النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١ ===
١١- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْهُ عَنْ عَائِشَة) - حديث رقم ١٤٧٥
لو تعلمون ما أعلم كما أعلم، والله تعالى أعلم. قاله السنديّ(١).
وقال الحافظ: قيل: معنى القلّة هنا العدم، والتقدير لتركتم الضحك، ولم يقع منكم
إلا نادرًا، لغلبة الخوف، واستيلاء الحزن. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تخريجه في ٦/
١٤٦٥ - ولنذكر هنا فوائده :
(فمنها): المبادرة بالصلاة، وسائر ما ذُكر عند الكسوف. (ومنها): أن الصلاة
الكسوف هيئة تخصها، من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع
في كلّ ركعة. (ومنها): اهتمام الصحابة ه بنقل أفعال النبي ◌َّر، ليُقتَدَى به فيها
(ومنها): الزجر عن كثرة الضحك، والحثُّ على كثرة البكاء، والتحقق بما سيصير إليه
المرء من الموت، والفناء، والاعتبار بآيات الله (ومنها): ترجيح التخويف في الخطبة
على التوسّع في الترخيص، لما في ذكر الرُّخَص من ملاءمة النفوس لما جُبلت عليه من
الشهوة، والطبيبُ الحاذق يقابل العلّة بما يُضادّها، لا بما يزيدها (ومنها): أنه يؤخذ من
قوله: ((يا أمة محمد)) أن الواعظ ينبغي له حالَ وعظه أن لا يأتي بكلام فيه تفخيم لنفسه،
بل يبالغ في التواضع، لأنه أقرب إلى انتفاع من يسمعه (ومنها): أن فيه الردّ على من
زعم أن للكواكب تأثيرًا في الأرض، لانتفاء ذلك عن الشمس والقمر، فكيف بما دونهما
(ومنها): أن من حكمة وقوع الكسوف تبيينَ أنموذج ما سيقع في القيامة، وصورة عقاب
من لم يُذنب، والتنبيه على سلوك طريق الخوف مع الرجاء، لوقوع الكسوف بالكوكب،
ثم كشف ذلك عنه، ليكون المؤمن من ربّه على خوف ورجاء (ومنها): أن فيه إشارة
إلى تقبيح رأي من يعبد الشمس، أو القمر.
وحمل بعضهم الأمر في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ
الَّذِى خَلَقَهُنَّ﴾ الآية [فُصّلت: ٣٧] على صلاة الكسوف، لأنه الوقت الذي يناسب
الإعراض عن عبادتهما، لما يظهر فيهما من التغير والنقص المنزّه عنه المعبود، جلّ
وعلا، سبحانه وتعالى. قاله في ((الفتح)) (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل الأمر في الآية المذكورة على صلاة الكسوف غير
واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٧٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
(١) ((شرح السندي)) ج ٣ ص ١٣٣.
(٢) ((فتح)) ج٣ ص ٢٣٠-٢٣١.

٤٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
سَعِيدٍ، أَنَّ عَمْرَةَ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا، أَنَّ يُودِيَّةٌ أَتَتْهَا، فَقَالَتْ: أَجَارَكِ اللَّهُ مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ لَيُعَذَّبُونَ فِي الْقُبُورِ؟، فَقَالَ رَسُولُ
اللّهِ وَّهِ: (عَائِذًا بِاللَّهِ)) قَالَتْ عَائِشَة: إِنَّ النَّبِيَّ نَّهَ خَرَجَ نَخْرَجًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ،
فَخَرَجْنَا إِلَى الْحَجْرَةِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْنَا نِسَاءٌ، وَأَقْبَلَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ◌َ، وَذَلِكَ ضَحْوَةٌ، فَقَامَ
قِيَّامًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ دُونَ
رُجُوعِهِ، ثُمَّ سَجَد، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَّةَ، فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّ رُكُوعَّهُ وَقِيَامَهُ دُونَ الرَّكْعَةِ
الْأُولَى، ثُمَّ سَجَدَ، وَتَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ فِيمَا يَقُولُ: ((إِنَّ
النَّاسَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ، كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنَّا نَسْمَعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، يَتَعَوَّذُ مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (عمرو بن الحارث) المصريّ، ثقة ثبت [٧]٦٣ /٧٩.
٢- (يحيى بن سعيد) الأنصاري، المدني، ثقة ثبت [٥]٢٣/٢٢.
٣- (عمرة) بنت عبدالرحمن الأنصارية المدنية، ثقة [٣]٢٠٣/١٣٤ .
