النص المفهرس

صفحات 201-220

١٩- (قِيَامُ الإِمام فِي الْخُطْبةِ، مُتَوَكئاً ... - حديث رقم ١٥٧٥
٢٠١=
و((الخدمة)) بفتح الخاء المعجمة، والدال المهملة: الخلخال. والله تعالى أعلم.
ومنها: تقديم صلاة العيدين على الخطبة، وتقدّم في بابه. ومنها: عدم مشروعية
الأذان والإقامة للعيدين، وتقدم في بابه أيضًا. ومنها: ابتداء الخطبة بالحمد والثناء على
اللَّه تعالى. ومنها: الوعظ، والتذكير، والحثّ على الطاعة في الخطبة. ومنها:
استحباب وعظ النساء، وتعليمهنّ أحكام الإسلام، وتذكيرهنّ بما يجب عليهنّ. ومنها:
استحباب حثّهنّ على الصدقة، وتخصيصهنّ بذلك في مجلس منفرد، قيل: محلّ ذلك
إذا أُمنت الفتنة والمفسدة. ومنها: خروج النساء إلى المصلى. ومنها: جواز صدقة
المرأة من مالها من غير توقّف على إذن زوجها، أو على مقدار معيّن من مالها،
كالثلث، خلافا لبعض المالكية، ووجه الدلالة من القصّة ترك الاستفصال عن ذلك
کلّه.
قال القرطبيّ: ولا يقال في هذا: إن أزواجهنّ كانوا حُضُورًا، لأن ذلك لم يُنقل،
ولو نقل فليس فيه تسليم أزواجهنّ لهنّ ذلك، لأن من ثبت له الحقّ، فالأصل بقاؤه
حتى يصرّح بإسقاطه، ولم ينقل أن القوم صرّحوا بذلك انتهى .
وقال في ((الفتح)): وأما كونه من الثلث، فما دونه، فإن ثبت أنهنّ لا يجوز لهنّ
التصرّف فيما زاد على الثلث لم يكن في هذه القصّة ما يدلّ على جواز الزيادة انتهى .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عدم جواز تصرّفهنّ فيما زاد على الثلث مما لا دليل
عليه، بل حديث الباب ونحوه يردّ عليه، فتبصّر. والله تعالى أعلم .
ومنها: أن الصدقة من دوافع العذاب، لأنه أمرهنّ بالصدقة، ثم علّل بأنهنّ أكثر أهل
النار، لما يقع منهنّ من كفران النعم، وغير ذلك. ومنها: بذل النصيحة، والإغلاظ بها
لمن احتيج في حقّه إلى ذلك. ومنها: جواز طلب الصدقة من الأغنياء للمحتاجين، ولو
كان الطالب غير محتاج
قال في ((الفتح)): وأخذ منه الصوفية جواز ما اصطلحوا عليه من الطلب، ولا يخفى
ما يشترط فيه من أن المطلوب له أن يكون غير قادر على التكسّب مطلقًا، أو لما لا بدّ له
منه. انتهى .
ومنها: مراجعة المتعلّم لمعلّمه، والتابع لمتبوعه فيما لا يظهر له معناه. ومنها: ما
كان عليه النبي ◌ُّ من الخلق العظيم، والصفح الجميل، والرفق، والرأفة، زاده اللَّه
تشريفًا وتكريمًا. ومنها: ما كان عليه النساء المؤمنات في ذلك العصر من رفيع مقامهنّ
في الدين، وحرصهنّ على المبادرة إلى امتثال أمر الرسول وَلَه، حيث بَذَلْنَ ما يَعِزّ
عليهنّ من حليّهنّ مع ضيق الحال في ذلك الوقت، رضي اللَّه تعالى عنهنَّ. والله تعالى

٢٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢٠- اسْتِقْبَالُ الإِمَامِ النَّاسَ بِوَجْهِهِ
فِي الْخُطَبَةِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((استقبال الإمام الناس)): من إضافة المصدر
إلى الفاعل، ونصب المفعول، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ جَرِّهِ الَّذِي أُضِيفَ لَهْ كَمِّلْ بِرَفْعٍ أَوْ بِنَصْبٍ عَمَلَةْ
وقوله: ((بوجهه)) متعلّق بـ(استقبال))، وكذا قوله: ((في الخطبة)). والله تعالى أعلم
بالصواب .
١٥٧٦ - أخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ الْأَضْحَى إِلَى
الْمُصَلَّى، فَيُصَلِي بِالنَّاسِ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَسَلَّمَ، قَامَ، فَاسْتَقْبَلَ النَّاسَِ بِوَجْهِهِ،
وَالنَّاسُ جُلُوسٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ، يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ بَعْثًا، ذَكَّرَهُ لِلنَّاسِ، وَإِلَّا أَمَرَ النَّاسَ
بِالصَّدَقَةِ، قَالَ: ((تَصَدِّقُوا)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢- (عبد العزيز) بن محمد الدَّرَاوَزديّ المدني، صدوق، كان يحدّث من كتب
غيره، فيخطىء[٨] ٨٤/ ١٠١ .
٣- (داود) بن قيس الفرّاء الدباغ، القرشيّ، أبو سليمان المدني، ثقة فاضل[٥] ٩٦/
١٢٠ .
٤- (عياض بن عبد الله) بن سعد بن أبي سَرْح القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقة [٣]
٢٦ /١٤٠٨ .
٥- (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سِنَان الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللَّه
تعالى عنهما ٢٦٢/١٦٩ . والله تعالى أعلم.

٢٠٣
٢٠ - اسْتِقْبَالُ الإمَامِ النَّسَ بِوَجْهِهِ فِي الْخُطْبةِ - حديث رقم ١٥٧٦
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وعياض،
فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد رَظّه من المكثرين
السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيّ) رضي اللَّه تعالى عنه، وفي رواية عبد الرزاق، عن داود بن
قیس، عن عیاض، قال: سمعت أبا سعيد، وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق ابن وهب،
عن داود. قاله في ((الفتح)) (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ الْأَضْحَى إِلَى
الْمُصَلَّى) بصيغة اسم المفعول: هو موضع بالمدينة، معروف، بينه وبين باب المسجد ألف
ذراع. قاله عمر بن شَبّة في ((أخبار المدينة)) عن أبي غسّان الكنانيّ صاحب مالك(١).
قال النووي تَخّْثهُ: هذا دليل لمن قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى المصلّى،
وأنه أفضل من فعلها في المسجد، وعلى هذا عمل الناس في معظم الأمصار، وأما أهل
مكة، فلا يصلّونها إلا في المسجد من الزمن الأول، ولأصحابنا وجهان: أحدهما الصحراء
أفضل لهذا الحديث. والثاني -وهو الأصحّ عند أكثرهم- المسجد أفضل، إلا أن يضيق
قالوا: وإنما صلى أهل مكة في المسجد لسعته، وإنما خرج النبي ◌َّ إلى المصلى لضيق
المسجد، فدلّ على أن المسجد أفضل إذا اتسع. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول الأول هو الصواب؛ لهذا الحديث، إذ لو كان
المسجد أفضل لبينه النبي وَله، وعَلَّلَ خروجه بضيق المسجد، فتبصر. والله تعالى أعلم.
(فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ) وفي الرواية الآتية -١٥٧٩/٢٣- ((كان يخرج يوم العيد، فيصلي
ركعتين ... )) (فَإِذَا جَلَسَ فِي الثَّانِيَةِ) أي في آخر الركعة الثانية (وَسَلَّمَ) أي بعد قراءة
التشهد، وما يتبعه (قَامَ، فَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ) هذا محل الترجمة، ففيه استحباب
استقبال الإمام الناس حال الخطبة (وَالنَّاسُ جُلُوسٌ) ولفظ البخاري: ((والناس جلوس
على صفوفهم، فيعظهم، ويوصيهم، ويأمرهم ... )) (فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ، يُرِيدُ) الظاهر
أنه بتقدير حرف مصدريّ خبر لمحذوف، أي هو أن يريد الخ، فتكون الجملة تفسيرًا
للحاجة، ويحتمل أن يكون بتقدير عاطف، أي أو يريد الخ، ويؤيده ما يأتي من طريق
(١)- (فتح) ج٣ ص ١٢٥ .
(٢)- ((شرح مسلم)) ج٦ ص ١٧٧ .

