النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١ ==
٦ - الصَّلاَةُ قَبَلَ الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ - حديث رقم ١٥٦١
بكسر: ثوبٌ سَدَاه، ولُخْمَتُهُ إِبْرَيْسَمٌ (١) .
وقوله: ((وتصب بها حاجتك)) هكذا معظم نسخ ((المجتبى)) بالجزم، وفي بعضها
((واقض بها حاجتك))، وفي ((الكبرى)) ((وتصيب)) بالرفع، وهو واضح، وللأول أيضًا
وجه، وهو أن يكون مجزومًا بلام الأمر المقدرة، أي لتصب. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
٦- الصَّلَاةُ قَبْلَ الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ
١٥٦١ - أخْبَرَنَا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ
الْأَشْعَثِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ ثَعْلَةَ بْنٍ زَهْدَمِ، أَنَّ عَلِيًّا اسْتَخْلَفَ أَبَا مَسْعُودٍ عَلَى
النَّاسِ، فَخَرَجَ يَوْمَ عِيدٍ، فَقَالَ: ((يَا أَّهَا النَّاسَُ، إِنْهُ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُصَلَّى قَبْلَ الْإِمَامِ»
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (إسحاق بن منصور) الكَوْسَج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةثبت [١١]٨٨/٧٢.
٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ الحافظ الحجة المشهور[٩]٤٩/٤٢.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة الثبت [٧]٣٧/٣٣ .
٤- (الأشعث) بن أبي الشعثاء سليم بن الأسود الكوفي، ثقة [٦]١١٢/٩٠.
٥- (الأسود بن هلال) المحاربيّ الكوفي، ثقة مخضرم جليل[٢]١٥٢٩/١٧.
٦- (فَعْلَبة بن زَهْدَم) الحنظلي الكوفيّ، مختلف في صحبته، وقال العجلي: تابعي
ثقة ١٧ / ١٥٢٩ .
٧- (أبو مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدري، الصحابي الشهير رضي اللَّه
تعالى عنه ٦/ ٤٩٤. والله تعالى أعلم .
(١)- ((الإبريسم)) بفتح السين، وضمّها: الحرير. قاله في ((القاموس)). وفي ((المصباح)): فيه لغات،
كسر الهمزة والراء والسين، وابن السكّيت يمنعها، ويقول: ليس في الكلام إِفْعِيلِلٌ بكسر اللام ،
بل بالفتح، مثل إِهْلِيلَج، وإِطْرِيفَل، والثانية فتح الثلاثة، والثالثة كسر الهمزة، وفتح الراء
والسین. انتهى.

١٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وعبد الرحمن،
فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَم، أَنَّ عَلِيًّا) يعني ابن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه (اسْتَخْلَفَ أَبَا
مَسْعُودٍ عَلَى النَّاسِ) أتي جعله خليفة له في الحكم، وإقامة الجُمَع، والأعياد، والقيام
بأمور المسلمين، وذلك لما خرج إلى صفّين، فقد أخرج حديث الباب ابن المنذر
رَخّْتُهُ في ((الأوسط))، من طريق أبي الأحوص، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن
الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زَهْدَم، قال: لما خرج عليّ إلى صفّين استعمل أبا
مسعود الأنصاريّ على الناس، فكان يوم عيد، فخرج أبو مسعود، فأتى الْجَبّانَة،
والناس بين مصلّ وقاعد، فلمّا توسطهم قال: ((أيها الناس إنه لا صلاة في يومكم هذا
حتى يخرج الإمام)) (فَخَرَجَ) أي أبو مسعود رضي اللَّه تعالى عنه (يَوْمَ عِيدٍ، فَقَالَ: ((يَا
أََّا النَّاسُ، إِنهُ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُصَلَّى قَبْلَ الْإِمَامِ) ظاهره يدلّ على أنه لا صلاة قبله
سواء كان في المصلَّى، أم في غيره، وظاهره أيضًا يَدلّ على مشروعية الصلاة بعد صلاة
الإمام، سواء كان في المصلّى، أو في البيت، وقد اختلف العلماء في ذلك، وسيأتي
تحقيقه قريبًا إن شاء الله تعالى .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي مسعود رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٥٦١/٦ - وفي ((الكبرى)) ١٧٦١/٦ - بالسند المذكور، وهو من
أفراده، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))٢/
١٧٨ وابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٦٨/٤ - ٢٦٩. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها:
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى: ثابت عن رسول اللَّه ◌َل أنه خرج في يوم
فطر، أو أضحى، فصلّى ركعتين، لم يصلّ قبلها، ولا بعدها .
وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة: لا يُصَلَّى قبلها، ولا بعدها،

٦- الصَّلَةُ قَبَلَ الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ - حديث رقم ١٥٦١
١٦٣ =
وممن كان لا يصلي قبلها، ولا بعدها ابن عمر، ورُوي ذلك عن عليّ، وابن مسعود،
وحذيفة، وابن أبي أوفى، وجابر بن عبد الله، ورَوينا عن عبد الله بن عمرو أنه قال في
الصلاة قبل العيد: ليس قبله، ولا بعده .
ورأت طائفة أن يُصَلَّى قبلها وبعدها، هذا قول أنس بن مالك، ورُوي عن أبي
هريرة. وهو قول الحسن البصريّ، وأخيه سعيد، وجابر بن زيد، وعروة بن الزبير، وبه
قال الشافعي، وقال عطاء: إذا طلعت الشمس فصلّ .
وفيه قول ثالث: وهو أن يصلي بعدها، ولا يصلي قبلها، روينا عن أبي مسعود
البدري أنه قال في يوم عيد: أيها الناس إنه لا صلاة في يومكم هذا حتى يخرج الإمام.
وروينا عن ابن مسعود أنه صلى بعد العيدين أربعًا .
وممن مذهبه أن يصلَّى بعدها، ولا يصلى قبلها علقمة، والأسود، ومجاهد، وابن
أبي ليلى، وسعيد، وإبراهيم النخعي، وبه قال سفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، وأصحاب
الرأي، وحُكي عن الأوزاعيّ أنه قال: اجتمعت العامّة على أن لا صلاة قبل خروج
الإمام يوم الفطر والأضحى، ويُصَلَّى بعدُ .
وفيه قول رابع: وهو كراهية الصلاة في المصلى قبل صلاة العيد وبعدها، والرخصة
في الصلاة في غير المصلى، هذا قول مالك، وكان إسحاق يقول: الفطر والأضحى
ليس قبلهما صلاة، ويُصَلِّي بعدهما أربع ركعات، يفصل بينهنّ إذا رجع إلى بيته، ولا
يصلي في الجَبّان(٤) أصلًا، لأن النبي ◌َّ صلى ركعتين يوم الفطر، لم يصل قبلها ولا
بعدها. ثم رجّح ابن المنذر قول من أباح الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، راجع كلامه
في كتابه («الأوسط)) ٢٦٨/٤ - ٢٦٩.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال بعدم مشروعيّة الصلاة
قبل صلاة العيد، أو بعدها؛ لعدم ثبوته عن النبيّ وَّة، وأصرح دليل على ذلك قول أبي
مسعود رضي اللَّه تعالى عنه في حديث الباب: ((إنه ليس من السنة أن يصلّى قبل
الإمام؟))، فإنه من أهل اللغة يفهم مقاصد الشريعة، وقد أنكر على من رآهم يصلّون قبل
صلاة العيد، وقال لهم: إنها ليست من السنة، فلا أدلّ على عدم مشروعيتها من
هذا .
والحاصل أنه لا يُشرع التنفّل قبل صلاة العيد، ولا بعدها. والله تعالى أعلم
(١)- قال في ((المصباح)): ((الجبّانة)) بفتح الجيم مثقل الباء، وثبوتُ الهاء أكثر من حذفها: هي
المصلَّى في الصحراء، وربّما أطلقت على المقبرة، لأن المصلَّى غالبا تكون في المقبرة انتهى
بزيادة يسيرة.

١٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِیدَیْنِ
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٧- تَرْكُ الأَذَانِ لِلْعِيدَيْنِ
١٥٦٢ - أخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءِ،
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ((صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَفِي عِيدٍ، قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي برقم (١٥٧٥/١٩)
مطوّلًا، وسيأتي شرحه، وبيان مسائله هناك، إن شاء الله تعالى.
و(أبو عوانة)) هو الوضاح بن عبد اللَّه اليشكري الواسطي. و((عبد الملك بن أبي
سليمان)) هو: الْعَرْزَميّ. و(((عطاء)) هو: ابن أبي رباح:
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة؛ حيث صرح بعدم مشروعية الأذان والإقامة
للعيدين .
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: وهو قول يحيى الأنصاريّ، ومالك بن أنس،
والأوزاعيّ، وابن جابر، والشافعيّ، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقال مالك: تلك
السنة التي لا اختلاف فيها عندنا. وقال الشافعيّ: أرى أن يأمر المؤذِّن أن يقول في
الأعياد: الصلاة جامعة، أو الصلاة .
وقد روينا عن ابن الزبير أنه أذن، وأقام، وقال أبو قلابة: أول من أحدث الأذان في
العيدين ابن الزبير. وقال سعيد بن المسيب: أول من أحدثه معاوية. وقال حصين: أول
من أذن في العيد زياد انتهى(١) .
وعلّق الإمام البخاري رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): عن ابن جريج قال: أخبرني
عطاء، أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع له أنه لم يكن يؤذّن بالصلاة
يوم الفطر، وإنما الخطبة بعد الصلاة. قال: وأخبرني عطاء، عن ابن عباس، وعن جابر
ابن عبد الله، قالا: لم يكن يؤذّن يوم الفطر، ولا يوم الأضحى انتهى. وأخرج مسلم
من طريق عبد الرزّاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، قال: ((لا أذان للصلاة يوم
العيد، ولا إقامة، ولاشيء)) انتهى. قال في ((الفتح)): واستدلّ بقوله: ((ولا إقامة، ولا
شيء)) على أنه لا يقال أمام صلاتها شيء من الكلام .
(١)- ((الأوسط)) ج٤ ص٢٥٩.

١٦٥
٨٠- الخطبةُ یَوْمَ العِیدِ- حديث رقم ١٥٦٣
لكن روى الشافعيّ، عن الثقة، عن الزهريّ، قال: كان رسول اللَّه وَل يأمر المؤذّن
في العيدين أن يقول: ((الصلاة جامعة))، وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة
الكسوف، لثبوت ذلك فيها. قال الشافعي: أُحِبُّ أن يقول: الصلاة، أو الصلاة
جامعة، فإن قال: هلمّوا إلى الصلاة لم أكرهه، فإن قال: حيّ على الصلاة، أو غيرها
من الألفاظ كرهت له ذلك .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد اعترض بعض المحققين - وقد أصاب- على ما قاله
الشافعيّ ◌َقّْلهُ بأن مراسيل الزهريّ ضعيفة عند أهل العلم، والقياسُ لا يصحّ اعتباره مع
وجود النصّ الثابت الدّالّ على أنه لم يكن في عهد النبي ◌َّ لصلاة العيد أذان، ولا إقامة،
ولاشيء، ومن هنا يعلم أن النداء للعيد بدعة بأي لفظ كان. والله تعالى أعلم .
واختُلِف في أول من أحدث الأذان في العيد، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن
سعيد بن المسيّب أنه معاوية، وروى الشافعيّ، عن الثقة، عن الزهريّ مثله، وزاد:
فأخذ به الحجاج حين أَمِّر على المدينة. وروى ابن المنذر، عن حُصين بن
عبد الرحمن، قال: أول من أحدثه زياد بالبصرة. وقال الداوديّ: أول من أحدثه
مروان.
قال الحافظ تَخّْلهُ: وكل هذا لا ينافي أن معاوية أحدثه، كما تقدّم في البداءة
بالخطبة. وقال ابن حبيب: أول من أحدثه هشام. وروى ابن المنذر عن أبي قلابة،
قال: أول من أحدثه عبد الله بن الزبير. وقد وقع عند البخاري أن ابن عباس أخبره أنه
لم يكن يُؤَذِّن لها. لكن في رواية يحيى القطّان أنه لَمّا ساء ما بينهما أذن - يعني ابن
الزبير- وأقام. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٨- الْخُطْبَةُ يَوْمَ الْعِيدِ
هذه الترجمة أحسن مما في ((الكبرى))، حيث قال فيها: «الخطبةُ يوم النحر قبل
الصلاة))، فقد اعتُرض عليه في ذلك، فقال ابن بطّال -كما في الفتح -: غَلِطَ النسائيّ،
(١)- ((فتح) ج٣ص١٢٩ .

١٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
فترجم بحديث البراء، فقال: ((باب الخطبة قبل الصلاة))، وخفي عليه أن العرب قد
تضع الفعل المستقبل مكان الماضي، وكأنه قال ويسالجر: أول ما يكون به الابتداء في هذا
اليوم الصلاة التي قدمنا فعلها، قال: وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ﴾
الآية [البروج: ٨]، أي الإيمان المتقدّم منهم انتهى.
وقال الحافظ: وأما حديث البراء، فظاهره يخالف الترجمة -يعني ترجمة البخاري-
بقوله: ((باب الخطبة بعد العيد))، لأن قوله:)) أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم
نرجع، فتنحر)) مشعر بأن هذا الكلام وقع قبل إيقاع الصلاة، فيستلزم تقديم الخطبة على
الصلاة، بناءً على أن هذا الكلام من الخطبة، ولأنه عقّب الصلاة بالنحر .
والجواب أن المراد أنه وَ جّ صلى العيد، ثم خطب، فقال: هذا الكلام، وأراد
بقوله: ((إن أول ما نبدأ به)) أي في يوم العيد تقديم الصلاة في أيّ عيد كان. والتعقيب
باثم)) لا يستلزم عدم تخلّل أمر آخر بين الأمرين .
قال: والمعتمد في صحة ما تأولناه رواية محمد بن طلحة، عن زُبَيد في هذا الحديث
بعينه، بلفظ: ((خرج النبي ◌َّله يوم أضحى إلى البقيع، فصلّى ركعتين، ثمّ أقبل علينا
بوجهه، وقال: ((إن أول نسكنا في يومنا هذا، أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع، فنحر ... ))
الحديث، فتبين أن ذلك الكلام وقع منه بعد الصلاة. وقال الكرماني: المستفاد من
حديث البراء أن الخطبة مقدّمة على الصلاة، ثم قال في موضع آخر:
فإن قلت: فما دلالته على الترجمة؟. قلت: لو قدم الخطبة على الصلاة لم تكن
الصلاة أول ما بدىء به، ولا يلزم من كون هذا الكلام وقع قبل الصلاة أن تكون الخطبة
وقعت قبلها انتهى .
وحاصله أنه يجعل الكلام المذكور سابقًا على الصلاة، ويمنع كونه من الخطبة .
قال الحافظ: لكن قد بيّنتْ رواية محمد بن طلحة، عن زبيد المذكورة أن الصلاة لم
يتقدّمها شيء، لأنه عقّب الخروج إليها بالفاء. وصرّح منصور في روايته عن الشعبي في
هذا الحديث بأن الكلام المذكور وقع في الخطبة، ولفظه: عن البراء بن عازب، قال:
خطبنا النبيّ (وَ ل﴿ يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال ... )) فذكر الحديث، فتعيّن التأويل
الذي قدمناه انتهى ما في ((الفتح)) بتصرّف (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٥٦٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُهْزٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
زُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّغْبِيِّ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، عِنْدَ سَارِيَةٍ، مِنْ سَوَارِي
(١)- ((فتح)) ج٣ ص ١٣١ .

١٦٧
٨- الْخُطْبَةُ يَوْمَ الْعِيدِ - حديث رقم ١٥٦٣
الْمَسْجِدِ، قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ نَّهِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ، فِي يَوْمِنَا هَذَا،
أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَذْبَحَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ
لَحْمٌ، يُقَدِّمُهُ لِأَهْلِهِ))، فَذَبَحَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي جَذَعَةٌ، خَيْرٌ
مِنْ مُسِنَةٍ، قَالَ: ((اذْبَحْهَا، وَلَنْ تُوفِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ)) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عثمان) بن أبي صفوان الثقفي، أبو عبد الله، أو أبو صفوان البصريّ،
ثقة [١١] ١٠/ ٤٦٨ .
٢- (بهز) بن أسد العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٨/٢٤.
٣- (شعبة) بن الحجّاج، تقدم قريبًا .
٤- (زُبَيد) بن الحارث، أبو عبد الكريم الكوفي، ثقة ثبت عابد [٦] ١٤٢٠/٣٧.
٥- (الشعبي) عامر بن شَرَاحيل الهَمْداني، أبو عمرو الكوفي، ثقة مشهور فقيه
فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢ .
٦- (البراء بن عازب) الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنهما
٨٦/ ١٠٥ . والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن نصفه الأول
مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
عن الشعبي رحمه اللَّه تعالى، أنه قال: (حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) رضي اللّه تعالى
عنهما (عِنْدَ سَارِيَةٍ، مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ) الظاهر أنه أراد مسجد الكوفة، لأن البراء
رَظُفثه من الصحابة الذين نزلوا الكوفة، ومات بها زمن مصعب بن الزبير(١) (قَالَ: خَطَبَ
النَّبِيُّ وََّ) وفي نسخة: ((خطبنا النبي ◌َّ)، وفي أخرى: ((خطبنا رسول اللّه ◌ِّ)) (يَوْمَ
النَّخْرِ) أي اليوم العاشر من ذي الحجة، وهذا محل الترجمة، حيث إن ذلك اليوم يوم
العيد، وقد خطب فيه النبي ◌َّرِ (فَقَالَ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ) قال السنديّ ◌َخْدُثُ: قد
يقال: ((ما نبدأ به)) هو الأول، فما معنى إضافة الأول إليه .
(١)- انظر ترجمته في ((تت)) ج١ ص٢١٥.
/

١٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِیدین
والجواب أنه يمكن اعتبار أمور متعددة، مبتدأ بها باعتبار تقدّمها على غيرها، كأن
يُعتبر جميع ما يقع أول النهار مبتدأ به، فما يكون منها متقدّما، يقال له: أولها .
ثم قوله: ((نذبح)) ينبغي أن يكون معطوفًا على مقدّر، أي فنصلي، ثم نذبح، ولا
يستقيم عطفه على ((أن نصلي)) لأنه خبر عن ((أولُ))، والأول لا يتعدد، إلا أن يُراد بالأول
ما يعمّ الأول حقيقةً، وإضافةً، أي يكون أولَ بالنظر إلى ما بعده، وعلى هذا يُعتبر أوّلية
الأمرين، أعني الصلاة، والذبح بالنظر إلى الأكل والشرب، اللذين هما من متعلّقات هذا
اليوم دِينًا، فكأنه اعتبر الصلاة، والنحر، والأكل، والشرب مبتدأ بها، ثم اعتبر الصلاة،
والنحر أول المبتدإ بها، على أن الصلاة أوّلٌ حقيقةً، والنحر أولٌ إضافةً انتهى(١).
(فِي يَوْمِنَا هَذَا) أي يوم النحر (أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَذْبَحَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ
سُتَنَا) أي طريقتنا (وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ) أي قبل الصلاة (فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ، يُقَدِّمُهُ لِأَهْلِهِ) من
التقديم، أي يجعله لأهله مقدّمًا (فَذَبَحَ) الظاهر أن الفاء لجواب شرط مقدّر، أي إذا
عرفت ذلك، فاعرف أنه ذبح أبو بردة قبل ذلك، فقال الخ. قاله السنديّ (أَبُو بُرْدَةَ بْنُ
نِيَارٍ) بكسر النون، وتخفيف الياء المثناة من تحتُ، وآخره راء، واسمه هانىء، واسم
جدّه عمرو بن عُبيد، وهو بَلَويّ، من حُلَفاء الأنصار، وقد قيل: إن اسمه الحارث بن
عمرو، وقيل: مالك بن هُبَيرة، والأول هو الأصحّ. وأخرج ابن منده من طريق جابر
الجعفيّ، عن الشعبيّ، عن البراء، قال: كان اسم خالي قليلاً، فسماه النبي ◌َّ كثيرًا،
وقال: ((يا كثير إنما نسكنا بعد صلاتنا))، ثم ذكر حديث الباب بطوله، وجابر ضعيف،
وأبو بردة ممن شهد العقبة، وبدرًا، والمشاهد، وعاش إلى سنة اثنتين، وقيل: خمس
وأربعين. له في الكتب الستة حديث واحد: ((لا يُجلد فوق عشر جلدات، إلا في حدّ
من حدود اللَّه))(٢)، وله عند المصنف خمسة أحاديث، الحديث المذكور، وحديثٌ في
الذي تزوّج امرأة أبيه، وحديث الباب(٣)، وحديث: ((اشربوا في الظروف، ولا
تَسْكَروا)). وحديث: ((من صلى علي من أمتي صلاة ... )) في ((عمل اليوم والليلة)).
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة ((ابن دينار)) بدل ((ابن نيار))، وهو غلط، فتنبّه.
والله أعلم .
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي جَذَعَةٌ) بفتح الجيم، والذال المعجمة: هي ما طعنت
في السنة الثانية، والمراد أي من المعز، إذ الجذع من الضأن مُجزئة (خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ) هي
ما طعنت في الثالثة (قَالَ: ((اذْبَحْهَا، وَلَنْ تُوفِيَ) من الإيفاء، وفي نسخة: ((ولن تجزي))،
(١)- ((شرح السنديّ)) ج٣ ص ١٨٢ .
(٢)- ((فتح) ج١١ ص١٢٧ - ١٢٨ .
(٣) أخرجه في ((الأضاحي)) برقم (١٧/ ٤٣٩٧).

١٦٩ =
٨- الخُطْبةُ يَوْمَ العِید- حديث رقم ١٥٦٣
وهو بمعناه، قال في ((المصباح)): جَزَى الأمرُ، يَجْزي، مثلُ قَضَى يَقضي قَضَاءٌ وزنًا
ومعنىّ، وفي التنزيل: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَنْ نَفْسِ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وفي
الدعاء: ((جزاه الله خيرًا: أي قضاه له، وأثابه عليه، وقد يُستعمل أجزأ بالألف والهمز
بمعنى جزى، ونقلهما الأخفش بمعنى واحد، فقال: الثلاثي من غير همز لغة الحجاز،
والرباعيّ المهموز لغة تميم انتهى (عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ))) يعني أنها رخصة لا تعمّ غير أبي بردة
رَّه، وسيأتي ما يتعلّق بالأضحية في بابه إن شاء الله تعالى .. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث البراء بن عازب رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق
عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٥٦٣/٨- وفي ((الكبرى)) ٨/ ١٧٦٤ - بالسند المذكور وفي -١٧/
٤٣٩٤- عن هناد بن السريّ، عن ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن فراس، وداود بن أبي
هند، كلاهما، عن الشعبيّ، عنه. وفي ١٥٨١/٢٣ و٤٣٩٥/١٧- عن قتيبة، عن أبي
الأحوص، عن منصور، عن الشعبي، عنه. وفي ١٧/ ٤٣٩٧- عن عُبيدالله بن سعيد،
وعمرو بن علي، كلاهما، عن يحيى القطّان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بُشَير
ابن يسار، عن أبي بُرْدَةَ نفسه. والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٢٠ و٢٣/٢ ٢٨/٢٠/٢٤/٢٠ و١٢٨/٧ و١٣٢/٧ (م) ٧٤/٦ و ٧٥
(د) ٢٨٠٠ (ت) ١٥٠٨ (أحمد) ٢٨١/٤ و١٨٧/٤ و٢٩٧/٤ و٣٠٣/٤ (الدارمي)
(١٩٦٨) (ابن خزيمة) ١٤٢٧ . والله تعالى أعلم .
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه الله تعالى- وهو مشروعية الخطبة للعيد.
ومنها: أن ذبح الأضحية يكون بعد الصلاة، فلو قُدّم عليها أعيد بعد الصلاة،
وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ومنها: ما قاله في ((الفتح)): إن
المفتي إذا ظهرت له من المستفتي أمارة الصدق كان له أن يسهّل عليه، حتى لو استفتاه
اثنان في قضيّة واحدة جاز أن يفتي كلّا منهما بما يُناسب حاله انتهى (١). والله تعالى
(١)- ((فتح)) ج٣ ص ١٢٤ .

١٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِیدَیْنِ
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنيب)).
٩- ( بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ
الْخُطْبَةِ)
١٥٦٤- أَخْبَرَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ
اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِ لَ، وَأَبَا بَكْرِ، وَعُمَرَ دَهَا، كَانُوا يُصَلُّونَ
الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه، ثقة حافظ ثبت
[١٠] ٢/ ٢ .
٢- (عبدة بن سليمان) الكلابيّ، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار[٨] ٧/
٣٣٩ .
٣- (عبيدالله) بن عمر العمريّ المدني، ثقة ثبت فقيه [٥] ١٥/١٥.
٤- (نافع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/١٢.
٥- (ابن عمر) عبد الله بن الخطاب ◌َرؤيا ١٢/١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزي، وعبدة، فكوفيّ.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما من
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، وَأَبَا بَكْرِ، وَعُمَرَ تََّ،
كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) ولفظ الشخين: ((كان رسول اللَّه ◌ِ، وأبو بكر،

