النص المفهرس
صفحات 381-400
=
٣٨١
١٨ - كَيْفَ يُفْعَلُ إِذاَ افْتَحَ الصَّلاَةَ قَائِمًا؟ ... - حديث رقم ١٦٤٨
آيَةٌ، قَامَ فَقَرَأَ، وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ .
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (محمد بن سلمة) المراديّ المريّ، ثقة ثبت [١٠]٢٠/١٩.
٢- (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقيّ المصري الفقيه، ثقة، من كبار[١٠]٢٠/١٩.
٣- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الثبت [٧]٧/ ٧.
٤- (عبد الله بن يزيد) المخزوميّ المدني الأعور المقرىء، ثقة [٦]٩٦١/٥١ .
٥- (أبو النضر) سالم بن أبي أمية المدني، ثقة ثبت يرسل [٥]١٢١/٩٨.
٦- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة فقيه [٣]١/١.
٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، ومن قبله مدنيّان. (ومنها):
أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: أبو النضر، عن أبي سلمة، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء
السبعة على بعض الأقوال. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها (أَنَّ النَِّيَّ ◌َِّ، كَانَ يُصَلِّي، وَهُوَ جَالِسٌ) جملة في
محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَيَقْرَأُ، وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ) فيه إشارة
إلى أن الذي كان يقرؤه قبل أن يقوم أكثر، لأن البقيّة تطلق في الغالب على الأقلّ (قَدْرَ
مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ، أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً) ((قدر)) بالرفع فاعل ((بقي)) (قَامَ فَقَرَأَ، وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ
رَكَعَ) فيه أنه لا يشترط لمن افتتح النافلة قاعدًا أن يركع قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائما،
قاله في ((الفتح))(١) .
وقال في موضع آخر: فيه ردّ على من اشترط على من افتتح النافلة قاعدًا أن يركع
قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائمًا، وهو محكيّ عن أشهب، وبعض الحنفية، والحجة فيه
ما رواه مسلم وغيره من طريق عبد الله بن شقيق، عن عائشة في سؤاله لها عن صلاة
النبي وَ لَّ، وفيه ((كان إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدً))(٢)، وهذا
(١) - ((فتح)) ج٣ ص ٣٠٤ .
(٢)- هو الحديث السابق للمصنف قبل هذا.
٣٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ
صحيح، ولكن لا يلزم منه منع ما رواه عروة عنها، فَيُجمع بينهما بأنه كان يفعل كلّا من
ذلك بحسب النشاط وعدمه. والله أعلم .
وقد أنكر هشام بن عروة على عبد الله بن شقيق هذه الرواية، واحتجّ بما رواه عن
أبيه، أخرج ذلك ابن خزيمة في ((صحيحه))، ثم قال: ولا مخالفة عندي بین الخبرین،
لأن رواية عبد الله بن شقيق محمولة على ما إذا قرأ جميع القراءة قاعدًا، أو قائما، ورواية
هشام بن عروة محمولة على ما إذا قرأ بعضها جالسًا، وبعضها قائمًا انتهى(١).
وقال النووي رحمه الله تعالى: فيه جواز الركعة الواحدة، بعضها من قيام، وبعضها
من قعود، وهو مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وعامّة العلماء، وسواء قام، ثمّ
قعد، أو قعد، ثم قام، ومنعه بعض السلف، وهو غلط، وحكى القاضي عن أبي
يوسف، ومحمد صاحبي أبي حنيفة في آخرين كراهة القعود بعد القيام، ولو نوى
القيام، ثم أراد أن يجلس جاز عندنا، وعند الجمهور، وجوّزه من المالكية ابن القاسم،
ومنعه أشهب انتهى (٢). (ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَّةِ مِثْلَ ذَلِكَ) أي من القراءة
جالسًا، فإذا بقي من قراءته قدر ثلاثين، أو أربعين قام، فقرأ، وهو قائم، ثم ركع، ثم
سجد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-١٦٤٨/١٨ - بالإسناد المذكور، وفي ١٦٤٩/١٨ - و («الكبرى»-٢٨/
١٣٥٦- عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عنها. وفي ١٨/ ١٦٥٠ - عن زياد بن أيوب، عن ابن عُليّة، عن الوليد أبي هشام، عن
أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عنها. والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٠ و٦٧/٢ (م) ١٦٣/٢ و١٦٤/٢ (د) ٩٥٣ (ق) ١٢٢٦ و١٢٢٧
(مالك في الموطإ)١٠٥ (الحميدي) ١٩٢ (أحمد) ٤٦/٦ و٥٢ و١٢٧ و١٧٨ و١٨٣
و٢٠٤ و٢٣١ (عبد بن حميد) ١٤٩٤ (ابن خزيمة)١٢٤٠ و١٢٤٤٠ والله تعالى أعلم
(١)- ((فتح)) ج٣ ص ٣٤٤ .
(٢)- ((شرح مسلم)) ج٦ ص١١- ١٢.
٣٨٣
١٨ - كَيْفَ يُفْعَلُ إِذاَ افْتَحَ الصَّلاَةَ قَائِمًا؟ ... - حديث رقم ١٦٥١
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٤٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأْنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ
ابْنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَّتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ بِهِ صَلَّى جَالِسًا، حَتَّى
دَخَلَ فِي السَّنِّ، فَكَانَ يُصَلِّ، وَهُوَ جَالِسٌ، يَقْرَأُ فَإِذَا غَبَرَ مِنَ السُّورَةِ ثَلاثُونَ، أَوْ أَرْبَعُونَ
آيَةً، قَامَ فَقَرَأَ بِهَا، ثُمَّ رَكَعَ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه
في الحديث الذي قبله، ورجاله أيضًا تقدموا قريبًا، وإسحاق بن إبراهيم، هو الحنظلي
المروزي المعروف بابن راهويه، وعيسى بن يونس: هو السبيعيّ .
وقوله: ((حتى دخل)) في السن، أي كبر سنه. وقوله: ((غبر)) بالغين المعجمة، والباء
الموحّدة، غُبُورًا، من باب قَعَد: بقي، وقد يستعمل فيما مضى أيضًا، فيكون من
الأضداد، وقال الزُّبَيديّ: غَبَر غُبُورًا: مَكَثَ، وفي لغة بالمهملة للماضي، وبالمعجمة
للباقي. قاله في ((المصباح)) .
