النص المفهرس

صفحات 81-100

١٦- (كَرَّاهِيَةُ الاسْتِمْطَارِ بالكَوْكَب) - حديث رقم ١٥٢٤
٨١
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٦- (كَرَاهِيَةُ الاسْتِمْطَارِ
بِالْكَوْكَبِ(١))
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: المراد بالكراهية التحريم، وقد تقدم في أوائل هذا
الشرح بيان المراد بالكراهة عند السلف، وهو أنهم يريدون به التحريم، قال الله تعالى
بعد أن ذكر عدة محرمات، من الشرك، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وغيرها: ﴿كُلُّ
ذَلِكَ كَانَ سَبِّتُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨].
وأما إطلاقه على معنى التنزيه، وخلافٍ الأولى فإنه عرف طارىء للمتأخرين من
الأصوليين، والفقهاء، فينبغي التنبّه لذلك، فإنه من مزال الأقدام، فإن كثيرًا من
المتأخرين لا يعرفون إلا المعنى الثاني، فإذا سمعوا إطلاق السلف للكراهة حملوه على
معنى التنزيه، وخلاف الأولى، وهذا خطأ فاحش. والله تعالى أعلم.
ومعنى الاستمطار بالكوكب: الاستسقاء بها. أفاده في ((اللسان)).
١٥٢٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةً،َ عَنْ أَيِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولَّ اللَّهِ بِهِ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ،
إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ، وَبِالْكَوْكَبٍ(٢).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو) العامري، أبو محمد المصريّ، ثقة [١١]
تقدم ٤٥/ ٥٩٤ .
٢- (ابن وهب) عبدالله المصري الحافظ الثبت [٩] تقدم ٩/ ٩ .
٣- (يونس) بن يزيد الأيليّ، تقدم قبل أربعة أبواب.
(١) وفي نسخة ((بالكواكب)).
(٢) وفي نسخة ((الكوكب، والكوكب» بحذف الجارّ.

٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
٤ - (ابن شهاب) الزهريّ تقدم قبل أربعة أبواب أيضًا.
٥- (عبيدالله بن عبدالله بن عُتبة) المدني الفقيه الثبت [٣] تقدم ٤٥/ ٥٦ .
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه، تقدم١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريين، ونصفه الثاني
مسلسل بثقات المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها) أن فيه عبيد
الله بن عبد الله من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدموا غير مرّة. (ومنها):
أن فيه أبا هريرة رضي أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ) قال في ((الفتح)): وهذا من الأحاديث الإلهية، وهي تحتمل أن يكون النبي ◌َّ-
أخذها عن اللَّه بلا واسطة، أو بواسطة. انتهى (مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي) هذه الإضافة
للعموم بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر، بخلاف قوله: تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانُ﴾ الآية [الحجر: ٤٢]، فإنها إضافة تشريف (مِنْ نِعْمَةٍ) ((من)) زائدة للتقوية، أي ما
أنزلتُ عليهم من مطر (إِلَّ أَضْبَحَ فَرِيقٌ) ((أصبح)) من الأفعال التي ترفع الاسم، وتنصب
الخبر، و((فريق)) اسمها، و((كافرين)) خبرها، وقوله (مِنْهُمْ) متعلق بمحذوف صفة لـ((فريق))
وقوله (پها) متعلق ب(کافِرِینَ) أي جاحدین کونها من الله تعالى، ومن فضله، أو بسببها
كافرين بالمعبود، وبالمنعم الذي أنعم عليهم، لأنها تصير سببا للنسبة إلى غيره
تعالى (يَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ) مبتدأ حذف خبره، أي آتٍ بها، أو فاعل لفعل محذوف، أي
أتى بها الكوكب (وَبِالْكَوْكَبِ) متعلق بمحذوف، أي مُطرنا، أو سُقينا بالكوكب.
وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((مؤمن بي، وكافر)): يحتمل أن يكون المراد بالكفر هنا
كفر الشرك بقرينة مقابلته بالإيمان، ولأحمد من رواية نصر بن عاصم الليثيّ، عن معاوية
الليثيّ، مرفوعًا: ((يكون الناس مُجدبين، فَيُنزل الله عليهم رزقًا من السماء، من رزقه،
فيصبحون مشركين، يقولون: مُطرنا بنوء كذا)).
ويحتمل أن يكون المراد به كفر النعمة، ويرشد إليه قوله في رواية معمر، عن
صالح: ((فأما من حمدني على سُقْيايَ، وأثنى عليّ، فذاك آمن بي))، وفي رواية سفيان

٨٣
١٦- (کراهِیُّ الاسْتِمْطَارِ بالگوْكَب) - حديث رقم ١٥٢٤
عند النسائيّ، والإسماعيليّ نحوه، وقال في آخره: ((وكفر بي))، أو قال: ((كفر نعمتي))،
وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: ((قال اللّه: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح
فريق منهم كافرين بها))، وله في حديث ابن عباس: ((أصبح من الناس شاكر، ومنهم
کافر)).
وعلى الأول حمله كثير من أهل العلم، قال: وأعلى ما وقفت عليه من ذلك كلام
الشافعي ◌َّتُهُ، قال في ((الأمّ)): من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان بعض أهل
الشرك يَعْنُون من إضافة المطر إلى أنه مَطَرُ نوءٍ كذا، فذلك كفر، كما قال رسول الله
وَالر، لأن النوء وقت، والوقت مخلوق، لا يملك لنفسه، ولا لغيره شيئًا، ومن قال:
مُطرنا بنوء كذا على معنى مُطرنا في وقت كذا، فلا يكون كفرًا، وغيرُه من الكلام أحبّ
إليّ منه، يعني حسمًا للمادة، وعلى ذلك يحمل إطلاق الحديث.
وحكى ابن قُتيبة في ((كتاب الأنواء)» أن العرب كانت في ذلك على مذهبين على نحو
ما ذكره الشافعيّ ، قال: ومعنى النَّوْء سقوط نجم في المغرب من النجوم الثمانية
والعشرين التي هي منازل القمر، قال: وهو مأخوذ من ناء : إذا سقط.
وقال آخرون: بل النوء طلوع نجم منها، وهو مأخوذ من ناء : إذا نهض، ولا تخالف
بين القولين في الوقت، لأن كلّ نجم منها إذا طلع في المشرق وقع حال طلوعه آخر في
المغرب، لا يزال ذلك مستمرًا إلى أن تنتهي الثمانية والعشرون بانتهاء السنة، فإن لكلّ
واحد منها ثلاثة عشر يومًا تقريبًا.
قال: وكانوا في الجاهلية يظنّون أن نزول الغيث بواسطة النَّوْء، إما بصنعه على
زعمهم، وإما بعلامته، فأبطل الشرع قولهم، وجعله كفرًا، فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء
صنعًا في ذلك، فكفره كفر تشريك، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة، فليس بشرك،
لكن يجوز إطلاق الكفر عليه، وإرادة كفر النعمة، لأنه لم يقع في شيء من طرق
الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل الكفر فيه على المعنيين، لتناول الأمرين.
والله تعالى أعلم.
ولا يَرِدُ الساكت، لأن المعتقد قد يشكر بقلبه، أو يكفر، وعلى هذا فالقول في
قوله: ((فأما من قال)) لما هو أعمّ من النطق والاعتقاد، كما أن الكفر فيه لما هو أعمّ من
كفر الشرك، وكفر النعمة، والله أعلم بالصواب. انتهى (١) . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((فتح)) ج٣ ص ٢١٩ - ٢٢٠ .