٢٠٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْن
يحيى القطان، عن داود بن قيس، ولفظه: «فإن كانت له حاجة، أو أراد أن يبعث بعثًا
تكلّم، وإلا رجع))، ولفظ مسلم: ((فإن كانت له حاجة ببعث ذكره للناس، أو كانت له
حاجة بغير ذلك أمرهم بها)) (أَنْ يَبْعَثَ بَعْثًا) في تأويل المصدر مفعول (يريد))، أي يخرج
طائفة من الجيش إلى جهة من الجهات (ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ) أي عيّن ذلك الجيش، وبيّه
للناس (وَإِلَّا) أي وإن لم يُرد بعثَ الجيش (أَمَرَ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ) وقوله (قَالَ) تفسير
((أمر)) (تَصَدَّقُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ولفظ مسلم: ((وكان يقول: تصدقوا، تصدّقوا، تصدّقوا))
(فَكَانَ مِنْ أَكْثَرٍ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ) بالرفع اسم ((كان)» مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور
قبله، يعني أن أكثر الناس صدقةً في ذلك الوقت النساء، وفيه بيان فضلهنّ حیث بادرن
بامتثال أمر الرسول والتر .
زاد في رواية الشيخين قصة لأبي سعيد رَ ، ولفظ البخاري: قال أبو سعيد: فلم
يزل الناس على ذلك حتى خرجتُ مع مروان -وهو أمير المدينة- في أضحى، أو فطر،
فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كَثير بن الصَّلْت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي،
فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع، فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيّرتم واللَّه، فقال:
أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم واللَّهِ خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم
يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة. انتهى .
ولفظ مسلم: فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم، فخرجت مخاصرًا
مروان(١) حتى أتينا المصلى، فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبرًا من طين ولبِنٍ، فإذا
مروان ينازعني يَدَهُ كأنه يجرّني نحو المنبر، وأنا أجرّه نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك
منه، قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا، يا أبا سعيد قد تُرك ما تعلم، قلت: كلّا
والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم، ثلاث مرار، ثم انصرف(٢). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعد الخدري رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق
عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٥٧٦/٢٠ - وفي ((الكبرى))١٧٨٥/٢٠ - بالإسناد المذكور، وفي ٢٣/
(١)- أي مماشیًا له، يده في يدي. اهـ شره النووي.
(٢)- أي رجع أبو سعيد عن جهة المنبر إلى جهة الصلاة، وليس معناه أنه انصرف من المصلى، وترك
الصلاة معه، بل في رواية البخاريّ أنه صلى معه، وكلّمه في ذلك بعد الصلاة، وهذا يدل على
صحة الصلاة بعد الخطبة، ولو لا صحتها كذلك لما صلاها معه. اهـ ((شرح مسلم)) ج٦ ص١٧٨ .

٢١- الإنصاتُ لِلخُطبة - حديث رقم ١٥٧٧
٢٠٥ ==
١٥٧٩ - و((الكبرى)» ١٨٠١/٣٣- عن عمرو الفلاس، عن يحيى القطان، عن داود ابن
قيس به. والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٢٢ (م) ٣/ ٢٠ (ق) ١٢٨٨ (أحمد)٣١/٣ و٣٦/٣ و٤٢/٣ و٥٤/٣
و٥٦/٣ (ابن خزيمة) ١٤٣ و١٤٤٥. والله تعالى أعلم .
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف وكثّلهُ، وهو مشروعية اسقبال الإمام الناس بوجهه في
حال الخطبة. ومنها: استحباب الخروج إلى الصحراء للعيد. ومنها: مشروعية بَعْثُ
الإمام الجيشَ في الخطبة. ومنها: أَمرُ الناسِ بالتصدّق، والتأكيدُ في ذلك. ومنها: كثرة
استجابة النساء لأمر النبي و ير بالصدقة، وشدة حرصهنّ في ذلك. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب» .
٢١- الإِنْصَاتُ لِلْخُطْبَةِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أخذ المصنف رحمه اللّه تعالى من إطلاق قوله:
((والإمام يخطب)) شموله لخطبة العيد، لكن يرد عليه ما تقدّم من التخيير بين الجلوس
للاستماع، والذهاب إلى حاجته، وقد جمع السندي في ((شرحه)) بما حاصله: أنه لا
تنافي بينهما، لجواز وجوب الاستماع، وعدم جواز الكلام لمن أقام .
قلت: الذي يظهر لي أن المطلق هنا محمول على المقيّد في حديث: ((إذا قلت
لصاحبك أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت))، كما سبق في ((الجمعة))
فالمراد خطبة الجمعة؛ لأن مخرج الحديث واحد، فيحمل على أن بعض الرواة
اختصره .
والحاصل أن الخطبة التي يجب الإنصات لها هي خطبة الجمعة، وأما غيرها فليس
على وجوب الإنصات لها دليل صريح. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٥٧٧- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ -

٢٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَئِّبِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِّ ◌ِ﴿ قَال:َ)) إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِثْ، وَالْإِهَاَمُ يَخْطُبُ، فَقَدْ
لَغَوْتَ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم في ((باب
الإنصات للخطبة يوم الجمعة)) [١٤٠١/٢٢ و١٤٠٢] وتقدم الكلام عليه هناك
مستوفّى، فراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
٢٢- (كَيْفَ الْخُطْبَةُ؟)
١٥٧٨ - أَخْبَرَنَا عُثْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ
مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ،
يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ، ((مَنْ يُهْدِهِ اللَّهُ فَلَامُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ
فَلَا هَادِيَ لَهُ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَخْسَنَ الْهَذِي هَذْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ
مُحْدَثَاتًا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِذْعَةٌ، وَكُلُّ بِذْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَّلَالَةٍ فِي النَّارِ))، ثُمَّ يَقُولُ:
بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْتَتَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ
غَضَبُهُ، كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ، مَسَّاكُمْ، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ،
وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَا، أَوْ ضَيََّعًا، فَإِلَيَّ، أَوْ عَلَيَّ، وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ)) .
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (عُتبة بن عبد الله) بن عُتبة اليُحمِديّ، أبو عبد الله المروزيّ، صدوق [١٠] ٨١/
٩٨ .
٢- (ابن المبارك) عبد اللّه الإمام الحافظ الحجة [٨]٣٦/٣٢.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الثبت الحجة [٧]٣٧/٣٣.
٤- (جعفر بن محمد) الصادق، أبو عبد الله المدني، صدوق فقيه إمام [٦]٢٣/
١٨٢ .
٥- (محمد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب الباقر، أبو جعفر المدني،

٢٠٧
٢٢- (كَيْتَ الْخُطبة؟) - حديث رقم ١٥٧٨
ثقة فاضل [٤] ١٢٣ / ١٨٢.
٦- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام رضي اللَّه تعالى عنهما المذكور قبل بابين.
والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من
جعفر، وسفيان كوفيّ، والباقيان مروزيّان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه
جابر رَّيه من المكثرين السبعة، كما تقدّم قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، يَقُولُ
فِي خُطْبَتِهِ) الظاهر أن مقول القول ((من يهده اللَّه الخ))، وجملة قوله: (يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي
عَلَّيْهِ، بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) في محل نصب على الحال معترضة بين القول ومقوله، وقوله (ثُمَّ
يَقُولُ) مؤكد ل((يقول)» السابق، ووقوع مثل هذا التأكيد واقع في فصيح الكلام، كما في
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِعُونَ عَلَى
الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِئٍّ﴾ الآية، فجواب ﴿لِّمَا﴾ قوله: ﴿كَفَرُواْ
بٍِ﴾ وكرر ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ تأكيدًا لطول الفصل (مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ) بإثبات الضمير
المنصوب، وفي نسخة بحذفه، أي من يوفّقه اللَّه لاتباع طريق الحقّ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) من
شيطان، أو نفس، أو غير ذلك (وَمَنْ يُضْلِلْهُ) بضم الياء، من الإضلال، أي من يُزغه
عن اتباع الحقّ (فَلَا هَادِيَ لَهُ) أي لا أحد يَهَديه إلى اتباع الحقّ، لا من جهة العقل، ولا
من جهة النقل، ولا من جهة أحد من الخلق (إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ) وفي رواية
مسلم ((فإن خير الحديث كتاب اللَّه)) (وَأَحْسَنَ الْهَذِي هَذْيُ مُحَمَّدٍ) بََّ، قال النووي
رَكّْلهُ: هو بضم الهاء، وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء، وإسكان الدال أيضًا، ضبطناه
بالوجهين، وكذا ذكره جماعة بالوجهين، وقال القاضي عياض: رويناه في مسلم بالضمّ،
وفي غيره بالفتح، وبالفتح ذكره الهرويّ، وفسّره الهرويّ على رواية الفتح بالطريق، أي
أحسنُ الطرق طريقُ محمد بَّر، يقال: فلانٌ حسن الهدي، أي الطريقة، والمذهبٍ،
((اهتدوا بهدي عَمّار))(١).
وأما على رواية الضمّ، فمعناه الدلالة، والإرشاد .
(١)- رواه أحمده/ ٣٩٩ والترمذي ٣٨٠٧ من حديث ابن مسعود رَ.

٢٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْن
قال العلماء: لفظ الهدى له معنيان: [أحدهما]: بمعنى الدلالة والإرشاد، وهو الذي
يضاف إلى الرسل، والقرآن، والعباد، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]
و﴿هُدَّى لِلْمُنَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]،
أي بيّا لهم الطريق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، ﴿وَهَدَيْنَهُ
التَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].
[والثاني]: بمعنى اللطف، والتوفيق، والعصمة، والتأييد، وهو الذي تفرّد اللَّه تعالى
به، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ الآية
[القصص: ٥٦]. وقالت القدرية حيث جاء الهدى، فهو للبيان، بناءً على أصلهم الفاسد
في إنكار القدر، ورد عليهم أصحابنا وغيرهم من أهل الحقّ، مثبتي القدر لله تعالى
بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَةٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]،
ففرّق بين الدعاء والهداية انتهى كلام النوويّ رحمه اللَّه تعالى(١).
(وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتًا) قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: ((المحدثات) بفتح الدال جمع
محدثة، والمراد بها ما أُحدث، وليس له أصل في الشرع، ويُسمّى في عرف الشرع
((بدعةٌ))، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع، فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع
مذمومة، بخلاف اللغة، فإن كلّ شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعةً، سواء كان
محمودًا، أو مذمومًا، وكذا القول في المحدثة، وفي الأمر المحدث الذي ورد في
حديث عائشة تحديثها: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد)) انتهى كلام
الحافظ رحمه الله تعالى(٢).
وقال القرطبي رحمه اللّه تعالى: يعني المحدثات التي ليس لها في الشريعة أصل
يشهد لها بالصحّة والجواز، وهي المسمّاة بالبِدَعِ، ولذلك حُكم عليها بأنّ كلّ بدعة
ضلالة، وحقيقة البدعة: ما ابتدىء، وافتتح من غير أصل شرعيّ، وهي التي قال فيها
وَ الحجر: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد))(٣). انتهى كلام القرطبي رحمه الله
تعالى(٤). وقال السندي ◌َّهُ: والمراد المحدثات في الدين، وعلى هذا فقوله: ((وكلّ
(٥)
بدعة ضلالة)) على عمومه انتهى
.
(١)- ((شرح مسلم)) ج٦ ص ١٥٤.
(٢)- ((فتح)) ج١٣ ص٢٦٦ -٢٦٧ طبعة دار الريان.
(٣)- متفق عليه.
(٤)- ((المفهم)) ج٢ ص٥٠٨ .
(٥)- ((شرح السندي)) ج٣ص١٨٩ .