والمراد هنا المعنى الأول، أي بقي من قراءته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٥٠ - أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي
هِشَام، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ،
يَقْرَأُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، قَامَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ إِنْسَانٌ أَرْبَعِينَ آيَةً .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، ورجاله رجال الصحيح،
و((زياد بن أيوب)): هو الملقّب دَلْويَه البغداديّ، أبو هاشم طوسيّ الأصل، ثقة
حافظ [١٠]١٣٢/١٠١. و(«ابن عُلية)): هو إسماعيل بن إبراهيم البصريّ الحافظ
الثبت [٨]١٩/١٨. و((الوليد بن أبي هشام)): هو المدني، صدوق [٦]١/ ١٥٩٧ واسم
أبي هشام زياد .
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ ((الوليد بن هشام)) بحذف لفظة ((أبي))، وهو خطأ
فاحش، فتنبه. والله تعالى أعلم .
و((أبو بكر بن محمد)): هو ابن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدني، ثقة عابد [٥]١١٨/
١٦٣. و((عمرة)): هي بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية، ثقة [٣]٢٠٣/١٣٤. وقد
تقدّم قريبًا شرح الحديث، وبيان مسائله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٥١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ الْحَسَنِ،
٣٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِیّام اللَّيْل
عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَّهَا، قَالَتْ:
مَنْ أَنْتَ؟، قُلْتُ: أَنَا سَعْدٌ بْنُ هِشَام بْنِ عَامِرٍ، قَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَاكَ، قُلْتُ: أَخْبِرِينِي
عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لِ كَانَ وَكَانَ، قُلْتُ: أَجَلْ، قَالَتْ: إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، كَانَ يُصَلِي بِاللَّيْلِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ، ثُمَّ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ فَيَنَامُ، فَإِذَا كَانَ
جَوْفُ اللَّيْلِ، قَامَ إِلَى حَاجَتِهِ، وَإِلَى طَهُورِهِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَيُصَلِّي ثَمَانِيَ
رَكَعَاتٍ، يُخَّيَّلُ إِلَيَّ، أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْتَهُنَّ، فِي الْقِرَاءَةِ، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ،
ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ، وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ يَضَعُ جَنْبَهُ، فَرُبَّمَا جَاءَ بِلَالٌ، فَأَذَنَهُ(١) بِالصَّلَاةِ، قَبْلَ
أَنْ يُغْفِيَ، وَرُبَّمَا يُغْفِي، وَرُبَّمَا شَكَكْتُ أَغْفَى، أَوْ لَمْ يُغْفِ؟ حَتَّى يُؤْذِنَّهُ بِالصَّلَاةِ، فَكَانَتْ
تِلْكَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، حَتَّى أَسَنَّ، وَلُحِمَ، فَذَكَرَتْ مِنْ لَحْمِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ:
وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ، قَامَ
إِلَى طَهُورِهِ، وَإِلَى حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، فَيُصَلِّي سِتَّ رَكَعَاتٍ، يُخْيَّلُ
إِلَيَّ، أَنَّهُ يُسَوْي بَيْتَهُنَّ فِي الْقِرَاءَةِ، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ يُصَلّي
رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ يَضَعُ جَنْبَهُ، وَرُبَّمَا جَاءَ بِلَالٌ، فَاذَنَّهُ بِالصَّلَاةِ، قَبْلَ أَنْ يُغْفِيّ،
وَرُبَّمَا أَغْفَى، وَرُبَّمَا شَكَكْتُ أَغْفَى، أَمْ لَا؟، حَتَّى يُؤْذِنَهُ بِالصَّلَاةِ، قَالَتْ: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ
صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ اَلِّ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، وقد
تقدّموا، و((عمرو بن علي)): هو الفلّاس البصريّ، و((عبد الأعلى)): هو ابن عبد الأعلى
السامي البصري. و((هشام)): هو ابن حسّان القُرْدُوسيّ البصريّ، والإسناد کله مسلسل
بالبصريين .
وقولها: ((كان وكان)): أي كان كذا، وكان كذا، فقولها: ((إن رسول اللَّه وَلِّ كان
يصلي الخ)) تفصيل وبيان لقولها: ((كان وكان)). وقولها: ((ثم يأوي إلى فراشه)) أي يرجع
ويجيء، وقولها: ((إلى حاجته)) المراد حاجة البول ونحوه. وقولها: ((وإلى طَهوره))
بفتح الطاء، أي الماء الذي يتطهّر به .
وقولها: ((ثم دخل المسجد)): أي المحلّ الذي يصلي فيه، لا المسجد الجامع،
بدليل قولها في الرواية الأخرى: ((ثم يقوم إلى مصلاه))، وبدليل قولها: ((ويسلّم تسليمة
واحدة شديدة، يكاد يوقظ أهل البيت))، فإيقاظ أهل البيت إنما يكون إذا صلى في
البيت.
(١)- وفي نسخة ((فيؤذنه)).
=
٣٨٥
١٩ - بابُ صَلاةِ الفاعِدِ فِي النافلة، وفِكْرٍ ... - حديث رقم ١٦٥٢
وقولها: ((يُخيّل إلىّ)) بتشديد الياء، مبنيًا للمفعول: أي يقع في ظنّي. وقولها: ((آذنه))
أي أعلمه. وقولها: ((قبل أن يُغفِي)) بضم الياء، من الإغفاء، وهو النوم الخفيف.
وقولها: ((فكانت تلك صلاة رسول اللَّه وَل)) اسم الإشارة اسم ((كان)) مرفوع المحلّ،
و((صلاة)) بالنصب خبرها .
وقولها: ((لَحُم)) ككرُم، وعَلِمَ: أي كثر لحمه .
· والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في ٢/ ١٦٠١ - فراجعه تستفد.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٩- بَابُ صَلَاةِ الْقَاعِدِ فِي النَّافِلَةِ،
وَذِكْرِ الاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ
فِي ذَلِكَ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف على أبي إسحاق، كما سيتضح في
كلام المصنّف رحمه اللّه تعالى أن عُمر بن أبي زائدة رواه عنه، عن الأسود، عن عائشة
رَّهَا، فخالفه يونس بن أبي إسحاق، فرواه من أبيه، عن الأسود، عن أم سلمة
رَّها، فجعله من مسند أم سلمة، بدلًا من كونه من مسند عائشة تَوًَّا، ثم خالف
يونسَ شعبةٌ، وسفيانُ الثوريّ، فروياه عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أم سلمة، فجعلا الواسطة بين أبي إسحاق، وأم سلمة أبا سلمة، بدلًا من الأسود .