٨٤
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بیان مواضع ذکر المصنف له:
أخرجه هنا-١٥٢٤/١٦- وفي ((الكبرى)) - ١٨٣٥/١٤ - وفي ((عمل اليوم والليلة))
رقم ٩٢٣- بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٥٩/١ (أحمد)٣٦٢/٢ و٣٦٨/٢ و٤٢١/٢ ٥٢٥/٢ (الحميدي) ٩٧٩.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٢٥- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيٌّ، قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَّى عَهْدِ النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ: )) أَمَّ
تَسْمَعُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ، إِلَّا أَضْبَحَ طَائِفَةٌ
مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِتَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَأَمَّا مَنْ آمَنَ بِي، وَحَمِدَنِي عَلَى
سُقْبَايَ، فَذَاكَ الَّذِي آمَنَ بِي، وَكَفَرَ بِالْكَوْكَبٍ، وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِتَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَاكَ
الَّذِي كَفَرَ بِي، وَآمَنَ بِالْكَوْكَبٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد، ثقة ثبت [١٠]، تقدم ١/١.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ١/١.
٣- (صالح بن كيسان) أبو محمد المدني، ثقة ثبت فقيه [٤] تقدم ١٩٦/ ٣١٤.
٤- (عبيدالله بن عبدالله) بن عتبة المذكور في السند الماضي.
٥- (زيد بن خالد الجُهَنيّ) المدني الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه، تقدم٨/
٧٥٦ .
[تنبيه]: وقع في النسختين المطبوعتين من ((المجتبى)) ((يزيد بن خالد)) بزيادة الياء،
وهو غلط. فتنبه. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه ما بين بغلاني، وهو شيخه، ومكي، وهو سفيان،
ومدنيين، وهم الباقون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.

٨٥
١٦- (كراهِیةُ الاسْتِمْطَارِ بالكوكب) - حديث رقم ١٥٢٥
شرح الحديث
(عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيّ) رضي اللّه تعالى عنه، قال الحافظ رحمه الله تعالى:
هكذا يقول صالح بن كيسان، لم يُختلف عليه في ذلك، وخالفه الزهريّ، فرواه عن
شيخهما عبيدالله، عن أبي هريرة، كما تقدم في الرواية التي قبل هذا، وقد صحح
الحديث مسلم بالطريقين، فأخرجهما في ((صحيحه)) بهما، لأن عبيدالله سمع من زيد
بن خالد، وأبي هريرة تعليق جميعًا عدّة أحاديث ، منها حديث العَسِيف، وحديث الأمة
إذا زنت، فلعله سمع هذا منهما ، فحدّث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا، وإنما لم
يجمعهما لاختلاف لفظهما، كما سنشير إليه.
وقد صرّح صالح بسماعه له من عُبيداللَّه عند أبي عوانة، وروى صالح ، عن عبيدالله
بواسطة الزهريّ عدّة أحاديث، منها حديث ابن عباس في شاة ميمونة، وحديثه عنه في
قصة هرقل انتهى (١) (قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ نَّ) وفي رواية البخاريّ: ((صلى
لنا رسول اللّه وَل صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء، كانت من الليل، فلما انصرف
النبي ◌َّرَ أقبل على الناس ... )) (فَقَالَ: ) أَلَمْ تَسْمَعُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟) وفي رواية
البخاريّ: ((هل تدرون، ما ذا قال ربكم؟، قالوا: الله ورسوله أعلم)) (قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ
عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ، إِلَّا أَصْبَحَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ) قال القرطبي في ((المفهم)):
ظاهره أنه الكفر الحقيقيّ، لأنه قابل به المؤمن الحقيقيّ، فيُحمل على من اعتقد أن
المطر من فعل الكواكب وخلقها، لا من فعل اللّه تعالى، كما يعتقده بعض جهال
المنجّمين، والطبائعيين، والعرب.
فأما من اعتقد أن اللّه تعالى هو الذي خلق المطر، واخترعه، ثم تكلم بذلك القول،
فليس بكافر، ولكنه مخطئ من وجهين:
(أحدهما): أنه خالف الشرع ، فإنه حذّر من ذلك الإطلاق.
(وثانيهما): أنه قد تشبّه بأهل الكفر في قولهم ، وذلك لا يجوز ، لأنا أمرنا
بمخالفتهم، فقال: ((خالفوا المشركين))(٢)، و((خالفوا اليهود))(٣)، ونهينا عن التشبّه
بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأفعال والأقوال، ولأن الله تعالى قد منعنا من
التشبه بهم في النطق بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾ لآية
[البقرة: ١٠٤] لَمّا كان اليهود يقولون تلك الكلمة للنبي وَّله يقصدون ترعينه، منعنا اللّه
(١) ((فتح)) ج٣ ص٢١٨ .
(٢) متفق عليه .
(٣) أخرجه أبو داود.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
٨٦
=
من إطلاقها، وقولها للنبي ص، وإن قصدنا بها الخير، سدّا للذريعة، ومنعنا من التشبّه
بهم.
فلو قال غيرَ هذا اللفظ الممنوع یرید به الإخبار عما أجرى اللَّه تعالى به سنته جاز،
كما قال ص : ((إذا أنشأت بحرية، ثم تشاءمت فتلك عين غُدَيقة(١))) انتهى كلام
القرطبي(٢).
(يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوء كَذَا وَكَذَا) أي مُطرنا بطلوع نجم، وسقوط آخر، قال الزجاج:
والنوء على الحقيقة سقوط نجم في المغرب، وطلوع آخر في المشرق، فالساقطة في
المغرب هي الأنواء، والطالعة في المشرق هي البَوَارِحُ، قال: وقال بعضهم: النوء
ارتفاع نجم من المشرق، وسقوط نظيره في المغرب ، وهو نظير القول الأول، فإذا قال
القائل : مُطرنا بنَوء الثريّا، فإنما تأويله أنه ارتفع النجم من المشرق ، وسقط نظيره في
المغرب، أي مطرنا بما ناء به هذا النجم، قال: وإنما غَلّظ النبي ◌َّ فيها لأن العرب
كانت تزعُمُ أن ذلك المطر الذي جاء بسقوط نجم، هو فعل النجم، وكانت تنسب
المطر إليه، ولا يجعلونه سُقيا من اللَّه، وإن وافق سقوطَ ذلك النجم المطرُ يجعلون
النجم هو الفاعل . ذكره في ((اللسان)).
وقال الحافظ ابن عبدالبرّ ◌َّثُ: والنّوء في كلام العرب واحد أنواء النجوم، يقال:
ناء النجم يَنُوءُ: أي نَّضَ ينهَضُ للطلوع، وقد يكون أن يميل للمغيب، ومما قيل:
ناوأت فلانا بالعداوة: أي ناهضته، ومنه قولهم: الحَمْلُ ينوءُ بالدّابّة، أي يميل بها،
وكلّ ناهض بثقل وإبطاء فقد ناء. والأنواء على الحقيقة النجوم التي هي منازل القمر،
وهي ثمان وعشرون منزلة، فكلما غاب منها منزل بالمغرب طلع رقيبه من المشرق،
فليس يعدم منها أبدًا أربعة عشر للناظرين في السماء، وإذا لم ينزل مع النوء ماء، قيل:
خَوَى النجمُ، وأخوى، وخوّى النوء، وأخلف ، وأما العرب فكانت تضيف المطر إلى
النوء، وهذا عندهم معروف مشهور في أخبارهم، وأشعارهم، فلما جاء الإسلام نهاهم
رسول اللّه وَ ل ◌ّر عن ذلك، وأدّبهم، وعرّفهم ما يقولون عند نزول الماء، وذلك أن
يقولوا: «مُطرنا بفضل الله، ورحمته))، ونحو هذا من الإيمان والتسليم، لما نطق به
(٣)
القرآن انتهى (٣).
(١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، وقال: تفرّد به الواقديّ اهـ والكلام في الواقديّ مشهور. و
((غُديقة)) تصغير غَدَقَة: كثيرة الماء.
(٢) انظر ((المفهم)) ج١ ص٢٥٩-٢٦١.
(٣) ((التمهيد)) ج١٦ ص ٢٨٧ -٢٨٨ .

