك الوتر حتى يُصبح . (١)- يأتي للمصنف ١٦٨٢/٣٠ بلفظ: ((من صلى من الليل، فليجعل آخر صلاته وتراً، فإن رسول الله وَلو كان يفعل ذلك)). (٢)- هكذا عزاه في ((الفتح)) إلى أبي داود، ولا أظنه أخرجه أبو داود، وإنما أخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم - ١١٠٠٢- وأخرجه أيضاً بلفظ ((من نام عن الوتر ... )) برقم ١٠٨٧١ وأخرجه بنحوه الترمذي رقم ٤٦٥ وابن ماجه رقم ١١٨٨ . فليُتنبّه. وفي إسناد الجميع عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، وهو ضعيف. والله تعالى أعلم. ٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْل واختلف السلف في مشروعية قضائه، فنفاه الأكثر، وفي مسلم وغيره(١) عن عائشة رَّهَا (أنه وَ ليو كان إذا نام من الليل، من وجع، أو غيره، فلم يقم من الليل صلّى من النهار ثنتي عشرة ركعة)) . وقال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي ◌َّل في شيء من الأخبار أنه قضى الوتر، ولا أمر بقضائه، ومن زعم أنه وَّر في ليلة نومهم عن الصبح في الوادي قضى الوتر، فلم يُصب . وعن عطاء، والأوزاعيّ: يقضي، ولو طلعت الشمس، وهو وجه عند الشافعي، حكاه النوويّ في ((شرح مسلم)). وعن سعيد بن جبير: يقضي من القابلة، وعن الشافعية: يقضي مطلقًا، ويُستدلّ لهم بحديث أبي سعيد المتقدّم، والله أعلم. ذكرهذا كله في ((الفتح))(٢) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول الراجح عندي قول من قال: يُقضىّ الوتر مطلقًا، لحديث ((من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها ... ))، فإن لفظ ((صلاة)) نكرة في سياق الشرط فيدخل فيه الوتر وغيره، مما له وقت معين. وأما الاستدلال بحديث أبي سعيد تَظّه المتقدم، فغير متجه، لأن في سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، وهو ضعيف، وقد خالفه أخوه عبد الله بن زيد - وهو صدوق، فيه لين-، فرواه عن أبيه، عن النبي وَله مرسلًا، بلفظ: ((من نام عن وتره، فليصلّ إذا أصبح))، قال الترمذي: وهذا أصح من الحديث الأول. يعني حديث عبد الرحمن المتقدّم. والله تعالى أعلم . [فائدة]: يؤخذ من سياق هذا الحديث أن ما بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس من النهار شرعًا، وقد روى ابن دُريد في ((أماليه)) بسند جيّد أن الخليل بن أحمد سئل عن حدّ النهار، فقال: من الفجر المستطير إلى بداءة الشفق. وحكى ثعلب عن الشعبي أنه وقت منفرد، لا من الليل، ولا من النهار. والله تعالى أعلم . وقوله: (فواحدة) بالرفع خبر لمحذوف، أي فهي ركعة واحدة، ويحتمل أن يكون بالنصب، مفعولا لمحذوف، أي صلّ ركعة واحدةً. وفي الروايات الآتية: ((فأوتر بواحدة)) . واستُدلّ بهذا على أنه لا صلاة بعد الوتر. وقد اختلف أهل العلم في ذلك، وسيأتي تحقيق الخلاف، وترجيح الراجح في ((باب إباحة الصلاة بين الوتر وركعتي الفجر)) ٥٥٪ (١)- تقدم للمصنف برقم ٢/ ١٦٠١. (٢) - ((فتح)) ج ٣ ص ١٦٣ . ٢٣ ٢٦- بَأَبِّ كَيْفَ صَلَةُ اللَّيِّل - حديث رقم ١٦٧٠ ١٧٥٦ إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٦٦٨ - أخبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ صَدَقَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْب، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَّبِّ ◌َ ◌ِّ، قَالَ: ((صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثَّنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ)) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق ثالث لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، من رواية سالم عنه، وهو متفق عليه، وتقدم تخريجه في الحديث الأول . و(محمد بن صدقة) هو الجُبْلاني -بضم الجيم، وسكون الموحدة- أبو عبد الله الحمصي المكتب، صدوق [١١] . روى عن محمد بن حرب، ومحمد بن شعيب، وابن أبي فُديك، وغيرهم. وعنه النسائي، وقال: لا بأس به، وأبو حاتم، وقال: صدوق. وابن بُجير، وغيرهم. وقال مسلمة: حمصي لا بأس به انتهى. وهو ممن انفرد بهم المصنّف، روى عنه في هذا الكتاب حديثين فقط، برقم ١٦٦٨ و٣٦٥٨ . و(الزبيديّ) محمد بن الوليد الحمصي الحافظ الثبت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٦٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، عَلَى الْمِنْبَرَ،ِ يُسْأَلُ عَنْ صَلَاةٍ اللَّيْلِ؟، فَقَالَ: ((مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِرَكْعَةٍ)) . قَال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا طريق رابع لحديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عنه، وهو متفق عليه، وتقدم تخريجه قريبًا . و((محمد بن منصور)): هو الجوّاز المكيّ. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((ابن أبي لَبيد)» -بفتح اللام: هو عبد الله المدني، أبو المغيرة نزيل الكوفة، ثقة رُمي بالقدر، تقدّم ٥٤١/٢٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٦٧٠ - أخبَرَنَا مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَّرَ أَخْبَرَهُمْ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟، قَالَ: ((مَثْنَى مَثْتَى، فَإِنْ خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّنْحَ، فَلْيُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ)) . ٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الَّيْلِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق خامس لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، من رواية نافع عنه، وهو متفق عليه، وتقدم تخريجه قريبًا . و(موسى بن سعيد) بن النعمان بن