٢٠٩
٢٢- (كَيفَ الْخُطبة؟) - حديث رقم ١٥٧٨
(وَكُلُّ مُخْدَثَةٍ بِذْعَةٌ) أي كل خصلة مُنشَأَةٍ، وفي نسخة ((وكل مُحدَث)) أي وكل أمر
مُنَشىءٍ بعد كمال الدين بدعةٌ -بكسر، فسكون- وهي -كما قال المجد اللغوي رحمه
اللَّه تعالى -: الحَدَث في الدين بعد الإكمال، أو ما استُحدِثَ بعد النبيِ وَّه من
الأهواء، والأعمال.(١).
وقال الفيّومي رحمه اللّه تعالى: أبدع اللَّه الخلق إبداعا: خلقهم، لا مثال،
وأبدعت، الشيء، وابتدعته: استخرجته، وأحدثته، ومنه قيل للحالة المخالفة: بِذْعَة،
وهي اسم من الابتداع، كالرِّفْعَة، من الارتفاع، ثمّ غلب استعمالها فيماهو نقص في
الدين، أو زيادة، لكن قد يكون بعضها غير مكروه، فيسمّى بدعة مباحة، وهو مصلحة،
يندفع بها مفسدة، كاحتجاب الخليفة عن أَخْلاطِ الناس انتهى(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن البدعة لغةً اسم لما أُحدث بعد أن لم
يكن، سواء كان دينيّا، أو غير ديني، وأما في الشرع، فهي اسم لما أُحدِثَ في الدين
مما لا يدلّ عليه دليل شرعي من كتاب، أو سنّة، أو إجماع، فالبدعة الشرعية أخصّ من
اللغوية، فكلّ بدعة شرعية لغويةٌ، ولا عكس .
والحاصل أن كلّ ما أُحدث في الدين بعد ما أخبر اللَّه تعالى بكماله، حيث قال:
﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَنْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]،
وليس له أصل في الشرع، فهو بدعة ينطبق عليه حديثُ الباب، وحديثُ عائشة رَّها ،
عن النبي ◌َّ -فيما أخرجه الشيخان -: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهورد)).
فلا يُستثنى من قوله: ((كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) شيء، وأما ما اشتهر من
تقسيم الشافعي رحمه الله تعالى، وغيره البدعة إلى محمودة، ومذمومة فإنما هو للبدعة
اللغوية، وهي كلّ ما أُحدث، سواء كان دينيًا، أو غيره، فكلّ ما أحدث وله أصل في
الشرع، فهو محمود، وما لا أصل له فهو مذموم. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة
الخامسة، إن شاء الله تعالى .
(وَكُلُّ بِذْعَةٍ ضَلَالَةٌ) الضلالة كالضلال، مصدر ضلّ، من باب ضرب، وله مصادر
أخرى في ((ق))، قال الراغب الأصفهاني: الضلالُ العدولُ عن الطريق المستقيم،
ويُضادّه الهداية، قال تعالى: ﴿مَّنِ أُهْتَدَىْ فَإِنَّمَا يَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاً﴾
الآية [الإسراء: ١٥] ويقال: الضلال لكلّ عدول عن المنهج، عمدًا كان، أو سهوًا،
يسيرًا كان، أو كثيرًا، فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صعبٌ جدًّا .
(١)- راجع ((القاموس)).
(٢) - راجع ((المصباح)).

٢١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
قال: ولكون الضلال تركَ الطريق المستقيم عمدًا كان، أو سهوا، قليلًا كان، أو
كثيرًا صحّ أن يُستَعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأ مّا، ولذلك نُسب الضلال إلى
الأنبياء، وإلى الكفّار، وإن كان بين الضلالين بَوْنٌ بَعِيد، ألا ترى إلى قول الله تعالى في
النبيِ وَلّ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾، أي غير مهتد لما سِيقَ لك من النبوة، وقال موسى
◌ِ لَِّمُ: ﴿قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] تنبيهًا على أن ذلك منه سهو.
انتهى كلام الراغب باختصار .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: المراد هنا العمدُ الذي يكون سببا للعدول عن منهج
الهدى، بدليل الوعيد في قوله (وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) وهو على حذف مضاف، أي كلّ
أصحاب الضلالة في النار، وهذه الجملة زائدة في رواية المصنف من طريق عبد الله بن
المبارك، وليست في ((صحيح مسلم))، وغيره، وهي زيادة صحيحة .
(ثُمَّ يَقُولُ) وَ (بُعِثْتُ) بالبناء للمفعول (أَنَا) ضمير رفع منفصل ذُكر توكيدًا للمتصل،
كما قال في ((الخلاصة)) :
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعٍ مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
(وَالسَّاعَةُ) قال النووي رحمه اللّه تعالى: رُوي بنصبها، ورفعها، والمشهور نصبها
على المفعول معه انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قيّدناه بالفتح، والضمّ، فأما
الفتح: فهو على المفعول معه، والرفع على أنه معطوف على التاء في ((بُعِثتُ))، وفُصل
بينهما بـ «أنا» توكيدًا للضمير، على ما هو الأحسن عند النحويين، وقد اختار بعضهم
النصب، بناءً على أن التشبيه وقع بملاصقة الأصبعين، واتصالهما، واختار آخرون
الرفعَ، بناءً على أن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما، ويعني أن ما بين زمان
النبي ◌َّر، وقيام الساعة قريبٌ، كقرب السبّابة من الوسطى، وهذا أوقع. والله أعلم.
وقد جاء من حديث سهل رَّه، عنه وَ لَّهِ أنه قال: ((سَبَقْتُهَا بما سَبَقَتْ هذه هذه))(١)،
يعني الوُسطى والسبّابة انتهى كلام القرطبي رحمه اللَّه تعالى(٢).
(كَهَاتَيْنِ) زاد في رواية مسلم: ((ويقرُنُ بين إصبعيه السبابة والوسطى))، فالإشارة في
قوله: ((كهاتين)) إلى الإصبعين المذكورتين. قال السنديّ تَخّْلهُ: التشبيه في المقارنة
بينهما، أي ليس بينهما إصبع أخرى، كما أنه لا نبيّ بينه بَّه وبين الساعة، أو في قلّة
التفاوت بينهما، فإن الوسطى تزيد على المسبحة بقليل، فكأن ما بينه وَ لو وبين الساعة
(١)- رواه الترمذي من حديث المستورد بن شدّاد رقم ٢٢١٣ .
(٢)- (المفهم) ج٢ ص ٥٠٦-٥٠٧ .