١٦- (كَرَاهِيَةُ الاسْتِمْطَارِ بِالكَوْكَب) - حديث رقم ١٥٢٥
٨٧
(فَأَمَّا مَنْ آمَنَ بِي، وَحَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ) بضم السين اسم من سقاه الله (فَذَاكَ الَّذِي
آمَنَ بِي، وَكَفَرَ بِالْكَوْكَبِ) أي صدّق بأن المطر خلقي ، لا خلق الكوكب، أرحم به
عبادي، وأتفضّل به عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ
وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] (وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا،
فَذَاكَ الَّذِي كَفَرَ بِي، وَآمَنَ بِالْكَوْكَبٍ) حيث نسب للمخلوق ما هو من خصوصيات
الخالق، فجحد نعمة الله تعالى في ذلك، وظلم بنسبتها لغير المنعم بها، فإن كان ذلك
عن اعتقاد كان كافرًا ظالمًا حقيقة، وإن كان عن غير اعتقاد، فقد تشبّه بأهل الكفر
والظلم الحقيقيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث زيد بن خالد الجهني رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا - ١٥٢٥/١٦- وفي ((الكبرى)) ١٤/ ١٨٣٤ - و ((عمل اليوم والليلة)) رقم
٩٢٤-بالسند المذكور. وفي ((عمل اليوم والليلة)) ٩٢٥- عن محمد بن سلمة، عن ابن
القاسم، عن مالك، عن صالح بن كيسان به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ)٢١٤/١ و١٥٥/٥-و١٧٧/٩ (م)٥٩/١ (د) ٣٩٠٦ (مالك في الموطأ)
١٣٦ (الحميدي) ٨١٣ (أحمد) ١١٥/٤/ ١١٦/٤ و١١٧/٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف الثّثهُ، وهو تحريم الاستمطار بالكواكب. (ومنها):
وجوب شكر الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَّجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]،
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: شكركم، وقال الطبريّ: المعنى وتجعلون الرزق
الذي وجب عليكم به الشكر تكذيبكم به، وقيل: بل الرزق بمعنى الشكر في لغة أزد
شنوءة. نقله الطبري عن الهيثم بن عديّ.
وقد أخرج سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، أنه
كان يقرأ: ((وتجعلون شكركم أنكم تكذّبون)). وأخرج مسلم من طريق أبي زُميل، عن
ابن عباس، قال: ((مُطِرَ الناسُ على عهد رسول اللَّه ص)) فذكر نحو حديث زيد بن
خالد في الباب، وفي آخره: («فأنزلت هذه الآية: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَفِعِ النُّجُومِ﴾ إلى

٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
قوله: ﴿تكذّبون﴾ [الواقعة: ٧٥](١) .
(ومنها): استحباب أن يقول عند نزول المطر: مُطرنا بفضل الله ورحمته. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٢٦- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَتَّابٍ بِ خُنَيْنِ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((لَوْ أَمْسَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَطَرَ عَنْ
عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ لَأَصْبَحَتْ طَائِقَةٌ مِنَ النَّاسِ كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: سُقِينَا بِنَوْءِ
الْمِجْدَحِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عبد الجبّار بن العلاء) العطار، أبو بكر البصريّ، نزيل مكة، لا بأس به، من
صغار [١٠] ١٩٩/١٣٢.
٢- (سفيان) بن عُيينة المذكور في السند الماضي.
٣- (عمرو) بن دينار الجمحي المكيّ، ثقة ثبت [٤] تقدم ١١٢/ ١٥٤.
٤- (عتّاب بن حُنين) أو ابن أبي حُنين، مقبول [٤].
روی عن أبي سعيد الخدري حدیث الباب فقط. وعنه عمرو بن دينار، ویحیی بن
عبدالله بن صيفي، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وفي ((مسند أحمد)) جـ٣ ص ٧: قال
سفيان -يعني ابن عيينة -: لا أدري من عتّاب؟. انفرد به المصنف بحديث الباب فقط.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ: ((غياث)) بالغين المعجمة، والتحتانية، والمثلثة بدل
((عتّاب))، وهو تصحیف، فتنبه.
٥- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنهما، تقدم١٦٩/
٢٦٢ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) رضي اللّه تعالى عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لَوْ أَمْسَكَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَطَرَ عَنْ عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ) وفي ((عمل اليوم والليلة)) من طريق حماد بن
سلمة، عن عمرو بن دينار: ((لو أمسك اللَّه القطر عن الناس عشر سنين ... )) (ثُمَّ أَرْسَلَهُ
لَأَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: سُقِينًا) بالبناء للمفعول (بِتَوْءِ الْمِجْدَحِ)
بكسر الميم، وتُضمّ، وفي ((عمل اليوم والليلة)): قال أبو عبدالرحمن -أي النسائي -:
المجدَح الشّغْرَی انتھی
(١) انظر ((الفتح) ج٣ ص٢١٨ .