والباقون تقدّموا أول الباب. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريين، ونصفه الثاني
مسلسل بثقات المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة رضي اللَّه
تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يُحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري (أَنَّ عَمْرَةَ) بنت عبدالرحمن (حَدَّثَتْهُ، أَنَّ عَائِشَةَ)
رَّهَا (حَدَّثَتْهَا، أَنَّ يُهُودِيَّةً أَتَتْهَا) أي للسؤال، فلما أعطتها دعت لها (فَقَالَتْ: أَجَارَكِ
اللَّهُ) أي أعاذك (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) فيه أن اليهود يثبتون عذاب القبر (قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ لَيُعَذَّبُونَ فِي الْقُبُورِ؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أإنّ الناس
ليعذّبون في قبورهم؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((عَائِذَا بِاللَّهِ))) قال ابن السِّيد: هو منصوب
على المصدر الذي يجيء على مثل فاعل، كعُوفي عافيةً، أو على الحال المؤكّدة النائبة
مناب المصدر، والعاملُ فيه محذوف، كأنه قال: أعوذ بالله عائذًا، وروي بالرفع أي أنا
عائذٌ. قال الحافظ: وكأن ذلك قبل أن يطّلع بَّر على عذاب القبر انتهى.

٤٢٣ ـ
١١- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْهُ عَنْ عَائِشَة) - حدیث رقم ١٤٧٥
(قَالَتْ عَائِشَة) رَّها (إِنَّ النَِّيَّ بَّهُ خَرَجَ خَرَجًا) بفتح الميمٍ مصدر ميمي، أي
خروجًا، أو منصوب على الظرفية (فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَخَرَجْنَا إِلَى الْحَجْرَةِ) أي إلى ظاهر
الحجرة، وسيأتي قولها: ((فكنت بين الحُجُر مع نسوة))، والله تعالى أعلم (فَاجْتَمَعَ إِلَيْنَا
نِسَاءٌ، وَأَقْبَلَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ﴾ أي رجع عن المحلّ الذي خرج إليه (وَذَلِكَ ضَحْوَةً)
منصوب على الظرفية، متعلق بخبر اسمِ الإشارة (فَقَامَ قِيَّامَا طَوِيلاً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا
طَوِيلاَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ دُوِنَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ دُونَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَد، ثُمَّ قَامَ
الثَّانِيَّةَ، فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّ رُكُوعُهُ وَقِيَامَهُ دُونَ الزَّكْعَةِ الْأُولَى، ثُمَّ سَجَدَ، وَثَجلَّتِ
الشَّمْسُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي سلم من صلاته (قَعَدَ عَلَى الْبَرِ، فَقَالَ فِيمَا يَقُولُ) أي في جملة
القول الذي قاله في تلك الخطبة ((إِنَّ النَّاسَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ) فيه إثبات عذاب القبر،
وفتنته، وهو مذهب أهل الحقّ، ومعنى ((يُفتنون)): يُمتحنون، فيقال: ما علمك بهذا
الرجل؟، فيقول المؤمن: هو رسول اللَّه وَله، ويقول المنافق: سمعت الناس يقولون
شيئًا، فقلته، هكذا جاء مفسّرًا في ((الصحيح)) (كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ))) أي فتنةً شديدةً
جدّا، وامتحانًا هائلاً، ولكن يُثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت. قاله النووي(١) (قَالَتْ
عَائِشَةُ)) كُنَّا نَسْمَعُهُ) أي نسمع النبي ◌َّ (بَعْدَ ذَلِكَ) أي بعد ذلك الوقت الذي وقعت فيه
حادثة الكسوف (يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))) أي لأنه أَوحي إليه بأن الناس سيفتنون في
قبورهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ١٤٧٥/١١ - وفي ((الكبرى))١١ / ١٨٦٠- بالإسناد المذكوروفي ١٢ /
١٤٧٦ - و((الكبرى)) ١٢/ ١٨٦١ عن عمرو بن عليّ، عن يحيى القطّان، عن يحيى
الأنصاري به. وفي ١٢/ ١٤٧٧ و((الكبرى)) ١٢ /١٨٦٢ عن عبدة بن عبدالرحيم، عن
ابن عُيينة، عن يحيى به، مختصرًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (خ) ٤٥/٢ و٤٧/٢ و٤٩/٢ (م)٣٠/٣ (مالك في الموطإ) ١٣٣ (الحميدي)
(١) ((شرح مسلم)) ج٦ ص٢٠٦-٢٠٧.

٤٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
١٧٩ (أحمد) ٥٣/٦ (الدارمي) ١٥٣٥ و١٥٣٨ (ابن خزيمة) ١٣٧٨ و١٣٩٠ والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٢ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٤٧٦- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلى، قَالَ: حَدَّثَنَا يُجْنَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ، -هُوَ الْأَنْصَارِيُّ- قَالَ: سَّمِعْتُ عَمْرَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَقُولُ: جَاءَتْنِي
يُهُودِيَّةٌ، تَسْأَلُنِي، فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ، فَقَالَ: (عَائِذًا بِاللَّهِ))، فَرَكِبَ مَرْكَبًا، يَعْنِي:
وَانْخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَكُنْتُ بَيْنَ الْحَجَرِ، مَعَ نِسْوَةٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِوَ مِنْ مَرْكَبِهِ، فَأَتَّى
مُصَلَّهُ، فَصَلَّ بِالنَّاسِ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ،
فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَأَطَالَ
السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا أَيْسَرَ مِنْ قِيَامِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ أَيْسَرَ مِنِ رُكُوعِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ
رَأْسَهُ، فَقَامَ أَيْسَرَ مِنْ قِيَامِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ أَيْسَرَ مِنْ رُكُوعِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ
أَيْسَرَ مِنْ قِيَامِهِ الْأَوَّلِ، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ:
((إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَعَوَّذُ مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث عائشة رَّها، وهو متّفق
عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله، وباللَّه تعالى التوفيق.