٢١١
٢٢- (كَيْفَ الْخُطبة؟) - حديث رقم ١٥٧٨
في القلّة قدرُ زيادة الوسطى على المسبحة انتهى (١).
(وَكَانَ) فِّرِ (إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ) ولفظ مسلم: ((احمرّت عيناه)). قال
الفيّوميّ ◌َخّْلهُ: ((الوجنة)) من الإنسان: ما ارتفع من لحم خدّه، والأشهر فتح الواو،
وحكي التثليث، والجمع وجَنَات، مثلُ سَجْدَة، وسَجَدَات انتهى. وقال المجد ◌َخْذَتْهُ:
((الوجنة)) مثلثةً، وككَلِمَة، ومحرّكَةً، والأجْنَة مثلثةً: ما ارتفع من الخدّ انتهى .
(وَعَلَا أي ارتفع (صَوْتُهُ) بالرفع على الفاعلية (وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ) إنما يفعل النبي وَل
ذلك لإزالة الغفلة من قلوب الناس، ليتمكّن فيها كلامُهُ وَ لَّ فضلَ تمكّن، أو لأنه يتوجّه
فكره إلى الموعظة، فيظهر عليه آثار الهيبة الإلهيّة .
واسْتُدلّ به على أنه يستحبّ للخطيب أن يفخّم أمر الخطبة، ويرفع صوته ويُجزل
كلامه، ويكون مطابقًا للفصل الذي يتكلّم فيه، من ترغيب، أو ترهيب. ولعلّ اشتداد
غضبه وَ ﴿ كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا، وتحديده خَطْبًا جسيمًا(٢).
(كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ) ولفظ مسلم ((منذر جيش))، و((النذير)) فَعيل بمعنى مُفعِل، ومنذر
الجيش هو الذي يجيء القومَ مخبرًا لهم بما قد دَهَمَم، من عدوّ، أو غيره. يعني صفته
وَلِ ◌ّ في حال الخطبة والموعظة كصفة من يُنذر قومًا بقرب جيش عظيم قَصَدَ الإغارةَ
عليهم، فالضمير في قوله (يَقُولُ) للمنذر، والجملة صفته وقوله (صَبَّحَكُمْ) بتشديد
الباء، وفاعله ضمير يعود إلى العدوّ المُنذَر منه، والضمير المنصوب يعود إلى
المُنذَرِين، أي نَزَل بكم العدوّ وقت الصباح، والمراد أنه سينزل، وصيغة الماضي
للتحقق .
مَثَّلَ حالَ الرسول وَّر في خطبته، وإنذاره بمجيء القيامة، وقرب وقوعها، وتَهَالُك
الناس فيما يُزْدِيهم بحال من يُنذر قومَه عند غفلتهم بجيش قريب منهم، يقصد اجتياحهم
بَغْتَةً، من كلّ جانب، فكما أن المنذِر يرفع صوته، وتحمرّ وَجنتاه، ويشتدّ غضبه على
تغافلهم، كذلك حال رسول اللَّهُ وَّله، ونظيره ما رُوي أنه لما نزل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
اٌلْأَقْرَينَ﴾، صَعِدَ الصفا، فجعل ينادي، يا بني فهر، يا بني عديّ ... الحديث
(مَسَّاكُمْ) بتشديد السين، مثل ((صبحكم))، ورواية المصنف ((مسّاكم)) بدون عاطف،
والمعنى أتاكم إما صباحًا، وإما مساءً، ولفظ مسلم ((ومسّاكم)). بواو العطف .
ويحتمل أن يكون ضمير (يقول)) للنبي ◌َ لتر، والجملة حال، وضمير ((صبحكم))،
و((مسّاكم)) للعذاب المفهوم من ذكر الساعة، والمراد أنه قريب منكم إن لم تطيعوني .
(١)- ((شرح السندي)) ج ٣ص١٨٩.
(٢)- ((شرح مسلم)) ج٦ ص ١٥٥ - ١٥٦ ..

٢١٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
(ثُمَّ قَالَ) وَلِ (مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلأَهْلِهِ) أي فماله موروث لأهله (وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا)
هو بالفتح: الهلاك، ثم سمّي به كل ما هو بصدد أن يضيع لو لم يقم أحد بأمره،
كالأطفال .
وقال القرطبيّ: ((والضَّيَاع)) العيال، قاله النضر بن شُميل، وقال ابن قتيبة: هو مصدر
ضاع، يَضيع، ضَيَاعًا، ومثله مَضَى يَمضي، مَضَاءٌ، وقَضَى يَقضي، قَضَاء، أراد: من
ترك عيالًا، عالة، أو أطفالًا، فجاء بالمصدر موضع الاسم، كما تقول ترك فَقْرًا، أي
فُقَراء، والضّيَاعِ بالكسر جمع ضائع، مثل جائع وجياع، وضَيعَةُ الرجل أيضًا ما يكون منه
معاشه، من صِنَاعة، أو غلّة، قاله الأزهريّ، وقال شَمِر: ويدخل فيه التجارة،
والحرفة، يقال: ما ضيعتك؟ فتقول كذا (١) (فَإِلَيَّ) أي أمره إليّ (أَوْ عَلَيَّ) أي إصلاحه
عليّ، ولفظ مسلم ((وعليّ)) بالواو (وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ) ولفظ الرواية الآتية في ((الجنائز))
٦٧ /١٩٦٢ -: ((أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه))، وهو الذي لمسلم. وفي حديث أبي
هريرة الآتي في «الجنائز))-٦٧ /١٩٦٣ - ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم)). وهذه الجملة
-أعني ((أنا أولى الخ))- وقعت عند مسلم، وكذا عند المصنف في ((الجنائز))، مقدمةً
على قوله: ((من ترك الخ))، فلذا جعل القرطبي قوله: ((من ترك)» مُفَسِّرًا لقوله: ((أنا
أولی»، ونصه:
وقوله: ((أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه)) أي أقرب له من نفسه، أو أحقّ به منها، ثم
فسّر وجهه بقوله: ((من ترك مالًا، فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعًا فإليّ، وعليّ)).
وبيانه أنه إذا ترك دينا، أو ضياعًا، ولم يقدر على أن يُخلّص نفسه منه، إذ لم يترك
شيئًا، يسد به ذلك، ثم يخلصه النبي پێ بقيامه به عنه، أو سدّ ضیعته كان أولی به من
نفسه، إذ قد فعل معه ما لم يفعل هو بنفسه. والله تعالى أعلم .
وأما رواية من رواه: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم)) في غير الأصل(٢)، فيحتمل أن
يُحمّل على ذلك، ويحتمل أن يكون معناه: أنا أولى بالمؤمنين من بعضهم لبعض، كما
قال تعالى: ﴿أَنِ اُقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] أي ليقتل بعضكم بعضًا في أشهر أقوال
المفسّرين انتهى .
وقال النووي رحمه اللّه تعالى: قوله: ((أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه)) هو موافق لقول
الله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾، أي أحقّ، قال أصحابنا: لو اضطرّ
النبي وَلهول إلى طعام غيره، ومالكه مضطرّ إليه لنفسه كان له ولو أخذه من مالكه المضطرّ،
(١)- ((المفهم» ج٢ ص ٥٠٩ .
(٢)- أي في غير ((صحيح مسلم)) لأنه أصل كتاب القرطبي، حيث اختصر كتابه منه.