هذا الاختلاف كله على حديث أبي إسحاق السبيعيّ الذي أشار إليه في الترجمة .
ثم بين المصنف رحمه اللّه تعالى اختلافا آخر، وهو أنه قد خالف أبا إسحاق عثمانُ
ابنُ أبي سليمان، فرواه عن أبي سلمة، عن عائشة، بدلًا من أم سلمة، ورواية عثمان
أخرجها مسلم في ((صحيحه)) . هذا خلاصة الاختلاف في هذا الحديث .
[فإن قلت]: كيف يُجمع بين هذه الاختلافات؟ .
[قلت]: يُجمع بينها بأن أبا إسحاق رواه من حديث كلّ من عائشة، وأم سلمة رضي
الله تعالى عنهما، أما روايته لحديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنهما، فلا شك في
٣٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ
صحتها؛ لأن شعبة رواها عنه، وهو لا يروي عنه إلا ما صرّح فيه بالسماع، وقد وقع
التصريح بذلك في رواية المصنّف هنا. وأما روايته لحديث عائشة رضي الله تعالى
عنهما، وإن كان فيها عنعنته، إلا أن رواية عثمان بن أبي سليمان الآتية -وهي صحيحة
كما ذكرناه آنفًا- تشهد لها .
والحاصل أن الحديث صحيح مرويّ عن كلّ من عائشة، وأم سلمة رضي الله تعالى
عنهما، والله تعالى أعلم بالصواب .
١٦٥٢- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ حَدِيثِ أَبِي عَاصِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي
زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةٌ، قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
{َِّ، يَمْتَنِعُ مِنْ وَجْهِي، وَهُوَ صَائِمٌ، وَمَا مَاتَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ قَاعِدًا، ثُمَّ ذَكَرَتْ
كَلِمَةً، مَعْنَاهَا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ، وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ، مَا دَامَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ، وَإِنْ كَانَ
يَسِيرًا. خَالَفَهُ يُونُسُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَمِّ سَلَمَةً .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن عليّ) الفَلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠]٤/٤.
٢- (أبو عاصم) الضحاك بن مَخْلَد النَّبِيل الكوفيّ، ثقة ثبت [٩]٤٢٤/١٩.
[تنبيه]: قوله: ((عن حديث أبي عاصم)) أي أخبرنا عمرو بن عليّ عما حدثه به أبو
عاصم النبيل. ووقع في نسخة ((الكبرى)) ((عن حريث أبي عاصم)) بالراء بدل ((حديث أبي
عاصم))، وهو غلط فاحش، وأما ما كتبه محقق (( السنن الكبرى)) في الهامش فلا فائدة
فيه، بل هو كلام ساقط. فتنبّه، والله تعالى أعلم .
٣- (عُمر بن أبي زائدة) الْهَمْدانيّ الوادعيّ الكوفيّ، أخو زكريّا، أكبر منه،
صدوق [٦] .
روى عن أبي إسحاق، وقيس بن أبي حازم، والشعبيّ، وغيرهم. وعنه ابن أخيه
يحيى بن زكريا، وبهز بن أسد، وزيد بن الْحُباب، وأبو عاصم، وغيرهم .
قال ابن مهديّ: كان كَيّس الحفظ. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صالح. وقال
ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ليس به بأس. وقال
الآجرّيّ، عن أبي داود: عُمر يرى القدر. وقال في موضع آخر: زكريّا أعلى من أخيه
عمر بكثير. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وقال العُقيليّ: كان يرى القدر، وهو في
الحديث مستقيم. وقال يعقوب بن سُفيان: عمر لا بأس به، وزكريّا ثقة. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات)). مات بعد (١٥٠). روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله في.
هذا الكتاب هذا الحديث فقط .
٣٨٧
١٩ - بابُ صَلَاةِ القَاعِدِ فِي النَافِلةِ، وَذِكْرٍ ... - حديث رقم ١٦٥٢
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره[٣]٣٨/
٤٢ .
٥- (الأسود) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ، ثقة مخضرم مكثر فقيه [٢]٣٣/٢٩.
٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها ٥٠/٥ والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيحن وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل
بالكوفيين، غير شيخه، فبصريّ، وعائشة رضي اللّه تعالى عنها، فمدنيّة. (ومنها): أن
فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لِهِ، يَمْتَنِعُ مِنْ
وَجْهِي) أي من تقبيل وجهي (وَهُوَ صَائِمٌ) تعني أنه وَلّ- كان لا يمتنع من التقبيل لأجل
الصوم، لأنه غير مانع من ذلك .
وفيه جواز القبلة للصائم، وسيأتي تمام البحث فيه في ((كتاب الصيام)) إن شاء الله
تعالى .
(وَمَا مَاتَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ قَاعِدًا) أي لأجل ضعفه عن القيام الطويل (ثُمَّ ذَكَرَتْ
كَلِمَةٌ، مَعْنَاهَا إِلَّ الْمَكْتُوبَةَ) أي ذكرت عائشة رَّها في حديثها كلمة، لم يحفظ الأسود
لفظها، بل معناها، وهو ((إلا المكتوبة))، والمعنى أنه يَّر كان أكثر صلاته النافلة، في
أواخر حياته بعد ما ضعف قاعدا، وأما المكتوبة فإنه لا يصليها إلا قائما .
وفيه دليل على جواز النافلة قاعدًا، وأما المكتوبة فلا تجوز إلا بالقيام للقادر عليه.
والله تعالى أعلم .
(وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ) أي إلى النبي ◌ِِّ (مَا دَامَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ) أي واظب، وثبت
عليه، ولم ينقطع عنه إلا بعذر (وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا) أي وإن كان ذلك العمل الدائم قليلا،
وقد تقدّم وجه كونه أحب من العمل الكثير المنقطع قبل باب، فراجعه، تستفد، والله
تعالى وليّ التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان .
قال الجامع عفا اللّه تعالى: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا في إسناده عنعنة
أبي إسحاق، وهو مشهور بالتدليس، إلا أن رواية عثمان بن أبي سليمان الآتية تشهد له،
فهو صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا -١٦٥٢/١٩ - وفي ((الكبرى»٢٩/
٣٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ
١٣٥٧- بالإسناد المذكور .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل .
ثم بيّن المصنف رحمه الله تعالى الاختلاف الذي أشار إليه في الترجمة بقوله: (خَالَفَهُ
يُونُس الخ) أي خالف يونسُ بنُ أبي إسحاق السبيعيّ عُمرَ بنَ أبي زائدة في هذا الإسناد،
فرَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السبيعيّ، عَنِ الْأَسْوَد بن يزيد، عَنْ أَمُّ سَلَمَةَ، بدلًا من عائشة
رَّها ، كما بيّنه بقوله:
١٦٥٣ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْم الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ، عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أُمّ سُلَمَةَ، قَالَتْ: مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ، حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ
صَلَاتِهِ جَالِسًا، إِلَّ الْمَكْتُوبَةَ .
خَالَفَهُ شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ، وَقَالَا: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ .
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (سليمان بن سَلْم البَلْخِيّ) الْهَدَاديّ، أبو داود المصاحفيّ، ثقة [١١]١٠٧٥/١١٨.
٢- (النضر) بن شُميل، أبو الحسن البصريّ، نزيل مَرْوَ، ثقة ثبت، من كبار[٩]٤١/
٤٥ .
٣- (يونس) بن أبي إسحاق الهمدانيّ الكوفيّ، صدوق ◌َهِم قليلا [٦] ٦٥٢/١٦.
٤- (أم سلمة) هند بنت أبي أمية، أم المؤمنين تصنيفها ١٨٣/١٢٣.
والباقيان تقدّما في الذي قبله .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها هذا فيه عنعنة
أبي إسحاق أيضًا، إلا أن رواية شعبة التالية تشهد له، فهو صحيح، وهو بهذا السياق من
أفراد المصنف أيضًا من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا-١٦٥٣/١٩ وفي
((الكبرى))١٣٥٨/٢٩- بالإسناد المذكور، وأخرجه (أحمد) ٢٩٧٠/٦ . والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى اختلافًا آخر في هذا الحديث، بقوله:
(خَالَفَهُ) أي عيسى بنَ يونس (شُعْبَةُ) بن الحجاج (وَسُفْيَانُ) الثوريّ (وَقَالَا عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ) رَّها، فجعلاه عن أبي سلمة بدلًا من الأسود،
ثم ذكر رواية شعبة بقوله:
١٦٥٤ - أخبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ، حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ
صَلَائِهِ قَاعِدًا، إِلَّ الْفَرِيضَةَ، وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ أَدْوَمَهُ، وَإِنْ قَلَّ .
٣٨٩ ==
١٩- بابُ صَلاةِ القاهِدِ فِي النافلةِ، وَذِكْرٍ ... - حديث رقم ١٦٥٥
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح،
أخرجه المصنف رحمه الله تعالى: هنا-١٦٥٤/١٩- وفي ((الكبرى))-١٣٥٩/٢٩
بالإسناد المذكور، و١٦٥٥/١٩ بالإسناد الآتي، وأخرجه (ابن ماجه) ١٢٢٥ و٤٢٣٧٠
و(أحمد) ٦/ ٣٠٤ و٣١٩ و٣٢٠ و٣٢١ و٣٢٢ .
و(إسماعيل بن مسعود): هو الجَحدري البصريّ. و(خالد) هو: ابن الحارث
الْهُجَيميّ .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
ثم ذكر رواية سفيان الثوريّ، بقوله:
١٦٥٥- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
أَبِي إِسْحَقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ
وَه، حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ قَاعِدًا، إِلَّ الْمَكْتُوبَةَ، وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ، مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ قَلَّ .
خَالَفَهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحدیث صحیح، ولا تضرّه عنعنة أبي إسحاق؛
لأنه صرح بالسماع في رواية شعبة السابقة، فانتفت تهمة التدليس. والله تعالى أعلم .
و(عبد الله بن عبد الصمد) هو ابن أبي خِدَاش -بكسر المعجمة، وآخره معجمة-
واسمه عليّ، الأسديّ الْمَوْصليّ، صدوق [١١]. روى عن أبيه، وعمه محمد، والوليد
ابن مسلم. وعنه النسائي، وابن أخيه أحمد بن صالح بن عبد الصمد، ومحمد بن
عَبْدُوس الدُّورِيّ، وغيرهم .
قال النسائيّ: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال موسى بن محمد
الغَسَانيّ: سمعته بِسُرَّ مَنْ رَأَى يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فحدّثت به عليّ بن
حرب، فقال: سَرَرْتَني. قال موسى: قال عليّ: كان قال لي: تعالَ حتى نَقِف في
القرآن، فقلتُ له: اذهب أنت، فقف وحدك. أرّخ أبو زكريا الأزديّ وفاته سنة (٢٥٥).
انفرد به المصنف، روى عنه في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم ١٦٥٥ و٣٤٢٠
و ٤٩٧١ .
و(يزيد) لم يتبيّن لي من هو، فقد ذكر في ((تهذيب الكمال)) ممن يروي عن سفيان
الثوري، ممن اسمه یزید ثلاثة: یزید بن أبي حَکِیم العدنيّ، ویزید زُریع، ویزید بن
هارون، فإن كان أحدهؤلاء الثلاثة، فالإسناد صحيح؛ لأن الأول صدوق، وأما
الأخيران فإنهما إمامان مشهوران، وإلا فلا أدري من هو؟. والله تعالى أعلم .
٣٩٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الَّیل
و(سفيان) هو الثوريّ .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل .
وقوله: ((خالفه عثمان بن أبي سليمان)) أي خالف أبا إسحاق السبيعي، عثمان أبي
سليمان، فرواه عن أبي سلمة، عن عائشة، فجعله من مسند عائشة بدلًا من أمّ سلمة
رَوَّا، ورواية عثمان هذه أخرجها مسلم في ((صحيحه))، وقد تقدّم أن الحديث ثابت
مرويّ عنهما معا، فلا داعي لتغليط بعض الحفّاظ، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
ثم ذكر رواية عثمان بن أبي سليمان، فقال:
١٦٥٦ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ
بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخَبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ، لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ
يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث رجاله كلهم رجال الصحيح، وقد
تقدّموا .