١٧- (مَسْأَلَةُ الإِمَامِ رَقْعَ الْمَطَرِ إِذاَ خَافَ ... - حديث رقم ١٥٢٧
=
٨٩
وفي ((زهر الربى)): المجدح نجم من النجوم، قيل: هو الدَّبَرَان، وقيل: هو ثلاثة
كواكب كالأثافي، تشبيهًا بالمِجدح(١) الذي له ثلاث شُعَب، وهو عند العرب من الأنواء
الدالّة على المطر(٢).
وقال الحافظ ابن عبدالبرّ : زعم الخليل أن المجدح نجم كانت العرب تزعم أنها
تُمطَر به، فيقال: أرسلت السماء بمجادح الغيث، ويقال: مِجدح، ومُجدح بالكسر،
والضمّ. انتهى(٣).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري رضي اللَّه تعالى عنه هذا ضعيف، لتفرد عتّاب بن حُنين
به، وهو -كما في ((ت))- مقبول، أي يحتاج إلى متابع، وقد تقدم أن ابن عيينة قال: لا
أدري من هو؟. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بیان مواضع ذکر المصنف له:
أخرجه هنا-١٥٢٦/١٦- وفي ((الكبرى)) ١٨٣٦/١٤- بالإسناد المذكور. وفي
((عمل اليوم والليلة)) ٩٢٦- عن أبي داود سليمان بن سيف، عن عفّان بن مسلم، عن
حماد بن سلمة، عن عمرو به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٧- (مَسْأَلَةُ الإِمَامَ رَفْعَ الْمَطَرِ إِذَا
خَافَ ضَرَرَهُ (٤))
١٥٢٧- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ
أَنَسِ، قَالَ: قَحَطَ الْمَطَرُ عَامًا، فَقَامَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّبِّ وَِّ فِي يَوْمِ لُمعَةٍ، فَقَالَ:
(١) و((المِجدح)) عُودٌ مُجَنَّحُ الرأس يُسَاط به الأشربة، وربما يكون له ثلاث شُعَب اهـ ((لسان)).
(٢) انظر ((زهر الربى)) ج٣ ص ١٦٥.
(٣) ((الاستذكار)) ج ٧ ص١٥٩ - ١٦٠.
(٤) وفي نسخة ((ضررًا)).

٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
يَا رَسُولَ اللَّهِ قَحَطَ الْمَطَرُ ، وَأَجْدَبَتِ الْأَرْضُ (١)، وَهَلَكَ الْمَالُ، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ(٢)،
وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ، فَمَدَّ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِنْطَيْهِ، يَسْتَسْقِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ،
قَالَ: فَمَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ حَتَّى أَهَمَّ الشَّابِّ الْقَرِيبَ الدَّارِ الرُّجُوعُ(٣) إِلَى أَهْلِهِ، فَدَامَتْ
◌ُمعَةٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الَّتِي تَلِيهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَّدَّمَتِ الْبُيُوتُ، وَاحْتَبَسَ
الرُّكْبَانُ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ لِ لّهِ لِسُرْعَةِ مَلَالَةِ ابْنِ آدَمَ، وَقَالَ بِيَدَيْهِ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا،
وَلَا عَلَيْنَا))، فَتَكَشَّطَتْ (٤) عَنِ الْمَدِينَةِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (عليّ بن حُجر) السعديّ المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣.
٢- (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، ثقة ثبت [٨] تقدم١٦ / ١٧.
٣- (حميد) بن أبي حميد الطويل البصريّ، ثقة ثبت [٥] تقدم ٨٧ /١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك رَّه، تقدم ٦/٦.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيات المصنف ◌َخّْثهُ، وهو (٨٩) من
رباعيات الكتاب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم الكلام عليه مستوفّی
في ١٥٠٥/١- فلا حاجة إلى إعادته هنا، إلا أن نوضّح بعض ما يُستغرَب منه:
فقوله: ((قَحَطَ المطرُ))، بالبناء للفاعل، وللمفعول، يقال: فَحَطَ المطرُ قَخْطًا، من
باب نَفَعَ: احتبس، وحَكَى الفرّاء: قَحِطَ قَحَطًا، من باب تَعِبَ، وقَحُطَ بالضمّ، فهو
قَحِيطٌ، وقُحِطَت الأرضُ، والقومُ بالبناء للمفعول، وبلدٌ مقحوطُ، وبلادٌ مَقَاحيط،
وأقحط اللَّه الأرضَ بالألف، فَأَفْحَطَتْ، وهي مُقْحِطَةٌ، وأَقْحَطَ القومُ: أصابهم القَخْطُ
بالبناء للفاعل والمفعول. قاله الفيّوميّ(٥).
وقوله: ((وأجدبت الأرضُ))، ويقال: جَدِبَت، من باب تَعِبَ: انقطع المطر عنها.
وقوله: ((حتى أهمّ الشابّ)) بالنصب مفعول ((أهمّ))، و((القريبَ)) صفته، وهو مضاف
إلى ((الدار)) من إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها، و((الرجوع)) بالرفع فاعل ((أهم)).
وقوله: ((فدامت)) أي السحابة الماطرة ((جمعة)) بالنصب على الظرفية، وهو في معنى
(١) وفي نسخة ((البلاد)).
(٢) وفي نسخة (يده)).
(٣) وفي نسخة ((أن يرجع)).
(٤) وفي نسخة ((فتكشّفت)).
(٥) ((المصباح المنير)) جـ٢ ص ٤٩١ .

٩١
١٨ - (بَأَبُّ رَفْع الإِمَامِ يَدَيَّهِ عِنْدَ مَسْأَلَةٍ ... - حديث رقم ١٥٢٨
ما تقدم، من قوله: ((سبتًا)).
وقوله: ((لسرعة ملالة ابن آدم)) بفتح الميم مصدر مَلَّ، يقال: مَلِلْتُهُ، ومَلِلْتُ منه،
مَلَلًا، من باب تَعِبَ، ومَلَالَةُ: سَئِمْتُ، وضَجِرْتُ. قاله في ((المصباح)). أي لسرعة
سآمته، وضَجَره من كثرة نعم الله عليه، إذ كانوا في الجمعة السابقة يشكُون من طول
الجدب، فأزال اللَّه عنهم ذلك بدعوة النبي ◌َّير المباركة، ثم جاءوا في الجمعة الثانية
يشكُون من كثرة الأمطار.
ومن طبيعة الإنسان أن يسأم عند توالي النعم عليه، فلقد سئم بنو إسرائيل من المنّ
والسلوى، وطلبوا الأدنى من ذلك، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ
تَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ الآية
[البقرة: ٦١]، ولقد أحسن من قال وأجاد في المقال [من الرمل]:
يَتَمَنَّى الْمَرْءُ فِي الصَّيْفِ الشَِّا فَإِذَا جَاءَ الشِّئَا أَنْكَرَهُ
فَهْوَ لَا يَرْضَى بِحَالٍ وَاحِدٍ قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ
وقوله: ((فتكشطت))، أي تكشّفت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٨- (بَابُ رَفْع الإِمَامِ يَدَيْهِ عِنْدَ
مَسْأَلَةٍ إِمْسَّاكِ الْمَّطَرِ)
١٥٢٨- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِد، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) أَبُو
عَمْرِو الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ سَنَةٌ
عَلَىْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، يَخَطُبُ عَلَى الْمِثْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ
أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ
وَ﴿ بَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَّعَةً، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ سَحَابٌ (٢)
(١) وفي نسخة ((حدثنا))، وفي أخرى ((أخبرنا)).
(٢) وفي نسخة ((السحاب)).

٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
أَمْثَالُ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتْحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَمُطِرْنَا يَوْمَنًا
ذَلِكَ، وَمِنَ الْغَدِ، وَالَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ، أَوْ قَالَ:
غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَّدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَاهـ
يَدَيْهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا))، فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ(١) إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ، إِلَّا
انْفَرَجَتْ (٢)، حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ الْوَادِي، وَلَمْ يَجِئْ أَخَّدٌ مِنْ
نَاحِيَةِ (٣)، إِلَّا أَخْبَرَ بِالْجَوْدِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمود بن خالد) السلميّ، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، من صغار[١٠] تقدم ٤٥/
٥٩٥ .
٢- (الوليد بن مسلم) القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقة كثير التدليس
والتسوية [٨] تقدم ٤٥٤/٥ .
٣- (أبو عمرو الأوزاعيّ) عبدالرحمن بن عمرو الدمشقي الإمام الفقيه الحجة [٧]
تقدم ٤٥ / ٥٦ .
٤ - (إسحاق بن عبدالله) بن أبي طلحة، أبو يحيى الأنصاريّ المدني، ثقة حجة [٤]
تقدم ٦٨/٥٤.
٥- (أنس بن مالك) وَزليه المذكور في السند الماضي.
وقوله: ((أصاب الناسَ سنةً)) بنصب ((الناس)) على أنه مفعول مقدم، ورفع ((سَنَةً)) على
أنه فاعل مؤخر والسنة: القحط .
وقوله: (( حتى ثار سحاب أمثال الجبال)) أي هاج، وهذا بالنظر إلى المآل، وما سبق
من قوله: ((فطلعت سحابة مثل الترس)) كان بالنظر إلى ما عليه في أول الحال، فلا منافاة
بین الروايتين.
وقوله: (یتحادر)) أي یسیل.
وقوله: ((ما وضعها)) هكذا نسخ ((المجتبى)) بإفراد الضمير مع أن المرجع
مثنّى، ويؤوّل بالمذكورة، والذي في ((الكبرى)) ((ما وضعهما)) بضمير التثنية، وهو
الأولى.
(١) وفي نسخة ((بيديه)).
(٢) وفي نسخة ((تفرّجت)).
(٣) وفي نسخة ((من ناحيته)).

١٨- (بَأَبُ رَفْعُ الإِمَامِ يَدَيِّ عِنْدَ مَسْأَلَةَ ... - حديث رقم ١٥٢٨
٩٣
وقوله: ((مثل الجَوْبة)) بفتح الجيم، وسكون الواو، بعدها موحدة: أي الفرجة.
وقال ابن منظور: والجَوْبة : فَجْوَةُ ما بين البيوت، والجَوبةُ : الحفرة، والجوبةُ
فضاء أملس ، سهلٌ بين أرضين، وقال أبو حنيفة - يعني الدينوريّ -: الجوبة من
الأرض الدّارَة، وهي المكان المُنْجَاب الوَطِىءُ من الأرض، القليلُ الشجرِ، مثلُ الغائط
المستدير، ولا يكون في رَمْل، ولا جبل، إنما يكون في أَخْلاد الأرض، ورِحَابها،
سمي جوبة لانجياب الشجر عنها، والجمع جَوْبَات، وجُوَبٌ نادرٌ.
وفي ((التهذيب)): الجَوْبة شِبْهُ رَهْوَة تكون بين ظهراني دُور القوم، يسيل منها ماء
المطر، وكلّ منفتق يتّسع فهو جَوبة، وفي حديث الاستسقاء: ((حتى صارت المدينة مثل
الجوبة)) قال: هي الْحُفْرَة المستديرة الواسعة، وكلّ منفتق بلا بناء جَوْبةٌ، أي حتى صار
الغيم والسحاب محيطًا بآفاق المدينة. انتهى(١).
وقال القرطبي: المعنى أن السحاب تقطّع حول المدينة مستديرًا، وانكشف عنها
حتى باينت ما جاورها مباينة الجوبة لما حولها(٢) .
وضبطه بعضهم بالنون بدل الموحّدة، قال عياض: وهو تصحيف(٣).
وقوله: ((بالجود)) بفتح الجيم، وسكون الواو، بعدها دال مهملة: أي المطر الواسع
الغزير.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في ١/
١٥٠٥، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) ((لسان العرب)) في مادة ((جوب)).
(٢) ((المفهم» ج٢ ص٥٤٥.
(٣) ((زهر الربى)) ج٣ ص ١٦٧.

٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ
١٧ - كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ
أي هذا كتاب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية صلاة الخوف، وبيان كيفيتها.
والإضافة من باب إضافة الحكم إلى سببه .
(اعلم): أنه لما كان لصلاة الخوف أحكام، وصفات تختصّ بها عن غيرها من
الصلوات الأَمْنِيَّة دعت الحاجة إلى تقديم بعض تنبيهات، ليكون الطالب على بصيرة،
ويمكن الإحالة إليها عند الحاجة في بيان الأحاديث الآتية، إن شاء الله تعالى:
(الأول): قال القرطبي رحمه الله تعالى في ((المفهم)): قولنا: صلاة الخوف، هي
الصلاة المعهودة، تحضر، والمسلمون متعرّضون لحرب العدوّ، وقد اختلف العلماء،
هل للخوف تأثير في تغيير الصلاة المعهودة عن أصل مشروعيتها المعروفة، أم لا؟:
فذهب الجمهور إلى أن للخوف تأثيرًا في تغيير الصلاة على ما يأتي تفصيل
مذاهبهم .
وذهب أبو يوسف إلى أنه لا تغيير في الصلاة لأجل الخوف اليوم، وإنما كان التغيير
المرويّ في ذلك، والذي عليه القرآن خاصًا بالنبي ◌َالغير، مستدلا بخصوصية خطابه تعالى
لنبيه وَلهال بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]. قال:
فإذا لم یکن فیھم لم تکن صلاة الخوف. وهذا لا حجة فيه لثلاثة أوجه:
(أحدها): أنا أُمرنا باتباعه، والتأسي به، فيلزم اتباعه مطلقًا، حتى يدلّ دليل واضحٌ
على الخصوص، ولا يصلح ما ذكره دليلًا على ذلك، ولو كان مثل ذلك دليلاً على
الخصوصية للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ يلزم أن تكون الشريعة
قاصرة على من خوطب بها، لكن قد تقرّر بدليل إجماعيّ أن حكمه على الواحد حكمه
على الجميع، وكذلك ما يُخاطَبُ هو به، كقوله تعالى: ﴿فَإِن كُنْتَ فِ شَكٍ﴾
[يونس: ٩٤]، ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اَللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤]، ونحوه كثير .
(وثانيها): أنه قد قال النبي وَله: ((صلّوا كما رأيتموني أصلي)). متفق عليه.
(وثالثها): أن الصحابة * اطرحوا توهّم الخصوص في هذه الصلاة، وعَدَّوه إلى غير
النبي ◌َّر، وهم أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، فلا يُلتفت إلى قول من ادّعى
الخصوصيّة. انتهى كلام القرطبي رحمه اللّه تعالى(١).
(١)- ((المفهم)) ج٢ ص٤٦٨ -٤٦٩.