٩- (بَابُ صَلَةِ الْعِيدَيْن قَبَلَ الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٥٦٤
١٧١ ==
وعمر رَ ◌ّتَ يُصلّون العيدين قبل الخطبة)) انتهى.
وفي حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما عند الجماعة(١) إلا الترمذيّ، قال:
((شهدت العيد مع رسول اللّه وَلته وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكلهم كانوا يُصلّون
قبل الخطبة))، وفي لفظ: ((أشهد على رسول اللّه ◌َلّر لصلَّى قبل الخطبة)) .. وعن أنس
رَّ: ((أن رسول اللّه وَله صلى يوم النحر، ثمّ خطب)). متفق عليه. وعن البراء
وَلَّم: ((خطب النبي ◌َّير في يوم الأضحى بعد الصلاة)). أخرجه الشيخان، وأبو داود.
وعن جندب رَّ: ((صلى النبي ◌َّله يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح)). متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدريّ تَّه، قال: ((خرج رسول اللّه بِّله يوم أضحى، أو فطر إلى
المصلَّى، فصلى، ثم انصرف، فقام، فوعظ الناس ... )) الحديث. أخرجه الشيخان،
واالمصنف(٢)، وابن ماجه. وعن عبد الله بن السائب ◌َّه، قال: ((شهدت مع
رسول اللَّه ول ◌ّ العيد، فلما قضى الصلاة قال: ((إنا نخطب، فمن أحبّ أن يجلس
للخطبة فليجلس، ومن أحبّ أن يذهب فليذهب)). رواه أبو داود، والمصنّف(٣)، قال
أبو داود: وهو مرسل. وقال النسائي: هذا خطأ، والصواب مرسل .
وعن عبد الله بن الزبير رؤيا، أنه قال حين صلّى قبل الخطبة، ثمّ قام يخطب: أيها
الناس كلّ سنّة اللَّه، وسنّة رسوله وَلّر. رواه أحمد، قال الحافظ العراقي: إسناده جيّد.
فهذه الأحاديث تدلّ على أن المشروع في صلاة العيد تقديم الصلاة على الخطبة،
وسيأتي الكلام على أقوال أهل العلم في ذلك في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى ..
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له :
أخرجه هنا-٩/ ١٥٦٤ - وفي ((الكبرى)) -١٧٦٧/٩- بالسند المذكور. والله تعالى
أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢٢/٢ و٢٣/٢ (م) ٢٠/٣ (ت) ٥٣١ (ق) ١٢٧٦ (أحمد)٢/ ١٢ و٢/
٣٨ و٩٢/٢ (ابن خزيمة) ١٤٤٣. والله تعالى أعلم.
(١)-يأتي للمصنف برقم ١٥٧٥/١٩.
(٢)- يأتي برقم ١٥٧٦/٢٠.
(٣)- سيأتي برقم ١٥/ ١٥٧١.

١٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْن
المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في تقديم الصلاة على الخطبة:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد ثبت عن رسول اللَّه وَليل أنه بدأ بالصلاة
قبل الخطبة في يوم العيد، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون المهديّون، وعليه عوامّ علماء
الأمصار .
فممن كان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطّاب، وعثمان بن
عفّان، وعلي بن أبي طالب، والمغيرة بن شعبة، وابن مسعود، ﴾ ، وهذا قول ابن عباس،
وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
قال: وفيه قول سواه، روينا أن عثمان كان يخطب بعد الصلاة، فلما كثر الناس على
عهده رآهم لا يدركون الصلاة خطب ثم صلّى، وروينا عن ابن الزبير أنه فعل ذلك،
وروي ذلك عن مروان بن الحكم. انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى باختصار(١).
وقال القاضي عياض -رحمه الله تعالى -: هذا هو المتّفق عليه بين علماء الأمصار،
وأئمّة الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبي ◌َّر، والخلفاء الراشدين من
بعده، إلا ما روي أن عمر (٢) في شطر خلافته الآخر قدّم الخطبة، لأنه رأى من الناس
مَن تفوته الصلاة، وليس بصحيح، ثمّ قال: وقد فعله ابن الزبير في آخر أيامه .
وقال ابن قُدَامة -رحمه الله تعالى -: لا نعلم خلافًا بين المسلمين إلا عن بني أميّة،
قال: وابن عباس وابن الزبير تصنيفها أنهما فعلاه، ولم يصحّ عنهما، قال: ولا يُعتدّ
بخلاف بني أمية، لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنّة النبي مَّلـ
الصحيحة، وقد أنكر عليهم فعلهم، وعُدّ بدعةً، ومخالفا للسنّة .
وقال العراقي رحمه اللَّه تعالى: إن تقديم الصلاة على الخطبة قول العلماء كافّةً،
وقال: إنّ ما روي عن عمر، وعثمان، وابن الزبير لم يصحّ عنهم .
أما رواية ذلك عن عمر، فرواها ابن أبي شيبة أنه لما كان عمر، وكثر الناس في
زمانه، فكان إذا ذهب ليخطب ذهب أكثر الناس، فلما رأى ذلك بدأ بالخطبة، وختم
بالصلاة. قال: وهذا الأثر، وإن كان رجاله ثقات، فهو شاذّ، مخالف لما في
((الصحيحين)) عن عمر من رواية ابنه عبد الله، وابن عباس ، وروايتهما عنه أولى.
قال: وأما رواية ذلك عن عثمان، فلم أجد لها إسنادًا(٣).
(١)- ((الأوسط)) ج٤ ص ٢٧٠ -٢٧٣ .
(٢)- تقدم في كلام ابن المنذر أنه عثمان، ولعله مرويّ عنهما.
(٣)- بل رواه ابن المنذر في ((الأوسط)) بإسناد صحيح إلى الحسن البصري، فانظره ج٤ ص ٢٧٢-
٢٧٣، فالأولى الجمع بأنه فعل ذلك في بعض الأحيان. والله تعالى أعلم.

١٧٣=
٩- (بابُ صَلَةِ الْعِيدَيْن قَبَلَ الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٥٦٤
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: يقال: إن أوّل من قدّمها عثمان، وهو كذبٌ لا
يُلتفت إليه انتهى. ويردّه ما ثبت في ((الصحيحين)) من رواية ابن عباس عن عثمان كما
تقدّم .
وقال الحافظ في ((الفتح)): إنه روى ابن المنذر ذلك عن عثمان بإسناد صحيح إلى
الحسن البصريّ، قال: أوّل من خطب الناس قبل الصلاة عثمان. قال الحافظ: ويحتمل
أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانًا، وقال بعد أن ساق الرواية المتقدّمة عن عمر، وعزاها
إلى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وصحح إسنادها: إنه يحمل على أن ذلك وقع منه
نادرًا .
قال العراقي: وأما فعل ابن الزبير، فرواه ابن أبي شيبة في ((المصنّف))، وإنما فعل
ذلك لأمر وقع بينه وبين ابن عبّاس، ولعلّ ابن الزّبير كان يرى ذلك جائزًا، وقد تقدّم
عن ابن الزبير أنه صلى قبل الخطبة .
وثبت في ((صحيح مسلم)) عن عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير أوّل ما بويع له
أنه لم يكن يؤذّن للصلاة يوم الفطر، فلا تؤذّن لها، قال: فلم يؤذن لها ابن الزبير يومه،
وأرسل إليه مع ذلك: إنما الخطبة بعد الصلاة، وإن ذلك قد كان يُفعل، قال: فصلّى
ابن الزبير قبل الخطبة .
قال الترمذيّ رحمه الله تعالى: ويُقال: إن أول من خطب قبل الصلاة مروان بن
الحكم انتهى .
وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) من رواية طارق بن شهاب، عن أبي سعيد رَنَّه قال:
أولُ من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان .
وقيل: أول من فعل ذلك معاوية حكاه القاضي عياض، وأخرجه الشافعيّ عن ابن
عباس رؤيتها بلفظ: ((حتى قدم معاوية، فقدّم الخطبة)). ورواه عبد الرزاق عن الزهريّ
بلفظ: ((أول من قدم الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية)).
وقيل: أولُ من فَعَل ذلك زياد في البصرة في خلافة معاوية، حكاه القاضي عياض
أيضًا .
وروى ابن المنذر، عن ابن سيرين: أولُ من فعل ذلك زياد بالبصرة، قال: ولا
مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان، لأنّ كلّا من مروان وزياد كان عاملًا لمعاوية،
فيحمل على أنه ابتدأ ذلك، وتبعه عمّاله .
قال العراقيّ: الصواب أنّ أول من فعله مروان بالمدينة في خلافة معاوية، كما ثبت
في ((الصحيحين)) عن أبي سعيد الخدريّ رَّه، قال: ولم يصحّ فعله عن أحد من

١٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
الصحابة، لا عمر، ولا عثمان، ولا معاوية، ولا ابن الزبير انتهى .
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد عرفت صحة بعض ذلك، فالمصير إلى
الجمع أولى .
وقد اختلف في صحّة صلاة العيدين مع تقدّم الخطبة، ففي ((مختصر المزنيّ)) عن
الشافعي ◌َّثُ ما يدلّ على عدم الاعتداد بها (١).
قال النووي في ((شرح المهذب)): لو خطب قبل صلاة العيد فهو مسيء، وفي
الاعتداد بالخطبة احتمال لإمام الحرمين، والصحيح، بل الصواب أنه لا يُعتدّ بها، لقوله
وَلجر: ((صلّوا كما رأيتموني أصلي))، وقياسًا على السنة الراتبة بعد الفريضة إذا قدّمها
عليها، وهذا الذي صححته هو ظاهر نصّ الشافعيّ في ((الأمّ))، ونقله القاضي أبو الطيّب
في ((التجريد)) عن نصّه في ((الأمّ))، قال: فإن بدأ بالخطبة قبل الصلاة رأيت أن يعيد
الخطبة بعد الصلاة، فإن لم يفعل لم يكن عليه إعادة صلاة، ولا كفّارة، كما لو صلى
ولم يخطب. هذا نصّه بحروفه. وهو ظاهر في أن الخطبة غير محسوبة، ولهذا قال:
كما لو صلّى ولم يخطب انتهى كلام النووي بتصرف يسير(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن السنة تقديم الصلاة على الخطبة،
وأنه إن بدأ بالخطبة قبل الصلاة لا يُعتدّ بها؛ لمخالفته السنةَ، لكن الصلاة صحيحة؛ لأن
الخطبة ليست من شروط صحتها، بل هي سنة من سننها. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٠- (بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ إِلَى
الْعَنَزَّةِ)
((العنَزَة)) بفتحات: عصًا أقصرُ من الرمح، ولها زُجِّ من أسفلها، والجمع عَنَزٌ،
وعَنَزَات، مثلُ قَصَبَة، وقَصَبِ، وقَصَبَات. قاله في ((المصباح)) .
١٥٦٥- أَخْبَرَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأْنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
(١)- ((نيل الأوطار)) ج٣ ص٣٤٩ - ٣٥٠.
(٢)- ((المجموع)) ج٥ ص ٣٠ .

١٧٥
١٠- (بابُ صَلَةِ الْعِيدَیْن إِلى العنزة) - حديث رقم ١٥٦٥
أَيُوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، كَانَ يُخْرِجُ الْعَنَزَةَ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ
الْأَضْحَى، يُزْكِزُّهَا، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عبد الرّزاق) بن همّام بن نافع الصنعانيّ، ثقة حافظ تغير في آخره [٩] ٦١/ ٧٧.
٢- (معمر) بن راشد الصنعاني، ثقة ثبت [٧] ١٠/١٠.
٣- (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، ثقة ثبت حجة [٥]٤٨/٤٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، كَانَ يُخْرِجُ الْعَنَزَةَ) وتقدّم
للمصنف - ٧٤٧/٤- بلفظ: ((كان يركز الحربة، ثم يصلي إليها)).
ومعني قوله: ((كان يخرج العنزة)) أي يأمر بإخراجها، ففي رواية البخاري من طريق
عُبيدالله، عن نافع: ((أن رسول اللَّه ◌َليل كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين
يديه، فيصلي إليها .. )) الحديث، وفي رواية له من طريق الأوزاعيّ، عن نافع: ((كان
يَغْدُو إلى المصلَّى، والعنزة تُحمّل بين يديه، فيصلي إليها، زاد في رواية ابن ماجه، وابن
خزيمة، والإسماعيليّ: ((وذلك أنّ المصلّى كان فَضَاء، ليس فيه شيء يستره)).
ولا تنافي بين رواية العنزة ورواية الرمح لإمكان الجمع بأنه استعمل كلّا منهما في
أوقات مختلفة، فقد ذكر في ((الفتح)): أنه قد روى عمر بن شبّة في ((أخبار المدينة)) من
حديث سعد القرظ: إنّ النجاشي أهدى إلى النبيّ وَّ حربة، فأمسكها لنفسه، فهي التي
يُمشَى بها مع الإمام يوم العيد. ومن طريق الليث أنه بلغه أن العَنَزَة التي كانت بين يدي
النبي ◌َّل* كانت لرجل من المشركين، فقتله الزبير بن العوام يوم أحد، فأخذها منه النبي
حَلّر، فكان ينصبها بين يديه إذا صلّى .
قال: ويحتمل الجمع بأن عنزة الزبير كانت أوّلًا قبل حربة النجاشيّ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فإن قلت: إن الحربة من سلاح الحرب، وقد ورد
(١)- ((فتح)) ج١ ص ٦٨٣ نسخة طبعة دار الريان للتراث.

١٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
النهي عن حمل السلاح يوم العيد، فكيف يجمع بينه، وبين حمل الحربة هنا؟ .
وقد بوّب البخاري ◌َّلهُ في ((صحيحه)) ((باب ما يكره من حمل السلاح في العيد
والحرم)). وقال الحسن: نُوا أن يحملوا السلاح يوم عيد، إلا أن يخافوا عدوًا، ثم
أخرج بسنده قصّة ابن عمر تها مع الحجاج بن يوسف حين أصيب ابن عمر بسنان
الرمح في أخمص قدمه، فجاء الحجاج ليعوده، فقال: لو نعلم من أصابك، فقال ابن
عمر: أنت أصبتني، قال: وكيف؟ قال: حملت السلاح في يوم لم يكن يُحمَل فيه .. ))
الحديث، وفي رواية: ((أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحلّ فيه حمله)) .
أجيب بأن النهي عن حمل السلاح إنما هو عند خشية التأذّي به، فأما إذا أُمن من
ذلك فلا حرج فيه (١). والله تعالى أعلم .
(يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ الْأَضْحَى) الظرف متعلّق بهيخرج)) (يَرْكِزُهَا) من بابي ضرب،
وقتل، كما في ((القاموس))، يقال: رَكّزتُ الرمح، رَكْزًا: أثبتُّهُ بالأرض، فارتكز،
والمركِزُ وزان المسجد: موضع الثبوت. أفاده في ((المصباح)) (فَيُصَلِي إِلَيْهَا) زاد في
رواية الشيخين من طريق عبيدالله، عن نافع، ((والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في
السفر، فمن ثَمَّ اتخذها الأمراء)».
قال في ((الفتح)): وهذه الجملة الأخيرة فصلها عليّ بن مُسهر من حديث ابن عمر
وَهَا، فجعلها من كلام نافع، كما أخرجه ابن ماجه، وأوضحتُهُ في كتاب ((المدرج)).
انتهى .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث(٢):
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بیان مواضع ذکر المصنّف له:
أخرجه هنا-١٥٦٥/١٠- وفي ((الكبرى))١٧٦٩/١٠- بالسند المذكور، وتقدّم رقم
٤/ ٧٤٧ - و((الكبرى)) ٨٢٢/٢- عن عبيدالله بن سعيد، عن يحيى القطّان، عن عبيدالله
ابن عمر، عن نافع، عنه بلفظ: ((كان يَركز الحربة، ثم يصلي إليها)). والله تعالى أعلم.
(١)- راجع ((الفتح)) ج٣ ص ١٤٢ .
(٢)- تقدم تخريج هذا الحديث برقم ٤/ ٧٤٧ - حيث أورده المصنف رحمه الله من طريق عبيد الله ،
عن نافع، بلفظ: ((كان يركز الحربة ، ثم يصلي إليها))، لكنه مختصر، فأعدته هنا استكمالا لما
لم يُذكر هناك. فتنبه.

١١- (عَدَدُ صَلَاةِ الْعِيدَيْن) - حديث رقم ١٥٦٦
١٧٧ ====
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ١٣٣/١ و٢٥/٢ (م) ٥٥/٢ (د) ٦٨٧ (ق) ٩٤١١٣٠٤ (أحمد) ١٨/٢
و٩٨/٢ و١٤٢/٢ و١٤٥/٢ (ابن خزيمة) ٧٩٨ و٧٩٩ و١٤٣٣ و و١٤٣٤ و١٤٣٥٠
والله تعالى أعلم .
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه اللَّه تعالى، وهو مشروعية صلاة العيدين إلى
العنَزَة. ومنها: اتخاذ السترة لمن يصلي في الصحراء لئلا يقطع صلاتَه المارُّ بين يديه.
ومنها: جواز الاستخدام. ومنها: أخذ آلة دفع الأعداء، فإن الحربة من آلات الدفع،
وقد تقدّم الجمع بين حديث النهي عن حمل السلاح يوم العيد وحديث الباب، فلا
تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)»
١١- (عَدَدُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دلالة حديث الباب على الترجمة واضحة، فإنه صريح
في كون صلاة العيدين ركعتين، وهذا مجمع عليه، كما صرّح به النووي في
((المجموع)). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٥٦٦ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
سَعِيدٍ، عَنْ زُبَيْدِ الْأَيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِيَ لَيْلَى، ذَكَّرَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
رَّيِ، قَالَ: ((صَلَاةُ الْأَضْحَى رَكْعَتَانٍ، وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانٍ، وَصَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ،
وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانٍ، تَمَامٌ لَيْسَ بِقَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ النَّبِّ ◌َِ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث قد تقدّم في ((كتاب الجمعة)) برقم -
٣٧/ ١٤٢٠ - أورده هناك مستدلاً على عدد صلاة الجمعة، رواه عن علي بن حُجر، عن
شريك، عن زُبيد به، وأعاده في المسافر برقم -١/ ١٤٤٠ - عن حميد بن مَسْعَدة، عن
سفيان بن حبيب، عن شعبة، عن زبيد به، وهو حديث صحيح، وإن كان فيه انقطاع،
حیث إن ابن أبي لیلی لم يسمع من عمر، کما تقدّم ذلك للمصنّف، لكن له سند آخر
أخرجه به ابن ماجه في ((سننه))، والمصنف في ((الكبرى))، وصححه ابن خزيمة من

١٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَنْن
رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن عمر رَّه ، وقد تقدّم الكلام
عليه مُستوفَى في ((الجمعة))، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادته هنا، وإنما أتكلّم فيما
يتعلّق بما ترجم له المصنف رحمه تعالى، فأقول:
[مسألة]: أجمع أهل العلم - كما سبق عن النووي ◌َّثُ- على أن صلاة العيدين
ركعتان، وإنما اختلفوا في التكبيرات الزوائد فيهما:
فقد اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:
(أحدها): أنه يكبّر في الأولى سبعًا، وفي الآخرة خمسًا، وبه قال كثير من أهل
العلم: رُوي ذلك عن أبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد، وابن عمر . وبه قال
يحيى الأنصاريّ، والزهريّ، ومالك بن أنس، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد،
وإسحاق، قال الشافعيّ: ليس من السبع تكبيرةُ الافتتاح، ولا من الخمس في الثانية
تكبيرةُ القيام. وقال أبو ثور: يكبّر سبع تكبيرات مع تكبيرة الافتتاح، ويقوم في الثانية
فیکبر خمس تكبيرات .
(الثاني): أن التكبير في العيدين تسعٌ تسعّ، روي ذلك عن ابن عباس، والمغيرة بن
شعبة، وفسّر ذلك ابن مسعود لبعض الأمراء(١)، فقال: تقوم، فتكبّر أربعًا متواليات، ثم
تقرأ، ثم تكبّر، فتركع، وتسجد، ثم تقوم، فتقرأ، ثم تكبر تركع بآخرهنّ، وحضر قول
ابن مسعود هذا حذيفة، وأبو موسى الأشعريّ، وأبو مسعود عقبة بن عمرو، فقالوا:
صدق أبو عبد الرحمن، ورُوي هذا القول عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيّب، وبه
قال النخعيّ، وأصحاب الرأي. وقال سفيان الثوريّ في التكبير في الفطر والأضحى:
يكبر أربع تكبيرات قبل القراءة، ثم يقوم في الركعة الثانية، فيقرأ، ثم يكبّر أربع
تكبيرات، ثم يركع بالرابعة .
(الثالث): روي عن ابن عباس تؤيّا، أن التكبير يوم الفطر ثلاث عشرة يكبرهنّ،
وهو قائم سبع في الركعة الأولى منهنّ تكبيرة الاستفتاح للصلاة، وتكبيرة الركوع، فهنّ
ستّ قبل القراءة، وواحدة بعدها، وفي الآخرة ست تكبيرات، منهنّ تكبيرة الركعة،
فهنّ خمس قبل القراءة، وواحدة بعدها .
(الرابع): روي عن الحسن البصريّ، قال: في الأولى خمس تكبيرات، وفي الآخرة
ثلاث، سوى تكبيرتي الركوع .
(الخامس): أن التكبير في العيدين كالتكبيرات على الجنائز أربع أربع، روي هذا عن
(١)- هو سعيد بن العاص الأموي.