٢٢- (کیفَ الخُطبق؟) - حدیث رقم ١٥٧٨
٢١٣ ==
ووجب على مالكه بذله له و لر، قالوا: ولكن هذا - وإن كان جائزًا- لم يقع انتهى (١).
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: وهذا الكلام إنما قاله النبي وَّ حين رَفَع ما كان
قرّره من امتناعه من الصلاة على من مات، وعليه دين، لم يترك وفاء، كما قاله أبو
هريرة ◌َّ: كان النبي وََّ يُؤْتَى بالميت، عليه الدين، فَيَسألُ: ((هل ترك لدينه
وفاء؟))، فإن قيل: إنه ترك وفاءً صلى عليه، وإن قالوا: لا، قال: ((صلّوا على
صاحبكم))، قال: فلما فتح اللّه عليه الفتوح قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من
تُوفّي، فترك دينًا، فعليّ، ومن ترك مالًا فلورثته))(٢).
قال القاضي: وهذا مما يلزم الأئمة من الفرض في مال اللَّه تعالى للذرّيّة، وأهل
الحاجة، والقيام بهم، وقضاء ديون محتاجهم انتهى كلام القرطبي رحمه اللَّه تعالى(٣).
ونقل السيوطيّ عن القاضي عياض رحمهما اللَّه، أنه قال: اختلف الشارحون في معنى
هذا الحديث، فذهب بعضهم إلى أنه ناسخ لتركه الصلاة على من مات، وعليه دين،
وقوله: ((صلّوا على صاحبكم))، وأن النبي ◌َّلإر تكفّل بديون أمته، والقيام بمن تركوه،
وهو معنى قوله هذا عنده .
وقيل: ليس بمعنى الحمالة، لكنه بمعنى الوعد بأنّ اللَّه تعالى يُنجز له، ولأمته ما
وعدهم من فتح البلاد، وكنوز كسرى، وقيصر، فيقضي منها ديون من عليه دين
(٤)
انتھی (٤) .
وقال النووي تَخْذُثّهُ: قال أصحابنا: وكان النبي وَّر لا يصلي على من مات، وعليه
دين، لم يَخلُف به وفاءً، لئلا يتساهل الناس في الاستدانة، ويُهُملوا الوفاء، فزجرهم
عن ذلك بترك الصلاة عليهم، فلما فتح اللَّه على المسلمين مبادىء الفتوح، قال مليار:
((من ترك دينا، فعلي قضاؤه))، فكان يقضيه، واختَلَف أصحابنا، هل كان النبي وَّ
يجب عليه قضاء ذلك الدين، أم كان يقضيه تكرّمًا، والأصحّ عندهم أنه كان واجبًا عليه
وَل﴿، واختُلف هل هذه من الخصائص، أم لا؟ فقال بعضهم: هو من خصائص رسول
اللَّهِ وَ له، وقيل: لا، بل يلزم الإمام أن يقضي من بيت المال دينَ من مات، وعليه دين،
إذا لم يخلُّف وفاء، وكان في بيت المال سَعَة، ولم يكن هناك أهمّ منه انتهى(٥) .
(١) - ((شرح مسلم)) بتصرف ج٦ ص ١٥٥ .
(٢)- متفق عليه، ويأتي للمصنف برقم ١٩٦٢/٦٧.
(٣)- ((المفهم)) ج ٢ ص ٥١٠ .
(٤) - راجع ((زهر الربى)) ج٣ ص١٨٩ - ١٩٠ .
(٥)- ((شرح مسلم) ج٦ ص١٥٥ .

٢١٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إيجابه على الإمام يحتاج إلى دليل، ولا يكفي مجرّد
فعل النبي وَيهر حجةً على الإيجاب عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-١٥٧٨/٢٢- وفي ((الكبرى)) ١٧٨٦/٢١- بالإسناد المذكور، وفي
١٣١١/٦٥- عن عمرو الفَلّاس، عن يحيى القطان، عن جعفر بن محمد به، مختصرًا:
((كان يقول في صلاته بعد التشهد بلفظ: «أحسنُ الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي
محمد رَّير)). وفي ١٩٦٢/٦٧ - و((الكبرى))٢٠٨٩/٦٧ -عن نوح بن حبيب، عن
عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عنه مقتصرًا على قصة ترك
الصلاة على من عليه دين. والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (م) ١١/٣ (د) ٢٩٥٤ (ق) ٢٤١٦ (أحمد)٣٣٧/٣ و٣٧١/٣ (ابن
خزيمة). ١٧٨٥ والله تعالى أعلم .
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كيفيّة الخطبة. ومنها:
استحباب الحمد والثناء على الله تعالى بما هو أهله في الخطبة. ومنها: أن الهداية
والإضلال من اللَّه تعالى، لا يقدر عليهما أحد من الخلق. ومنها: أن كتاب اللّه أصدق
الحديث، وأحسنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَفُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] وقال:
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]. ومنها: أن كلّ بدعة ضلالة توقع صاحبها
في النار، والمراد بها البدعة الشرعية، فكلّ من ابتدع في الدين، فقد عرّض نفسه للنار.
ومنها: بيان قرب الساعة، وأن بعثة النبي وَلّر من علاماتها. ومنها: أنه ينبغي للخطيب
أن يخطب بقوّة حتى يؤثّر وعظه في قلوب المستمعين. ومنها: كون النبي ◌َّ أولى بكلّ
مؤمن من نفسه، فكان يقوم لأمته بما لا يستطيعون القيام به، من قضاء الديون التي
عجزوا عنها، وكفالة عيالهم بعد موتهم، وأنه يجب على كل مؤمن أن يقدّمه موح له على
نفسه، فلا يخرج عن سنته، وإن لم يوافق هواه، ولا يجوز له أن يبتدع في شريعته ما
ليس منها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: قوله: ((كلّ بدعة ضلالة الخ)) تقدم أنه عامّ لا يخصّص منه شيء،