و((عمرو بن علي)) هو الفلاس، و((يحيى بن سعيد)) هو القطان. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٧٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يُجْتِى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، صَلَّ فِي كُسُوفٍ، فِي صُفَّةٍ زَمْزَمَ، أَرْبَعَ
رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا أيضًا طريق آخر لحديث عائشة رَعَّها، مختصر.
و((عبدة بن عبدالرحيم)) هو أبو سعيد المروزيّ، نزيل دمشق، صدوق، من صغار [١٠]
٤٥ / ٥٩٧ ٠

٤٢٥
١٢- (نوعٌ آخرُ) - حدیث رقم ١٤٧٨
وقوله: ((في صفّة زمزم)) ((الصُّفّة)) بضم المهملة، وتشديد الفاء، جمعه صُفَفْ، وهو
من البُنْيَانِ شِبْهُ البَهْوِ (١) الواسعِ الطويلِ السَّمْك. قاله في ((اللسان)).
قال الحافظ عماد الدين ابن كثير تَخّْلهُ: تفرّد النسائيّ، عن عَبْدة بقوله: ((في صفّة
زمزم))، وهو وَهَمّ بلا شكّ، فإن رسول اللّه وَلهول لم يصلّ الكسوف إلا مرّة واحدة
بالمدينة في المسجد ، هذا هو الذي ذكره الشافعيّ، وأحمد، والبخاريّ، والبيهقيّ،
وابن عبدالبرّ، وأما هذا الحديث بهذه الزيادة، فيُخشى أن يكون الوهم من عبدة بن
عبدالرحيم هذا، فإنه مروزيّ، نزل دمشق، ثم صار إلى مصر، فاحتمل أنّ النسائيّ
سمعه منه بمصر، فدخل عليه الوهم، لأنه لم يكن له كتاب، وأخرجه البخاريّ،
ومسلم، والنسائيّ أيضًا بطريق آخر من غير هذه الزيادة.
وعرض هذا على الحافظ جمال الدين الْمِزْيّ، فاستحسنه، وقال: قد أجاد، وأحسن
الانتقاد انتهى (٢).
وقال الحافظ في ((النكت الظراف)) تعليقًا على هذه الرواية: ما نصه: وفي رواية عند
النسائيّ لفظة شذّ بها شيخ ثقفيّ(٣)، وهي قوله: ((في صفة زمزم)) (٤) . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٧٨- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِي الْحَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ صَاحِبُ
الدَّسْتَوَائِيٌّ، عَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَّ: كَسَفَّتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ
وَّهِ، فِي يَوْمٍ شَدِيدٍ الْحَرِّ، فَصَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلَبِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا مَخِرُونَ،
ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَلَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ
قَامَ، فَصَنَعَ نَحْوَا مِنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَأَخَّرُ، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ
سَجَدَاتٍ، كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَّ يُخْسِفَانِ إِلَّلِوْتٍ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وَإِنََّمَا
آَيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُرِيكُمُوهُمَا، فَإِذَا انْخَسَفَتْ، فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَليّ) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (أبو داود) سليمان بن سيف الحرّاني، ثقة حافظ [١١]١٣٦/١٠٣.
٢- (أبو علي الحنفي) عبيدالله بن عبد المجيد الحنفي، أبو عليّ البصريّ، صدوق [٩]
(١) البيت المقدم أمام البيوت, أهـ ((ق)).
(٢) انظر ((زهر الربى)) ج ٣ ص ١٣٥ - ١٣٦.
(٣) هكذا نسخة ((النكت)) ((شيخ ثقفي))، ولعله: ((شيخ النسائي))، فليحرّر.
(٤) ((النكت الظراف)) ج ١٢ ص ٤٢٦ .

٤٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
١١١٨/١٥١ .
٣- (هشام، صاحب الدستوائي) هو ابن أبي عبدالله سَنْبَر البصري، ثقة ثبت
[٧]٣٤/٣٠ .
٤- (أبو الزبير) محمد بن مسلم المكيّ، صدوق يُدلّس [٣]٣٥/٣١.
