النص المفهرس
صفحات 321-340
٩ - بَابُ ذِكْرِ مَا يُسْتَقْتَحُ بِهِ القِيَامُ - حديث رقم ١٦١٩ ٣٢١ إذَا سَارَ عَبْدُاللَّهِ فِي مَزْوَ لَيْلَةً فَقَدْ سَارَ فِيهَا نُورُهَا وَجَمالُهَا وقال أبو العالية: مُزَيِّن السموات بالشمس، والقمر، والنجوم، ومزيّن الأرض بالأنبياء، والأولياء، والعلماء. انتهى(١). ولفظ ((الكبرى))، وهي رواية لمسلم: ((أنت رب السموات والأرض)) بدل ((نور السموات الخ)): أي مصلحهما، ومصلح مَن فيهما، مأخوذ من الرّبّة، وهي نبت تصلح عليه المواشي، يقال: ربّ يرُبّ رَبّا، فهو راب، وربّ، ورَبَّى يُرَبِّي تَرْبية، فهو مربّ، قال النابغة: [من الطويل] وَرَبَّ عَلَيْهِ اللَّهُ أَحَسَنَ صُنْعَهُ وقال آخر: [من الطويل] يَرُبُّ الَّذِي يَأْتِي مِنَ الْخَيْرِ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ الْمَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا والربّ أيضا السيّد، فيكون معناه أنه سيد من في السموات والأرض. والربّ المالك: أي هو مالكهما، ومالك من فيهما. قاله في ((المفهم)). (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ) قَيّام على المبالغة، من قام بالشيءٍ: إذا هيّأ له ما يحتاج إليه، ويقال: قَيُّوم، وقَيّام، وقَيِّم، وقرأ عمر: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وعلقمةُ: القيّم. وقال قتادة: هو القائم بتدبير خلقه، وقال الحسن: القائم على كلّ نفس بما كسبت، وقال ابن جُبير: الدائم الوجود، وقال ابن عباس: الذي لا يحول، ولا يزول. قاله في ((المفهم)). وفي ((المرعاة)»: أي القائم بأمرٍ وتدبيرِ السماوات والأرض وغيرها. وفي رواية (قيّم، وفي أخرى ((قيّوم))، وهي من أبنية المبالغة، وهي من صفات اللّه تعالى، ومعناها واحد. وقيل: ((القيّم)): معناه القائم بأمور الخلق، ومدبّر العالم في جميع أحواله، و((القيّام)): القائم بنفسه، بتدبير خلقه المقيم لغيره، و((القيّوم)): من أسماء اللَّه تعالى المعدودةِ، وهو القائم بنفسه مطلقًا، لا بغيره، وهو مع ذلك يقوم به كلّ موجود حتى لا يتصوّر وجود شيء، ولا دوام وجوده إلا به انتهى . وهذه الجملة تعليل للحمد، فكأنه يقول: إنما حمدتك، لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات، وتراعيها، وتؤتي كل شيء ما به قوامه، وما به ينتفع إلى غير ذلك، وتكرير الحمد المُخَصَّص للاهتمام بشأنه، ولِيُنَاط به كلَّ مرة معنى آخر . (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) بكسر اللام، أي المتصرّف فيهما (١)- ((المفهم)) ج٢ ص٣٩٦-٣٩٧. ٣٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْل تصرّفا كليًا، مُلكًا، ومِلكًا، ظاهرا وباطنا، لا نزاع في مُلكه، ولا شريك له في مِلكه . (وَمَنْ فِيهِنَّ) عبّر بـ((من)) تغليبًا للعقلاء، لشرفهم، وإلا فهو ربّ كلّ شيءٍ، ومليكه (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ حَقٌّ) أي المتحقق الوجود الثابت بلا شكّ. وقال القرطبي: أي واجب الوجود، وأصله من حَقَّ الشيءُ: إذا ثبتَ، ووجبَ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَنْ حَقَّ عَلَيَّهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ الآية [الزمر: ١٩] وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِّى) الآية [السجدة: ١٣] أي ثَبَت، ووجب . وهذا الوصف لله سبحانه وتعالى بالحقيقة والخصوصية، لا ينبغي لغيره، إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، وما عداه ممن يقال عليه هذا الاسم، مسبوق بعدم، ويجوز عليه لَحَاق العدم، ووجوده من مُوجده، لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان أصدقَ كلمة قالها الشاعر كلمةُ لبيد: [من الطويل] أَلَّا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] انتهى. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون معناه: أنت الحقّ بالنسبة إلى من يدّعى فيه أنه إله، أو بمعنى أن من سمّاك إلها فقد قال الحق انتهى . (وَوَعْدُكَ حَقٌّ) أي صادق لا يمكن التخلّف فيه، وفي رواية البخاري: ((ووعدك الحق)) بالتعريف، قال في ((الفتح)): وعرّفه، ونكّر ما بعده، لأن وعده مختصّ بالإنجاز، دون وعد غيره، والتنكير في البواقي للتعظيم. قاله الطيبيّ. زاد في رواية الشيخين ((ولقاءك حق)) وهو عبارة عن مآل الخلق في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال، وفيه الإقرار بالبعث بعد الموت. وقيل معنى ((لقاؤك حقّ)): أي الموت، وأبطله النووي. وزاد أيضًا: ((وقولك حقّ)) أي مدلوله ثابت . (وَالْجَنَّةُ حَقٍّ) هذا وما بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدر، وما بعده هو الموعود به، ويحتمل أن يكون من عطف الخاصّ على العام (وَالنَّارُ حَقٌّ) فيه إشارة إلى أن الجنة والنار موجودتان الآن (وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) أي يوم القيامة آتية لا ريب فيها، وأصل ((الساعة)) القطعة من الزمان، لكن لما لم يكن هناك كواكب تُقدَّر بها الأزمان، سمّيت بذلك . وإطلاق اسم الحقّ على هذه الأمور كلها معناه أنها لا بدّ من كونها، وأنها مما ينبغي أن يصدّق بها، وتكرارُ الحقّ في تلك المواضع على جهة التأكيد، والتفخيم، والتعظيم لها انتهى. (وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ) بَّهِ (حَقِّ) خصّه بالذكر تعظيما له، وعطفه على النبيين إيذانًا بالتغاير بأنه فائق عليهم بأوصاف مختصّة به، فإن تغاير الوصف ينزل منزلة تغاير الذات. (لَكَ أَسْلَمْتُ) أي انقدت، وخضعت (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي فوضت أمري إليك، لا ٩- بابُ ذِكْرِ مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ القِيَامُ - حديث رقم ١٦١٩ ٣٢٣ إلى الأسباب العاديّة، وإن كنتُ آخذًا بها، فإن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وإنما ينافيه الاعتماد عليها (وَبِكَ آمَنْتُ))) أي صدّقت بك، وبكلّ ما أخبرت، وأمرت، ونهيت. زاد في رواية الشيخين: ((وإليك أنبت))، أي أطعت، ورجعت إلى عبادتك، أي أقبلت عليها، وقيل: معناه رجعت إليك. قاله النووي رحمه الله تعالى. قال المصنف تَخّْتُهُ (ثُمَّ) بعد أن ذكر هذه الأشياء (ذَكَرَ قُتَيْبَةُ كَلِمَةً) الظاهر أن المراد بالكلمة الجمل الآتية (مَعْنَاهَا: ((وَبِكَ خَاصَمْتُ) أي بما أعطيتني من البراهين والقوّة، وبما لقّنتني من الحجج خاصمت من عاند فيك، وكفر بك، وقمعتُهُ بالحجة والسيف (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) أي رفعت أمري إليك، والمحاكمة رفع الأمر إلى القاضي. وقال النووي تَخّْلهُ: أي كلُّ من جحد الحقّ حاكمته إليك، وجعلتك الحَكَم بيني وبينه، لا غيرك، مما كانت تتحاكم إليه الجاهلية، وغيرهم، من صنم، وكاهن، ونار، وشيطان، وغيرها، فلا أرضى إلا بحكمك، ولا أعتمد غيره انتهى . وقال في ((الفتح)): قدّم مجموع صلات هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص، وإفادةً للحصر، وكذا قوله: ((ولك الحمد)) انتهى. (اغْفِرْ لي) وفي رواية الشيخين: ((فاغفرلي))، قال ذلك مع كونه مغفورًا له إما على سبيل التواضع، والهضم لنفسه، وإجلالا، وتعظيمًا لربه، أو على سبيل التعليم لأمته، لتقتدي به فيه، كذا قيل. والأولى أنه لمجموع ذلك، وإلا لو كان للتعليم فقط لكفى فيه أمرهم بأن يقولوا ذلك. أفاده في (الفتح)) (مَا قَدَّمْتُ) أي قبل هذا الوقت (وَمَا أَخَّرْتُ) عنه (وَمَا أَعْلَنْتُ) هكذا نسخ ((المجتبى)) ليس فيها ((وما أسررت))، والذي في ((الكبرى)): ((وما أسررت، وما أعلنت))، وهو الذي في ((الصحيحين)) وغيرهما، والظاهر أنه سقط سهوًا من بعض نُسّاخ ((المجتبى). والله تعالى أعلم . والمعنى: اغفر لي ما أخفيت، وما أظهرت، أو ما حدّثتُ به نفسي، وما تحرّك به لساني، زاد في رواية عند البخاري: ((وما أنت أعلم به مني))، وهو من ذكر العام بعد الخاصّ . (أَنْتَ الْمُقَدْمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) قال المهلّب: أشار بذلك إلى نفسه، لأنه المقدَّم في البعث في الآخرة، والمؤخّر في البعث في الدنيا. انتهى. وقال القاضي عياض تَخْذّتُهُ: قيل: معناه المنزّل للأشياء منازلها، يقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويُعزّ من يشاء، ويُذلّ من يشاء، وجعل عباده بعضهم فوق بعض درجات. وقيل: هو بمعنى الأول، والآخر، إذ كلّ متقدّم على متقدّم فهو قبله، وكلّ متأخّر على متأخر فهو بعده، ويكون المقدّم والمؤخّر بمعنى الهادي، والمضلّ، قدّم من شاء لطاعته، لكرامته، وأخر من ٣٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ شاء بقضائه، لشقاوته انتهى(١) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المعنى الأول مما ذكر عياض ◌َخْذَهُ هو الأظهر عندي. والله تعالى أعلم. قال الكرماني ◌َيْدُثُ: هذا الحديث من جوامع الكلم، لأن لفظ ((القيّم)) إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه، و((النور)) إشارة إلى أن الأعراض أيضا منه، و((الملك)) إشارة إلى أنه حاكم عليها إيجادًا وإعدامًا، يفعل ما يشاء، وكلّ ذلك من نعم الله على عباده، فلهذا قَرَن كلّا منها بالحمد، وخصّص الحمد به. ثم قوله: ((أنت الحقّ)) إشارة إلى المبدإ، والقول ونحوه إلى المعاش، والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد، وفيه الإشارة إلى النبوّة، وإلى الجزاء ثوابًا وعقابًا، ووجوب الإيمان، والإسلام، والتوكل، والإنابة، والتضرّع إلى اللَّه، والخضوع له انتهى . (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أي لا معبود بحقّ إلا أنت الواحد الأحد الصمد (وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)) قيل معناه: لا حول عن المعصية، ولا قوّة على الطاعة، إلا بتوفيق الله. قاله الفيومي. [تنبيه]: ظاهر سياق المصنف رحمه الله تعالى أن قوله: ((ولا حول، ولا قوّة، إلا بالله)) من رواية سفيان، عن سليمان الأحول، وليس كذلك، فإن البخاري رحمه اللَّه تعالى قال بعد أن أخرج الحديث من طريق سفيان، عن سليمان، عَقِبَ قوله: ((لا إله إلا أنت))، أو ((لا إله غيرك)): ما نصّه: قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية: ((ولا حول، ولا قوة إلا بالله)) انتهى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: هذا موصول بالإسناد الأول، ووَهِمَ من زعم أنه معلّق، وقد بيّن ذلك الحميديّ في ((مسنده))، عن سفيان، قال: ((حدثنا سليمان الأحول خال ابن أبي نَجِيح، سمعت طاوسًا»، فذكر الحديث، وقال في آخره: قال سفيان: وزاد عبد الكريم: ((ولا حول، ولا قوّة إلا بك)). ولم يقلها سليمان. وأخرجه أبو نُعيم في ((المستخرج)) من طريق إسماعيل القاضي، عن علي بن عبد الله بن المدينيّ، شيخ البخاري فيه، فقال في آخره: قال سفيان: وكنت إذا قلت لعبد الكريم: آخر حديث سليمان ((ولا إله غيرك)) قال: ((ولا حول، ولا قوّة إلا باللّه))، قال سفيان: وليس هو في حدیث سلیمان انتهى . ومقتضى ذلك أن عبد الكريم لم يذكر إسناده في هذه الزيادة، لكنه على الاحتمال، ولا يلزم من عدم سماع سفيان لها من سليمان أن لا يكون سليمان حدّث بها، وقد وَهِمَ (١)-انظر ((زهر الربى)) ج٣ص ٢١٠-٢١١. ٣٢٥ = ٩- بَابُ ذِكْرِ مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ القِيَامُ - حديث رقم ١٦١٩ بعض أصحاب سفيان، فأدرجها في حديث سليمان، أخرجه الإسماعيليّ، عن الحسن ابن سفيان، عن محمد بن عبد الله بن نُمير، عن سفيان، فذكرها في آخر الخبر بغير تفصيل انتهى كلام الحافظ وَّثهُ (١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن هذه الزيادة مدرجة في حديث سفيان، عن سليمان، في رواية المصنف، إما منه، أو من شيخه قتيبة . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٦١٩/٩ - وفي ((الكبرى)) ١٣١٩/١٧- بالإسناد المذكور، وفي ((عمل اليوم والليلة ))٨٦٨- عن قتيبة، عن مالك بن أنس، عن أبي الزبير المكيّ، عن طاوس به. وفي ((الكبرى)) عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة- وعن محمود بن غيلان، وعبد الأعلى بن واصل، كلاهما عن يحيى بن آدم، عن الثوري، عن ابن جريج- كلاهما عن سليمان الأحول به. وعن محمد بن مَعمَر، عن حماد بن مسعدة، عن عمران بن مسلم، عن قيس بن سعد، عن طاوس به (٢) والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٦٠ و٨٦/٨ و١٤٤/٩ و٩/ ١٦٢ و١٧٦/٩ (م) ١٨٤/٢ (د) ٧٧١ (ت) ٣٤١٨ (ق) ١٣٥٥ (مالك في الموطإ) ١٥٠ (الحميدي)٤٩٥ (أحمد) ١/ ٢٩٨ و٣٠٨/١ و٣٥٨/١ و٣٦٦/١ (عبد بن حميد) ٦٢١ (الدارمي) ١٤٩٤ (البخاري) في ((الأدب المفرد)) ٦٩٧ وفي ((خلق أفعال العباد)) ٧٨ (ابن خزيمة) ١١٥٢. والله تعالى أعلم . المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ◌َّلهُ، وهو بيان ما تُستفتح به صلاة الليل من الأذكار. ومنها: زيادة معرفة النبي ◌َّ بعظمة ربّه، وعظيم قدرته، ومواظبته على الذكر، والدعاء، والثناء على ربه، والاعتراف له بحقوقه، والإقرار بصدق وعده ووعيده. ومنها: استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كلّ مطلوب، اقتداء بالنبي وَالّر. والله (١)- ((فتح)) ج٣ ص٣٠٨ . (٢)- هذه الأسانيد التي عزوتها ((الكبرى)) لم أرها فيه، وإنما ذكرها في ((تحفة الأشراف)). والله أعلم. = ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٦٢٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي(١) مَخْرَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ، أُمّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ خَالَتُهُ، فَاضْطَجَعَ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ وَأَهْلُهُ، فِي طُولِهَا، فَتَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ قَلِيلًا، أَوْ بَعْدَهُ قَلِيلًا، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، فَجَلَسَ، يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ، مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنَّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتِ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَتْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بَّدَهُ الْيُمْنَى، عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأَذُنِي الْيُمْنَى، يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَّجَعَ، حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ خَفِيفَتَيْنِ . رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ، ثقة ثبت [١٠]٢٠/١٩ ٢- (ابن القاسم) عبد الرحمن المصري ثقة فقيه، من كبار [١٠]٢٠/١٩. ٣- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الثبت [٧]٧/ ٧. ٤- (مخرمة بن سليمان) الأسديّ الوالبيّ المدنيّ، ثقة [٥]٦٨٦/٤١. ٥- (كريب) بن أبي مسلم، مولى ابن عباس، المدني، أبو رِشْدِين، ثقة [٣]١٦١/ ٢٥٣ . ٦- (ابن عباس) رضي اللّه تعالى عنهما تقدم في الذي قبله. والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مِيْمُونَةَ، أُمِّ الْمُّؤْمِنِينَ، وَهِيَ خَالَتُهُ) رضي اللّه تعالى عنهما. زاد شريك بن أبي نمر، عن (١)- وفي نسخة ((أخبرني)). ٣٢٧ ٩- بابُ ذِكْرِ مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ القِيَامُ - حديث رقم ١٦٢٠ كُريب، عند مسلم: ((فَرَقَبتُ رسول اللَّه ◌ِّر، كيف يصلي؟))، زاد أبو عوانة في ((صحيحه)) من هذا الوجه ((بالليل))، ولمسلم من طريق عطاء، عن ابن عبّاس، قال: ((بعثني العبّاس إلى النبي ◌َّ))، زاد النسائي، من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن كُريب ((في إبل، أعطاه إياها من الصدقة))، ولأبي عوانة من طريق علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه ((أن العباس بعثه إلى النبي ◌َّ في حاجة، قال: فوجدته جالسًا في المسجد، فلم أستطع أن أكلّمه، فلما صلّى المغرب، قام، فركع حتى أُذْنَ بصلاة العشاء)) (١)، ولابن خزيمة من طريق طلحة بن نافع، عنه: ((كان رسول اللَّه وَ لَّهَ وَ عَدَ العباسَ ذَوْدًا من الإبل، فبعثني إليه بعد العشاء، وكان في بيت ميمونة)). وهذا يخالف ما قبله، ويُجمع بأنه لَمّا لم يكلّمه في المسجد أعاده إليه بعد العشاء إلى بيت ميمونة. ولمحمد بن نصر في ((كتاب قيام الليل)) من طريق محمد بن الوليد ابن نُويفع، عن كريب، من الزيادة: ((فقال لي: یا بُنيّ بِتِ اللیلة عندنا»، وفي رواية حبیب المذكورة («فقلت: لا أنام حتى أنظر ما يصنع في صلاة الليل))، وفي رواية مسلم، من طريق الضحاك بن عثمان، عن مخرمة ((فقلت لميمونة: إذا قام رسول اللَّه وَ لتر، فأيقظيني))، وكان عزم على السهَرِ، ليَطلع على الكيفية التي أرادها، ثم خشي أن يغلبه النوم، فوصى ميمونة أن توقظه. قاله في ((الفتح))(٢). (فَاضْطَجَعَ) وفي نسخة ((فاضطجعت)) (فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ) بفتح أوله على المشهور، وبالضمّ أيضًا، وأنكره الباجيّ من جهة النقل، ومن جهة المعنى، قال: لأن العُرْض بالضمّ هو الجانب، وهو لفظ مشترك. قال الحافظ: لكن لَمّا قال: ((في طولها)) تعيّن المراد، وقد صحّت به الرواية، فلا وجه للإنكار انتهى (٣). وقال النووي رحمه اللّه تعالى: هكذا ضبطناه ((عَرْض)) بفتح العين، وهكذا نقله القاضي عياض، عن رواية الأكثرين، قال: ورواه الداوديّ بالضمّ، وهو الجانب، والصحيح الفتح . والمراد بالوسادة الوسادة المعروفة التي تكون تحت الرؤوس، ونقل القاضي عن الباجيّ، والأصيليّ، وغيرهما أن الوسادة هنا الفراش، لقوله: ((اضطجع في طولها))، وهذا ضعيف، أو باطل. انتهى(٤). وقال في ((الفتح)): قوله: ((في عرض وسادة)) في (١)- فيه جواز التنفّل في المسجد بعد المغرب، وهو من جملة صوارف الأمر في قوله ◌َير: ((صلوا في بيوتكم الخ)) عن الوجوب إلى الاستحباب. والله تعالى أعلم. (٢) - ((فتح)) ج٣ ص١٦٦ . (٣)- ((فتح)) في ((كتاب الوضوء)) ج١ ص٣٤٥ طبعة دار الريان. (٤)- ((شرح مسلم)) ج ٦ ص ٤٧ . ٣٢٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ قِیّامِ الَّیل رواية محمد بن الوليد المذكورة («وسادة من أدم حشوها ليف))، وفي رواية طلحة بن نافع المذكورة ((ثم دخل مع امرأته في فراشها»، وزاد ((أنها كانت ليلتئذ حائضًا))، وفي رواية شريك بن أبي نمر، عن كريب في ((التفسير)) ((فتحدّث رسول اللَّه ◌َّر مع أهله ساعة)) انتهى . (وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ وَأَهْلُهُ، فِي طُولِهَا) وفيه دليل على جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها، وإن كان مميّزًا. قال القاضي: وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث: قال ابن عباس: بتّ عند خالتي في ليلة كانت فيها حائضًا، قال: وهذه الكلمة، وإن لم تصحّ طريقًا (١)، فهي حسنة المعنى جدًا، إذ لم يكن ابن عبّاس يطلب المبيت في ليلة للنبي وَلّر فيها حاجة إلى أهله، ولا يُرسله أبوه إلا إذا علم عدم حاجته إلى أهله، لأنه معلوم أنه لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معهما في الوسادة، مع أنه كان مراقبًا لأفعال النبي ◌َِّ مع أنه لم يَنَم، أو نام قليلًا جدّا (٢) انتهى (٢) . (فَتَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ قَلِيلًا، أَوْ بَعْدَهُ قَلِيلًا) وفي نسخة ((أو قبله بقليل، أو بعده بقليل))، وفي رواية للبخاريّ: ((حتى إذا انتصف الليل، أو قريبًا منه)). قال في ((الفتح)): جزم شريك بن أبي نمر في روايته المذكورة («بثلث الليل الأخير))، ويُجمع بينهما بأن الاستيقاظ وقع مرّتين، ففي الأولى نظر إلى السماء، ثم تلا الآيات، ثم عاد لمضجعه، فنام، وفي الثانية أعاد ذلك، ثم توضأ، وصلّى، وقد بيّن ذلك محمد بن الوليد في روايته المذكورة، وفي رواية الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل، عن كُريب في (الصحيحين)): ((فقام رسول اللَّه ◌َ لّر من الليل، فأتى حاجته، ثم غسل وجهه، ويديه، ثم نام، ثم قام، فأتى القِرْبة ... )) الحديث. وفي رواية سعيد بن مسروق، عن سلمة، عند مسلم: ((ثم قام قومة أخرى))، وعنده من رواية شعبة، عن سلمة: ((فبال))، بدل ((فأتى حاجته)). انتهى . (اسْتَيْقَظَ) وفي نسخة ((فاستيقظ)) (رَسُولُ اللَّهِ بََّ، فَجَلَسَ، يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ) أي يمسح بيده عينيه، من باب إطلاق اسم الحالّ على المحلّ، أو أثرَ النوم، من باب إطلاق السبب على المسبب. (ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ، مِنْ سُورَةِ آلٍ عِمْرَانَ) التي أولها: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ إلى آخر السورة. (١)- فيه أن الظاهر أنها صحيحة، كما أشار إليه فيما تقدم من عبارة ((الفتح))، حيث عزاها إلى ((صحيح ابن خزيمة»، والله أعلم. (٢)- المصدر المذكور. ٩- بابُ ذِكْرِ مَا يُسْتَقْتَحُ بِهِ القِيَامُ - حديث رقم ١٦٢٠ ٣٢٩ قال النووي رحمه الله تعالى: فيه جواز القراءة للمحدث، وهذا إجماع المسلمين، وإنما تحرم القراءة على الجنب، والحائض(١)، وفيه استحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النوم، وفيه جواز قول ((سورة آل عمران))، و((سورة البقرة))، و((سورة النساء))، ونحوها، وكرهه بعض المتقدّمين، وقال: إنما يقال: السورة التي يُذكر فيها آل عمران، والتي يُذكر فيها البقرة، والصواب الأول، وبه قال عامّة العلماء، من السلف والخلف، وتظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، ولا لبس في ذلك انتهى . وقال في ((الفتح)): قال ابن بطّال ومن تبعه: فيه دليل على ردّ من كره قراءة القرآن على غير طهارة، لأنه وَ لهم قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ. وتعقّبه ابن المنيّر وغيره بأن ذلك مفَرّعٌ على أن النوم في حقّه ينقض، وليس كذلك، لأنه قال: ((تنام عيناي، ولا ينام قلبي))، وأما كونه توضأ عقب ذلك، فلعله جدّد الوضوء، أو أحدث بعد ذلك، فتوضأ . قال الحافظ: وهو تعقيب جيّد بالنسبة إلى قول ابن بطال: بعد قيامه من النوم، لأنه لم يتعيّن كونه أحدث في النوم، لكن لما عَقّب ذلك بالوضوء كان ظاهرًا في كونه أحدث، ولا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدث، وهو نائم، نعم خصوصيته أنه إن وقع شَعَرَ به، بخلاف غيره، وما ادعوه من التجديد، وغيره الأصل عدمه انتھی (٢) (ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنَّ مُعَلَّقَةٍ) زاد محمد بن الوليد: («ثم استفرغ من الشّنّ في إناء، ثم توضأ)). والشَّنّ بالفتح: الجلد البالي، وجمعه شِنَان، مثل سَهْم وسِهَام. قاله في ((المصباح)). وقال النوويّ: إنما أنثها على إرادة القِزْبة، وفي رواية لمسلم ((إلى شنّ معلّق)) على إرادة السِّقَّاء والوعاء)). قال أهل اللغة: الشَّنُّ: القربة الخَلَق، وجمعه شِنَان (٣) انتهى (٣). (فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) في رواية محمد بن الوليد، وطلحة بن نافع جميعًا: («فأسبغ الوضوء))، وفي رواية عمرو بن دينار، عن كريب: ((فتوضأ وضوءًا خفيفًا))، ويُجمع بين هاتين الروايتين برواية الثوريّ، فإن لفظه: «فتوضأ وضوءًا بین وضوءین، لم يُکثر، وقد أبلغ))، ولمسلم من طريق عياض، عن مخرمة: ((فأسبغ الوضوء، ولم يمسّ من الماء إلا قليلًا))، وزاد ((فتسوّك))، وكذا لشريك عن كريب ((فاستنّ)). قاله في ((الفتح)). (١)- قلت: تقدم الخلاف لبعض السلف في جوازه لهما في ((أبواب الطهارة))، فارجع إليه. (٢)- ((فتح)) ج١ ص٣٤٥. (باب قراءة القرآن بعد الحدث)) من ((كتاب الوضوء)). (٣)- ((شرح مسلم)) ج ٦ ص٤٦ . ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَامِ اللَّيْلِ (ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي) في رواية محمد بن الوليد (ثم أخذ بُزْدًا له حضرمياً، فتوشّحه، ثم دخل البيت، فقام يصلي)). (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ: فَقُمْتِ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) ظاهره يقتضي أنه صنع جميع ما ذكره من القول، والنظر، والوضوء، والسواك، والتوشّح، ويَحتمل أن يُحمّل على الأغلب، وزاد سلمة، عن كريب عند البخاري في ((الدعوات)) في أوله: ((فقمت، فتمّيتُ، كراهية أن يرى أني كنت أرقُبُه))، وكأنه خشي أن يَترك بعض عمله لما جرى من عادته وَ لير أنه كان يترك بعض العمل خشية أن يُفرض على أمته (ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَتْبِهِ) أي عن شماله، ففي الرواية المتقدمة ٨٠٦/٢٢ - من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ((فقمت عن شماله، فقال بي هكذا، فأخذ برأسي، فأقامني عن يمينه)) (فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، يَدَهُ الْيُمْنَى، عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ) وفي نسخة ((فأخذ (بِأُذُنِي الْيُمْنَى، يَفْتِلُهَا) وفي نسخة ((ففتلها)). قال النووي: قيل: إنما فَتَلَها تنبيها له من النُّعاس، وقيل: ليتنبّه لهيئة الصلاة، وموقفِ المأموم، وغير ذلك، والأول أظهر، لقوله في الرواية الأخرى: ((فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني)) انتهى . وقال في ((الفتح)): قوله: ((وأخذ بأذني)) زاد محمد بن الوليد في روايته ((فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليؤنّسني بيده في ظلمة الليل))، وفي رواية الضحاك بن عثمان ((فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني)). وفي هذا رد على من زعم أن أخذ الأذن إنما كان في حالة إدارته له من اليسار إلى اليمين، متمسكًا برواية سلمة بن كهيل، حيث قال: ((فأخذ بأذني، فأدارني عن يمينه))، لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن لا يعود إلى مسك أذنه لما ذكره من تأنيسه، وإيقاظه، لأن حاله كانت تقتضي ذلك لصغره انتهى . (فَصَلَّی رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ) كذا في هذه الرواية، وظاهره أنه فصل بين كلّ ركعتين، ووقع التصريح بذلك في رواية طلحة بن نافع، حيث قال: ((يسلّم من كلّ ركعتين))، ولمسلم من رواية علي بن عبد الله بن عباس التصريح بالفصل أيضًا، وأنه استاك بين كلّ ركعتين إلى غير ذلك . ثم إن رواية الباب فيها التصريح بذكر الركعتين ست مرّات، ثم قال: ((ثم أوتر))، ومقتضاه أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، وصرّح بذلك في رواية سلمة عند البخاريّ، حيث قال: ((فتتامّت))، ولمسلم ((فتكاملت صلاته ثلاث عشرة ركعة)). وفي رواية عبد ربه بن سعيد عند البخاري أيضًا عن كريب، ((فصلى ثلاث عشرة ركعة))، وفي رواية محمد بن الوليد المذكورة مثله، وزاد ((وركعتين بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح))، وهي موافقة لرواية الباب لأنه قال بعد قوله: ((ثم أوتر)): ((فقام، فصلى ركعتين)). فاتفق ٣٣١ ٩- بَابُ ذِكْرِ مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ القِيَامُ - حديث رقم ١٦٢٠ هؤلاء على الثلاث عشرة، وصرح بعضهم بأن ركعتي الفجر من غيرها، لكن رواية شريك بن أبي نمر عند البخاري في ((التفسير)) عن كريب تخالف ذلك، ولفظه ((فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذّن بلال، فصلى ركعتين، ثم خرج)) . فهذا ما في رواية كريب من الاختلاف، وقد عُرف أن الأكثر خالفوا شريكًا فيها، وروايتهم مقدّمة على روايته لما معهم من الزيادة، ولكونهم أحفظ منه. وقد حمل بعضهم هذه الزيادة على سنة العشاء، ولا يخفى بُعده، ولا سيّما في رواية مخرمة في حديث الباب، إلا إن حُمل على أنه أخر سنة العشاء حتى يستيقظ، لكن يعكر عليه رواية المنهال الآتية . وقد اختلف على سعيد بن جبير أيضًا، ففي رواية شعبة، عن الحكم، عنه ((فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم صلى خمس ركعات))، وقد حمل محمد بن نصر هذه الأربع على أنها سنة العشاء، لكونها وقعت قبل النوم، لكن يعكر عليه ما رواه هو من طريق المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، فإن فيه ((فصلى العشاء، ثم صلى أربع ركعات بعدها، حتى لم يبق في المسجد غيره(١)، ثم انصرف))، فإنه يقتضي أن يكون صلى الأربع في المسجد، لا في البيت، ورواية سعيد بن جبير أيضًا تقتضي الاقتصار على خمس ركعات بعد النوم، وفيه نظر، وقد رواها أبو داود من وجه آخر عن الحكم، وفيه ((فصلى سبعا، أو خمسًا، أوتر بهنّ، لم يسلّم إلا في آخرهنّ)). قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد ظهر لي من رواية أخرى عن سعيد بن جبير ما يرفع هذا الإشكال، ويوضّح أن رواية الحكم وقع فيها تقصير، فعند النسائيّ من طريق یحیی بن عباد، عن سعيد بن جبير (فصلی رکعتین، رکعتین، ثم صلی ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهنّ)) . فبهذا يُجمع بين رواية سعيد ورواية كريب . وأما ما وقع في رواية عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عند أبي داود ((فصلى ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر))، فهو نظير ما تقدّم من الاختلاف في رواية کریب. وأما ما في روايتهما من الفصل والوصل، فرواية سعيد صريحة في الوصل، ورواية كريب محتملة، فتحمل على رواية سعيد . وأما قوله في رواية طلحة بن نافع ((يُسلّم من كلّ ركعتين))، فيحتمل تخصيصه (١)- فيه جواز التنفّل في المسجد، وهو مما يصرف الأمر بالصلاة في البيوت عن الوجوب إلى الاستحباب، كما تقدّم. ٣٣٢ شرح سنن النسائي - کِتَابُ قِيَام اللَّيْلِ بالثمان، فيوافق رواية سعيد، ويؤيده رواية يحيى بن الجزّار الآتية . ولم أر في شيء من طرق حديث ابن عباس ما يخالف ذلك، لأن أكثر الرواة عنه لم يذكروا عددًا، ومن ذكر العدد منهم لم يزد على ثلاث عشرة، ولم ينقص عن إحدى عشرة، إلا أن في رواية علي بن عبد الله بن عباس عند مسلم(١) ما يُخالفهم، فإن فيه ((فصلى ركعتين، أطال فيهما، ثم انصرف، فنام، حتى نفخ، ففعل ذلك ثلاث مرّات، بستّ ركعات، كل ذلك يستاك، ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات -يعني آخر آل عمران- ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن، فخرج إلى الصلاة)) . فزاد على الرواة تكرار الوضوء، وما معه، ونقص عنهم ركعتين، أو أربعا، ولم يذكر ركعتي الفجر أيضًا، وأظنّ ذلك من الراوي عنه، حبيب بن أبي ثابت، فإن فيه مقالًا، وقد اختلف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافا، تقدّم ذكر بعضه، ويحتمل أن يكون لم يذكر الأربع الأُوَل كما لم يذكر الْحَكّم الثمانَ كما تقدّم، وأما سنة الفجر، فقد ثبت ذكرها في طريق أخرى عن علي بن عبد الله، عند أبي داود . والحاصل أن مبيت ابن عباس يغلب على الظنّ عدم تعددها، فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها، ولا شكّ أن الأخذ بما اتفق عليه الأكثر، والأحفظ أولى مما خالفهم فيه مَن دونهم، ولا سيما إن زاد، أو نقص . والمُحَقَّقُ من عدد صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة، وأما