النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١ =
١- مَتَّى يَسْتَسْقِي الإِمامُ - حديث رقم ١٥٠٥
والظاهر أن السائل هو خارجة المذكور لكونه كان كبير الوفد، ولذلك سمي من
بينهم. والله أعلم انتهى ما في ((الفتح)) بتصرف(١).
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَدَّمَتِ الْبُيُوتُ) أي بكثرة الأمطار، وفي رواية إسحاق: ((هُدم
البناء، وغرق المال)) (وَانْقَطَّعَتِ السُّبُلُ) أي لتعذر سلوكها من كثرة الماء، وفي رواية
حميد عند ابن خزيمة : ((واحتبس الركبان)) (وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي) أي بسببٍ غيرِ السبب
الأول، والمراد أن المرعى انقطعت بسبب كثرة الماء، فهلكت المواشي من عدم
الرعي، أو لعدم ما يُكِنُّها من المطر، ويدل على هذا ما يأتي من طريق سعيد المقبري،
عن شريك -١٥١٥/٩- وهلكت الأموال من كثرة الماء)) (فَقَالَ) أي النبي ◌َّ، وفي
رواية ثابت الآتية عن أنس: ((فتبسم رسول اللّه بَّه، وقال: اللَّهم حوالينا، ولا
علينا ... ))، وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية أيضًا عن شريك: ((فرفع رسول الله
وَلِ﴿ يديه)» (اللَّهُمَّ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ) أي أنزل المطر على رؤوس الجبال التي لا يتضرر
فيها أحد (والآكام) بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمدّ، جمع أكمة بفتحات، قال ابن البرقيّ:
هو التراب المجتمع، وقال الداوديّ: هي أكبر من الكُذية، وقال القزاز: هي التي من
حجر واحد، وهو قول الخليل، وقال الخطابي: هي الهضبة الضخمة ، وقيل: الجبل
الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض، وقال الثعالبي: الأكمة أعلى من الرابية، وقيل:
دونها(٢) (وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ) جمع واد، وهو - كما قال الفيومي -: كلّ منفرج بين جبال، أو
آكام يكون مَنفَذًا للسيل(٣) وقال في ((الفتح)): والمراد بها ما يتحصّل فيه الماء لينتفع به،
قالوا: ولم تُسمَع ((أفعلة)) جمعَ ((فاعل)) إلا ((الأودية))، جمع ((واد)»، وفيه نظر، وزاد مالك
في روايته: ((ورؤوس الجبال)) (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) جمع منبت بكسر الموحدة، أي ماحولها
مما يصلح أن ينبت فيه، لأن نفس المنبت لا يقع عليه المطر، أي أنزله في المحل الذي
تنتفع به النبات (فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ) قال في ((النهاية)): أي خرجت عنها
كما يخرج الثوب عن لابسه، وقال الزركشي: ((انجياب)) نصب على المصدر، أي
تقطعت كما يتقطع الثوب قطعا متفرّقة انتهى(٤). وفي ((المنتقى)) قال ابن القاسم: قال
مالك: معناه تَدَوَّرَتْ عن المدينة كما يُدَوَّرُ جيبُ القميص، وقال ابن وهب: يعني
تقطعت عنها كما يتقطع الثوب الخلق انتهى.
(١) جـ٣ ص ١٩٥ - ١٩٦ .
(٢) المصدر المذكور.
(٣) ((المصباح المنير)).
(٤) انظر ((زهر الربى)) ج٣ ص ١٥٥ .

٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
وفي رواية سعيد المقبريّ الآتية، عن شريك، عن أنس قال: ((والله ما هو إلا أن
تكلم رسول اللّه وَ ليو بذلك تمزّق السحاب حتى ما نرى منه شيئًا))، أي في المدينة، ،
وفي رواية ثابت ، عن أنس: ((فتقشعت عن المدينة ، فجعلت تمطر حولها، وما تمطر
بالمدينة قطرة ... ))، ولمسلم ((ولقد رأيت السحاب يتمزق كأنه الملا يُطوى)) بضم الميم
والقصر، وقد يمدّ جمع ملاءة ثوب معروف، وللبخاريّ «فلقد رأيت السحاب يتقطّع
يمينا وشمالًا، يُمطرون أهل النواحي، ولا يمطر أهل المدينة))، وله أيضًا «فجعل
السحاب يتصدّع عن المدينة، يريهم اللّه كرامة نبيه وَلّر، وإجابة دعوته))، وله أيضًا
((فتكشطت، فجعلت تمطر حول المدينة، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة
وإنها لفي مثل الإكليل))، ولأحمد ((فتقوّر ما فوق رؤوسنا من السحاب حتى كأنا في
إكليل))، والإكليل بكسر الهمزة ، وسكون الكاف: كل شيء دار من جوانبه، واشتهر
لما يوضع على الرأس، فيحيط به، وهو من ملابس الملك كالتاج، وفي رواية إسحاق
عن أنس ((فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا تفرجت حتى صارت المدينة في مثل
الجوبة))، و(الجوبة)) بفتح الجيم، ثم الموحّدة ، وهي الحفرة المستديرة الواسعة،
والمراد بها هنا الفرجة في السحاب.
وقال الخطابي: المراد بالجوبة هنا الترس، وضبطها الزين ابن المنير تبعا لغيره بنون
بدل الموحدة، ثم فسره بالشمس إذا ظهرت في خلال السحاب، لكن جزم عياض بأن
من قاله بالنون فقد صحّف.
وفي رواية إسحاق من الزيادة أيضًا: ((وسال الوادي وادي قناة شهرًا))، و((قناة)) بفتح
القاف والنون الخفيفة عَلَمْ على أرض ذات مزارع بناحية أحد، وواديها أحد أودية المدينة
المشهورة قاله الحازمي.
واستشكل بأن بقاء المطر فيما سواها يقتضي أنه لم يرتفع الإهلاك، والقطع، وهو
مطلوب السائل بقوله: ((تهدمت البيوت، وانقطعت السبل)).
والجواب أنه استمرّ فيما حول المدينة من الآكام، وبطون الأودية، لا في الطرق
المسلوكة، ولا البيوت المسكونة، ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثير، ولو كانت
تجاورها، وإذا جاز ذلك جاز أن يوجد للمواشي أماكن تسكنها، وترعى فيها بحيث لا
يضرّها ذلك المطر .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى : في درجته:

٤٣
١- مَتَى يَسْتَسْقِي الإِمَامُ - حديث رقم ١٥٠٥
حديث أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا- ١٥٠٤/١ وفي ((الكبرى)) ١٨٠٥/١ - بهذا السند، وفي ١٥١٥/٩-
و((الكبرى)) ١٨١٨/٨- عن عيسى بن حماد، عن الليث، عن سعيد المقبري، عن
شريك به. وفي - ١٥١٦/١٠ - و((الكبرى)) ١٨٢٣/٩ - عن محمد بن بشار، عن المغيرة
ابن سلمة، عن وهيب، عن يحيى بن سعيد، عنه. وفي ١٥١٨/١٠ - عن علي بن
حُجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن شريك به. وفي -١٥٢٧/١٧ - و ((الكبرى)) ١٥/
١٨٣٨ - عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عنه.
وأخرجه (خ) ١٥/٢ و٤/ ٣٥/٢ و٢٣٦ و٣٦/٢ و٠٣٧/٢ (م) ٢٤/٣ و٢٥/٣
(د)١١٧٥ . (مالك) في ((الموطإ)) ١٣٥ (أحمد) ٢٥٧/٣ و١٩٤/٣ و (عبد بن حميد)
١٢٨٢ (ابن خزيمة) ١٧٨٨ و١٧٨٩. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده(١):
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان استسقاء الإمام إذا طلب
الناس ذلك منه. (ومنها): طلب الناس من الإمام أن يستسقي لهم إذا حصل الجدب
والقحط . (ومنها): قيام الواحد بأمر الجماعة، وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر
الصحابة لأنهم كانوا يسلكون مسلك الأدب بالتسليم، وترك الابتداء بالسؤال، ومنه قول
أنس ◌َّ: ((كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية، فيسأل رسول اللّه وَله ... ))
(ومنها): طلب الدعاء من أهل الخير ، ومن يرجى منه القبول، وإجابتهم لذلك، ومن
أدبه بث الحال لهم قبل الطلب لتحصيل الرقّة المقتضية لصحة التوجه ، فترجى الإجابة
عنده. (ومنها): تكرير الدعاء ثلاثًا (ومنها): إدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة ،
والدعاء به على المنبر، ولا تحويل فيه، ولا استقبال القبلة (ومنها) الاجتزاء بصلاة
الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وليس في السياق ما يدلّ على أنه نواها مع الجمعة
(ومنها): أن فيه علما من أعلام النبوّة في إجابة اللَّه دعاء نبيه وَ ل عقبه، أو معه، ابتداء
في الاستسقاء، وانتهاء في الاستصحاء، وامتثال السحاب أمره بمجرّد الإشارة (ومنها):
الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقًا، لاحتمال الاحتياج إلى استمراره،
فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر، وإبقاء النفع، فيستنبط منه أن من أنعم الله عليه بنعمة
لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يعرض فيها، بل يسأل الله رفع ذلك العارض، وإبقاء
(١) المراد فوائد الحديث التي اشتمل عليها باختلاف رواياته المذكورة في الشرح، لا خصوص ما
ساقه المصنف هنا، فتنبه.

٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
النعمة (ومنها): أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل (ومنها): جواز تبسم الخطيب
على المنبر تعجبًا ، وجواز الصياح في المسجد بسبب الحاجة المقتضية لذلك، وفيه
اليمين لتأكيد الكلام (ومنها): جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، ولكن هذا لا
ينافي ما ثبت من الصلاة لها، فلا يكون دليلا لأبي حنيفة في عدم مشروعية الصلاة لها،
كما سيأتي في بابه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢- (خُرُوجُ الإِمَامِ إِلَى الْمُصَلَّى
لِلاسْتِسْقَاءِ)
١٥٠٥- (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، قَالَ سُفْيَانُ: فَسَأَلْتُ
عَبْدَاللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ عَبََّدِ بْنِ تَمِيم، يُحَدِّثُ أَبِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ
الَّذِي أُرِيَ الثَّدَاءِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَه خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ،
وَقَلَبَ رِدَاهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ: هَذَّا غَلَطْ مِنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، وَعَبْدُاللَّهِ بْنُ زَيْدِ الَّذِي أُرِيَ النّدَاءَ هُوَ
عَبْدُ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، وَهَذَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (محمد بن منصور) الجوّاز المكي، ثقة [١٠] تقدم ٢١/٢٠.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ١/١.
٣- (المسعوديّ) عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود الكوفي ،
صدوق اختلط قبل موته، فمن سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط [٧] تقدم ٨٤٩/٥٠ .
٤- (عبدالله بن أبي بكر) بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة [٥]
(١) وفي نسخة ((أخبرني)).

٤٥
٢- (خُرُوجُ الإِمَامِ إِلَى الْمُصَلَّى لِلاسْتِسْقاءِ) - حديث رقم ١٥٠٥
تقدم ١١٨/ ١٦٣ ٠
٥- (أبو بكر بن عمرو بن حزم) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، نسب لجده
الأنصاريّ النجّاريّ المدني القاضي، اسمه كنيته، ثقة عابد [٥] تقدم ١٦٣/١١٨.
٦- (عباد بن تميم) بن غَزِيّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقة [٣] تقدم ٧٤/٥٩.
٧- (عبدالله بن زيد) بن عاصم بن كعب الأنصاريّ المازنيّ، أبو محمد الصحابيّ
المشهور، روى صفة الوضوء، وغير ذلك، ويقال: إنه هو الذي قتل مسيلمة الكذّاب،
واستُشهِد بالحرّة سنة (٦٣)، وتقدمت ترجمته في ٨٠/ ٩٧.
[تنبيه]: كون عبد الله بن زيد المذكور في هذا السند هو ابن عاصم المازنيّ هو
الصواب، كما سيأتي قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير
شيخه، وسفيان، فمكيان، والمسعودي، فكوفي. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين
يروي بعضهم عن بعض: عبد الله، وأبوه، وعباد، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سفيان بن عيينة رحمه اللَّه تعالى أنه (قَالَ: فَسَأَلْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) أي عما
حدثه به المسعوديّ، عن أبيه (فَقَالَ) أي عبدالله بن أبي بكر (سَمِعْتُهُ) أي الحديث
المذكور (مِنْ عَبَّدِ بْنِ تَمِيم) المازني (يُحَدِّثُ أَبِي) جملة في محل نصب على الحال،
هكذا في النسخة الهندية، وهو الصواب، ووقع في النسختين المطبوعتين: ((یحدث عن
أبي)) بزيادة ((عن)) وهو غلط.
ومراد ابن عيينة أنه سمع هذا الحديث عن المسعوديّ، عن أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم، ثم لقي عبدالله ولد أبي بكر شيخ شيخه، فسأله عن الحديث، فحدثه
عن عباد شيخ أبيه، فصار له عاليًا، إذ كان أوّلًا وصل إلى عباد بواسطتين، فأسقط عنه
واسطة .
وفي رواية ابن خزيمة في ((صحيحه)) عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان، قال:
حدثنا المسعوديّ، ويحيى هو ابن سعيد، عن أبي بكر، أي ابن محمد بن عمرو بن
حزم، قال سفيان: فقلت لعبدالله - أي ابن أبي بكر - حديث حدثناه يحيى، والمسعودي

٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
عن أبيك، عن عباد بن تميم؟ فقال عبدالله بن أبي بكر: سمعته أنا من عباد يحدث أبي،
عن عبدالله بن زيد ... فذكر الحديث.
(أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ الَّذِي أُرِيَ النِّدَاءَ) سيأتي للمصنف أن هذا غلط، وأن الصواب
((عبدالله ابن زيد بن عاصم)).
[تنبيه]: عبد الله بن زيد هذا هو ابن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج
الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو محمد المدنيّ، وقيل في نسبه غير ذلك، شهد العقبة،
وبدرًا، والمشاهد، وهو الذي أري النداء للصلاة في النوم، وكانت رؤياه في السنة
الأولى بعد بناء المسجد. روى عن النبي ◌َّرِ، وعنه ابنه محمد، وابن ابنه عبدالله بن
محمد على خلاف فيه، وسعيد بن المسيب، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وقيل: لم
یسمع منه، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ولم يدركه.
قال الترمذي عن البخاريّ: لا يُعرف له إلا حديث الأذان، وقال ابن عديّ: لا نعرف
له شيئًا يصحّ عن النبي وَلّ إلا حديث الأذان انتهى.
قال الحافظ: وهذا يؤيد كلام البخاريّ، وهو المعتمد(١) ، وقد وجدت له أحاديث
غير الأذان جمعتها في ((جزء))، واغتزّ الأصفهاني بالأول، فجزم به، وتبعه جماعة،
فوهموا. وقال الحاكم: الصحيح أنه قُتل بأحد، والروايات عنه كلها منقطعة. كذا قال.
وفي ترجمة عمر بن عبدالعزيز من ((الحلية)) بسند صحيح عن عبيدالله بن عمر العمريّ
قال: دخلت ابنة عبدالله بن زيد بن عبدربه على عمر بن عبدالعزيز، فقالت: أنا ابنة
عبدالله بن زيد شهد أبي بدرًا، وقتل بأحد، فقال: سليني ما شئت، فأعطاها. (٢). والله
تعالى أعلم.
(قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي) قال الحافظ رَّتُهُ: ولم أقف
في شيء من طرق حديث عبدالله بن زيد على سبب ذلك، ولا صفته وَّير حال الذهاب
إلى المصلى، ولا على وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة تطبيتها عند أبي
داود، وابن حبان، قالت: ((شكا الناس إلى رسول اللّه وَليل قحط المطر، فأمر بمنبر،
فوضع له بالمصلی، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حین بدا حاجب الشمس،
فقعد على المنبر ... )) الحديث. وفي حديث ابن عباس تؤث عند أحمد، وأصحاب
السنن: ((خرج متبذّلًا متواضعًا حتى أتى المصلّى، فرقي المنبر ... )). وفي حديث أبي
الدرداء عند البزار ، والطبرانيّ: ((قحط المطر، فسألنا نبي اللَّه و القر أن يستسقي لنا، فغدا
(١) قوله: ((وهو المعتمد)) فيه نظر، فإنه يأتي له قريبًا ما يدلّ أنه وهم. فتأمل.
(٢) راجع ((تت)) ج٢ ص ٩٣٣ الطبعة الجديدة / مؤسسة الرسالة.

٤٧
٢- (خُرُوجُ الإِمَامِ إِلَى الْمُصَلَّى لِلاسْتِسْقَاءِ) - حديث رقم ١٥٠٥
نبي اللَّهِ وَ له ... )) الحديث.
وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معيّنّ، وإن كان
أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختصّ بيوم معيّن، وهل تُصنع بالليل؟ استنبط
بعضهم من كونه وله جهر بالقراءة فيها بالنهار أنها نهاريّة كالعيد، وإلا فلو كانت تصلى
بالليل لأسرّ فيها بالنهار ، وجهر بالليل كمطلق النوافل.
[قال الجامع عفا الله عنه]: الاستنباط المذكور محل تأمل. والله تعالى أعلم.
ونقل ابن قدامة ◌َّثمُ الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة. وأفاد ابن حبّان
أن خروجه غلو إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة.(١)
(فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاهُ) ذكر الواقدي أن طول ردائه وَّر كان ستة أذرع في ثلاثة
أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة
والعيدين. ووقع في ((شرح الأحكام لابن بزيزة)) ذرع الرداء كالذي ذكره الواقديّ في
ذرع الإزار، والأول أولى. قاله في ((الفتح)). وسيأتي كيفية القلب في بابه إن شاء الله
تعالى (وَصَلَى رَكْعَتَيْنٍ) وفي رواية يحيى بن سعيد عند ابن خزيمة: ((وصلى للناس
ركعتين))، وفي رواية الزهري عند البخاري: ((ثم صلى لنا ركعتين)).
واستدلّ به على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وسيأتي البحث عنه في بابه إن
شاء الله تعالى.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:) المصنف رَُّهُ (هَذَا) أي قوله: الذي أري النداء (غَلَطْ مِنِ
ابْنِ عُيَيْنَةَ) لأن الذي أري النداء غير الذي روى حديث الاستسقاء، كما بينه بقوله
(وَعَبْدُاللَّهِ بْنُ زَيْدِ الَّذِي أُرِيَ النَّدَاءَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، وَهَذَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ زَيْدِ
ابْنِ عَاصِم) بن كعب الأنصاريّ المازنيّ.
وهذا الذي قاله المصنف رحمه الله تعالى قاله أيضًا غيره، فقد قال البخاريّ في
(صحيحه): قال أبو عبدالله: كان ابن عيينة يقول: هو صاحب الأذان ، ولكنه وهم،
لأن هذا عبدالله بن زيد بن عاصم المازنيّ، مازن الأنصار انتهى.
قال في ((الفتح)): وقد حذف البخاريّ مقابله، والتقدير : وذاك أي عبدالله بن زيد
رائي الأذان عبدُالله بن زيد بن عبد ربه، وقد اتفقا في الاسم، واسم الأب، والنسبة إلى
الأنصار، ثم إلى الخزرج، والصحبة، والرواية، وافترقا في الجدّ، والبطن الذي من
الخزرج، لأن حفيد عاصم من مازن، وحفيد عبد ربه من بلحارث بن الخزرج(٢). والله
(١) راجع ((الفتح)) ج٣ ص ١٨٨-١٨٩.
(٢) ((فتح)» ١٩٠/٣.

٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبدالله بن زيد رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٥٠٥/٢- وفي ((الكبرى)) ١٨٠٦/٢- بالسند المذكور، وفي -٣/
١٥٠٧ - و((الكبرى)) ١٨٠٩/٢ عن قتيبة، عن عبدالعزيز، عن عمارة بن غزية، عن عباد
به. وفي ١٥٠٩/٥ - و((الكبرى)) ١٨١٢/٥-عن عمرو بن عثمان، عن الوليد ، عن ابن
أبي ذئب، عن الزهريّ عن عباد به. وفي ١٥١٠/٦ - و((الكبرى)) ١٨١٣/٥ - عن قتيبة،
عن سفيان به. وفي ١٥١١/٧- و((الكبرى)) ١٨١٥/٦- عن قتيبة، عن مالك، عن
عبدالله بن أبي بكر به. وفي ١٥١٢/٨ - و(الكبرى)) ١٨١٦/٧ -عن هشام بن
عبدالملك، عن بقية، عن شعيب، عن الزهريّ به. وفي ١٥١٩/١١ - ١٨١٠/٣-عن
الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن ابن أبي ذئب به. وفي ١٢/ ١٥٢٠-
و ((الكبرى)) ١٨٢٥/١٠-عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر به.
و١٤/ ١٥٢٢- عن محمد بن رافع، عن يحيى بن آدم ، عن سفيان به.
وأخرجه (خ) ٣٢/٢ و٢٣٤ و٣٩/٢ و٣٨/٢ و٩٣/٨. (م)٢٣/٣ . (د)
١١٦٦ و١١٦٧ و١١٦١ و١١٦٤ . (ت) ٥٥٦. (ق)١٢٦٧ . (مالك في الموطأ)
١٣٥ (الحميدي) ٤١٥ و٤١٦ (أحمد) ٣٨/٤ و٩٣/٤ ٤١/٤ و٤٠/٤ و٤١/٤ .
(الدارمي) ١٥٤١ و١٥٤٢ (عبد بن حميد) ٥١٦ . (ابن خزيمة) ١٤٠٦ و١٤١٠ و١٤١٤
و١٤٢٠ و١٤٢٤ و١٤١٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رَّهُ، وهو مشروعية خروج الإمام إلى المصلى
الاستسقاء. (ومنها): مشروعية استقبال القبلة في حال الدعاء (ومنها): استحباب قلب
الرداء، تفاؤلًا في قلب الحال من الجدب إلى الرخاء والخصب (ومنها): استحباب
صلاة ركعتين للاستقاء، وقد خالف فيه الإمام أبو حنيفة، وسيأتي الكلام عليه، إن شاء
اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٤٩
٣- (بَابُ الْحَالِ التِّي يُسْتَحَبُّ لِلإِمَام ... - حديث رقم ١٥٠٦
٣- (بَابُ الْحَالِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ
أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا إِذَا خَرَجَ)
١٥٠٦- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنَ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَائَةَ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ إِلَى ابْنِ
عَبَّاسِ أَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ فِي الاسْتِسْقَاءِ، فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ لَِـ
مُتَضَرَّعًا، مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذْلًا، فَلَمْ يَخْطُبْ نَحْوَ خُطْبَتِكُمْ هَذِهِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (إسحاق بن منصور) الكوسج المروزيّ، ثقة ثبت [١١] تقدم ٨٨/٧٢.
٢- (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٦٤ / ٨٠.
٣- (عبدالرحمن) بن مهديّ الإمام الحجة الثبت [٩] تقدم ٤٢ /٤٩ .
٤- (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٣٧/٣٣ .
٥- (هشام بن إسحاق بن عبدالله بن كنانة) أبو عبدالرحمن القرشي المدني ، مقبول
[٧].
روى عن أبيه. وعنه حفيده إسماعيل بن ربيعة بن هشام، وسفيان الثوريّ، وحاتم بن
إسماعيل. قال أبو حاتم: شيخ. وقال البخاريّ: يقال: إنه سهميّ. وذكره ابن حبان في
(الثقات))، وقال فيه: القرشي السهميّ. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط، وأعاده برقم ١٥٠٨ و١٥٢١ .
٦- (أبوه) إسحاق بن عبدالله بن الحارث بن كنانة العامريّ مولاهم، ويقال:
الثقفيّ، وقد ينسب إلى جدّه، صدوق [٣].
أرسل عن النبي وَله، وروى عن أبي هريرة، وابن عباس مرسلًا فيما قال أبو حاتم،
وعن عامر بن سعد، وغيرهم. وعنه ابناه : عبدالرحمن، وهشام، وهاشم بن هاشم بن
عتبة بن أبي وقّاص، وعمر بن محمد الأسلمي. وتقدم في ترجمة ابنه هشام أنه قرشيّ
سهميّ .
قال أبو زرعة: مدني ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في
(الثقات)) في التابعين، فقال: إسحاق بن عبدالله بن كنانة، وصحح حديثه، وقبله أبو
عوانة، وأخرج حديثه ابن خزيمة في ((صحيحه))، قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن
عباس أسأله عن الاستسقاء. ولابن القطان كلام في نسبه وحاله. روى له الأربعة، وله