٢١٥ =
٢٢- (كَفَ الْخُطْبة؟) - حديث رقم ١٥٧٨
لأن المراد به البدعة الشرعية، وهي التي أحدثت في الدين بعد كماله، ولا يشهد لها
كتاب، ولا سنة، ولا إجماع .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ((قوله: فإن كل بدعة ضلالة))، بعد قوله: ((وإياكم
ومحدثات الأمور))، فإنه يدلّ على أن المحدث يسمّى بدعةً، وقوله: ((وكل بدعة
ضلالة)) قاعدة شرعيّة كليّة بمنطوقها ومفهومها، أما منطوقها فكأن يُقال: حكم كذا
بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، فلا تكون من الشرع، لأن الشرع كله هُدى، فإن ثبت أن
الحكم المذكور بدعة صحت المقدّمتان، وأنتجتا المطلوب. والمراد بقوله: ((كل بدعة
ضلالة)) ما أُحدث، ولا دليل له من الشرع بطريق خاصّ، ولا عامّ انتهى(١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((منهاج السنة)): إنما سماها عمر
رَّيه -يعني صلاة التروايح- بدعةً، لأن ما فُعل ابتداء بدعةٌ لغويةٌ، وليس ذلك بدعة
شرعيّة، فإن البدعة الشرعيّة التي هي ضلالة ما فُعل بغير دليل شرعيّ، كاستحباب ما لم
يحبّه الله، وإيجاب ما لم يوجبه الله، وتحريم ما لم يحرّمه اللَّه، وبه يندفع ما يقال: إن
قول عمر: رَالثّه ((نعمت البدعة)) مخالف لحديث: ((كلُّ بدعة ضلاة)) بأن المراد بالبدعة
في الكلية البدعة الشرعيّة، والوصف بالحسن للبدعة اللغوية. وقال أيضًا: وفي وصفها
بـ(نعمت)) إشارة إلى أن أصلها سنة، وليست ببدعة شرعية حتى تكون ضلالة، بل بدعة
لغوية، وهي حسنة، وقد تعتريها الأحكام الخمسة، والبدعة الشرعيّة ما ليس لها أصل
في الشرع، فلا تكون إلا سيّئة انتهى(٢).
ونقل الحافظ رحمه اللّه تعالى في ((الفتح))، عن الشافعي ◌َخَّتُهُ، أنه قال: البدعة
بدعتان: محمودة، ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالفها فهو مذموم.
أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي، وجاء عن الشافعي
أيضًا ما أخرجه البيهقيّ في ((مناقبه))، قال: المحدثات ضربان: ما أحدث يخالف كتابًا
أو سنّة، أو أثرًا، أو إجماعًا، فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير، لا يخالف شيئًا
من ذلك، فهذه محدثة غير مذمومة انتهى .
وقسم بعض العلماء البدعة إلى الأحكام الخمسة، وهو واضح .
وقد ثبت عن ابن مسعود رَّه أنه قال: قد أصبحتم على الفطرة، وإنكم
ستُحدثون، ويُحدَثُ لكم، فإذا رأيتم محدثة، فعليكم بالهدي الأول .
فمما حدث تدوين الحديث، ثم تفسير القرآن، ثم تدوين المسائل الفقهية المولّدة
(١)- ((فتح)) ١٣ ص ٢٦٧ -٢٦٨.
(٢)- نقله في ((المرعاة)) ج٤ ص٣٢٧، ونقلته بتصرّف.

٢١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْن
عن الرأي المحض، ثم تدوين ما يتعلّق بأعمال القلوب. فأما الأول فأنكره عمر، وأبو
موسى، وطائفة، ورخّص فيه الأكثرون. وأما الثاني، فأنكره جماعة من التابعين،
كالشعبي. وأما الثالث، فأنكره الإمام أحمد، وطائفة يسيرة، وكذا اشتدّ إنكار أحمد
للذي بعده .
ومما حدث أيضًا تدوين القول في أصول الديانات، فتصدّى لها المثبتة والنُّفَاة، فبالغ
الأول حتى شبّه، وبالغ الثاني حتى عطّل، واشتدّ إنكار السلف لذلك، كأبي حنيفة،
وأبي يوسف، والشافعيّ، وكلامهم في ذمّ أهل الكلام مشهور، وسببه أنهم تكلّموا فيما
سكت عنه النبي ◌َّله وأصحابه، وثبت عن مالك أنه لم يكن في عهد النبي ◌َّر، وأبي
بكر، وعمر شيء من الأهواء - يعني بدع الخوارج والروافض، والقدريّة- وقد توسّع من
تأخّر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين، وأتباعهم،
ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا
يردّون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل، ولو مستكرها، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا
أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم، وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا
عليه، فهو عاميّ جاهل .
فالسعيد من تمسّك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف، وإن لم يكن له
منه بُدّ فليكتف منه بقدر الحاجة، ويجعل الأول المقصود بالأصالة، والله ولي التوفيق.
وقد أخرج أحمد بسند جيّد عن غُضيف بن الحارث، قال: بَعَث إليّ عبد الملك بن
مروان، فقال: إنا قد جمعنا الناس على رفع الأيدي على المنبر يوم الجمعة، وعلى
القصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بِدَعِكم عندي، ولستُ بمجيبكم إلى
شيء منهما، لأن النبي وَّر قال: ((ما أحدث قوم بدعةً، إلا رُفع من السنة مثلها،
فتمسُّكُ بسنة خير من إحداث بدعة)). انتهى .
وإذا كان هذا جواب هذا الصحابي في أمر له أصل في السنّة، فما ظنّك بما لا أصل
له فيها، فكيف بما يشتمل على ما يخالفها. وفي ((كتاب العلم)) من ((صحيح البخاري))
أن ابن مسعود رَّه كان يذكّر الناس كلّ خميس لئلا يَمَلُوا. وفي ((كتاب الرقاق)) منه أن
ابن عباس رَّهَا قال: حدِّثِ الناسَ كلّ جمعة، فإن أبيت فمرّتين، ونحوُهُ وصيّة عائشة
لعُبيد بن عُمير، والمراد بالقصص التذكير والموعظة، وقد كان ذلك في عهد النبي وَلَّه
لكن لم يكن يجعله راتبًا كخطبة الجمعة، بل بحسب الحاجة. انتهى كلام الحافظ رحمه
الله تعالى ببعض تصرّف(١)، وهو بحثّ نفيسٌ جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
(١)- ((فتح)) ج١٣ ص ٢٦٧ -٢٦٨.

٢١٧
٢٣- (حَثَّ الإِمَامِ عَلَى الصَّدَقَةِ فِي الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٥٨٠
المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٣- (حَتُّ الإِمَامِ عَلَى الصَّدَقَةِ فِي
الْخُطَبَةِ)
١٥٧٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عِيَاضٌ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْعِيدِ، فَيُصَلِّي
رَكُعَتَيْنٍ، ثُمَّ يَخْطُبُ، فَيَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ، فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، فَإِنْ كَانَتْ لَّهُ
حَاجَةٌ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ بَعْثًا تَكَلَّمَ، وَإِلَّا رَجَعَ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متَّفَقِّ عليه، وقد مرّ قبل بابين، في
١٥٧٦/٢٠ ((استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة)، رواه عن قتيبة، عن عبد العزيز
الدَّراوريّ، عن داود بن قيس به، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه،
تستفد. وبالله تعالى التوفيق .
و((عمر بن عليّ)): هو الفلاس، و((يحيى)): هو القطّان، ودلالة الحديث على الترجمة
واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٥٨٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدْثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا حُمَيْدٌ،
عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، خَطَبَ بِالْبَصْرَةِ، فَقَالَ: أَدُوا زَكَاةَ صَوْمِكُمْ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَنْظُرُ
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ قُومُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ، فَعَلِّمُوهُمْ، فَإِنَّمْ
لَا يَعْلَمُونَ، ((أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِفَرَضَ صَدَقَّةَ الْفِطْرِ، عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ،
وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرِّ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْر، أَوْ شَعِيرٍ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث سيأتي للمصنّف في ((كتاب الزكاة)) برقم
٢٥٠٨/٣٦- ويأتي شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به هناك، إن شاء اللّه تعالى.
وفيه انقطاع؛ لأن الحسن البصريّ لم يسمع من ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، لكن
المرفوع منه صحيح؛ لأنه سيأتي للمصنف في ((الزكاة)) بسند آخر متّصل، إن شاء الله تعالى.
وحميد هو الطويل، والحسن هو البصريّ، وقوله: ((أن رسول اللَّهُ وَّر)) بفتح همزة
((أن)) لكونها سدَّت مسدّ مفعولين ((يعلمون))، ويحتمل أن تكون بالكسر؛ لوقوعها في