:
٥- (جابر بن عبدالله) الأنصاري رؤيتنا ٣٥/٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي اللَّه تعالى عنه
من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ) من باب
ضِرب: أي اسودّت بالنهار، وذهب ضوءها (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ، فِي يَوْم شَدِيدٍ
الحَرِّ، فَصَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا بِخِرُونَ) من بابٌ نصر،
وضرب، أي يسقطون على الأرض، لطول القيام، وهو في معنى ما تقدّم في حديث
عائشة رَعَّها: ((حتى إن رجالاً يومئذ يُغْشَى عليهم)) (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَأَطَالَ،
ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال،َ ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ) قال النوويّ ◌َخْدَتُهُ: ظاهره أنه طوّل الاعتدال الذي يليه
السجود، ولا ذكر له في باقي الروايات، ولا في رواية جابر من جهة غير أبي الزبير،
وقد نقل القاضي إجماع العلماء(١) أنه لا يطوّل الاعتدال الذي يليه السجود، وحينئذ
يُجاب عن هذه الرواية بجوابين:
[أحدهما]: أنها شاذّة، مخالفة الرواية الأكثرين، فلا يُعمل بها.
[والثاني]: أن المراد بالإطالة تنفيس الاعتدال، ومَدّه قليلاً، وليس المراد إطالته
نحوالرکوع انتهى.
قال الحافظ رحمه الله تعالى بعد نقل كلام النووي هذا: ما نصّه: وتُعقّب بما رواه
النسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهما من حديث عبدالله بن عمرو أيضًا، ففيه: ((ثم ركع،
فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فأطال، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد، فأطال،
حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فجلس، فأطال الجلوس، حتى قيل: لا يسجد، ثم
سجد))، لفظ ابن خزيمة من طريق الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عنه،
(١) دعوى الإجماع في هذا غير صحيحة، كما سيأتي في كلام الحافظ ردًا على الغزالي.

٤٢٧ =
١٢- (نَوْعٌ آخَرٌ) - حديث رقم ١٨
والثوريّ سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحديث صحيح.
قال: ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في
هذا (١) . وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبيّ، فلا
كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الرواية انتهى (٢).
(ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَأْخَّرُ)
وفي رواية لمسلم من طريق عطاء، عن جابر رَزَّه: ((ثم تأخر، وتأخرت الصفوف
خلفه، حتى انتهينا إلى النساء، ثم تقدّم، وتقدّم الناس معه حتى قام في مقامه)).
قال النووي ◌َّلهُ: فيه أن العمل القليل لا يُبطل الصلاة، وضبط أصحابنا القليلَ بما
دون ثلاث خطوات متتابعات، وقالوا الثلاث متتابعات تبطلها، ويتأولون هذا الحديث
على أن الخطوات كانت متفرّقة، لا متوالية، ولا يصحّ تأويله على أنه كان خطوتين،
لأن قوله: ((انتهينا إلى النساء)) يخالفه، وفيه استحباب صلاة الكسوف للنساء، وفيه
حضورهنّ وراء الرجال انتهى (٣) (فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، كَانُوا يَقُولُونَ)
هذا من كلام النبي ◌َِّ، ولفظ ((الكبرى)): ((وقال: ((كانوا يقولون الخ)) (إِنَّ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ لاَ يُخْسِفَانِ إِلَّ لِوْتٍ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وَإِنُهُمَا آَيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُرِيكُمُوهُمَا،
فَإِذَا انْخَسَفَتْ) أي الشمس (فَصَلُوا حَتَّى تَنْجَلي))) أي تنكشف، ويذهب ما بها من
الانخساف، . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٤٧٨/١٢ - وفي ((الكبرى)) -١٨٦٣/١٢- بالإسناد المذكور، والله
تعالم أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م)٣٠/٣ و٣١/٣ (د) ١١٧٩ (أحمد)٣٧٤/٣ و٣٨٢/٣ (ابن خزيمة)
١٣٨٠ و١٣٨١. وفوائد الحديث تعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
(١) قال الجامع: قد ثبت صحة الحديث، فيتعين العمل به، والله تعالى أعلم.
(٢) (فتح)) ج٣ ص ٢٤٠ .
(٣) (شرح مسلم)) ج٦ ص٢٠٩ .

٤٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
١٣ - (نَوْعٌ آخَرُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر صنيع المصنّف رحمه الله تعالى أن حديث
عبدالله بن عمرو رَّم مغاير لما سبق، وهذا إنما يصحّ، إن قلنا: إن قوله: ((فصلى
ركعتين، وسجدة)) صحيح، وأنه يفيد كون صلاة الاستسقاء تصلَّ بركوعين، وسجدة
واحدة، كما هو ظاهر سياق المصنف، لكن الذي يظهر أن فيه تصحيفا، كما سيأتي
قريبًا، إن شاء الله تعالى، فلا يخالف حديثه روايات غيره. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤٧٩ - (أخبَرَني مُحمُودُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مَزْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يُحْيَى بْنُ أَبِي ◌َكَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّخَمنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ:
خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَّلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ فَأَمَرَ، فَنُودِيَ: ((الصَّلَةُ جَامِعَةٌ)) فَصَلَّ رَسُولُ
اللّهِ وَ لِهِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَةً، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّ رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَةً، قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا
رَكَعْتُ رُكُوعًاَ قَطُّ، وَلاَ سَجَدْتُ سُجُودًا قَطْ، كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ.
خَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ خِيَرَ).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (محمود بن خالد) السلميّ، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، من صغار[١٠] ٥٩٥/٤٥.