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بالأرقام المذكورة في ترجمته ابنه آنفًا .
٧- (ابن عباس) عبدالله البحر رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٣١/٢٧ . والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير هشام بن إسحاق، وأبيه، فإنهما من رجال الأربعة. (ومنها): أن
شيخه ابن المثنى أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي
الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحدیث
عن إسحاق بن عبدالله أنه (قال: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ) وفي الرواية الآتية من طريق الثوري،
عن هشام : قال أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء، فقال ابن
عباس: ما منعه أن يسألني؟ ... )) ...
وقد بين الأمير المبهم في رواية أبي داود من طريق حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن
إسحاق، قال: أخبرني أبي، قال: أرسلني الوليد بن عُتبة، وكان أمير المدينة ... )) (إِلَى
ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما (أَسْأَلُهُ) جملة حالية من ضمير المتكلّم (عَنْ صَلَاةِ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فِي الاسْتِسْقَاءِ) أي عن كيفيتها، وعن كيفية خروجه إليها (فَقَالَ: خَرَجَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ مُتَضَرْعًا) اسم فاعل تضرع إلى اللَّه: إذا ابتهل (مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا) أي
لابسًا ثياب المهنة، لا ثياب الزينة. وقال السندي رَّْثهُ: قوله: ((متبذّلًاً)) بمثناة ، ثم
موحدة، ثم ذال معجمة، من التبذّل، وهو ترك التزيّن، والتهيء بالهيئة الحسنة الجميلة
على جهة التواضع، ويحتمل أن يكون بتقديم الموحّدة من الابتذال بمعناه انتهى.
وفي رواية ابن ماجه: ((خرج رسول اللَّهُ وَل﴿ متواضعًا، متبذلًا، متخشّعًا، مترسّلًا،
متضرّعًا))، ومعنى ((مترسّلًا)): أي متمهّلًا في مشيه (فَلَمْ يَخْطُبْ نحو خُطْبَتِكُمْ هَذِهِ) وفي
الرواية الآتية من طريق حاتم بن إسماعيل، عن هشام: ((فلم يخطب خُطبتكم هذه،
ولكن لم يزل في الدعاء والتضرّع، والتكبير)).
والظاهر أن الخطبة التي أنكرها ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما خالية عن هذه
الأمور، أو معظمها.
وإلا فقد فقد ثبت أنه وَ* خطب في الاستسقاء، فقد أخرج أبو داود في ((سننه)) من
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال: حدثنا هارون بن سعيد الأيليّ، نا خالد بن

=
٣- (بَأَبُ الْحَالِ التِّي يُسْتَحَبُّ لِلإمام ... - حديث رقم ١٥٠٦
٥١
نزار، قال: حدثني القاسم بن مبرور، عن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة، قالت: شكا الناس إلى رسول اللّه ◌َ ليل قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوُضع له في
المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول اللَّه ◌َل ل حين بدا
حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبّر، وحمد الله عزّ وجلّ، ثم قال: ((إنكم
شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله عزّ وجلّ
أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم))، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
،ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، لا إله إلا اللّه يفعل ما يريد، اللَّهمّ أنْت
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الله لا إله إلا أنت الغنيّ، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوّةً،
وبلاغًا إلی حین))، ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حوّل إلى
الناس ظهره، وقلب -أو حوّل- رداءه، وهو رافع یدیه، ثم أقبل على الناس، ونزل،
فصلى ركعتين، فأنشأ اللَّه سحابة، فرَعَدت، وبَرَقَت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت
مسجده حتی سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الکنّ ضحك ◌َژ حتى بدت نواجذه،
فقال: ((أشهد أن الله على كلّ شيء قدير، وأني عبدالله ورسوله)). حديث حسن.
(فَصَلَى رَكْعَتَيْنٍ) زاد في رواية حاتم بن إسماعيل: ((كما كان يصلي في العيدين)).
فتبيّن بهذا أن صفة صلاة الاستسقاء كصفة صلاة العيد، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك
في بابه، إن شاء الله تعالى.
والحديث دليل على ما ترجم له المصنف ◌َقّْثهُ ، وهوبيان الحال التي يستحبّ
للإمام أن يكون عليها إذا خرج للاستسقاء، وهو أن يكون متضرّعًا إلى الله،
متواضعاله، متذّلًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائلتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا حسن.
المسألة الثانية: في بیان مواضع ذکر المصنف له:
أخرجه هنا-١٥٠٦/٣- وفي ((الكبرى)) -١٨٠٨/٢- بالسند المذكور. وفي ٤/
١٥٠٨ - و(«الكبرى» ٢/ ١٨٠٧ - عن محمد بن عبيد، عن حاتم بن إسماعيل، عن هشام
به. وفي ١٥٢١/١٣ - و ((الكبرى)) - ١٨٢٦/١١ - عن محمود بن غيلان، عن وکیع،
عن سفيان، عن هشام به.
وأخرجه (د) ١١٦٥ (ت) ٥٥٦ و٥٥٨ (ق) ١٢٦٦ (أحمد) ٢٣٠/١ و٣٥٥/١ و١/

٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
٢٦٩ (ابن خزيمة) ١٤٠٥ و ١٤٠٨.
١٥٠٧- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّدِ بْنِ
تَمِيم، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ اسْتَسْقَى، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدموا قريبًا غير اثنين:
١- (عبدالعزيز) بن محمد الدراورديّ المدني، صدوق يخطىء [٨] تقدم ٨٤/ ١٠١.
٢- (عمارة بن غَزِيّة) الأنصاري المدني، لا بأس به [٦] تقدم ١٦٨/ ١١٣٧.
وقوله: ((خميصة سوداء))، ((الخميصة)): كساء أسود مُعْلَمُ الطرفين، ويكون من خَزّ،
أو صوف، فإن لم يكن مُعْلَمًا فليس بخميصة. قاله الفيومي.
وقال ابن منظور: والخَميصةُ كساء أسود مربّع له عَلَمان، فإن لم يكن معلما فليس
بخميصة، قال الأَغْشَى [من الطويل]:
إِذَا جُرِّدَتْ يَوْمًا حَسِبْتُ خَمِيصَةٌ عَلَيْهَا وَجِزْيَالَ النَّضِيرِ الدُّلَامِصَا
أراد شعرها الأسود، شبهه بالخميصة ، والخميصة سوداء، وشبه لون بشرتها
بالذهب، والنضيرُ: الذهب، والجِريال بكسر فسكون لون الذهب، والدُّلَامِصُ:
البَرَّاق .
قال: وهي -أي الخميصة- ثوبُ خَزّ، أو صوفٍ مُعْلَمٌ، وقيل: لا تسمى خميصةً إلا
أن تكون سوداء معلمةً، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها الخمائص، وقيل:
الخمائص ثياب من خَزّ ثِخَان سُودٌّ وحُمْرٌ، ولها أعلام ثخان أيضًا. انتهى(١).
[قال الجامع]: فعلى الأول يكون ((سوداء)) صفة كاشفة، وعلى الأخير يكون
للاحتراز عن الأحمر. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد تقدم تخريجه في ١٥٠٥/٢، ودلالته على ما ترجم له
المصنف رحمه الله تعالى واضحة؛ لأن لبس الخميصة السوداء يدل على التواضع؛
لأنها من أدون اللباس، فيستفاد منه، ما ترجم له، وهو بيان الحال التي يستحب للإمام
أن يكون عليها إذا خرج للاستسقاء، وهي أن يكون متواضعًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والماب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) راجع ((لسان العرب)) في مادّة خمص جـ ٧ ص ٣١.