و((الحسن بن محمد)): هو الزعفراني، أبو عليّ البغداديّ صاحب الشافعيّ، ثقة [١٠]
٤٢٧/٢١. و((حجاج)): هو بن محمد الأعور المصيصيّ، ثقة ثبت [٩] ٣٢/٢٨.
و((ابن جُريج)): هو عبد المك بن عبد العزيز بن جُريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل
يدلس [٦]٣٢/٢٨. و((عثمان أبي سُليمان)): هو ابن جُبير بن مُطعم القرشيّ النوفليّ،
قاضي مكة، ثقة [٦] ١٢٠٥/١٣.
والحديث أخرجه مسلم في ((صحيحه)) برقم. ٧٣٢ وأخرجه المصنّف هنا ١٩/
١٦٥٦- وفي («الكبرى»١٣٦٠/٢٩ -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٥٧ - أخْبَرَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَنِعِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
ابْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِي، وَهُوَ قَاعِدٌ؟، قَالَتْ:
نَعَمْ، بَعْدَ مَا حَطَّمَهُ النَّاسُ .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (أبو الأشعث) العجليّ، أحمد بن الْمِقْدَام البصريّ، صدوق [١٠]٣١٩/١٣٨.
٢- (يزيد بن زُيع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨]٥/٥.
٣- (الجُرَيريّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة اختلط بآخره [٥]٣٢/ ٦٧٢.
٤- (عبد الله بن شَقِيق) العُقَيلي البصريّ، ثقة فيه نَصْبٌ [٣]١٥٤٤/١٧.
٣٩١
١٩- بابُ صَلَاةِ القَاعِدِ فِي النَأَفِلةِ، وَذِكْرٍ ... - حديث رقم ١٦٥٨
٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها ٥٠/٥ والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابية، فمدنيّة. (ومنها): أن
فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله
تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ) العُقَيليّ، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (هَلْ
كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهِ يُصَلِّي، وَهُوَ قَاعِدٌ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل
(قَالَتْ: نَعَمْ) أي كان يصلي قاعدًا (بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ) الخَطْم: الكسر، تعني بعد ما
ضعف بما حمّله الناس من أثقالهم، يقال: حَطَمَ فلانًا أهله، من باب ضرب: إذا كَبِرَ
فيهم، كأنهم بما حمّلوه من أثقالهم صيّروه شيخًا كبيرًا محطومًا. أفاده في ((اللسان)).
والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه
مسلم في ((صحيحه)) برقم - ٧٣٢-، وأخرجه المصنف هنا -١٦٥٧/١٩ -.. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٥٨- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ
الْمُطَِّبٍ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسَّولَ اللَّهِهِ، صَلَى فِي سُبْحَتِهِ،
قَاعِدًا قَطْ، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ، فَيُرَتِلُهَا، حَتَّى
تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا .
رجال هذا الإسناد: ستة، وقد تقدّموا قریبا، سوی:
١- (السائب بن يزيد) الكنديّ صحابي صغير رَله، تقدم ١٥/ ١٣٩٢ .
٢- (المطّلب بن أبي وَداعة) الحارث بن صَبِرَة بن سُعيد السَّهْميّ المدني، من مسلمة
الفتح ظمفيه ٩٥٨/٤٩ .
٣- (حفصة) بن عمر بن الخطّاب، أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنهما ٥٨٣٠/٣٩
والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
٣٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الَّيْلِ
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبلانيّ. (ومنها): أن
فيه ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض: السائب، عن المطلب، عن حفصة
. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ حَفْصَةَ) وَّهَا أنها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّهِ صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ) أي في
صلاته النافلة (قَاعِدًا قَطْ، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَام، فَكَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ،
فَيُرَتِّلُهَا) أي يقرأها بتمهّل، يقال: رتّلت القرآن ترتيلاً: تمهّلت في القراءة، ولم أعجل.
قاله في ((المصباح)) (حَتَّى تَكُونَ) أي السورة بواسطة الترتيل (أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا) أي
إلى أن تصير تلك السورة أطول من سورة أطول منها بسبب ترتيله قراءتها، وليس المراد
أن نفس السورة تكون أطول .
وفيه استحباب الترتيل في تلاوة القرآن، إذ المطلوب من تلاوته التدبّر في آياته،
وتذكّر ما فيها من المعاني الباهرة، كما قال تعالى: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَدَّبَّرُواْ ،َابَتِهِ،
وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبِ﴾ [ص: ٢٩]، ولا يمكن ذلك للقارئ، والمستمع إلا بالترتيل ..
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث حفصة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٦٥٧/١٩- وفي ((الكبرى))١٣٧٦/٣٧/٢٩- بالإسناد المذكور. والله
أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ١٦٤/٢ (ت) ٣٧٣ وفي ((الشمائل))٢٨١ (مالك في الموطإ) ص ١٠٤
(أحمد) ٦ / ٢٨٥ (الدارمي) ١٣٩٢ و١٣٩٣ (ابن خزيمة) ١٢٤٢. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
٣٩٣
٢٠- بَابُ فَضْلِ صَلَةِ القَائِم عَلَى صَلَاةِ القَاعِدِ- حديث رقم ١٦٥٩
٢٠- بَابُ فَضْلٍ صَلَاةِ الْقَائِمِ عَلَى
صَلَاةِ الْقَاعِدِ
١٦٥٩- أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
مَنْصُورٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ أَبِي يَخْتِى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَنْتُ النَّبِيِّ
وَهِ، يُصَلِّي جَالِسًا، فَقُلْتُ: حُدْتُ أَنَّكَ قُلْتَ، إِنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ، عَلَى النَّصْفِ مِنْ صَلَاةِ
الْقَائِمِ، وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا، قَالَ: ((أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ)) .
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (عُبيدالله بن سعيد) السرخسيّ، ثقة ثبت [١٠]١٥/١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحافظ الحجة [٩]٤/٤.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ المذكور في الباب الماضي .
٤- (منصور) بن المعتمر الكوفي، ثقة ثبت حجة [٥]٢/ ٢ .