٢- (مروان بن محمد) بن حسّان الأسديّ الدمشقيّ الطّاطَريّ، ثقة [٩] ١٠٩١/١٢٨.
٣- (معاوية بن سلام) -بتشديد اللام- ابن أبي سلّام ممطور الحبشيّ، ويقال:
الألهانيّ، أبو سلّام الدمشقي، وكان يسكن حمص، ثقة [٧].
روى عن أبيه، وجدّه، وأخيه زيد، ونافع مولى ابن عمر، والزهريّ، ويحيى بن أبي
كثير، وغيرهم. وعنه الوليد بن مسلم، ومروان بن محمد،، ومحمد بن المبارك،
ویحیی بن حسان، وغيرهم.
قال الأثرم، عن أحمد: هشام يرجع إلى كتاب، والأوزاعيّ حافظ، وهَمّام ثقة،
وحرب، ومعاوية بن سلّام ثقتان. وقال يوسف بن موسى العطّار الحربيّ: سُئل أبو

٤٢٩
١٣ - (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٤٧٩
عبدالله عن معاوية بن سلّام؟ فقال: هشام فوقه. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: عَرَضتُ
على أحمد حديثًا، قال: من يروي هذا؟ قلت: معاوية بن سلّام، فقال: معاوية بن
سلّام ثقة. وقال الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال عباس بن الوليد الخَلّال: قال لي
يحيى بن معين: معاوية بن سلّام محدّث أهل الشام، وهو صدوق الحديث، ومن لم
يكتب حديثه، مسندَه، ومنقطعَه حتى يعرفه، فليس بصاحب حديث. وقال عثمان
الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وعن دُخَيم: جيّد الحديث، ثقة، كان بحمص، ثم انتقل
إلى دمشق. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق. وقال مروان بن محمد: قلت لمعاوية
ابن سلّام تعجّبًا به لصدقه: إنك لشيخ كيّس. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: كان يحيى بن
حسّان، ومروان يرفعان من ذكره، وكان ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. وقال
النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال ابن عساكر: بلغني أنه توفي في
حدود (١٦٤) وذكر الذهبي أنه توفي في حدود السبعين. وقال العجليّ: دَفَع إليه يحيى
ابن أبي كثير كتابًا، ولم يقرأه، ولم يسمعه.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة عشر حديثًا.
٤- (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلس ويرسل
[٥] ٢٤/٢٣ .
٥- (أبو سلمة بن عبدالرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه [٣] ١/١.
٦- (عبدالله بن عمرو) بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه
مسلسل بالدمشقيين إلى معاوية، ويحيى يمامي بصريّ، والباقيان مدنيان، فالصحابي،
وإن سكن مصر، والطائف، إلا أنه مدنيّ الأصل. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللّهِ نَّهِ، فَأَمَرَ، فَنُودِيَ) أي أمر النبي ◌َّ بالنداء، فنودي، وتقدم في حديث
عائشة رَّها: ((فأمر النبي وَّر مناديًا ينادي أن الصلاة جامعة)) (الصَّلَةُ جَامِعَةٌ) برفع

٤٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
الجزأين على أنهما مبتدأ وخبر، ونصبهما، الأول على الإغراء، والثاني على الحال،
ورفع الأول، ونصب الثاني، وبالعكس، وتقدم الكلام على ذلك مُستوفَّى في شرح
حديث عائشة ريتها في ١٤٦٥/٦ (فَصَلَّ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنْ وَسَجْدَةً) هكذا
رواية المصنف هنا، وفي ((الكبرى)): ((وسجدة)) بالواو، وهو مشكل، إذ يقتضي أنه
سجد سجدة واحدة.
والذي في ((الصحيحين)): ((فركع ركعتين في سجدة)) بـ((في))، قال في ((الفتح)): قوله:
(ركعتين في سجدة))، المراد بالسجدة هنا الركعة بتمامها، وبالركعتين الركوعان، وهو
موافق لروايتي عائشة، وابن عبّاس # المتقدّمتين في أن في كلّ ركعة ركوعين،
وسجودين، ولو ترك على ظاهره لاستلزم تثنية الركوع، وإفراد السجود، ولم يصر إليه
أحد، فتعيّن تأويله انتهى(١)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا هو الموافق لرواية محمد بن حمير الآتية بعد
هذا: ((فركع رسول اللّه وَ ل ركعتين، وسجد سجدتين، ثم قام، فركع ركعتين، وسجد
سجدتین ... )).
فلعل الواو في رواية المصنف هذه تصحّفت من ((في))(٢)، أو تصحف قوله:
(وسجدة)) من ((وسجدتين))، كما في الرواية التالية. والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّ رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَةً، قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ، وَلاَ سَجَدْتُ سُجُودًا
قَطُ، كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ) أي من السجود الذي سجده النبي ◌َّ في تلك الصلاة، وهو ظاهر في أن
السجود في الكسوف يطوّل كما يطوّل القيام والركوع، وأبدى بعض المالکیة فیه بحثًا، فقال:
لا يلزم من كونه أطال أن يكون بلغ به حدّ الإطالة في الركوع. قال الحافظ: وكأنه غفل عما
رواه مسلم في حديث جابر بلفظ: ((وسجوده نحو من ركوعه)).
وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، وبه جزم أهل العلم بالحديث
من أصحابه، واختاره ابن سُريج، ثمّ النوويّ، وتعقّبه(٣) صاحب ((المهذّب)) بأنه لم يُنقل
في خبر، ولم يقل به الشافعي اهـ. ورُدّ عليه في الأمرين معًا، فإن الشافعيّ نصّ عليه في
(البويطيّ))، ولفظه: ثم يسجد سجدتين طويلتين، يقيم في كلّ سجدة نحوًا مما قام في
ركوعه. انتهى(٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
(١) (فتح)) ج٣ ص٢٣٩ .
(٢) هذا الاحتمال هو القوي، لما سيأتي في رواية أحمد من التصريح به، حيث رواه بلفظ: ((ثم ركع
· ركعتين في سجدة)). فتأمل.
(٣) أي تعقب القول المذكور عن الشافعي صاحب ((المهذب)) بأنه لم ينقل الخ.
(٤) (فتح)) ج٣ ص٢٣٩ - ٢٤٠ .

٤٣١
١٣ - (نَوْعٌ آخَرٌ) - حديث رقم ١٤٨٠
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبدالله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٤٧٩/١٣- وفي ((الكبرى)) - ١٨٦٤/١٣- بالإسناد المذكور. والله
تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (خ) ٤٣/٢ و٤٥/٢ (م) ٣٤/٣ (أحمد) ١٧٥/٢ و٢٢٠/٢ (ابن
خزيمة)١٣٧٥ و١٣٧٦ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ مُحمَّدُ بْنُ خِيَرَ) يعني أن محمد بن حمير خالف مروان بن محمد في
إسناد هذا الحديث، فرواه عن معاوية بن سلّام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي
طُعمة، عن عبدالله بن عمرو، فجعل شيخ يحيى أبا طعمة، بدل أبي سلمة، كما بيّن
ذلك بقوله :
١٤٨٠- (أَخْبَرَنَا يُجْتِى بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ خِيَرَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّمِ، عَنْ
يُحْيَى بْنِ أَبِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي طُعْمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ،َ فَرَكَعَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ رَكْعَتَيْنَ وَسَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ جُلِّ عَنِ
الشَّمْسِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ، تَقُولُ: مَا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ نَِّ سُجُودًا، وَلاَ رَكَعَ رُكُوعًا،
أَطْوَلَ مِنْهُ.
خَالَفَهُ عَلِّ بْنُ المُبَارَكِ).
رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم تقدّموا في السند الماضي، إلا:
١- (يحيى بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشيّ الحمصي، صدوق عابد
[١٠]٢٩ /٨١٧ .
٢- (ابن حمير) هو محمد بن حمير السَّلِيحيّ الحمصيّ، صدوق [٩]٥٣٥/٢١.
٣- (أبو طعمة) روى عن عبدالله بن عمرو بن العاص في ((الكسوف))، وعنه يحيى
ابن أبي كثير، قيل: إنه هلال مولى عمر بن عبدالعزيز، وقيل: غيره، انفرد به النسائي.
قاله في ((تهذيب التهذيب)). وفي ((التقريب)): أبو طعمة شيخ ليحيى بن أبي كثير، قيل:
هو هلال المذكور أوّلاً، وإلا فمجهول [٣].

٤٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
وقال قبل ذلك: أبو طعمة - بضم أوله، وسكون المهملة- شاميّ، سكن مصر،
وكان مولى عمر بن عبدالعزيز، يقال: اسمه هلال، مقبول [٤]، ولم يثبت أن مكحولاً
رماه بالكذب انتهى. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ عَلي بْنُ الْبَارَكِ) يعني أن علي بن المبارك الْهُنَائِيّ خالف معاوية سلّام
في إسناد هذا الحديثَ، حيث رواه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي حفصة، عن عائشة
رَّها، فجعل شيخ يحيى أبا حفصة، بدلًا من أبي سلمة، أو أبي طُعمة، وجعله أيضًا
من مسند عائشة بدلاً عن عبدالله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهم، كما بينه بقوله:
١٤٨١ أ- (أخبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُوِ زَيْدٍ، سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عَلَّ بْنُ الْبَارَكِ، عَنْ يُحْنَى بَنِ أَبِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصَةَ، مَوْلَى عَائِشَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ
أَخْبُّرَتْهُ، أَنَّهُ لَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، تَوَضَّأَ، وَأَمَرَ، فَنُودِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ
جَامِعَةٌ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ فِي صَلاَِّهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسِبْتُ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ،
فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِنْ حَمدَهُ))، ثُمَّ قَامَ مِثْلَ مَا قَامَ، وَلَ يَسْجُدْ، ثُمَّ رَكَعَ، فَسَجَدَ،
ثُمَّ قَامَ، فَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعَ، رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَةً، ثُمَّ جَلَسَ، وَجُلِيُّ عَنِ الشَّمْسِ).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١ - (أبو بكر بن إسحاق) هو محمد الصَّغَاني، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١١]٣٤٧/١٣.