٩٥
١٧ - كِتَبُ صَلَاةِ الْخَوْفِ - حديث رقم ١٥٢٩
وقال في ((الفتح)): معنى قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم﴾ أي سافرتم، ومفهومه أن القصر
مختصّ بالسفر، وهو كذلك، وأما قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فمفهومه اختصاص القصر
بالخوف أيضًا، وقد سأل يعلى بن أميّة الصحابيُّ عمرَ بن الخطّاب عن ذلك تَزاته ،
فذكر أنه سأل رسولَ اللَّه وَ له عن ذلك، فقال: ((صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم فاقبلوا
صدقته))، أخرجه مسلم، فثبت القصر في الأمن ببيان السنّة. واختلف في صلاة الخوف
في الحضر، فمنعه ابن الماجشون، أخذًا بالمفهوم أيضًا، وأجازه الباقون .
وأما قوله: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ فقد أخذ بمفهومه أبو يوسف في إحدى الروايتين
عنه، والحسن بن زياد اللؤلؤيّ من أصحابه، وإبراهيم ابن عليّة، وحكي عن المزنيّ
صاحب الشافعيّ .
واحتُجّ عليهم بإجماع الصحابة على فعل ذلك بعد النبي ◌َّ، وبقوله بَّى: ((صلّوا كما
رأيتموني أصلي))، فعموم منطوقه مقدّم على ذلك المفهوم .
وقال ابن العربيّ وغيره: شرط كونه وَّل# فيهم إنما ورد لبيان الحكم، لا لوجوده،
والتقدير بيّن لهم بفعلك لكونه أوضح من القول، ثم إن الأصل أن كلّ عذر طرأ على
العبادة فهو على التساوي كالقصر، والكيفيةُ وردت لبيان الحَذَر من العدوّ، وذلك لا
يقتضي التخصيص بقوم دون قوم .
وقال الزين ابن المنير: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم، كالخوف
في قوله تعالى: ﴿أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾. وقال الطحاويّ: كان أبو يوسف
قد قال مرةً: لا تُصلَّى صلاةُ الخوف بعد رسول اللَّه وَّر، وزعم أن الناس إنما صلّوها
معه لفضل الصلاة معه صلى اللّه عليه سلم، قال: وهذا القول عندنا ليس بشيء، وقد
كان محمد بن شُجاع يَعيبه، ويقول: إن الصلاة خلف النبي ◌َّ، وإن كانت أفضل من
الصلاة مع الناس جميعًا، إلا أنه يقطعها ما يقطع الصلاة خلف غيره انتهى (١).
(الثاني): أنه قد ورد في كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة، ورجّح ابن عبد البرّ
الكيفية الواردة في حديث ابن عمر رؤيتنا الآتي - ١٥٥٤٠- على غيرها لقوة الإسناد،
ولموافقة الأصول في أن المأموم لا يُتمّ صلاته قبل سلام إمامه. وعن أحمد قال: ثبت
في صلاة الخوف ستة أحاديث، أو سبعة أيها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث
سهل بن أبي حثمة تظمفي الآتي ((١٥٣٦ - و١٥٥٣))، وكذا رجحه الشافعيّ، ولم يختر
إسحاق شيئًا على شيء، وبه قال الطبريّ، وغير واحد، منهم ابن المنذر، وسَرَدّ ثمانية
(١)- فتح ج٣ ص ١٠٠.

== ٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ
أوجه، وكذا ابن حبّان في («صحيحه»، وزاد تاسعًا.
وقال ابن حزم: صحّ فيها أربعة عشر وجهًا، وبيّنها في ((جزء مفرد)). وقال ابن
العربي في ((القبس)): جاء فيها روايات كثيرة، أصحها ستة عشر رواية مختلفة، ولم
يُبيّتها. وقال النوويّ: نحوه في ((شرح مسلم))، ولم يبينها أيضًا، وقد بينها الحافظ أبو
الفضل العراقيّ في ((شرح الترمذيّ))، وزاد وجهًا آخر، فصارت سبعة عشر وجهًا، لكن
يمكن أن تتداخل. وقال صاحب ((الهدي)): أصلها ستّ صفات، وبلّغها بعضهم أكثر،
وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصّة جعلوا ذلك وجهًا من فعل النبي ◌َِّ، وإنما
هو من اختلاف الرواة انتهى .
قال الحافظ: وهذا هو المعتمد، وإليه أشار شيخنا -يعني الحافظ العراقي - بقوله:
يمكن تداخلها. وحكى ابن القصّار المالكيّ أن النبي وَلهر صلاها عشر مرّات. وقال ابن
العربي: صلاها أربعًا وعشرين مرّة. وقال الخطابيّ: صلاها النبي ◌َّ في أيام مختلفة
بأشكال متباينة، يتحرّى فيها ما هو الأحوط للصلاة، والأبلغ للحراسة، فهي على
(١)
اختلاف صورها متفقة المعنى انتهى
وقال الحافظ الزيلعي ◌َّلهُ في ((نصب الراية)): ذكر بعض الفقهاء أن النبي وَلقول
صلاها في عشرة مواضع، والذي استقرّ عند أهل السير، والمغازي أربعة مواضع: ذات
الرقاع، وبطن نخل، وعُسفان، وذو قرد، فحديث ذات الرقاع أخرجه البخاريّ وغيره
عن سهل بن أبي حثمة، وفي لفظ للبخاريّ ((عمن صلى مع النبي ◌َّ))، وحديث بطن
نخل أخرجه أبو داود، والنسائيّ عن جابر، قال: كنا مع النبي ◌َّ- ببطن نخل، والعدوّ
بيننا وبين القبلة ... الحديث. وحديث عُسفان أخرجه أبو داود، والنسائيّ عن أبي
عيّاش الزرقيّ. وحديث ذي قرد أخرجه النسائيّ عن ابن عباس أنه وَلّ صلى بذي
قرد ... الحديث انتهى (٢).
(الثالث): أنه اختلف في أيّ سنة شُرعت صلاة الخوف؟ فقال الجمهور: إن أول ما
صليت في غزوة ذات الرقاع، واختلف أهل السير في أيّ سنة كانت هي؟، فقال عامّة
أهل السير، ابن إسحاق، وابن عبد البرّ، وغيرهما: إنها كانت بعد بني النضير،
والخندق، في جمادى الأولى سنة أربع. وقال ابن سعد، وابن حبّان: في عاشر محرّم
سنة خمس. وقال أبو معشر: بعد بني قريظة في آخر السنة الخامسة، وأول التي تليها .
وقال البخاريّ: بعد خيبر في السنة السابعة، ورجحه الإمام ابن القيّم، والحافظ،
(١)- راجع ((الفتح)) ج٣ = ١٠٢.
(٢) - راجع ((نصب الراية)) ج٢ ص ٢٤٧.