بسّام، الثّغْريّ، أبو بكر المعروف بالدَّنْدَانيّ - بمهملتين مفتوحتين، ونونين، الأولى ساكنة- صدوق [١١]. روى عن أبي اليمان، وعبد الله بن رجاء، وأحمد بن عبد الله بن يونس، وغيرهم. وعنه النسائيّ، وقال: لا بأس به، وأبو عوانة الإسفرايينيّ، وأبو بشر الدُّولابي، وغيرهم. وهو من أفراد المصنّف، روى عنه في هذا الكتاب حديثين فقط برقم ١٦٧٠ و٣٦٥٣. و(أحمد بن عبد الله بن يونس) هو التيميّ الكوفي الحافظ الثقة من كبار [١٠] ٩٣/ ١٣٥١ . و(زُهير) هو ابن معاوية بن حُديج الكوفي الحافظ الثقة [٧]. و(الحسن بن الحُرّ) بن الحَكَم النخعي، ويقال: الجعفيّ، أبو محمد، ويقال: أبو الحكم الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقة فاضل[٥] . روى عن أبي الطفيل، والشعبيّ، ونافع، وغيرهم. وعنه ابن عجلان، من شيوخه، والأوزاعيّ، وزهير بن معاوية، وغيرهم . قال ابن معين، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ، وعبد الرحمن بن خِرَاش: ثقة، وكان بليغًا جوادًا. وقال الأوزاعيّ: ما قَدِم علينا من العراق أفضل من عبدة بن أبي لبابة، والحسن بن الحرّ. وقال زهير: حدثنا الصدوق العاقل الحسن بن الحُرّ. وقال الحاكم: ثقة مأمون مشهور. ووثقه العجليّ، وأبو الفضل الهرويّ، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، مات بمكة سنة (١٣٣). انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ١٦٧٠ و١٦٨٧٠ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٦٧١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ، قَالَ: ((صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ)) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق سادس لحديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، وهو متّفقٌ عليه، وتقدم تخريجه في حديث أول الباب . و(الليث) هو ابن سعد الإمام الحجة المصريّ [٧]٣٥/٣١ . والإسناد من رباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو أعلى الأسانيد له كما تقدّم غير مرّة، وهو (١٠٣) من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٢٥ ٢٦- بابٌ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيِّل - حديث رقم ١٦٧٣ ١٦٧٢- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، رَسُولَ اللَّهِ وَهه كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟، فَقَالَ: ((َصَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا طريق سابع لحديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، وهو متّفق عليه، وتقدم تخريجه قريبًا . و(أحمد بن محمد بن المغيرة) هو الأزدي الحمصي، صدوق [١١] ٨٥/٦٩. و(عثمان) هو ابن سعيد بن كثير بن دينار، أبو عمرو الحمصيّ ثقة عابد [٩] ٦٩/ ٨٥. و(شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي الحافظ الثبت [٧]٨٥٠/٦٩ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٦٧٣- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَجُلًا، سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْتَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . قَال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق ثامن لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو متفقٌ عليه، وتقدم تخريجه قريبًا . و(محمد بن يحيى) الذُّهْلي النيسابوريّ الإمام الحافظ الحجة [١١] ٣١٤/١٩٦. و(يعقوب بن إبراهيم) هو الزهريّ المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار[٩] ٣١٤/١٩٦ . و(ابن أخي ابن شهابٍ) هو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيدالله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوق له أوهام [٦] . روى عن أبيه، وعمه، وصالح بن عبد الله بن أبي فَرْوة، وغيرهم. وعنه ابن إسحاق، أكبر منه، وإبراهيم بن سعد، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وغيرهم . قال أحمد: لا بأس به، وعنه: صالح الحدیث. وقال ابن معین: ضعیف. وعنہ لیس بذاك القويّ، وقال مرّة: صالح. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ يُكتب حديثه. وسئل أبو داود عنه؟ فقال: ثقة، سمعت أحمد يُثني عليه، وأخبرني عباس عن يحيى بالثناء عليه. وقال ابن عديّ: لم أر بحديثه بأسّا، ولا رأيت له حديثا منكرًا، فأذكرَه، إذا روى عنه ثقة. وقال الساجيّ: صدوق، تفرّد عن عمه بأحاديث لم يُتابَع عليها. وقال الحاكم: إنما أخرج له مسلم في الاستشهاد. وقال الحافظ: لم أر له في البخاري غير حديثين . وقال ابن معين: هو أمثل من أبي أويس، ويقال: إنه انفرد عن عمه بحديث ((كلُّ أمتي = ٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَامِ الَّيْلِ مُعافى إلا المجاهرون))، و((كان ◌َ # يأكل بكفه كلها))، وقول أبي هريرة في خطبته: ((كل ما هو آت قریب)). وروى الواقديّ عنه، عن عمه حديثا آخر، والواقديّ غير حجة. قال الواقدي: قتله غلمانه بأمر ابنه لأمواله، وكان ابنه سفيهًا شاطرًا قتله للميراث، في آخر خلافة أبي جعفر سنة (١٥٢) ثم وثب عليه غلمانه، فقتلوه أيضًا بعد سنين، وليس له عقب، وكان كثير الحديث صالحًا. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، وکثیر ... الوَهَم، مات سنة (١٥٧). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و(حميد بن عبد الرحمن) هو ابن عوف الزهري المدني، ثقة [٢] ٧٢٥/٣٢ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٦٧٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَم، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَاهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((صَلََّةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّنْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا طريق تاسع لحديث ابن عمر رَّها، وهو متّفقٌ عليه، وتقدم تخريجه أيضًا . و(أحمد بن الهيثم) بن حفص الثّغْريّ -بالمثلثة، والغين المعجمة- قاضي طَرَسُوس، صدوق [١٢]. روى عن حرملة، وموسى بن داود. وعنه النسائيّ حديثا واحدًا في الصوم(١)، وأبو عمر أحمد بن محمد الجلّيّ، وغيرهما. قال النسائيّ: لا بأس به. وانفرد هو به، روى عنه في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . و(حَزْمَلة) هو بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران التُّجِيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١]. روى عن ابن وهب، فأكثر، وعن الشافعيّ، ولازمه، وأيوب بن سُويد، وغيرهم. وعنه مسلم، وابن ماجه، وروى له النسائيّ بواسطة أحمد بن الهيثم، وغيرهم . قال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال الدُّوريّ، عن يحيى: شيخٌ (١) هكذا قال في ((تهذيب التهذيب)) ((في الصوم)) ورمز للنسائي في ((المجتبى))، وفيه نظر؛ لأنه ما أخرج له النسائي في ((المجتبى)) إلا حديث الباب، وهو في الصلاة، لا في الصوم، أما حديث الصوم فأخرجه في ((الكبرى)) جـ ٢ ص ١٨٦: رقم (٢٩٧٦) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أم سلمة رَُّها، قالت: ((كان رسول اللّه ◌َله يصبح جنبًا من جماع، لا حلم، ثم لا يفطر، ولا يقضي)). ٢٧ ٢٦ - بابٌ كَيفَ صَلَةُ اللَّيِّل - حديث رقم ١٦٧٤ بمصر، يقال له: حرملة، كان أعلم الناس بابن وهب. وقال ابن عديّ: سألت عبد الله ابن محمد بن إبراهيم الفَرْهَادانيّ أن يُملي عليّ شيئًا من حديث حَرْملة، فقال لي: يا بُنيّ ما تصنع بحرملة ؟ حرملةُ ضعيف. وقال أحمد بن صالح: صنّف ابنُ وهب مائة ألف حديث وعشرين ألف حديث، عند بعض الناس النصفُ -يعني نفسه- وعند بعض الناس منها الكلّ -يعني حرملة -. وقال ابن عديّ: وقد تبحّرتُ حديثَ حرملة، وفتّشته الكثيرَ، فلم أجد فيه ما يجب أن يضعّف من أجله، ورجل يكون حديث ابن وهب كله عنده، فليس ببعيد أن يُغْرِب على غيره كُتُبًا ونُسَخًا، وأما حَمْلُ أحمد بن صالح عليه، فإن أحمد سمع في كتب حرملة من ابن وهب، فأعطاه نصف سماعه، ومنعه النصف، فتولّد بينهما العداوة من هذا، وكان مَن يبدأ بحرملة إذا دخل مصر لا يُحدثه أحمد بن صالح، وما رأينا أحدًا جمع بينهما . قال الحافظ: كذا قال، وقد جمع بينهما أحمد بن رِشْدِين شيخُ الطبرانيّ، لكن يُحمل قول ابن عديّ على الغرباء. مات حرملة سنة (٢٤٤) كذا قال. وقال ابن يونس: ولد سنة (١٦٦) وتوفي لتسع بقين من شوّال سنة (٤٣). وكان مِنْ أَمْلَى الناس بما روى ابن وهب. ونقل أبو عمر الكنديّ أن سبب كثرة سماعه من ابن وهب أن ابن وهب استخفَى عندهم لَمّا طُلِب للقضاء. قال: ونظر إليه أشهب، فقال: هذا خير أهل المسجد. وقال العُقيليّ: كان من أعلم الناس بابن وهب، وهو ثقة إن شاء الله تعالى. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال أبو عبد الله البُوشَنجيّ: سمعت عبد العزيز بن عمران المصريّ يقول: لقيتُ حرملة بعد موت الشافعيّ، فقلت له: أخرِجْ إليّ فهرست كتب الشافعيّ، قال: فأخرجه إليّ، فقلت: ما سمعتم من هذه الكتب؟ قال: فسمّى لي سبعة كتب، أو ثمانية، فقال: هذا كل شيء عندنا عن الشافعي عَرْضًا وسماعًا. قال أبو عبد الله البُوشنجيّ: فرَوَى عنه الكتب كلها سبعين كتابًا، أو أكثر، وزاد أيضًا ما لم يُصنّقه الشافعيّ، وذاك أنه رَوَى عنه فيما أخبرنا بعض أصحابنا ((كتاب الفَرْق بين السحر والنبوّة)»، وأنه قيل له في ذلك، فقال: هذا تصنيف حفص الفرد، وقد عرضته على الشافعي، فرضيه. روى له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله فى هذا الكتاب هذا الحديث فقط . و(ابن وهب) هو عبد الله المصريّ الثقة الحافظ العابد[٩] ٩/٩. و(عمرو بن الحارث) هو المصريّ الحافظ الثقة الفقيه [٧]٧٩/٦٣. والله تعالى. أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَامِ اللَّيْل ٢٧ - بَابُ الأَمْرِ بِالْوِتْرِ قال ابن منظور رَخّْلهُ: الوثر - بالكسر- والوَثْر - بالفتح -: الفرد، أو ما لم يتشفّع من العدد، وأوتره: أخَذّه، قال اللّخيانيّ: أهل الحجاز يُسمّون الفرد الوَتْر، وأهل نجد يكسرون الواو، وهي صلاة الوِتْر، والوَثْرِ لأهل الحجاز، ويقرءون: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوٍَّ﴾ [الفجر: ٣]، والكسر لتميم، وأهلِ نجد يقرءون ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرٍ﴾ وأوتر: صلّى الوتر، وقال اللحيانيّ: أوتر في الصلاة فعدّاه ب(في))، وقرأ حمزة، والكسائيّ: ﴿وَأْوَِّ﴾ بالكسر، وقرأ عاصم، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: ﴿وَاَلْوَثْرِ﴾ بالفتح، وهما لغتان معروفتان. انتهى. (١) . [فائدة]: قال ابن التين ريّْلهُ: اختلف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النيّة فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة. وزاد الحافظ ◌َّلهُ: وفي قضائه، والقنوت فيه، وفي محلّ القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووصله، وهل تسنّ ركعتان بعده، وفي صلاته من قعود، لكن هذا الأخير ينبني على كونه مندوبًا، أو لا، وقد اختلفوا في أول وقته أيضًا، وفي كونه أفضل صلاة التطوّع، أو الراتبُ أفضل منه، أو خصوص ركعتي (٢) الفجر. انتهى قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر ما ذهب إليه المصنّف رحمه الله تعالى أن الأمر للاستحباب، حيث أتى بعد حديثٍ ((يا أهل القرآن أوتروا ... )) بقول علي ◌َطاليه: ((الوتر ليس بحتم ... ))، وهذا الذي ذهب إليه هو الحقّ -كما هو مذهب الجمهور- وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة الرابعة من الحديث التالي -إن شاء اللّه تعالى -. والله تعالى أعلم بالصواب ١٦٧٥ - أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِم، وَهُوَ ابْنُ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ◌َّهِ، قَالَ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وِتْرٌ، ثُجِبُّ الْوِتْرَ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (هنّاد بن السَّرِيّ) التيميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠]٢٥/٢٣. (١)-((لسان العرب)) مادة وتر. (٢)- ((فتح)) ج٣ ص١٦١. ٥٠٠, ٢٩ ٢٧- بابُ الأمر بالوتر - حدیث رقم ١٦٧٥ ٢- (أبو بكر بن عياش) الأسديّ الكوفي المقرىء، مشهور بكيته، والأصحّ أنها اسمه، وقيل: محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: شعبة، وقيل: غير ذلك، ثقة عابد، كَبِرَ، فساء حفظه، وكتابه صحيح[٧] ٩٨ / ١٢٧ . ٣- (أبو إسحاق) السبيعي، عمرو بن عبد اللَّه الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره، وكان يدلّس [٣]٤٢/٣٨. ٤- (عاصم بن ضمرة) السَّلُوليّ الكوفيّ، صدوق [٣]٨٧٤/٦٥. ٥- (علي) بن أبي طالب، أبو الحسن الخليفة الراشد رضي اللّه تعالى عنه ٧٤ /٩١٠ والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: أبي إسحاق، عن عاصم، وهو من رواية الأقران. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشرين بالجنة، وابن عمّ النبيّ ◌َّ، وزوج ابنته رضي اللَّه تعالى عنهما. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ عَلِيِّ رَّهِ) أنه (قَالَ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ﴾ أي صلى صلاة الوتر (ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ) يعني المؤمنين المصدّقين به، و المعتنين بحفظه وتلاوته . وقال القاري: أي أيها المؤمنون به، فإن الأهلية عامّة شاملة لمن آمن به، سواء قرأ، أو لم يقرأ، وإن كان الأكمل منهم من قرأ، وحَفِظَ، وعَلِم، وعمل، ممن تولّى قيام تلاوته، ومراعاة حدوده وأحكامه انتهى . وقال الخطابي في ((المعالم)) ج١ ص٢٨٥: تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه يدلّ على أن الوتر غير واجب، ولو كان واجبًا لكان عامًا، وأهل القرآن في عرف الناس هم القرّاء، والحفّاظ، دون العوامّ، ويدلّ على ذلك أيضًا قوله للأعرابي: ((ليس لك، ولا لأصحابك)) انتهى. (أَوْتِرُوا) أمر بصلاة الوتر، وهو أن يصلي مثنى مثنى، ثم يصلي في آخرها ركعة مفردة، أو يضيفها إلى ما قبلها من الركعات. كذا في ((النهاية)). وقال الطيبيّ: يريد بالوتر في هذا الحديث قيام الليل، فإن الوتر يُطلق عليه، كما يُفهم من الأحاديث، فلذا خصّ الخطاب بأهل القرآن انتهى. والأمر للندب، لا للوجوب بدليل قول علي رضي الله تعالى عنه التالي: ((الوتر ليس بحتم، كهيئة المكتوبة ... )) الحديث ٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ (فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) الفاء للتعليل، أي لأنه تعالى (وِتْرٌ) قال الجزريّ: الوتر الفرد، وتكسر واوه، وتفتح، فالله واحد في ذاته، لا يقبل الانقسام والتجزئة، واحد في صفاته، فلا شِبْه له، ولا مِثْل، واحد في أفعاله، فلا شريك له، ولا معين (يُحِبُّ الْوِتْرَ))) فيه إثبات المحبة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأما تفسير من فسّره بأنه يُثیب عليه، ويَقبله، من عامله، -وهو تفسير باللازم- فإنه غير مرضيّ . قال القاضي: كل ما يناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحبّ إليه مما لم يكن له تلك المناسبة انتهى(١) .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث علي رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-١٦٧٥/٢٧- وفي («الكبرى»١٣٨٤/٤١- بالإسناد المذكور. والله تعالى أعلم . المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (ت) ٤٥٣ (ق) ١١٦٩ (أحمد) ١٠٠/١ و١٠٧ و١١٠ و١١٥ و١٢٠ (عبد بن حميد) ٧٠ (الدارميّ)١٥٨٧ (ابن خزيمة) ١٠٦٧. والله تعالى أعلم . المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللّه تعالى- وهو الأمر بصلاة الوتر، وسيأتي اختلاف العلماء، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟، في المسألة الرابعة من مسائل الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. ومنها: تأكد الطلب بالوتر لحفظة كتاب الله تعالى أشدّ من غيرهم، للعناية بالمحافظة على كتاب الله، والقيام به. ومنها: وصف الله تعالى بأنه وتر، لكونه فردا في ذاته، وصفاته، وأفعاله. ومنها: محبة اللَّه تعالى لمن يصلي صلاة الوتر محبة خاصّة، وإن كان يحب المؤمنين عامة. ومنها: إثبات صفة المحبّة للّه تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٦٧٦ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي نُعَيْمِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي (١) - انظر ((المرعاة)) ج٤ ص ٢٧٥-٢٧٦ . ٢٧- بابُ الأمر بالوتر - حديث رقم ١٦٧٥ ٣١ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيَّ رَّهِ، قَالَ: ((الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمِ، كَهَيْئَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنَّهُ سُنَّةُ، سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِ رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) ابن عُليّة قاضي دمشق، ثقة حافظ [١١]٢٢/ ٤٨٩ . ٢- (أبو نعيم) الفضل بن دُكين الكوفيّ، ثقة ثبت [٩]٥١٦/١١ . ٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧]٣٧/٣٣. والباقون تقدّموا في السند الماضي. والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فإنه بصري، نزيل دمشق. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ عَلِيِّ رَّه) أنه (قَالَ: ((الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْم) أي واجب (كَهَيْئَةِ الْمَكْتُوبَةِ) أي كصفة الصلاة الفروضة، وهي كونها حتما لازمًا، لا تبرأ ذمّة المكلّف ما دام مكلّفًا إلا بأدائها، وهو ظاهر في عدم وجوب الوتر، كما هو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، كما يأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (وَلَكِنَّهُ) ولفظ ((الكبرى)) ((ولكنها)) بتأنيث الضمير، وإن كان عائدًا على ((الوتر)) باعتبار أنه صلاة (سُنَّةٌ، سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِ﴾) أي طريقة شرعها رسول اللَّه وَال لأمته، بقوله: ((أوتروا)) .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . .مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث على رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-١٦٧٦/٢٧ - بالإسناد المذكور، وفي ((الكبرى)) -١٣٨٥/٤١ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان به. والله تعالى أعلم . المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (ت) ٤٥٤ (أحمد)١/ ٨٦. والله تعالى أعلم. ٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِیّام اللَّيْلِ المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الوتر: قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: دلّت الأخبار على أن فرائض الصلوات خمس، وسائرهنّ تطوّع، وهو قول عوامّ أهل العلم، غير النعمان، فإنه خالفهم، وزعم أن الوتر فرض، وهذا القول مع مخالفته للأخبار الثابتة عن النبيّ وَلّر خلاف ما عليه عوامّ أهل العلم، عالمهم، وجاهلهم، ولا نعلم أحدًا سبقه إلى ما قال، وخالفه أصحابه، فقالوا كقول سائر الناس. انتهى (١). وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي رحمه الله تعالى في ((كتاب الوتر)): افترض اللَّه على النبي ◌َّلغيره، وأمته أول ما افترض ليلة أسري به خمس صلوات في اليوم والليلة، فأخبر النبيُّ بَله بذلك أمته، ثم لم يزل بعد هجرته، وقدومه المدينة، ونزول الفرائض عليه، فريضة بعد فريضة، من الزكاة، والصيام، والحجّ، والجهاد، يُخبر بمثل ذلك إلى أن توفّي -صلوات اللَّه، وسلامه عليه- وقَدِمتْ وفودُ العرب بعد فتح مكة، ورجوعه إلى المدينة، وذلك في سنة تسع وعشر، من البادية، ونواحيها، يسألونه عن الفرائض، يخبرهم في كلّ ذلك أن عدد الصلوات المفترَضَات خمس، ووجّه معاذَ بنَ جبل إلی الیمن، وذلك قبل وفاته بقليل، فأمره أن يُخبرهم بأن فرض الصلوات خمس، ثم آخره ما خطب به بذلك في حجة الوداع (٢)، فأخبرهم أن عدد الصلوات المفترَضات خمس، لا أكثر من ذلك، وفيها نزلت: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ الآية [المائدة: ٣]، ثم لم ينزل بعد ذلك فريضة، ولا حرام، ولا حلال، فرجع رسول اللَّه وَليل، فمات بعد رجوعه بأقلّ من ثلاثة أشهر، ثم أخبر أبو بكر تَظّه بذلك بعد وفاته، ثم أخبر علي بن أبي طالب تنظيم أن الوتر ليس بحتم، كالصلوات المكتوبة، ولكنه سنة، وغير جائز أن يكون مثل أبي بكر، وعلي تنظيفها يجهلان فريضة صلاة من الصلوات المفروضات، وهما يحتاجان إليها في كلّ ليلة، حتى يجحدا فرضها، مَن ظنّ هذا بهما، فقد أساء الظنّ بهما. قال: وكان أبو حنيفة يوجب الوتر، (١)- ((الأوسط)) ج٥ ص١٦٧ - ١٦٨ . (٢)- قال محمد بن نصر: حدثنا علي بن حُجر، أخبرنا فَرَج بن فَضَالة، عن لقمان، عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: خطبنا النبي ◌َله في حجة الوداع، فقال: ألا لعلكم لا تروني بعد عامكم هذا، فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله، ما الذي تَعهَد إلينا؟ قال: ((اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحُجّوا بيتكم، وأدوا زكاتكم، طيّبة بها أنفسكم، تدخلوا الجنة)). انتھی . قال الجامع: رجال هذا الإسناد ثقات، غير لقمان بن عامر الوصّابي، فإنه صدوق، وفرج بن فضالة، ضعّفوه في غير الشاميين، وهذا من أحاديث الشاميين، فالحديث حسن. والله أعلم. = ٢٨- بَأَبُ الْحَثِّ عَلَى الْوُثْرِ قَبَلَ النَّوْم - حديث رقم ١٦٧٧ ٣٣ وخالفه أصحابه في الوتر، فقالوا: هو سنة، وليس بفرض. انتهى كلام محمد بن نصر باختصار رحمه اللّه تعالى (١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر، وابن نصر رحمهما الله تعالى من كون الوتر سنة من السنن، وليس بواجب، هو الحقّ، كما هو مذهب جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى . والحاصل أن الوتر سنة مؤكّدة، وليس بواجب؛ لهذه الأدلة الواضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللّه، عليه توكلت، وإليه أنيب)) . ٢٨- بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْوِتْرِ قَبْلَ الثَّوْم ١٦٧٧- أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ النَّضْرِ ابْنِ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنَّ أَبِي شِمْرٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ◌ََّ، بِثَلَاثِ: النَّوْمِ عَلَى وِثْرٍ، وَصِيَّامٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحى . رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (سُليمان بن سَلْم) البلخي المصاحفيّ، ثقة [١١]١٠٧٥/١١٨. ٢- (محمد بن علي بن الحسن بن شَقيق) المروزي، ثقة [١١]١٠٦/٢٢. ٣- (النضر بن شُميل) أبو الحسن النحويّ البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [٨]٤٥/٤١. ٤- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الشهير [٧]٢٦/٢٤. ٥- (أبو شِمْر) - بكسر أوله، وسكون الميم - الضُّبَعيّ البصريّ، مقبول [٤]. رَوَى عن عائذ بن عمرو، وأبي عثمان النَّهْديّ، وابن أبي مليكة، وأرسل عن عبادة ابن الصامت. وعنه شعبة، والصَّلْت بن طَرِيف البصريّ. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). (١)- ((مختصر قيام الليل)) للمقريزي ص ١١٥- ١١٩ . ٣٤ شرح سنن النسائي - کِتَابُ قِیّام الَّیل وقال ابن المدينيّ: أبو شِمْر لم يرو عنه غير شُعبة. وفرق الحاكم أبو أحمد بين أبي شمر عن أبي عثمان النّهدي، وعنه شعبة، وبين أبي شمر روى عن ابن أبي مليكة، وعنه الصَّلْت بن طَرِيف. وقال الطبرانيّ: هما واحد، كذا قال. روى له مسلم، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . ٦- (أبو عثمان) النهديّ عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقة ثبت عابد مخضرم، من كبار[٢]١١/ ٦٤١. ٧- (أبو هريرة) الدوسيّ رضي اللّه تعالى عنه ١٠/١ والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه، فالأول بلخيّ، والثاني مروزيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رَّه أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَوْصَانِي) أي عَهِد إليّ، وأمرني أمرًا مؤكّدًا (خَلِيلِي بَّهَ) يعني رسولَ اللَّهُ وَله والخليلُ: الصَّدِيق الخالص الذي تخلّلت محبّته القلبَ، فصارت في خلاله، أي في باطنه، واختلف هل الخُلّة أرفع من المحبّة، أو بالعكس، وقول أبي هريرة هذا لا يعارضه قوله ول *: ((لو كنت متخذًا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر ... )) لأن الممتنع هو أن يتخذ النبي وَليل غيره تعالى خليلاً، ولا يمتنع اتخاذ الصحابي وغيره النبيَّ وَ ل# خليلاً. ولا يقال: إن المخاللة لا تتمّ حتى تكون من الجانبين، لأنا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين، فأطلق ذلك، أو لعلّه أراد مجرّد الصحبة، أو المحبّة(١) (بِثَلَاثٍ) أي ثلاث خصال، زاد في رواية البخاري: ((لا أدعهنّ حتى أموت))، قال في ((الفتح)): يحتمل أن يكون قوله: (لا أدعهنّ) الخ من جملة الوصية، أي أوصاني أن لا أدعهنّ، ويحتمل أن يكون من إخبار الصحابيّ بذلك عن نفسه، ولفظ أبي داود: ((لا أدعهنّ في سفر، ولا حضر)) (النَّوْم عَلَى وِتْرٍ) بجر ((النوم)) على أنه بدل تفصيل من ((ثلاث))، أو نصبه على أنه مفعول لمحذوف، أي أعني. ومعنى ((النوم على وتر)) أن يصلي الوتر قبل أن ينام، لا أنه لا بدّ من نوم بعده، وفي رواية: (١)۔ (فتح) ج٣ ص٣٧٥ . - ٢٨- بأبُ الْحَثِّ عَلَى الْوَتْرِ قَبَلَ النَّوْم - حديث رقم ١٦٧٧ : ٣٫٥ ((وأن أوتر قبل أن أنام)). ولعله أوصاه بذلك لأنه خاف عليه الفوت بالنوم، ففيه أن من خاف فوات الوتر، فالأفضل له التقديم، وأما من لا يخاف منه، فالتأخير في حقّه أفضل . قال الحافظ يَخّْتُهُ: لا معارضة بين وصيّة أبي هريرة بالوتر قبل النوم، وبين قول عائشة: ((وانتهى وتره إلى السحر))، لأن الأول لإرادة الاحتياط، والآخر لمن علم من نفسه قوّة، كما ورد في حديث جابر نَظّه عند مسلم. انتهى . (وَصِيَّامٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) أي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، يعني الأيامَ البيض، هذا هو الظاهر، كما قاله في ((الفتح)). وقيل: يوما من أوله، ويومًا من وسطه، ويومًا من آخره، وقيل: يوما من أول كلّ عشر. وإعراب ((صيام)) كسابقه (وَرَكْعَتَي الضُّحَى) زاد أحمد في روايته: ((كلّ يوم)). وقالَ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: لعله ذكر الأقلّ الذي يوجد التأكيد بفعله، وفي هذا دلالة على استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وعدم مواظبة النبي وَل# على فعلها لا ينافي استحبابها؛ لأنه حاصل بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر عليه أدلّة القول والفعل، لكن ما واظب النبي ◌َّر على فعله مرجَّحْ على ما لم يواظب عليه(١) . ومن فوائد ركعتي الضحى أنهما يجزئان عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كلّ يوم، وهي ثلاثمائة وستون مَفْصِلًا، كما أخرجه مسلم من حديث أبي ذرّ تَّه ، وقال فيه: ((ويجزىء عن ذلك ركعتا الضحى)). [تنبيه]: حكى الحافظ أبو الفضل العراقي رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذيّ)» أنه اشتهر بين العوامّ أن من صلَّى الضحى، ثم قطعها يَعْمَى، فصار كثير من الناس يتركونها أصلًا لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام، لَيَخْرِمهم الخيرَ الكثيرَ، لا سيّما ما وقع في حديث أبي ذرّ ◌َّه. انتهى (٢). [تنبيه آخر]: هذه الوصيّة لأبي هريرة ◌َّه ورد مثلها لأبي الدرداء رَّه ، فيما رواه مسلم، ولأبي ذرّ تَّه فيما رواه النسائي . قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: والحكمة في الوصيّة على المحافظة على ذلك تمرين النفس على جنس الصلاة، والصيام، ليدخل في الواجب منهما بانشراح، ولينجبر ما لعلّه يقع فيه من نقص. قال: واقتصر في الوصية للثلاثة المذكورين على الثلاثة المذكورة، لأن (١)- ((فتح)) ج٣ ص ٣٧٥ . (٢)-المصدر المذكور. ٣٦ == شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَامِ الدَّيْلِ الصلاة، والصيام أشرف العبادات البدنية، ولم يكن المذكورون من أصحاب الأموال، وخُصّت الصلاة بشيئين لأنها تقع ليلًا ونهارًا، بخلاف الصيام. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-١٦٧٧/٢٨- وفي ((الكبرى))١٣٩٦/٤٢- بالإسناد المذكور، وفي ١٦٧٨ - و(«الكبرى» ١٣٩٧ - عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عباس الْجُرَيريّ، عن أبي عثمان به. وفي ((الكبرى)) أيضًا (١) عن بشر بن هلال الصّوّاف البصريّ، عن عبد الوارث، عن أبي التّح، عن أبي عثمان به. والله تعالى أعلم . المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٧٣/٢ و٥٣/٣ (م) ١٥٨/٢ (أحمد)٤٥٩/٢ (الدارمي) ١٤٦٢ و١٧٥٣ (ابن خزيمة)٢١٢٣ والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو الحثّ على صلاة الوتر قبل النوم، وهذا في حقّ من يغلبه النوم آخر الليل، وإلا فالآخر أفضل. ومنها: ما قاله ابن أبي جمرة ◌َخْللَّهُ: في إفراده بهذه الوصية إشارةً إلى أن القدر الموصى به هو اللائق بحاله. ومنها: أن في قوله: ((خليلي)) إشارة إلى موافقته في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدنيا؛ لأن أبا هريرة صبر على الجوع في ملازمته للنبي وَّ، كما ثبت في ((صحيح البخاري)) عنه، أنه قال: ((أمّا إخواني من المهاجرين، فكان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول اللَّه وَالقول بملء بطني ... الحديث، فشابه حالَ النبي ◌َّ في إيثاره الفقر على الغنى، والعبوديّة على الملك. ومنها: أنه يؤخذ منه الافتخار بصحبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التحدّث بالنعمة، والشكر لله تعالى، لا على وجه المباهاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم هل الوتر أول الليل أفضل، أم آخره؟: أخرج مسلم تَخْثُ في ((صحيحه)) عن جابر رَيّه، قال: قال رسول اللَّه وَالتى: ((من خاف أن لا يقوم، من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر (١)- هكذا عزاه إليه بعضهم، ولم أجده. ٣٧ ٢٨- بَأَبُ الْحَثِّ عَلَى الْوُثْرِ قَبَلَ النَّوْم - حديث رقم ١٦٧٧ الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل))، وقال أبو معاوية: ((محضورة)). وأخرج ابن خزيمة تَخّْثُ في (صحيحه)) عن ابن عمر رَّها أن النبي وَّر قال لأبي بكر: ((متى توتر؟)) قال: أُوتِر، ثم أَنَام، قال: ((بالحزم أخذت))، وسأل عمر، فقال: (متى توتر؟))، قال: أنام، ثم أقوم من الليل، فأُوتر، قال: ((فِعْلِي فَعَلْتَ))، وفي رواية: (بفعل القويّ فعلتْ)). قال الإمام ابن المنذر تَخْذَلهُ بعد أن أخرج الحديثين: ما نصّه: فدلّ قوله: ((وذلك أفضل)) على أن الوتر في آخر الليل أفضل . وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان أبو بكر الصدّيق تظلّه يوتر أول الليل، وكان عثمان بن عفّان ◌َظِّ ينام قبل أن يوتر، ورُوي معنى ذلك عن رافع بن خَدِيج رَّهِ، وفعل ذلك عائذ بن عمرو ◌َّه لمّا أسنّ، وروينا عن عمر بن الخطّاب ◌َّه أنه قال: الأكياس الذين إذا علموا أنهم لا يقومون أوتروا من قبل أن يناموا، وأن الأقوياء الذين يوترون آخر الليل، وهو أفضل . قال: وروينا عن علي بن أبي طالب، أنه لما نظر إلى تباشير الفجر، قال: نعم ساعة الوتر هذه، وكان عائذ بن عمرو يوتر آخر الليل، فلما أسنّ أوتر، ثم نام، وكان عبد الله ابن مسعود يوتر آخر الليل، وممن استحبّ الوتر آخر الليل النخعيّ، ومالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي . قال: ويشبه أن يكون من حجة من رأى أن الوتر أول الليل أفضل حديث أبي هريرة رَوِّ: ((ثلاث أوصاني بهنّ، أن أنام على وتر))، فلما قال النبي وَّل: ((من طَمِعَ في أن يستيقظ من آخر الليل، فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل))، دلّ على أن قول أبي هريرة رَّه: ((ثلاث أوصاني بهنّ: الوتر قبل النوم))، إنما هنّ على معنى الحَذَرِ، والوثيقة، تخوّفًا أن لا يستيقظ، فيوترَ آخر الليل. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن الأفضل لمن يثق بالانتباه آخر الليل فالأفضل أن يؤخّر الوتر إلى آخر الليل، ومن خاف أن لا يقوم فيه، فالأفضل له أن يوتر قبل النوم . والحاصل أن الأحاديث المطلقة، في الوصية بالوتر قبل النوم، كحديث أبي هريرة رَمَّه المذكور في الباب مقيّدة بمخافة فوات الوتر باستغراقه في النوم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . (١)- ((الأوسط)) ج ٥ص ١٧١- ١٧٤. ٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الَّيْلِ ١٦٧٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، ثُمَّ ذَكّرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا، عَنْ عَبَّاسِِ الْجُرَيْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي وَِّ، بِثَلَاثٍ: الْوِتْرِ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَصَّوْمٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلْ شَهْرِ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق ثان لحديث أبي هريرة تَّه ، وهو حديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه . و((محمد)) شيخ ابن بشار، هو محمد بن جعفر المعروف بـ«غُندر)). و(عباس الجُرَيري) - بضم الجيم -: هو عباس بن فَرُوخ - بفتح الفاء، وتشديد الراء، آخره معجمة- أبو محمد البصريّ، ثقة [٦]. روى عن أبي عثمان النَّهْديّ، والحسن البصريّ، وعمرو بن شُعيب، إن كان محفوظًا. وعنه شعبة، وهمام، والحمادان، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة ثقة. وكذا قال النسائي. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحدیث. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، مات گھْلًا بعد (١٢٠). روی له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . وقوله: (وركعتي الفجر) هكذا وقع في النسختين المطبوعتين من ((المجتبى)) هنا، وفي ((الهندية)) هنا، وفي الرواية السابقة بلفظ ((وركعتي الفجر))، ووقع في ((الكبرى)) في الموضعين بلفظ: ((وركعتي الضحى))، والذي يظهر لي أن نسخ ((المجتبى)) كلّها وقع فيها تصحيف، والصواب ((وركعتي الضحى))، كما في ((الكبرى))، فقد أخرج الحديث البخاري تَّشُ رقم ١١٧٨ - عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، بسند المصنّف، وفيه: ((وصلاة الضحى))، وأخرجه مسلم يَخّْلهُ من طريق أبي التّح، عن أبي عثمان، وفيه: ((وركعتي الضحى))، ثم أخرجه من طريق شعبة، عن عباس الْجُريري، وأبي شِمْر الضُّبَعي، كلاهما عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّهِ بمثله. وكذا هو عند ابن خزيمة، وابن حبان في «صحیحیهما»، وأحمد في «مسنده»، والبيهقي في «سننه»، وغيرهم، فليس عند أحد منهم لفظ: ((وركعتي الضحى))، وهو كذلك أيضًا في وصية أبي الدرداء، وأبي ذرّ تَّت، كما تقدّم . والحاصل أن الصواب ((وركعتي الفجر)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٠ : ٣٩ ٢٩- بابُ نَهْي النَِّيِّ وَ عَنِ الْوِتْرَيْنِ فِي لَیَلَّ - حديث رقم ١٦٧٩ ٢٩ - بَابُ نَهْي النَّبِيِّ وَلَ عَنِ الْوِتْرَیْنِ فِي لَيْلَةِ ١٦٧٩ - أخبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنٍ طَلْقٍ، قَالَ: زَارَنَا أَبِي، طَلْقُ بْنٌّ عَلِيٍّ، فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمْسَى بِنَا، وَقَامَ بِنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَأَوْتَرَ بِنَا، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى مَسْجِدٍ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، حَتَّى بَقِيَ الْوِتْرُ، ثُمَّ قَدَّمَ رَجُلًا، فَقَالَ لَهُ: أَوْتِرْ بِهِمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ يَقُولُ: ((لَا وِتْرَانِ فِي ◌َیلَةٍ». رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (هنّاد بن السّريّ) تقدم قبل باب . ٢- (مُلازم بن عمرو) بن عبد الله بن بدر، أبو عمرو اليماميّ، صدوق [٨]١١٩/ ١٦٥ . ٣- (عبد الله بدر) بن عَميرة الحنفيّ السُّحَيميّ اليماميّ، ثقة [٤]١٦٥/١١٩. ٤- (قيس بن طلق) بن علي الحنفيّ اليماميّ، صدوق [٣]١٦٥/١١٩. ٥- (طلق بن علي) بن المنذر الحنفيّ السُّحَيميّ، أبو عليّ اليماميّ، صحابي، له وفادة رضي اللَّه تعالى عنه ٠/١١٩ ١٦٥ والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل باليماميين، غير شيخه، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ) الحنفي رحمه اللّه تعالى، أنه (قَالَ: زَارَنَا أَبِي، طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ) بالرفع بدل من ((أبي)) (فِي يَوْم مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمْسَى بِنَا) أي تأخر معنا حتى دخل وقت المساء (وَقَامَ بِنَا تِلْكَ اللَّيْلَّةَ) أيّ صلى بنا إمامًا صلاة الليل (وَأَوْتَرَ بِنَا) أي صلى بنا صلاة الوتر إمامًا (ثُمَّ انْحَدَرَ) أي نزل (إِلَى مَسْجِدٍ) من مساجد قومه، ولفظ أبي داود: ((إلى مسجده)) بالإضافة إلى ضميره (فَصَلَى بِأَصْحَابِهِ) قال السندي وَتُهُ: الظاهر أنه صلى بهم الفرض والنفل جميعًا، فيكون اقتداء القوم به في الفرض من اقتداء المفترض بالمتنفّل ٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَام اللَّيْلِ (حَتَّى بَقِيَ الْوِثْرُ) أي صلى بهم صلاة الليل إلى أن انتهت كلها، وبقيت صلاة الوتر (ثُمَّ قَدَّمَ رَجُلًا) أي جعله إماما لهم (فَقَالَ لَهُ: أَوْتِرْ بِهِمْ) أي صلّ بهم صلاة الوتر (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَله) تعليل لتأخره عن الإمامة، وتقديم ذلك الرجل، أي لأني سمعت رسول اللّه وَلآلـ (يَقُولُ: ((لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ) أي لا يجتمع وتران، أو لا يجوز وتران في ليلة واحدة، ف(اوتران)) فاعل لفعل محذوف، كما قدّرنا، ويحتمل أن تكون ((لا)) عاملة عمل ((ليس))، فـ(وتران)) بالرفع اسمها، أو عاملة عمل ((إنّ)) على لغة من يُلزم المثنّى الألف في الأحوال الثلاثة، وهي لغة بلحارث، كما قاله الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى . وقال السنديّ: وليست ((لا)) نافية للجنس، وإلا لكان ((لا وترين)) بالياء، لأن الاسم بعد ((لا)) النافية للجنس يُبنى على ما يُنصب به، ونصب التثنية بالياء، إلا أن يكون ههنا حكاية، فيكون الرفع للحكاية. وقال السيوطي: على لغة من ينصب المثنى بالألف انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول بالحكاية، غير صحيح؛ لأن المقام ليس مقام حكاية، فالصواب ما قدّمناه من توجيهات الرفع. والله تعالى أعلم . ثم إن النفي هنا بمعنى النهي، فكأنه قال: لا توتروا مرّتین في ليلة واحدة، وفيه دليل على أنه لا يجوز إعادة الوتر بعد صلاته، وبه قال أكثر أهل العلم، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث طلق بن علي رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-١٦٧٩/٢٩ - وفي («الكبرى» ١٣٨٨/٤٣ بالإسناد المذكور. والله تعالى أعلم . المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه : أخرجه (د) ١٤٣٩ (ت) ٤٧٠ (أحمد) ٤/ ٢٣ (ابن خزيمة) ١١٠١ والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في نقض الوتر: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الرجل يوتر، ثم ينام، ثم يقوم للصلاة (١)، فقالت طائفة: يصلي إلى الركعة التي أوتر بها قبل أن ينام (١)- وقع في نسخة ((الأوسط)) ((ثم ينام للصلاة))، والظاهر أنه خطأ، والصواب ثم ينام، ثم يقوم للصلاة الخ، كما أثبته هنا.