٢- (أبو زيد سعيد بن الربيع) العامريّ الْحَرَشيّ الْهَرَويّ البصريّ، كان يبيع الثياب
الهروية، ثقة، من صغار[٩].
روى عن شعبة، وقرّة بن خالد، وعلي بن المبارك، وغيرهم. وعنه البخاري،
وروى له هو أيضًا، ومسلم، والترمذي بواسطة.
قال عبدالله بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة، لم أسمع منه شيئًا. وقال أبو حاتم:
صدوق. مات سنة (٢١١) وهو أقدم شيخ للبخاريّ وفاة، وله في هذا الكتاب ثلاثة
أحاديث فقط، هذا، وفي ((الجنائز حديث رقم (١٩١٩)، وفي ((الزينة)) حديث رقم
(٥٠٩٢).
٣- (علي بن المبارك) الْهُنَائي، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما
سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار[٧] ٢٨ / ١٤١١.
٤- (يحيى بن أبي كثير) المذكور في السند الماضي.
٥- (أبو حفصة مولى عائشة) رضي الله تعالى عنها، مقبول [٣].
قال في (تهذيب التهذيب)): أبو حفصة مولى عائشة رضي اللّه تعالى عنها في
((الكسوف))، وعنه يحيى بن أبي كثير، قال الدارقطنيّ: مجهول يُكتب حديثه انتهى.

٤٣٣
١٤ - (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٤٨٢
وهو من أفراد المصنف، وليس له عنده إلا هذا الحديث.
٦- (عائشة) رَالثّها ٥/٥. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، بشواهده، وهو من أفراد
المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-١٤٨١/١٣ - وفي
((الكبرى)) ١٨٦٦/١٣. وأخرجه (أحمد) ٩٨/٦ و١٥٨/٦. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: تابع عليَّ بنَ المبارك في روايته عن يحيى شيبانُ بنُ عبدالرحمن النحوي،
فقد رواه أحمد في «مسنده)) بالرقم المذكور عن حسن بن موسى، عنه، عن یحیی به.
وقوله: ((ركعتين وسجدة)) تقدم الكلام في حديث عبدالله بن عمرو من طريق مروان
ابن محمد، على أن الظاهر أن الواو من قوله: ((وسجدة)) مصحّفة من ((في))(١)، أو
تصحف قوله: ((وسجدة)) من ((وسجدتين))، كما في الحديث الذي قبل هذا.
ولفظ أحمد هنا: ((ثم ركع ركعتين في سجدة))، وهو الموافق للروايات الصحيحة،
كما تقدّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٤ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٤٨٢ أ- (أخبَرَنَا هِلَالُ بْنُ بِشْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ عَطَاءِ
ابْنِ السَّائِبِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي السَّائِبُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو حَدَّثَهُ، قَالَ: انْكَسَفَتِ
الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ إِلَى الصَّلاَةِ، وَقَامَ الَّذِينَ مَعَهُ، فَقَامَ
قِيَامًا، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الزُّكُوعِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَسَجَدَ، فَأَطَالَ السُّجُودِ،
ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَجَلَّسَ، فَأَطَّالَ الْجُلُوسَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَامَ،
فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، مِنَ الْقِيَامِ، وَالرُّكُوعِ،
وَالسُّجُودِ، وَالْجُلُوسِ، فَجَعَلَ يَنْفُخُ، فِي آخِرِ سُجُودِهِ، مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَبْكِيَ،
وَيَقُولُ: ((لَّ تَعِذْنِي هَذَا، وَأَنَا فِيهِمْ، لَّ تَعِذْنِيَ هَذَا، وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ))، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ،
وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ،َ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ
قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفَ أَحَدِهِمَا،
(١) هذا الاحتمال هو القوي؛ لرواية أحمد المذكورة. والله تعالى أعلم.

٤٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالَّذِي نَفْسُ تَحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ أُدْنِيَتِ الْجَنَُّ مِنِّي، حَتَّى لَوْ
بَسَطْتُ يَدِي، لَتَعَاطَيْتُ مِنْ قُطُوفِهَا، وَلَقَدْ أُدْنِيَتِ النَّارُ مِنِّي، حَتَّى لَقَدْ جَعَلْتُ أَتَّقِيهَا،
خَشْيَةَ أَنْ تَغْشَاكُمْ، حَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً، مِنْ خِيَرَ، تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تَدَعْهَا،
تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، فَلَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلاَ هِيَ سَقَتْهَا، حَتَّى مَاتَتْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا
تَنْهَشُهَا، إِذَا أَقْبَلَّتْ، وَإِذَا وَلَّتْ تَنْهَشُ أَلْيْتَهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ السِّبْتِيَتَيْنْ، أَخَا
بَنِي الدَّعْدَاعِ، يُدْفَعُ بِعَصًا، ذَاتِ شُعْبَتَيْنِ فِي النَّارِ وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا، صَاحِبَ الْمُحْجَنِ،
الَّذِي كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، مُتْكِثًا عَلَى نِحِجَنِهِ فِي النَّارِ، يَقُولُ: أَنَا سَارِقُ الْمِحْجَنِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (هلال بن بِشْر) بن محبوب بن هلال بن ذَكْوان الْمُزَنيّ، أبو الحسن البصريّ
الأحدب، إمام مسجد يونس بن عبيد، ثقة [١٠].