٩٧
١٧ - كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ - حديث رقم ١٥٢٩
وذهب ابن القيّم إلى أن أول صلاة صليت للخوف بعسفان، وكانت في عمرة الحديبية،
وهي بعد الخندق، وقريظة سنة ست، وصليت بذات الرقاع أيضًا، فعلم أنها بعد
الخندق، وبعد عُسفان، وقد بسط الكلام في ((الهدي)) في الاستدلال لذلك، وإليه جنح
الحافظ في ((الفتح))، حيث قال بعد الاستدلال لهذا القول: وإذا تقرّر أن أول ما صليت
صلاة الخوف بعسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة، وقد
صليت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد عسفان، فتعين تأخرها عن
الخندق، وعن قريظة، وعن الحديبية أيضًا، فيقوى القول بأنها بعد خيبر، لأن غزوة
خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية انتهى(١) .
(الرابع): أنهم اتفقوا على أن النبي وَ لير لم يصل صلاة الخوف في غزوة الخندق،
واختلفوا في سبب ذلك، فقيل: كانت بعد نزول صلاة الخوف، وأنه أخرها نسيانًا،
يدل عليه ما روى أحمد من حديث ابن لهيعة عن أبي جمعة حبيب بن سباع، قال: إن
رسول اللَّه وَ ليل عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: ((هل علم أحد منكم أني
صليت العصر؟)) قالوا: لا يا رسول اللَّه، ما صليتها، فأمر المؤذن، فأقام، فصلى
العصر، ثم أعاد المغرب. قال الحافظ: وفي صحته نظر، لأنه مخالف لما في
((الصحيحين)) من قوله وَ لقول لعمر: ((والله ما صليتها)). ويمكن الجمع بينهما بتكلف .
وقيل: أخرها عمدًا، لأنه كان مشغولا بالقتال، والاشتغالُ بالقتال، والمسايفة يمنع
الصلاة. قاله صاحب ((الهداية))، والطحاويّ، وأبو بكر الجصاص.
وقيل: لأنه لم يكن أمر حينئذ أن يصلي صلاة الخوف راكبا، فقد رُوي عن أبي سعيد
الخدريّ رَزَّه، قال: ((كنا مع رسول اللّه وَ ليل يوم الخندق، فشغلنا ... )) الحديث،
وفي آخره: ((وذلك قبل أن ينزل عليه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًّا أَوْ رُكْبَانًا﴾))، أخرجه أحمد،
والنسائيّ، والطيالسيّ، وعبد الرزاق، وغيرهم. وقيل: لتعذر الطهارة. وقيل: لأنه كان
في الحضر، وشرط صلاة الخوف أن تكون في السفر (٢) . قاله ابن الماجشون.
وقيل: أخرها عمدًا لأنه كانت قبل نزول صلاة الخوف، وإليه ذهب الجمهور، كما
قال ابن رشد، وبه جزم ابن القيّم في ((الهدي))، والحافظ في ((الفتح))، والقرطبي في
((شرح مسلم))، وعياض في ((الشفا»، وغيرهم، وهو الراجح(٣) والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
(١)- راجع ((الفتح)) ج٨ ص ١٨٧ - ١٨٨. ومرعاة (المفاتيح)) ج٥ ص١.
(٢)- سيأتي أن الراجح مشروعيتها في الحضر أيضًا.
(٣)- ((المرعاة)) ج٥ ص١- ٢ .

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ
١٥٢٩- أَخْبَرَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ
الْأَشْعَثِ بْنِ أَبِي الشّعْنَاءِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَم، قَالَ: كُنَّا مَعَ سَعِيدٍ
ابْنِ الْعَاصِي بِطَبَرِسْتَانَ، وَمَعَنَا خُذَيْفَةُ بَنُ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهُ
صَلَةَ الْخَوْفِ؟، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا، فَوَصَفَ، فَقَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ
بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، صَفَّ خَلْفَهُ، وَطَائِفَةٌ أُخْرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الَّتِي تَلِيهِ
رَكْعَةً، ثُمَّ نَكْصَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافٌ أُولَئِكَ، وَجَاءَ أُولَئِكَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإمام الحجة الثبت [١٠] تقدم ٢/٢.
٢- (وكيع) بن الجرّاح، أبو سفيان الرؤاسي الكوفي، ثقة حافظ [٩] تقدم ٢٥/٢٣.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٣٧/٣٣.
٤- (الأشعث بن أبي الشعثاء) الأسود بن يزيد الكوفي، ثقة [٦] تقدم ٩٠/ ١١٢.
٥- (الأسود بن هلال) المحاربيّ، أبو سَلّام الكوفيّ، ثقة مخضرم جليل [٢] .
روى عن معاذ بن جبل، وعمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وثعلبة بن زَهْدَم .
وعنه أشعث بن أبي الشعثاء، وأبو حَصين، وأبو إسحاق السبيعي، وإبراهيم
النخعي، وغيرهم .
قال أحمد: ما علمت إلا خيرًا. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ:
كان جاهليّا، وكان رجلاً من أصحاب عبد الله، ووثقه، وذكره الباروديّ وجماعة ممن
ألّف في الصحابة لإدراكه. وقال ابن سعد، عن الأسود: هاجرتُ زمنَ عمر، فذكر
قصة. وقال ابن سعد: توفي زمن الحجاج بعد الجماجم، وقال عمرو بن علي: سنة
(٨٤). أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أحد
عشر حديثًا .
٦- (ثعلبة بن زَهدم) الحنظليّ التميميّ، مختلف في صحبته، حديثه في الكوفيين.
روى عن النبي ◌َّ على اختلاف في ذلك، وعن حُذَيفة، وأبي مسعود. وعنه الأسود
ابن هلال. قال الحافظ: جزم بصحبته ابن حبّان، وابن السكن، وأبو محمد بن حزم،
وجماعة ممن صنّف في الصحابة يطول تعدادهم. وذكره البخاريّ في ((التاريخ الكبير))،
وقال: قال الثوريّ: له صحبة، ولا يصحّ. وقال الترمذيّ في ((تاريخه)): أدرك النبي
وَاليره، وعامة روايته عن الصحابة. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره مسلم في الطبقة
الأولى من التابعين. أخرج له أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة
أحادیث.