١١- (عَدَدُ صَلاةِ العِیدین) - حديث رقم ١٥٦٦
١٧٩=
حذيفة، وأبي موسى، وابن مسعود، وابن الزبير .
(السادس): أنه يكبّر في الأولى أربع تكبيرات قبل القراءة، سوى تكبيرة الصلاة،
وفي الثانية ثلاث تكبيرات بعد القراءة، سوى تكبيرة الصلاة، وهو مرويّ عن جابر
(السابع): أن یکبر واحدة يفتتح بها الصلاة، ثم يكبّر ثلاثًا، ثم يقرأ، ثم يكبر، فيركع
ويسجد، ثم يقوم، فيقرأ، ثم يكبّر ثلاثًا، ثم يكبّر أخرى، فيركع ويسجد. قاله ابن
سيرين .
(الثامن): يكبر واحدة يفتتح بها الصلاة، ثم ثلاثًا، ثم يقرأ، ثم يكبّر، فيركع
ويسجد، ثم يقوم، فيقرأ، ثم يكبّر ثلاثًا، فيركع بالثالثة ويسجد. قاله الحسن البصري
في رواية عنه .
(التاسع): يكبر في الفطر ثنتي عشرة تكبيرة، يفتتح بتكبيرة، ثم يقرأ، ثم يكبّر خمسا
يركع بإحداهنّ، ثم يقوم، فيقرأ، ثم يكبّر خمسا يركع بإحداهنّ، وكان يكبّر خمسًا في
الأضحى، يكبر تكبيرة واحدة التي توجب بها الصلاة، ثم يقرأ، ثم يكبر ثنتين يركع
بإحداهما، ثم يقوم، فيقرأ، ثم يكبر ثنتين يركع بإحداهما. يروى هذا القول عن علي
(العاشر): روي عن يحيى بن يعمر أنه قال في الأضحى إذا دخلت المسجد، فكبر
تكبيرين، ثم اقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وأسمع من حولك، ولا ترفع صوتك، وفي
الأخرى مثل ذلك، وقال في الفطرة مثل قول ابن مسعود تَظّه في الأولى أربع أربع،
وفي الأخرى ثلاث، سوى تكبيرتي الركوع، وأسمع من حولك .
(الحادي عشر): قاله حماد بن أبي سليمان قال: ليس في تكبيرة العيد شيء مؤقّت .
(الثاني عشر): وهي رواية أخرى عن ابن عباس أن التكبير يوم الفطر، ويوم النحر
تسع تكبيرات، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وكلّ سنّة .
قال ابن المنذر ◌َّلهُ: وبالقول(١) الأول أقول، لحديث عبد الله بن عمرو، وعمرو
ابن عوف رَّهما .
قال: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، أنه
سمع عمرو بن شعيب، يحدّث عن أبيه، عن جدّه، ((أن رسول اللّه وَ ل كبر يوم الفطر
في الركعة الأولى سبعًا، ثم قرأ، فكبّر تكبيرة الركوع، ثم كبّر في الأخرى خمسًا، ثم
(١)- عبارة ((الأوسط)): ((وبالحديث الأول الخ))، والظاهر أن الصواب ((القول الأول)) فتنبه.

١٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْن
قرأ، ثم کبر، ثم ركع)) .
حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: ثنا ابن إدريس، عن كثير بن عبد الله، عن أبيه،
عن جدّه، ((أن النبيّ ◌َ لّكان يكبّر في العيدين في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا قبل
القراءة)). انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى بتصرف واختصار(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أما حديث عبد الله بن عمرو تثبت المذكور فأخرجه
أيضًا أبو داود، وابن ماجه، والدار قطني، وفي إسناده عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي،
قال عنه في ((ت)): صدوق يخطىء ويهم. لكن قال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر
الحديث: صححه أحمد، وعلي -يعني ابن المديني-، والبخاريّ فيما حكاه الترمذيّ.
انتهى .
والظاهر -كما قال بعض المحققين- أن تصحيحهم لشواهده، فقد وردت أحاديث
تشهد له :
فمنها: حديث عائشة تخيّها عند أبي داود، والحاكم، والبيهقي، وفي سنده ابن
لهيعة، لكن الراوي عنه عبد الله بن وهب، فقد قال الحافظ عبد الغنيّ بن سعيد
الأزديّ: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة، فهو صحيح: ابن المبارك، وابن وهب،
وعبد الله بن يزيد المقرىء انتهى، وزاد غيره عبد الله بن مسلمة القعني، وقد نظمت
ذلك بقولي :
ابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ غَيْرَ مَا رَوَى الْعَبَادِلَةُ عَنْهُ فَاعْلَمَا
أَبْنَاءُ وَهَبٍ وَيَزِيدَ مَسْلَمَهْ وَابْنُ الْمُبَارَكِ حَلِيفُو الْمَكْرَمَةْ
والحاصل أن الحديث صحيح، ولا سيما وحديث الباب يقوّيه. والله تعالى أعلم .
ومنها: عن عبد الرحمن سعد بن عمّار بن سعد مؤذّن رسول اللّه وَ لّ عن أبيه، عن
جدّه، ((أن رسول اللَّه في له كان يكبّر في العيدين، في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي
الآخرة خمسا قبل القراءة)). أخرجه ابن ماجه، والحاكم، والبيهقي. وفي سنده ضعف،
واختلاف .
ومنها: عن ابن عمر تظلّه عند الطحاويّ، والدارقطني، وفيه الفرج بن فَضَالة، وهو
ضعيف. ومنها: عن عليّ رَّه، رواه الضياء في ((المنتقى من مسموعاته بمرو)).
ومنها: حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، ((أن النبي
* كبّر في العيدين، في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة».
(١)- ((الأوسط)) ج٤ ص٢٧٣ -٢٧٩.