٥- (هلال بن يساف) -بفتح الياء وكسرها-، ويقال: إساف -بكسر الهمزة-
الكوفي، ثقة [٣]٤٣/٣٩.
٦- (أبو يحيى) الأعرج، مِصْدَع المُعَزْقب، مقبول [٣]١١١/٨٩.
٧- (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما١١١٠/٨٩ واللَّه تعالى
أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: هلال، عن أبي يحيى، وهو من
رواية الأقران. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: وَأَيْتُ النَّبيَّ
وَ﴾، يُصَلِّ جَالِسًا، فَقُلْتُ) وفي رواية أبي داود من طريق جرير، عن منصورِ، قال:
حُدّثتُ أن رسول اللَّه وَ لّ قال: ((صلاة الرجل قاعدًا، نصف الصلاة))، فأتيته، فوجدته
يُصلي، جالسًا، فوضعت يدي على رأسي، فقال: ((مالك، يا عبد الله بن عمرو؟))،
قلتُ: حُدِّثتُ أنك يا رسول اللَّه قلت: ((صلاة الرجل ... )) الحديث (حُدِّثْتُ) بالبناء
٣٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الَّيْلِ
للمفعول (أَنَّكَ) بفتح همزة ((أنّ)) لوقوعها موقع المفرد، وهو النائب عن الفاعل (قُلْتَ:
إنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها مقول القول، (صَلَاةَ الْقَاعِدِ، عَلَى النَّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِم)
قال النوويّ ◌َخّْلهُ: معناه أن صلاة القاعد، فيها نصف ثواب القائم، فيتضمّن صحتهاَ،
ونُقصان أجرها، وهذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام،
فهذا له نصف ثواب القائم، وأما إذا صلّى النفل قاعدًا لعجزه عن القيام، فلا ينقص
ثوابه، بل يكون كثوابه قائمًا .
وأما الفرض، فإن صلى قاعدًا، مع قدرته على القيام لم تصحّ، فلا يكون فيه ثواب،
بل يأثم به. قال أصحابنا: وإن استحلّه كفر، وجرت عليه أحكام المرتدين، كما لو
استحلّ الزنا، والربا، أو غيره من المحرّمات الشائعة التحريم، وإن صلى الفرض قاعدًا
لعجزه عن القيام، أو مضطجعًا لعجزه عن القيام والقعود، فثوابه كثوابه قائمًا، لم ينقص
باتفاق أصحابنا، فيتعيّن حمل الحديث في تنصيف الثواب على من صلى النفل قاعدًا مع
قدرته على القيام. هذا تفصيل مذهبنا، وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث،
وحكاه القاضي عياض تَقّْلهُ عن جماعة، منهم الثوريّ، وابن الماجشون. وحُكي عن
الباجيّ، من أئمة المالكية أنه حمله على المصلي فريضة لعذر، أو نافلةً لعذر، أو لغير
عذر، قال: وحمله بعضهم على من له عذر، يرخّص في القعود في الفرض والنفل،
ويمكنه القيام بمشقّة انتهى كلام النووي تَخْذ ثهُ(١).
(وَأَنْتَ تُصَلِّ قَاعِدًا، قَالَ: أَجَلْ) كـ(نعم)) وزنًا ومعنى، وهي أحسن في مثل هذا من
((نعم))، كما تقدّم. (وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ) أي لست مثلكم في كون ثواب صلاتي
قاعدًا على النصف من صلاتي قائمًا، بل هو كصلاتي قائما، لا ينقص منه شيء .
قال النووي رحمه الله تعالى: هو عند أصحابنا من خصائصه ومَ لتر،، فجعلت نافلته
قاعدًا مع القدرة على القيام كنافلته قائمًا، تشريفًا له، كما خُصّ بأشياء معروفة في كتب
أصحابنا، وقد استقصيتها في أول ((كتاب تهذيب الأسمأ واللغات))(٢).
وقال القاضي عياض تَكّْثُ: معناه أن النبي وَّ لَحِقَه مشقّة من القيام لحطم الناس،
وللسنّ، فكان أجره تاماً، بخلاف غيره، ممن له عذر .
وردّ عليه النوويّ، فقال: هذا ضعيف، أو باطل، لأن غيره وَ # إن كان
معذورًا، فثوابه أيضًا كامل، وإن كان قادرًا على القيام، فليس هو كالمعذور، فلا
يبقى فيه تخصيص، فلا يحسن على هذا التقدير ((لست كأحد منكم))، وإطلاق هذا
(١)- (شرح مسلم)) ج٦ ص ١٤ / ١٥.
(٢) - قلت: تقدم سردها من ألفية الحافظ العراقي رحمه الله في السيرة، راجع شرح حديث ((أُعطيت خمسا،
لم يعطهن أحد قبلي ... )) رقم ٤٣٢/٢٦ - ((كتاب التيمم)) من هذا الشرح تستفد، وبالله التوفيق.
٣٩٥
٢٠- بابُ فَضْلِ صَلَةِ القَائِم عَلَى صَلَاةِ القَاعِدِ- حديث رقم ١٦٥٩
القول(١)، فالصواب ما قاله أصحابنا أن نافلته والقر قاعدًا مع القدرة على القيام ثوابها
كثوابه قائمًا، وهو من الخصائص. والله أعلم انتهى كلام النووي ◌َّلهُ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رد به النوويّ کلام عیاض هو الصواب عندي.
والحاصل أن من صلى قاعدا لعذر، فله الأجر كاملا، سواء النبي وَّر، أو غيره، فلا
خصوصية له في ذلك، إنما الخصوصية له فيما إذا صلى قاعدًا من غير عذر، فإن له
الأجر كاملًا .