٢١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْن
الابتداء، وتكون الجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا لسؤال مقدر، فكأن
سائلًا سأله، فقال: ما هي زكاة الصوم؟ فأجاب بقوله: ((إن رسول اللَّه وَليهو إلخ.
ودلالة الحديث على الترجمة من حيث إن ابن عباس رؤيتها خطب في آخر رمضان،
وحثّ الناس على أداء زكاة الفطر. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٥٨١- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنِ
الْبَرَاءِ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ بِهِ يَوْمَ النَّخْرِ بَعْدَ الَصَّلَاةِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا،
وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَلَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَتِلْكَ شَاةُ لَحْم))، فَقَالَ أَبُو
بُرْدَةَ ابْنُ نِيَارٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، عَرَّفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ
يَوْمُ أَكْلِ وَشِّرْبٍ، فَتَعَجَّلْتُ، فَأَكَلْتُ، وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي، وَجِيرَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله :
((تِلْكَ شَّاةُ لَحْمَ»، قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً، خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْم، فَهَلْ تُجْزِي عَنِّي؟، قَالَ:
(إنَعَمْ، وَلَنْ تُجُزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ)) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في باب ((الخطبة
يوم العيد)) ٨/ ١٥٦٣ - وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به هناك، فراجعه تستفد،
وباللّه تعالى التوفيق .
وأبو الأحوص هو سلّام بن سُليم الحنفي الكوفيّ، ومنصور هو ابن المعتمر،
والشعبيّ هو عامر ابن شَرَاحيل، والإسناد كله كوفي، إلا شيخه، فبَغْلانيّ .
ومعنى ((فقد أصاب النسك)) أي أصاب النسك المشروع المجزىء. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٢٤ - (الْقَصْدُ فِي الْخُطْبَةِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((القصد)) بفتح القاف، وسكون الصاد المهملة:
التوسط، يقال: قَصَدَ في الأمر قَصْدًا من باب ضرب: إذا توسط، وطلب الأسدّ، ولم
يُجاوز الحدَّ، وهو على قصدٍ: أي رُشْدٍ وطريقٌ قَصْدٌ: أي سَهْلٌ قاله الفيومي(١).
١٥٨٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ،
(١) ((المصباح المنير)) جـ ٢ ص ٥٠٥ .

٢٥- ((الْجُلُوْسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، ... - حديث رقم ١٥٨٣
٢١٩
قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَضْدًا .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث حسنٌ، من أجل الكلام في سماك بن
حرب، فقد ضعّفه قوم، ووثّقه آخرون، كما سبق تفصيل ذلك في ترجمته برقم ٣٢٥/٢،
والقول الفصل فيه هو ما قاله ابن عديّ رحمه الله تعالى: أحاديثه حسان، وهو صدوقٌ، لا
بأس به. انتهى. وما قاله يعقوب بن شيبة رحمه الله تعالى: من سمع منه قديمًا، مثل شعبة،
وسفيان، فحديثهم عنه صحيح مستقيم. انتهى. راجع ((تهذيب التهذيب)) ١١٥/٢.
وهذا الحديث مما رواه عنه سفيان الثوريّ، كما سيأتي بعد باب، فهو حسنٌ. والله
تعالى أعلم .
و((أبو الأحوص)): هو سلّام بن سُليم الحنفيّ الثقة المتقن. والسند من رباعيات
المصنّف، وهو (٩٤) من رباعيات هذا الكتاب، وقد تقدم في ((الجمعة)) في ((باب القراءة
في الخطبة الثانية، والذكر فيها))، وتقدم تمام البحث فيه هناك، وباللَّه تعالى التوفيق .
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، ومعنى قوله: ((قصدًا)) أي متوسّطة بين القصر
والطول، وكذا الصلاة، ولا يلزم مساواتهما، إذ توسّط كلّ يُعتبر في بابه، كما تقدّم.
قاله السنديّ رحمه اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٥- ((الْجُلُوسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ،
وَالسُّكُوتُ نِهِ)»
١٥٨٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ:
وَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ قَعْدَةٌ، لَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا، ثُمَّ قَامَ، فَخَطَبَ
خُطْبَةً أُخْرَى، فَمَنْ خَبَّرَكَ أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ، خَطَبَ قَاعِدًا، فَلَا تُصَدِّقْهُ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث حسنٌ أيضًا؛ لما تقدّم في الباب
الماضي، والسند من رباعيات المصنّف أيضًا، وهو (٩٥) من رباعيات هذا الكتاب،
وقد تقدم في ((الجمعة)) في ((باب كم الخطبة؟)) ١٤١٥/٣٢ - وتقدّم الكلام عليه هناك
متسوفّى، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق .
و((أبو عوانة)): هو الوضّاح بن عبد اللّه اليشكريّ الثقة الثبت.
وقوله: ((خبّرك)) بتشديد الباء، لغة في ((أخبرك)). ودلالة الحديث على الترجمة

٢٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْن
واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنيب)).
٢٦- (الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ)
١٥٨٤- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: ((كَانَ النَِّيُّ وَّهِ، يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ،
وَيَقْرَأُ آيَاتٍ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَكَانَتْ خُطْبَتُهُ قَصْدَا، وَصَلَاتُهُ قَصْدًا)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث حسنٌ، كما سبق بيانه قبل باب، فإن
الحديث واحد، و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ، و((سفيان)): هو الثوريّ. واللَّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
٢٧- ( نُزُولُ الإِمَامِ عَنِ الْمِنْبَرِ قَبْلَ
فَرَاغِهِ مِنَ الْخُطْبَةِ)
١٥٨٥- أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ،
عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَه عَلَى الْمِثْبَرِ، يَخْطُبُ، إِذْ أَقْبَلَ
الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، عَلَيْهِمَا السَّلَام- عَلَيْهِمَا قَمِيصَانٍ، أَحْمَرَانٍ، يَمْشِيَانٍ، وَيَعْثُرَانٍ،
فَنَزَّلَ، وَحَمَلَهُمَا، فَقَالَ: ((صَدَقَ اللَّهُ، ﴿إِنَّمَآ أَنْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]،
رَأَيْتُ هَذَيْنِ، يَمْشِيَانِ، وَيَعْثُرَانِ فِي قَمِيصَيْهِمَا، فَلَمْ أَصْبِرْ، حَتَّى نَزَلْتُ، فَحَمَلْتُهُمَا)) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيحٌ، وقد تقدم في ((الجمعة)) أيضًا-
١٤١٣/٣٠ - وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى
التوفيق .