٩٩
١٧ - كِتَبُ صَلَاةِ الْخَوْفِ - حديث رقم ١٥٢٩
٧- (حذيفة) بن اليمان حِسْل، أو حُسَيل الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللّه تعالى
عنهما، تقدم ٢/٢ . والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، سوى ثعلبة، فقد تفرّد به المصنف، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل
بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، إن ثبتت صحبة ثعلبة، وإلا
ففيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَم) الحنظليّ أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي) -وفي نسخة
(العاص)) بحذف الياء- ابن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، أبي عثمان، ويقال: أبو
عبد الرحمن، قُتل أبوه يوم بدر كافرًا، ومات جدّه أبو أُحَيحَة قبل بدر مشركًا. قال ابن
سعد قُبض النبيِ وَّر، ولسعيد تسع سنين، روى عن النبي وَّل مرسلاً، وعن عمر،
وعثمان، وعائشة، وعنه ابناه: عُمر، ويحيى، ومولاه كعب، وغيرهم. قال الزبير بن
بكّار: استعمله عثمان على الكوفة، وغزا بالناس طبرستان، واستعمله معاوية على
المدينة. وقال سعيد بن عبد العزيز: لكلّ قوم كريم، وكريمنا سعيد، وقال أيضًا:
أُقيمت عربية القرآن على لسان سعيد، لأنه كان أشبههم لهجة برسول اللَّه وَليل. وقال
ابن عبد البرّ: كان من أشراف قُريش، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان. وروى
الطبراني في ((معجمه)) أن عثمان رَظمثم قال: أيّ الناس أفصح؟ قالوا: سعيد بن العاص.
وقال ابن عبد البرّ: كان ممن اعتزل الجَمَلَ وصِفْين. وقال الزبير: مات في قصره
بالعَزْصَة على ثلاثة أميال من المدينة، ودفن بالبقيع سنة (٥٨) وقال البخاري: قال
مسدد: مات سعيد، وأبو هريرة، وعائشة، وابن عامر سنة (٥٧) أو (٥٨) قال: وقال
غيره: مات سعيد سنة (٥٩) وهو قول خليفة بن خيّاط.
(بِطَبَرِسْتَانَ) وفي نسخة ((في طبرستان))، وهي بفتح الطاء، والباء، وكسر الراء: بلاد
واسعة بالعجم، وهي مركبة من كلمتين، ((طبر))، وهي بالفارسية اسم للفأس،
و((استان))، وهي الناحية، ولكثرة اشتباك أشجارها، لا يتمكن الجيش من سلوكها، إلا
بعد قطع الأشجار بالطبر، فلذا سميت ((طبرستان))، وقيل: ((الطبر)) ما يشقّ به
الأحطاب، ونحوها، وعليه سميت طبرستان، لأن أهل تلك الجهة كثيروا الحروب،
وأكثر أسلحتهم الأطبار. فُتحت في عهد عثمان رَّه على يد سعيد بن العاص وَّه

١٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفٍ
سنة (٢٩) من الهجرة(١).
(وَمَعَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ) جملة في محل نصب على الحال (فَقَّالَ) أي سعيد بن العاص
(أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِّ صَلََّةَ الْخَوْفِ؟، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا) أي أنا صليتها معه
(فَوَصَفَ) أي وصف حذيفة رَّه صلاة النبي وَلَه بالقول، والرواية التالية صريحة في
أنه بينها بالفعل، والظاهر أنه جمع بينهما زيادة في الإيضاح (فَقَّالَ: صَلَى رَسُولُ اللَّهِ وَه
صَلَاةَ الْخَوْفِ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً) أي بكل طائفة ركعة واحدة (صَفَّ) بصيغة الماضي، كما هو
بضبط القلم في النسخة الهندية، ويدلّ على هذا ما في ((الكبرى)) بلفظ ((صفّت)) بتاء
التأنيث، والجملة في محل جرّ صفة ((طائفة))، أو حال منه، وذكّر الفعل بتأويل ((طائفة))
بصِنْفٍ، أو بعض، وقوله (خَلْفَهُ) ظرف لـ ((صَفَّ))، ويحتمل أن يكون ((صفّ)) اسمًا
مبتدءًا خبره الظرف، وسوّغ الابتداء بالنكرة التفصيل، أو كونه موصوفًا بمقدّر، أي
صفّ منها .
وقال السندي ◌َّثُ في (شرحه)): قوله: ((صفّ خلفه)) بالجرّ بدل من ((طائفة)).
انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله إن صحت الرواية به فذاك، وإلا فلا يتعيّن.
والله أعلم .
(وَطَائِفَةٌ أُخْرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ) ((طائفة)) مبتدأ خبره الظرف (فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الَّتِي تَلِيهِ
رَكْعَةٌ، ثُمَّ نَكَصَ هَؤُلَاءِ) أي رجع الذين صلّوا ركعة معه، يقال: نكص على عقبيه
نُكُوصًا، من باب قَعَدَ: رجع. قال ابن فارس: والنكوصُ الإحجام عن الشيء (إِلَى
مَصَافٌ أُولَئِكَ) بفتح الميم، وتشديد الفاء، جمع مصفّ: أي أماكن صفوفهم في الحراسة
(وَجَاءَ أُولَئِكَ) أي الذين واجهوا العدوّ (فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةٌ) أخرى، زاد في الرواية التالية:
((ولم يقضوا))، وهي صريحة في اجتزاء كل طائفة بركعة واحدة، وبه يقول بعض أهل
العلم، وسيأتي تحقيق القول في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى.
وقد ساق الإمام أحمد الحديث في ((مسنده، مطولًا، فقال:
حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد السلولي،
قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، ومعه نفر من أصحاب رسول اللَّه وَلچل،
فقال: أيكم صلى مع رسول اللَّه وَلّل صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فَأُمُز أصحابك
يقومون طائفتين، طائفة خلفك، وطائفة بإزاء العدو، فتكبروا، ويكبرون جميعا، ثم
(١)- انظر ((المنهل العذب المورود)) ج٧ ص١٢٢.