٥٣
٥- (تَحْوِيلُ الإِمَامِ ظَهْرَهُ إِلَى النّاسِ عِنْدَ ... - حديث رقم ١٥٠٩
٤- (بَابُ جُلُوسِ الإِمَامِ عَلَى الْمِنْرِ
لِلاسْتِسْقَاءِ)
١٥٠٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسِ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ
اللَّهِ وَلِ فِ الاسْتِسْقَاءِ؟ فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ مُتَبَذْلًا، مُتَوَاضِعًا، مُتَضَرِّعًا، فَجَلَسَ
عَلَى الْمِثْبَرِ، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ، وَالتَّضَرَّعِ، وَالتَّكْبِيرِ،
وَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث حسن، وقد تقدم الكلام عليه في الباب
الماضي، وممن لم يتقدم هناك من رجاله:
١- (محمد بن عبيد بن محمد)بن واقد المحاربي النحاس الكوفي، صدوق [١٠]
تقدم ٠٢٢٦/١٤٤
٢- (حاتم بن إسماعيل) الحارثي مولاهم، أبو إسماعيل المدني كوفي الأصل،
صدوق، بهم، صحيح الكتاب [٨] تقدم ٤٨ /٦٠٤.
ومحلّ الاستدلال قوله ((فجلس على المنبر)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٥ - (تُحْوِيلُ الإِمَام ظَهْرَهُ إِلَى النَّاسِ
عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ)
١٥٠٩- (أَخْبَرَنَا(١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، أَنَّ عَمَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ يَسْتَسْقِي، فَحَوَّلَ
(١) وفي نسخة ((أخبرني)).

٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
رِدَاءَهُ، وَحَوَّلَ لِلنَّاسِ(١) ظَهْرَهُ، وَدَعَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، فَقَرَأَ، فَجَهَرَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن عثمان) أبو حفص الحمصي، صدوق [١٠] تقدم ٥٣٥/٢١ .
٢- (الوليد) بن مسلم ، أبو العباس الدمشقي، ثقة، كثير التدليس والتسوية [٨] تقدم
٤٥٤/٥.
٣- (ابن أبي ذئب) محمد بن عبدالرحمن بن المغيرة بن الحارث القرشي العامري،
ثقة فقيه فاضل [٧] تقدم ٦٨٥/٤١ .
٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/١.
والباقيان تقدما ١٥٠٥/٢ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وشرحه واضح،
ومحل الاستدلال قوله: ((وحوّل للناس ظهره))، ففيه استحباب استقبال القبلة للإمام
حال الدعاء في الاستسقاء حتى يكون منقطعًا إلى اللّه تعالى، كامل التوجه إليه، فلا
يشغله مواجهة الناس عن إخلاص التضرّع.
وقوله: ((ثم صلى ركعتين)) استدلّ به من قال بتقديم الخطبة.
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلفوا في هذا الباب، فروينا عن ابن الزبير
أنه خرج يستسقي بالناس، فخطب، ثم صلى بغير أذان، ولا إقامة، وفي الناس يومئذ
البراء بن عازب، وزيد بن أرقم. قال: وروينا أن عمر بن عبدالعزيز استسقى على
المنبر، ثم نزل ، فصلى . وروينا عن عبدالله بن يزيد أنه صلى ، ثم استسقى، قال أبو
إسحاق الراوي لهذا الحديث: فمشيت يومئذ إلى جنب زيد بن أرقم. وقال مالك،
والشافعي، ومحمد بن الحسن: يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقد روينا عن عمر بن
الخطاب أنه خطب قبل الصلاة.
قال ابن المنذر رْآَلهُ: يخطب قبل الصلاة انتهى (٢).
وقال القرطبي تَكّْلهُ في ((المفهم)): وظاهر الحديث أن الخطبة مقدمة على الصلاة،
لأنه جاء فيه بـ((ثم)) التي للترتيب والمهلة، وبذلك قال مالك في أول قوليه، وهو قول
كثير من الصحابة والتابعين، والجمهور على أن الصلاة مقدمة على الخطبة، وإليه رجع
مالك ، وهو قوله في ((الموطإ»، وكان مستند هذا القول رواية من روى هذا الخبر بالواو
(١) وفي نسخة ((إلى الناس)).
(٢) ((الأوسط)) ج٤ ص ٣١٨-٣١٩.

٥٥
٥- (تُحْوِيلُ الإِمَامِ ظَهْرَهُ إِلَى النّاسِ عِنْدَ ... - حديث رقم ١٥٠٩
غير المرتبة بدل ((ثم))، وما روي عن إسحاق بن عيسى بن الطباع(١)، عن مالك: أنه
وَله بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وهذا نص ، ويعتضد هذا بقياس هذه الصلاة على صلاة
العيدين، لسبب أنهما يخرج لهما، ولهما خطبة. انتهى (٢)
وقال العلامة الشوكاني ◌َخّْلهُ: وقد اختلفت الأحاديث في تقديم الخطبة على
الصلاة ، أو العكس، ففي حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث عبدالله بن زيد
عند أحمد أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عبدالله بن زيد في ((الصحيحين))
وغيرهما، وكذا حديث ابن عباس عند أبي داود، وحديث عائشة المتقدم أنه بدأ بالخطبة
قبل الصلاة، ولكنه لم يصرّح في حديث عبدالله بن زيد الذي في ((الصحيحين)) أنه
خطب، وإنما ذكر تحويل الظهر لمشابهتها للعيد، وكذا قال القرطبي: يعتضد القول
بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام
الحاجة .
قال في ((الفتح)): ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك أنه وَلّل بدأ
بالدعاء، ثم صلى ركعتين ، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء ، وعبر بعضهم
بالدعاء عن الخطبة، فلذلك وقع الاختلاف. والمرجح عند الشافعية، والمالكية البدء
بالصلاة ، وعن أحمد رواية كذلك، قال النووي: وبه قال الجماهير، وقال الليث بعد
الخطبة، وكان مالك يقول به، ثم رجع إلى قول الجماهير، قال: وقال بعض أصحابنا:
ولو قدّم الخطبة على الصلاة صحّتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد
وخطبتها، وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، واختلفت الرواية في
ذلك عن الصحابة انتهى. وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحقّ انتهى كلام
(٣)
الشوكاني(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكاني ◌َخْذَلهُ حسنٌ جدًّا. والله
تعالى أعلم.
وفيه الجهر بالقراءة، وسيأتي في باب مفرد، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) تصحف (ابن الطباع)) في نسخة ((المفهم)) إلى ابن الصباغ، فتنبه.
(٢) ((المفهم)" ج٢ ص ٥٣٨-٥٣٩.
(٣) راجع ((نيل الأوطار)) ج٤ ص ٨.

٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
٦- (تَقْلِيبُ الإِمَامِ الرّادَاءَ عَنْدَ
الاسْتِسْقَاءِ)
١٥١٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ
عَمِّهِ، أَنَّ النَّبِيِّ وََّ اسْتَسْقَى، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه
في الحديث الذي قبله.
و ((سفيان)): هو ابن عيينة.
ودلالته على ما ترجم له واضحة، حيث قال : ((وقلب رداءه))، وهو بتشديد اللام
وتخفيفها .
وقد اختلفت الروايات، ففي بعضها أنه ◌َلتر حول رداءه، كما في رواية الباب
الماضي، وفي بعضها أنه قلبه، كما في رواية الباب، وقد فسر التحويل بالقلب، ففي
رواية أحمد قال: ((ثم تحوّل إلى القبلة، وحوّل رداءه، فقلبه ظهرًا لبطن، وتحول الناس
معه)). وفي رواية لأبي داود: ((فحول رداءه، وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر،
وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله عزّ وجلّ)).
فهذا يدلّ على أن التحويل والقلب بمعنى واحد، كما قال الزين ابن المنيّر. والله
تعالى أعلم.
(مسألتان): تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): أنه اختُلِفَ في حكمة التحويل، فجزم المهلب أنه للتفاءل بتحويل
الحال عما هي عليه، وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يُقصد إليه، قال:
وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له: حوّل رداءك لتحوّل حالك. قال الحافظ :
وتعقب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي ردّه وَرَدَ فيه حديثٌ رجاله ثقات،
أخرجه الدراقطني، والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن عليّ، عن أبيه، عن جابر
ربطعليه، ورجح الدارقطني إرساله، وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظنّ.
وقال بعضهم: إنما حول رداءه لیکون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء، فلا
يكون سنة في كلّ حال. وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على
العاتق، فالحمل على المعنى الأول أولى، فإن الاتباع أولى من تركه لمجرّد احتمال

٦- (تقَلِيبُ الإِمام الراداءَ عَنْدَ الاسْتِسْقَاءِ) - حديث رقم ١٥١٠
٥٧ ===
الخصوص، والله تعالى أعلم انتهى. (١)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن الأرجح مشروعية التحويل، وأنه للتفاؤل؛
لحديث جابر رَّه المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في مشروعية تحويل الرداء:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلفوا في تحويل الرداء، فكان مالك
يقول: إذا فرغ من الصلاة في الاستسقاء خطب الناس قائمًا يدعو في خطبته ، مستقبل
الناس، وظهره إلى القبلة، والناس مستقبلوه، فإذا استقبل القبلة حوّل رداءه، وجعل ما
على يمينه على شماله، وما على شماله على يمينه، ودعا قائمًا، واستقبل الناسُ جميعًا
القبلةَ كما استقبلها الإمام قعودًا، وحوّلوا أرديتهم جميعًا كما حول الإمام، فإذا فرغ مما
يريد من الدعاء استقبل الناس بوجهه، ثم انصرف.
وممن كان يرى أن يجعل اليمين الشمالَ، والشمالَ اليمينَ أحمدُ بن حنبل، وأبو
ثور، وحُكي ذلك عن ابن عيينة، وعبدالرحمن بن مهديّ، وإسحاق بن راهويه، وكان
الشافعي يقول بذلك إذ هو بالعراق، ثم رجع عنه.
وفيه قول ثان، قاله الشافعي آخر قوليه، قال: آمر الإمام أن ينكس رداءه، فيجعل
أعلاه أسفله، ويزيد مع نكسه، فيجعل شقه الذي كان على منكبه الأيمن على منكبه
الأيسر، والذي على منكبه الأيسر على منكبه الأيمن، فيكون جاء بما أراد رسول الله
وَل﴾ من نكسه، وبما فعل من تحويل الرداء.
وفيه قول ثالث: قاله محمد بن الحسن، قال: ويقلب الإمام رداءه كله، وقلبه أن
يجعل جانب الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر، وإنما يتبع في هذا السنة والآثار
المعروفة ، وليس ذلك على من خلف الإمام. قال أبو الزناد: كان عمر بن عبدالعزيز
يحوّل رداءه في الاستسقاء، قال: ولم يكن الناس يحوّلون أرديتهم انتهى كلام ابن
المنذر رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أرجح المذاهب عندي مذهب من قال بمشروعية
تحويل الرداء؛ لوضوح أدلته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب))
(١) ((فتح)) ج٣ ص١٨٨.
(٢) ((الأوسط)) ج٤ ص ٣٢٢-٣٢٣ .

٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
٧- (مَتَى يُحَوِّلُ الإِمَامُ رِدَءَهُ)
١٥١١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيم
يَقُولُ: سَمِعُتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ زَيْدٍ ، يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ بََّ، فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ
حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه
قريبًا، ودلالته على الترجمة واضحة، فإنه يدلّ على وقت تحويل الرداء عند استقبال
القبلة، والمراد حالة الدعاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
٨- (رَفْعُ الإِمَامِ يَدَهُ)
١٥١٢- (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِالْمَلِكِ أَبُو تَقِيَّ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ
شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ فِي الاسْتِسْقَاءِ
اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَّةَ، وَقَلَّبَ الرِّدَاءَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (هشام بن عبدالملك أبو تقي(١) الحمصيّ) اليَزَنيّ (٢)، صدوق ربما وهم [١٠]
تقدم ١٢٢ / ١٧٢ .
٢ - (بقية) بن الوليد الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [٨] تقدم ٤٥ / ٥٥.
٣- (شُعيب) بن أبي حمزة الحمصي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٦٩ / ٨٥.
والباقون تقدموا قريبًا .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحديث متفق عليه، واستدلال المصنف به على ما
ترجم له واضح، وقد تقدم الكلام على المسائل المتعلقة به في ١٥٠٥/٢، غير المسألة
(١) أبو تَقِيّ - بفتح المثناة ، وكسر القاف.
(٢) ((اليّزني)) بفتح التحتانية، ثم نون.

٥٩
٨- (رَفْعُ الإِمَامِ يَدَه) - حديث رقم ١٥١٢
المتعلقة بالباب، فأذكرها هنا، فأقول:
[اعلم]: أن رفع اليدين في الدعاء مستحبّ، وقد عقد الإمام البخاري ◌َّلهُ في
((كتاب الدعوات)) من ((صحيحه)) بابًا في ذلك، فقال:
[باب رفع الأيدي في الدعاء]: وقال أبو موسى الأشعري، دعا النبي ◌َّ، ثم رفع
يديه، ورأيت بياض إبطيه. وقال ابن عمر: رفع النبي وَّر يديه، وقال: ((اللّهم إني أبرأ
إليك مما صنع خالد))، قال أبو عبدالله: وقال الأويسيّ: حدثني محمد بن جعفر، عن
يحيى بن سعيد، وشريك سمعا أنسًا عن النبي ◌ُّلي رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه.
قال الحافظ ◌َخْذَلهُ: وفي الحديث الأول ردّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في
الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير
الاستسقاء أصلًا، وتمسك بحديث أنس: ((لم يكن رسول اللّه ◌َل يرفع يديه في شيء
من دعائه إلا في الاستسقاء))، وهو صحيح، لكن جمع بينه وبين أحاديث الباب، وما في
معناه بأن المنفي صفة خاصّة ، لا أصل الرفع، وقد أشرت إلى ذلك في أبواب
الاستسقاء، وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير
اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه
ثبت في كلّ منهما: ((حتى يُرى بياض إبطيه))، بل يجمع بأن تكون رؤية البياض في
الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإما أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء
يليان السماء.
قال المنذريّ: وبتقدير تعذّر الجمع ، فجانب الإثبات أرجح. قال الحافظ: ولا
سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة، أفردها المنذريّ في
((جزء)»، وسرد النووي في الأذكار)) وفي ((شرح المهذب)) جملةً، وعقد البخاريّ أيضًا في
((الأدب المفرد)) بابًا ذكر فيه حديث أبي هريرة رَ ◌ّه: «قدم الطفيل بن عمرو على النبي
وَّر ، فقال: إن دوسًا عصت اللَّه، فادع الله عليها، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال:
((اللَّهم اهد دوسًا))، وهو في ((الصحيحين)) دون قوله: ((ورفع يديه)). وحديث جابر :
((أن الطفيل بن عمرو هاجر))، فذكر قصة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: ((فقال النبي
وَلير: ((اللَّهم وليديه، فاغفر، ورفع يديه))، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم. وحديث
عائشة رَّها أنها رأت النبي وَلهول يدعو رافعًا يديه يقول: ((اللَّهمّ إنما أنا بشر ... ))
الحدیث، وهو صحيح الإسناد.
ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه البخاريّ في ((جزء رفع اليدين)): ((رأيت
النبي ◌َّل﴾ رافعًا يديه يدعو لعثمان ((، ولمسلم من حديث عبدالرحمن بن سمرة في قصة

== ٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
الكسوف: ((فانتهيت إلى النبي ◌َّر، وهو رافع يديه يدعو(، وعنده في حديث عائشة في
الكسوف أيضًا: ((ثم رفع يديه يدعو))، وفي حديثها عنه في دعائه لأهل البقيع: ((فرفع
يديه ثلاث مرات ... )) الحديث.
ومن حديث أبي هريرة ◌َ ◌ّه الطويل في فتح مكة: ((فرفع يديه، وجعل يدعو))،
وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي حميد في قصة ابن اللُّتبية: ثم رفع يديه حتى رأيت
عُفْرَة إبطيه، يقول: ((اللَّهم هل بلغت)).
ومن حديث عبد الله بن عمرو رَواتها: أن النبي وَّل ذكر قول إبراهيم، وعيسى، فرفع
يديه، وقال: ((اللّهمّ أمتي)).
وفي حديث عمر تنبيه: ((كان رسول اللَّه ◌َ لّ إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه
كدويّ النحل، فأنزل اللّه عليه يومًا، ثم سُرّي عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه،
ودعا))، الحديث، أخرجه الترمذيّ، واللفظ له، والنسائي، والحاكم.
وفي حديث أسامة رَّ: ((كنت رديف النبي ◌َّ بعرفات، فرفع يدعو، فمالت به
ناقته، فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى))، أخرجه
النسائي ٣٠١١/٢٠٢ بسند جيد.
وفي حديث قيس بن سعد ◌َّ عند أبي داود: ثم رفع رسول اللّه ◌َليل يديه، وهو
يقول: ((اللّهم اجعل صلواتك، ورحمتك على آل سعد بن عبادة))، الحديث، وسنده
جيد. والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وأما ما أخرجه مسلم من حديث عُمارة بن رُويبة(١) رَزَالُه أنه رأى بِشْر بن مَزْوان
يرفع يديه، فأنكر ذلك، وقال: ((لقد رأيت رسول اللّه وَليل، وما يزيد على هذا، يشير
بالسبابة))، فقد حكى الطبريّ عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال : السنة أن
الداعي يشير بإصبع واحدة، ورده بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر
في سياق الحديث، فلا معنى للتمسّك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت
الأخبار بمشروعیتها .
وقد أخرج أبو داود، والترمذي، وحَسّنَه، وغيرهما من حديث سلمان رَيُ رفعه:
((إن ربكم حييّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفْرًا)) -بكسر
المهملة، وسكون الفاء- أي خالية ، وسنده جيد.
قال الطبريّ: وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر، وجبير بن مطعم، ورأى شُرَيخ
(١) براء ، وموحدة، مصغّرًا.