ودليل ثبوت الأجر كاملًا للمعذور مطلقًا ما أخرجه البخاريّ تَخّْثهُ في ((كتاب
الجهاد)) من طريق إبراهيم السَّكْسَكيّ، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن
أبي كبشة، في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت، أبا موسى
مرارا، يقول: قال رسول اللّه وَ له: ((إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان
يعمل مقيما صحيحا)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن عَمْرو رضي اللّه تعالى عنهما هذا
أخرجه مسلم .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-١٦٥٩/٢٠- وفي («الكبرى»١٣٦١/٣٠- بالإسناد المذكور. والله
تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ١٦٥/٢ (د) ٩٥٠ (أحمد)١٦٢/٢ و١٩٢ و٢٠١ و٢٠٣
(الدارمي) ١٣٩١ (ابن خزيمة) ١٢٣٧ . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل صلاة القائم على صلاة
القاعد، حيث إنه يفضل عليه بنصف الأجر. ومنها: جواز النافلة قاعدًا مع القدرة على
القيام. ومنها: بيان شرف النبي وَلغيره، وعظيم منزلته عند الله تعالى، حيث خصّه بعدم
نقص أجر صلاته قاعدًا، بخلاف غيره، فينقص منهم نصف أجورهم. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
(١) - هكذا عبارة النوويّ في ((شرح مسلم))، وفيها ركاكة، ولو قال: فلا يحسن إطلاق قوله: ((لست
كأحد منكم»، لكان أوضح. والله تعالى أعلم.
٣٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الَّیل
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
٢١- فَضْلُ صَلَاةِ الْقَاعِدِ عَلَى صَلَاةٍ
النَّائِم
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اعترض ابن بطال على هذه الترجمة، وادعى أن
النسائيّ صحف الحديث(١)، قال: وغلطه فيه ظاهر؛ لأنه ثبت الأمر للمصلي إذا وقع
عليه النوم أن يقطع الصلاة، وعلّل ذلك بأنه لعله يستغفر، فيسبّ نفسه، قال: فكيف
يأمره بقطع الصلاة، ثم يُثبت أن له نصف أجر القاعد. انتهى .
ورَدّ عليه الحافظ العراقي في ((شرح الترمذيّ)) -كما نقله في ((الفتح))- فقال: ما
حاصله: لعله هو الذي صحّف، وإنما ألجأه إلى ذلك حَمْلُ قوله: ((نائمًا)) على النوم
الحقيقي الذي أمر المصلي إذا وجده بقطع الصلاة، وليس ذلك المراد هنا، إنما المراد
الاضطجاع. انتهى .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في هذا
الردّ، وأفاد .
فترجمة النسائيّ رحمه الله تعالى صحيحة موافقة للحديث الذي أورده في الباب، ومن
ادعى عليه التصحيف فهو المصحّف، لأنه لم يفهم المراد، من الحديث، فلسوء فهمه
حمله على أن النوم هو النوم الحقيقي الذي ورد الأمر بقطع الصلاة من أجله، وليس
كذلك، وإنما المراد بالنوم هو الاضطجاع، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّز بتقليد ذوي
الاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب .
١٦٦٠- أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ حُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَِّيّ ◌َِّ، عَنِ الَّذِيَّ يُصَلِّي
قَاعِدًا؟، قَالَ: ((مَنْ صَلَّى قَائِمًا، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ،
وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ».
(١)- أراد أنه صحّف أن لفظ الحديث ((ومن صلى موميا)) إلى قوله: ((نائما))، فترجم عليه ((فضل صلاة
القاعد على النائم)). والله أعلم.
٣٩٧
٢١- فَضْلُ صَلَةِ القَاعِدِ عَلَى صَلَاةِ النَّائِم - حديث رقم ١٦٦٠
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (حُميد بن مَسعَدة) الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠]٥/٥.
٢- (سُفيان بن حَبيب) البصريّ، ثقة [٩]٨٢/٦٧.
٣- (حُسين المعلّم) بن ذكوان الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٦]١٢٢ / ١٧٤.
٤- (عبد الله بن بُريدة) بن الحُصيب الأسلميّ، أبو سَهْل المروزيّ، ثقة [٣]٢٥/
٩ ٣٩٣ .
٥- (عمران بن حُصين) بن عُبيد بن خَلَف الخُزاعيّ، أبو نُجَيد الصحابي ابن
الصحابي رضي اللَّه تعالى عنهما ٣٢١٠/٢٠١ والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير عبد الله بن بريدة، فمروزيّ.
والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) رضي اللّه تعالى عنهما، وصرح عبد الله بن بريدة بالتحديث
عند البخاريّ، فقال: ((حدثني عمران بن حُصين، وكان مبسورًا(١) ... )) (قَالَ: سَأَلْتُ
النَِّيَّ وَّهِ، عَنِ الَّذِي يُصَلِي قَاعِدًا؟) قال الخطابي رحمه اللّه تعالى: كنت تأولت هذا
الحديث على أن المراد به صلاة التطوّع -يعني للقادر- لكن قوله: ((من صلَّى نائمًا))
يُفسده، لأن المضطجع لا يصلي التطوّع كما يفعل القاعد، لأني لا أحفظ عن أحد من
أهل العلم أنه رخّص في ذلك، قال: فإن صحّت هذه اللفظة، ولم يكن بعض الرواة
أدرجها قياسًا منه للمضطجع على القاعد، كما يتطوّع المسافر على راحلته، فالتطوّع
للقادر على القعود مضطجعًا جائز بهذا الحديث، قال: وفي القياس المتقدّم نظر، لأن
القعود شكل من أشكال الصلاة، بخلاف الاضطجاع، قال: وقد رأيت الآن أن المراد
بحديث عمران المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل، فيقوم مع مشقّة، فجعل أجر
القاعد على النصف من أجر القائم، ترغيبًا له في القيام، مع جواز قعوده. انتهى .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهو حمل متّجه. قال: فمن صلى فرضًا قاعدًا، وكان
(١)- أي كان مصابا بمرض الباسور، بالباء الموحّدة، ويقال له: الناسور بالنون أيضا، أوالذي
بالموحدة وَرَمٌ في باطن المقعدة، والذي بالنون قرحة فاسدة، لا تقبل البرء، ما دام فيها ذلك
الفساد. أفاده في «الفتح» ج٣ ص٢٩٨ .
٣٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْل
يشقّ عليه القيام أجزأه، وكان هو، ومن صلى قائمًا سواءً، قال: فلو تحامل هذا
المعذور، وتكلّف القيام، ولو شقّ عليه كان أفضل لمزيد أجر تكلّف القيام، فلا يمتنع
أن يكون أجره على ذلك نظير أجره على أصل الصلاة، فيصح أن أجر القاعد على
النصف من أجر القائم، ومن صلّى النفل قاعدًا مع القدرة على القيام أجزأه، وكان أجره
على النصف من أجر القائم بغير إشكال .