رواية ثلاث عشرة، فيحتمل أن يكون منها سنة العشاء، ويوافق ذلك رواية أبي جمرة، عن ابن عباس بلفظ ((كانت صلاة النبي ◌َّ ثلاث عشرة)) يعني بالليل، ولم يبين هل سنة الفجر منها، أو لا، وبينها يحيى بن الجزّار، عن ابن عباس عند النسائيّ بلفظ ((كان يصلي ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الصبح))، ولا يعكر على هذا الجمع إلا ظاهر سياق الباب، فيمكن أن يحمل قوله: ((صلى ركعتين، ثم ركعتين)) أي قبل أن ينام، ويكون منها سنة العشاء، وقوله: ((ثم ركعتين الخ)) أي بعد أن قام، وسيأتي نحو هذا الجمع في حديث عائشة رضي ليها . وجمع الكرماني بين ما اختلف من روايات قصة ابن عباس هذه باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى ابن عباس به فيه، وفصله عما لم يقتد به فيه، وبعضهم ذكر الجميعِ مجملًا. والله أعلم (٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأقرب في وجه الجمع هو الجمع الذي جمع (١)-سيأتي للمصنف نحوه ١٧٠٤/٣٩. (٢) - فتح ج٣ ص ١٦٧ - ١٦٩ . ٣٣٣ ٩- بأبُ ذِكْرِ مَا يُسْتَقْتَحُ بِهِ القِيَامُ - حديث رقم ١٦٢٠ به الكرماني رحمه اللّه تعالى. والله تعالى أعلم. (ثُمَّ اضْطَجَعَ) سيأتي بيان الاختلاف في هذا الاضطجاع، هل كان قبل ركعتي الفجر، أو بعدهما في [١٧٦٢/٥٨] إن شاء اللَّه تعالى (حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ) هو بلال رَّيه (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) هما سنة الصبح، والله تعالى أعلم . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام على مسائله في ((باب الدعاء في السجود)) -١١٢١/١٥٣ - فراجعه تستفد، ولنذكر هنا فوائده التي لم يتقدم ذكرها(١): فمنها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما تُستفتح به صلاة الليل، ووجه ذلك أنه و لو قرأ خواتيم آل عمران قبل الدخول في صلاة الليل، وهذا، وإن كان خارجها غير أنه لقربه يعدّ مما استُفتحت به، فيكون قوله: ((باب ذكر ما يُستفتح به القيام)) أعمّ من كونه داخل الصلاة، أو خارجها. والله تعالى أعلم . ومنها: جواز إعطاء بني هاشم من الصدقة، وهو محمول على التطوّع، ويحتمل أن يكون إعطاؤه العباس ليتولى صرفه في مصالح غيره ممن يحلّ له أخذ ذلك. ومنها: جواز تقاضي الوعد، وإن كان مَن وَعد به مقطوعا بوفائه. ومنها: الملاطفة بالصغير، والقريب، والضيف، وحسن المعاشرة للأهل، والرد على من يؤثر دوام الانقباض. ومنها: مبيت الصغير عند محرمه، وإن كان زوجها عندها. ومنها: جواز الاضطجاع مع المرأة الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير، وإن كان مميّزًا، بل مراهقًا. ومنها: صحة صلاة الصبيّ، وجواز قتل أذنه لتأنيسه وإيقاظه، وقد قيل: إن المتعلّم إذا تعوهد بفتل أذنه كان أذكى لفهمه. ومنها: حمل أفعاله ويسير على الاقتداء به. ومنها: مشروعية التنفل بين المغرب والعشاء. ومنها: جواز التنفل في المسجد، وهذا مما يصرف الأمر في قوله: ((أيها الناس صلوا في بيوتكم ... )) الحديث عن الوجوب إلى الاستحباب، كما هو رأي الجمهور. ومنها: فضل صلاة الليل، ولا سيما في النصف الثاني. ومنها: البداءة بالسواك، واستحبابه عند كل وضوء، وعند كل صلاة. ومنها: استحباب تلاوة آواخر آل عمران عند القيام إلى صلاة الليل. ومنها: استحباب غسل الوجه، واليدين لمن أراد النوم، وهو مُحدِث، لقوله: («فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام)). ومنها: جواز الاغتراف من الماء القليل، لأن الإناء المذكور كان (١)- المراد من الفوائد هي الفوائد التي اشتمل عليها الحديث باختلاف طرقه، لا خصوص رواية المصنف، فتنبه. ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الَّیل قصعة، أو صحفة. ومنها: استحباب التقليل من الماء في التطهير، مع حصول الإسباغ. ومنها: بيان فضل ابن عباس، وقوّة فهمه، وحرصه على تعلم أمر الدين، وحسن تأدبه في ذلك. ومنها: اتخاذ مؤذن راتب للمسجد. ومنها: إعلام المؤذن الإمام بحضور وقت الصلاة، واستدعاؤه لها. ومنها: جواز الاستعانة باليد في الصلاة، وتكرار ذلك. ومنها: مشروعية الجماعة في النافلة . ومنها: جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة. ومنها: بيان موقف الإمام والمأموم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٠- بَابُ مَا يَفْعَلُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل مِنَ السِّوَاكِ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ((يفعل)) -بفتح ياء، مبنيًّا للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى القائم المفهوم من ((قام))، وعائد الموصول محذوف، أي ما يفعله القائم، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والضمير النائب عن الفاعل يعود إلى الموصول، أي الشيء الذي يفعله الشخص إذا قام من الليل، و((مِن)) في قوله: ((من الليل)) بمعني ((في))، أو هي للتبعيض، وقوله: ((من السواك)) بيان ل(«ما يفعل)). والله تعالى أعلم بالصواب . ١٦٢١- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالْأَعْمَشِ، وَحُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَاتِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ النِّيَّ وَِّ، كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد مضى في ٢/٢ ((باب السواك إذا قام من الليل))، وتقدم الكلام عليه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق . و(عمرو بن علي)) هو الفلّاس. و((عبد الرحمن)) هو ابن مهديّ. و((سفيان)) هو الثوري. و((حُصين)) هو ابن عبد الرحمن الكوفي. و((أبو وائل)) هو شقيق بن سلمة. ٣٣٥ ١١- ذِكْرُ الاختِلافِ عَلَی ابی خَصِین، ... - حديث رقم ١٦٢٣ والثلاثة الأولون بصريون، والباقون كوفيون . وقوله: ((يَشُوص فاه)) أي يدلك أسنانه، ويُنَقِّيها، وقيل: هو أن يستاك من سُفل إلى عُلو، وأصل الشوص الغَسْل. وتقدم تمام الكلام فيه في الباب المذكور . . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . ١٦٢٢- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلِ، يُحَدِّثُ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّ، إِذَا قَامَ مِنَّ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث حذيفة تَّه المذكور قبله، وفيه تصريح حصين بالسماع من أبي وائل . و((خالد)» هو بن الحارث، أبو عثمان الْهُجيمي البصري الثبت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١١- ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي حَصِينٍ، عُثْمَانَ بْنِ عَاصِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وجه الاختلاف فيه أن أبا سِنَان رواه عن أبي حَصين، عن شقيق، وهو أبو وائل، عن حُذيفة رضي اللَّه تعالى عنه، وخالفه إسرائيل، فرواه، عن أبي حَصين، عن شقيق قولَه، ولم يذكر فيه حذيفة رضي الله تعالى عنه . والذي يظهر لي أن كلا الطريقين لا يَصِحّان، لأن الحفاظ من أصحاب أبي وائل رووه عن حذيفة رَّه، من فعل النبي وَّر، لا من قوله، فقدرواه منصور، والأعمش، وحُصين بن عبد الرحمن، كلهم عن أبي وائل، عن حذيفة رضي اللّه تعالى عنه: ((كان رسول اللَّه ◌َ له إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)). وقد تقدم تخريج الطرُق كلها في الباب الثاني من ((أبواب الطهارة)) والله تعالى أعلم بالصواب . ٣٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ ١٦٢٣ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْحَقَ بْنِ سُلَیْمَانَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِالَسِّوَاكِ، إِذَا قُمْنَا مِنَ اللَّيْلِ . رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (عبيدالله بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٥/١٥. ٢- (إسحاق بن سليمان) الرازيّ، كوفي الأصل، أبو يحيى العبديّ، ثقة فاضل [٩]. روى عن مالك، وابن أبي ذئب، وأفلح بن حُميد، وأبي سِنَان، وغيرهم. وعنه قتيبة، وعمرو الناقد، وعبيدالله بن سعيد، وغيرهم. قال أبو أسامة: كنا نَستسقي به، وأثنى عليه أحمد. وقال أبو مسعود: يقال: كان من الأبدال. وقال محمد بن سعيد الأصبهانيّ: حدثنا إسحاق بن سليمان، وكان ثقة. وقال أبو الأزهر: كان من خيار المسلمين. وقال العجليّ: ثقة صالح. وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به. وقال النسائيّ: ثقة. وقال محمد بن سعد: كان ثقة، له فضل في نفسه، ووَرَعٌ، مات بالرَّيّ سنة (١٩٩). وقال أبو الحسين بن قانع: مات سنة (٢٠٠)، وقال ابن قانع: صالح. ووثقه ابن نمير، والحاكم، والخليليّ في ((الإرشاد))، وقال ابن وَضّاح الأندلسيّ: ثقة ثبت في الحديث، متعبّد كبير. وذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من ((الثقات))، وأرّخه سنة (٢٠٠). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا، و(١٧٩٤) حديث: ((من ثابر على اثنتي عشرة ركعة ... )) الحديث، وأعاده بعده (١٧٩٥)، و(٤٠٥٧) حديث: ((لا يحلّ دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث ... )) الحدیث . ٣- (أبو سِنَان) الشيبانيّ الأصغر، سعيد بن سِنَان البُرْجُيّ - بضم الموحّدة، والجيم، بينهما راء ساكنة- الكوفيّ نزيل الرّيّ، صدوق له أوهام [٦] . رَوَى عن طاوس، وأبي إسحاق السبيعيّ، وعمرو بن مرّة، وأبي حَصين، وغيرهم. وعنه الثوريّ، وابن المبارك، ووكيع، وإسحاق بن سليمان، وغيرهم. قال أبو طالب، عن أحمد: كان رجلاً صالحًا، ولم يكن يُقيم الحديث. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس بالقويّ في الحديث. وقال الدُّوريّ وغيره عن ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ جائز الحديث. وقال ابن سعد: كان من أهل الكوفة، ولكنه سكن الريّ، وكان سيّء الخلُق. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة من رُفَعَاء الناس. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان عابدًا فاضلاً. ووثقه يعقوب بن سفيان. وقال ابن عديّ: له غرائب، وأفرادات، وأرجو أنه ممن لا يتعمّد الكذب، ولعله إنما يِهَمُ في الشيء بعد الشيء. ١١- ذكرُ الاختلافِ علی ابی خصِین، ... - حديث رقم ١٦٢٤ = ٣٣٧ وقال الدارقطنيّ: سعيد بن سنان اثنان: أبو مهديّ حمصيّ يَضَع الحديث، وأبو سنان كوفيّ سكن الريّ من الثقات. روى له البخاري في ((جزء القراءة»، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . [تنبيه]: أبو سنان هذا هو الشيبانيّ الأصغر، كما مرّ آنفًا، ولهم أبو سنان الشيبانيّ الأكبر، واسمه ضِرَار بن مرّة الكوفيّ، ثقة ثبت، من السادسة، وسيأتي في ١٠٠٪ ٢٠٣٢، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٠٣٢ وأعاده برقم ٥٦٥٢ وحديث ٢٢١٣ وحديث ٥٤٤٢ . والله تعالى أعلم . ٤ - (أبو حَصين) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبت سنّيّ، وربما دلّس [٤]١٥٢/١٠٢. والباقيان تقدما في الباب الماضي، والحديث تقدّم أن الصحيح كونه من فعل النبيّ وَلثر، لا من قوله، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٦٢٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنَّا تُؤْمَرُ، إِذَا قُمْنَا مِنَ اللَّيْلِ، أَنْ نَشُوصَ أَفْوَاهَنَا بِالسِّوَاكِ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهَاوي، ثقة حافظ [١١] ٤٢/٣٨. ٢- (عُبيدالله) بن موسى بن باذام العَبْسيّ الكوفي، ثقة، يتشيّع [٩] ١٣٢٦/٧٢. ٣- (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفي، ثقة [٧] ١٠٠٦/٧٥. والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا الكلام على الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٣٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الَّيْلِ ١٢- بَابٌ بِأَيِّ شَيءٍ تُسْتَفْتَحُ صَلَاةُ الَّيْلِ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أنه لا حاجة لهذه الترجمة، لأنها تقدّمت قبل بابين، بلفظ: ((باب ذكر ما يُستفتح به القيام))، فكان الأولى للمصنف رحمه اللَّه تعالى أن يذكر حديثي الباب هناك، فإنهما من جملة أحاديثه، اللَّهم إلا إذا أراد أن الباب السابق معقود لما يقال قبل الدخول في الصلاة، وهذا الباب معقود لما يقال بعد الدخول فيها، لكن هذا يَرُدُّه الحديث الثاني، فإنه لما يقال قبل الدخول، بلا شكّ، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب . ١٦٢٥ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَخْتِى بَّنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ؟، قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِیلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحَكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ، فِیمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اللَّهُمَّ اهْدِي، لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ، مِنَ الْحَقِّ، إِنَّكَ تُهْدِي مَنْ تَشَاءُ، إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم)). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (العبّاس بن عبد العظيم) العَنْبَريّ البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [١١]١١٩/٩٦. ٢- (عُمر بن يونس) بن القاسم الحَنَّفيّ، أبو حفص اليماميّ الْجُرَشيّ، ثقة [٩]. روى عن أبيه، وعكرمة بن عمّار، وأيوب بن عُتبة، وغيرهم. وعنه ابن ابنه أحمد بن محمد بن عمر، وبُندار، والعباس بن عبد العظيم، وغيرهم. قال أحمد: ثقة، ولم أسمع منه. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال إسماعيل القاضي: حدثنا علي، هو ابن المدينيّ، حدثنا عُمر بن يونس اليماميّ، وكان ثقة ثبتًا. ووثقه البزار. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: يُتْقى حديثه من رواية ابن ابنه عنه، لأنه كان يقلب الأخبار. يقال: مات سنة (٢٠٦). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث رقم (٤١٨٣) . ٣- (عكرمة بن عمّار) اليماميّ البصريّ الأصل، صدوق يَغلط [٥]١٢٩٩/٥٧. والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم . ١٢ - بابٌّ بِأَيِّ شَيءٍ تُسْتَقْتَحُ صَلَةُ اللَّيْل - حديث رقم ١٦٢٥ ٣٣٩ لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل باليماميين إلى يحيى، غير شيخه، فبصري، والباقيان مدنيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رحمه الله تعالى، أنه (قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ، يَفْتَبِحُ صَلَاتَهُ؟) أي صلاة الليل (قَالَتْ: كَانَ) ◌ِ (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ) وفي رواية لأبي داود: ((كان إذا قام كبّر، ويقول))، وفيه أنه كان يقول ذلك بعد تكبيرة الإحرام . ولا منافاة بين هذا الحديث والأحاديث المتقدّمة، لأنه يحمل على أنه وَليو كان يفتتح تارة بهذا، وتارة بهذا . (قَالَ) جملةٌ في محل نصب على الحال، أي قائلًا («اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي مُبدعهما . قال النووي رحمه الله تعالی: قال العلماء: خضهم بالذکر، وإن کان الله تعالی ربّ كلّ المخلوقات، كما تقرّر (١) في القرآن والسنّة من نظائره، من الإضافة إلى كلّ عظيم المرتبة، وكبير الشأن، دون ما يُستَحقر، ويُستَصغر، فيقال له سبحانه وتعالى: رب السموات والأرض، رب العرش الكريم، ورب الملائكة والروح، رب المشرقين، ورب المغربين، ربّ الناس، مالك الناس، إله الناس، رب العالمين، ربّ كل شيء، رب النبيين، خالق السموات والأرض، فاطر السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلًا، فكلّ ذلك وشبهه وصف له سبحانه بدلائل العظمة، وعظيم القدرة، والملك، ولم يُستعمل ذلك فيما يُحتقر، ويُستصغر، فلا يقال: ربّ الحشرات، وخالق القِرَدّة، والخنازير، وشبه ذلك على الإفراد، وإنما يقال: خالق المخلوقات، وخالق كلّ شيء، وحينئذ تدخل هذه في العموم. والله تعالى أعلم انتهى(٢). قيل: إنما خصّ الثلاثة المذكورين من الملائكة بالذكر، تشريفا لهم، وتعظيما، إذ (١)- هكذا نسخة ((شرح مسلم)) للنوويّ ((كما تقرر)) بالكاف، ولعل الأوضح ((لما تقرر باللام، فتأمل. (٢)- ((شرح مسلم)) ج ٦ ص٥٦-٥٧ . ٣٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ بهم تنتظم أمور العباد، لأن جبريل كان موكّلا بالوحي، وإنزال الكتب السماوية على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتعليم الشرائع، وأحكام الدين، وميكائيل موكل بجميع القطر، والنبات، وأرزاق بني آدم وغيرهم. وإسرافيل موكّل باللوح المحفوظ، وهو الذي ينفخ في الصور(١). (عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي ما غاب عن العباد، وما شاهدوه، وظهر لهم (أَنْتَ تُكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ، فِيَمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي في الدنيا من أمر دينهم، فتعذّب العاصي، إن شئت، وتثيب الطائعينِ (اللَّهُمَّ اهْدِنِي) معناه ثبتني عليه، أو زدني هداية، كقوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْنَفِيمَ﴾ (لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ) بالبناء للمفعول (مِنَ الْحَقِّ) بيان لـ((ما)) (إِنَّكَ تُهْدِي مَنْ تَشَاءُ، إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))) أي طريق الحقّ، وهو دين الإسلام، وسمي صراطًا لأنه موصل للمقصود، كما أنّ الطريق الحسيّ كذلك. والجملة تعليل لطلب الهداية منه، أي لأنك تهدي من تشاء الخ .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له : أخرجه هنا-١٦٢٥/١٢- وفي ((الكبرى)) ١٣٢٢/٢٠- بالإسناد المذكور. والله تعالى أعلم . المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ١٨٥/٢ (د) ٧٦٧ (ت) ٣٤٢٠ (ق) ١٣٥٧. (أحمد) ١٥٦/٦ (ابن خزيمة)١١٥٣ . والله تعالى أعلم . المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما تُفتتح به صلاة الليل من الأذكار. ومنها: بيان أنه سير كان يدعو بهذا الدعاء، ونحوه في صلاة الليل، تواضعًا، وإشفاقًا، وليُقتَدَى به في الدعاء، والخضوع، وحسن التضرّع. ومنها: بيان شرف هؤلاء الملائكة، وأنهم أفضل من سائر الملائكة. ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يطلب من الله تعالى الهداية إلى طريق الحقّ، لأنه تعالى هو الهادي إلى ذلك. ومنها: أن الهداية بيد الله تعالى، لا أحد يَقدِر عليها، غيره سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ (١)-انظر ((المنهل)) ج٥ ص١٧٨.