وأما قول الباجيّ: إن الحديث في المفترض والمتنفّل معًا، فإن أراد بالمفترض ما
قرّرناه فذاك، وإلا فقد أبى ذلك أكثر العلماء .
وحكى ابن التين وغيره عن أبي عُبيد، وابن الماجشون، وإسماعيل القاضي، وابن
شعبان، والإسماعيليّ، والداوديّ، وغيرهم أنهم حملوا حديث عمران على المتنفّل،
وكذا نقله الترمذيّ عن الثوريّ، قال: وأما المعذور إذا صلى جالسًا، فله مثل أجر
القائم. ثم قال: وفي هذا الحديث ما يشهد له، يشير إلى ما أخرجه البخاريّ في
((الجهاد))، من حديث أبي موسى رَفي، وقد تقدم لفظه. قال: ويؤيد ذلك قاعدة
تغليب فضل الله تعالى، وقبول عذر من له عذر. والله أعلم.
ولا يلزم من اقتصار العلماء المذكورين في حمل الحديث المذكور على صلاة النافلة
أن لا تَرِدَ الصورة التي ذكرها الخطابي، وقد ورد في الحديث ما يشهد لها، فعند أحمد
من طريق ابن جُريج، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: قدم النبي ◌َّرَ المدينة، وهي
مَحَمَّةٌ(١)، فحُمَّ الناسُ، فدخل النبي ◌َّرَ المسجد، والناس يُصلّون من قُعود، فقال:
((صلاة القاعد نصف صلاة القائم))، ورجاله ثقات، زاد في رواية: ((فتجشّم الناس
الصلاةَ قيامًا»، وله متابع عند النسائيّ(٢)، من وجه آخر، وهو وارد في المعذور،
فيحمل على من تكلّف القيام مع مشقّته عليه، كما بحثه الخطّابيّ .
وأما نفي الخطّابيّ جواز التنفّل مضطجعًا، فقد تبعه ابن بطال على ذلك، وزاد: لكن
الخلاف ثابت، فقد نقله الترمذيّ بإسناده إلى الحسن البصريّ، قال: إن شاء الرجل
صلى صلاة التطوع قائما، وجالسًا، ومضطجعًا، وقال به جماعة من أهل العلم، وأحد
الوجهين للشافعية، وصححه المتأخّرون، وحكاه عياض وجهًا عند المالكية أيضًا، وهو
اختيار الأبهريّ منهم، واحتجّ بهذا الحديث .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما قاله الحسن البصريّ رحمه الله تعالى، ومن تبعه
(١)- يقال: أرض مَحَمّة، بفتح الميم، والحاء، وتشديد الميم الثانية، كمَذَمَّة، وبضم الميم، وكسر
الحاء: ذات حُمَّى، أو كثيرتها. أفاده في (ق)).
(٢)- هو في ((الكبرى)) برقم ١٣٦٤/٣٢ .
٢١- فَضْلُ صَلاَةِ القَاعِدِ عَلَى صَلَاةِ النَائِم - حديث رقم ١٦٦٠
٣٩٩ ==
أرجح عندي؛ لصحة حديث الباب، وما تقدم للخطابي من احتمال الإدراج فغير
صحيح؛ لعدم استناده إلى حجة. وأما ما قاله السنديّ، من أن العلماء عَدُّوه بدعةً،
وحدثا في الإسلام، فكلام لم يعتمد على تأمّل الحديث، وأقوال أهل العلم فيه، فكيف
يكون بدعة، وقد صحّ الحديث فيه، وقال به جماعة من أهل العلم الذين تقدّم ذکرهم،
إن هذا من العَجَب العُجَاب !. والله تعالى أعلم .
[تنبيه]: سؤال عمران رضي اللّه تعالى عنه عن الرجل خرج مخرج الغالب، فلا
مفهوم له، بل الرجل والمرأة في ذلك سواء (١) .
(قَالَ: ((مَنْ صَلَّى قَائِمًا، فَهُوَ أَفْضَلُ) ثوابًا ممن صلى قاعدًا (وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَلَهُ
نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ) وهذا يُستثنَى من عمومه النبي ◌ََّ، فإن صلاته قاعدًا لا ينقص أجرها
عن صلاته قائماً، لحديث عبد الله بن عمرو المتقدّم في الباب السابق (وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا)
أي مضطجعًا، كما فسّره به البخاري في ((صحيحه))، فإنه قال عقب حديث الباب: ما
نصه: قال أبو عبد الله: ((نائما)) عندي مضطجعًا ههنا. انتهى. (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ)))
هذا نصّ صريح في صحة صلاة النافلة مضطجعًا، وقد قال به جماعة من أهل العلم،
وهو الحقّ، كما أسلفناه قريبا . . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عمران بن حصين رضي اللّه تعالى عنهما هذا
أخرجه البخاريّ .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا- ٢١/ ١٦٦٠ وفي ((الكبرى)) ١٣٦٢/٣١ - بالإسناد المذكور. والله تعالى
أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٥٩/٢ (د) ٩٥١ (ت) ٣٧١ (ق) ١٢٣١ (أحمد) ٤/ ٤٣٣ و ٤٣٥ و٤٤٢
و٤٤٣ (ابن خزيمة)١٢٣٦ و١٢٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١)- (فتح)) بتصرّف ج٣ ص٢٩٨ -٢٩٩ .
٤٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى
الإثْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا الله تعالى عنه وعن والديه ومشايخه آمين:
قد انتهيت من كتابة الجزء السابع عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي
عبد الرحمن النسائيّ رحمه اللّه تعالى، المسمّى ((ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى))، أو
((غاية المنى في شرح المجتبى)).
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا
وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَِّ رَبِّ الْعَلَّيِينَ﴾.
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنْنَا لِهَذَا وَمَا كَُّا لِنَّْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَمَا الَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
((اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد
مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك
حميد مجيد)) .
((السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة الله، وبركاته)).
ويليه - إن شاء اللّه تعالى - الجزء الثامن عشر مفتتحًا بالباب ٢٢ ((نوع آخر)) الحديث
رقم ١٦٦١ .
((سبحانك اللهم، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك)).