روى عن حماد بن زيد، وعبدالعزيز بن عبدالصمد العمّيّ، وابن أبي عديّ،
وغيرهم. وعنه البخاري في ((جزء القراءة))، وأبو داود، والنسائيّ، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مُتقن للحديث، قال ابن
أبي عاصم: مات سنة (٢٤٦)، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا، وفي
((الحجّ)) حديث رقم (٠٢٨٥٠)، وفي ((الشفعة)) حديث رقم (٤٧٠٦).
٢- (عبدالعزيز بن عبدالصمد) العمّيّ، أبو عبدالله البصريّ، ثقة حافظ، من
كبار [٩]١٧/ ١٥٥١ .
٣٠- (عطاء بن السائب)، أبو محمد، أو أبو السائب الثقفيّ الكوفي، صدوق اختلط
[٥]٢٤٣/١٥٢ .
٤- (السائب) بن مالك، أو ابن يزيد الكوفي، والد عطاء، ثقة [٢]١٣٠٥/٦٢.
٥- (عبدالله بن عمرو) رضي اللّه تعالى عنهما المذكور في الباب الماضي. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي السَّائِبُ) بالرفعِ بدل من ((أبي)) (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ
بْنَ عَمْرِو حَدَّثَهُ، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ بِّ
إِلَى الصَّلَاةِ، وَقَامَ الَّذِينَ مَعَهُ) أي قام الصحابة الذين كانوا معه في ذلك اليوم إلى الصلاة

٤٣٥
١٤ - (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٤٨٢
خلفه (فَقَامَ قِيَامًا، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَسَجَدَ) فيه أنه
لم يركع إلا ركوعًا واحدًا، فيدلّ على أن من كيفيات صلاة الكسوف أن تصلَّ بركوع
واحد، وسجدتين، وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في المسألة الثالثة من ١٤٦١/٣
(فَأَطَالَ السُّجُودِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَجَلَسَ، فَأَطَالَ الْجُلُوسَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ
رَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَامَ، فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَّةِ، مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الأَولى، مِنَ الْقِيَامِ،
وَالزُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالْجُلُوسِ، فَجَعَلَ يَنْفُخُ، فِي آخِرِ سُجُودِهِ، مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةَ،
وَيَبْكِي، وَيَقُولُ: ((لَ تَعِذْنِ هَذَا، وَأَنَا فِيهِمْ، لَمَ تَعِدْنِي هَذَا، وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ))) أي ما
وعدتني هذا، وهو أن تعذّبهم، وأنا فيهم، بل وعدتني خلافه، وهو أن لا تعذبهم، وأنا
فيهم، يريد به قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ﴾ الآية [الأنفال: ٣٣]،
وهذا من باب التضرّع في حضرته، وإظهار غناه عن خلقه، وفقر الخلق إليه، وأن ما
وعد به من عدم العذاب مادام فيهم النبيّ ◌َّه يمكن أن يكون مقيّدًا بشرط، وليس مثله
مبنيًّا على عدم التصديق بوعده الكريم، وهذا ظاهر، والله تعالى أعلم(١)
(ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ، فَخَطَبَ النَّاسَ) قال القرطبي
◌َخْذَلهُ: هذا دليل لمن قال: من سنّتها الخطبةُ، وهم الشافعيّ، وإسحاق، والطبريّ،
وفقهاء أصحاب الحديث، وخالفهم في ذلك مالك، وأبو حنيفة، وقالا: إن هذه
الخطبة إنما كان مقصودها زجرُ الناس عما قالوا من أن الكسوف إنما كان لموت
إبراهيم، وليخبرهم بما شاهد في هذه الصلاة، مما اطلع عليه من الجنة والنار انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الأولون هو الصواب. والله تعالى أعلم.
(فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)
أي دليلان على وجود الحقّ سبحانه، وقهره، وكمال إلهيته، وقد خصهما بالذكر لِمَا
وَقَعَ للناس من أنهما يخسَفان لموت عظيم، وهذا إنما صدر عمن لا علم عنده، ممن
ضعف عقله، واختلّ فهمه، فردَّ عليهم النبي وَّر جهالتهم، وتضمّن ذلك الردّ على من
قال بتأثيرات النجوم، ثم أخبر بالمعنى الذي لأجله يكسفان، وهو أن اللّه تعالى يخوّف
بهما عباده.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: فإن قيل: فأيّ تخويف في ذلك، والكسوف أمر عاديّ
بحسب تقابل هذه النّرات، وحَجْب بعضها بعضًا، وذلك يجري مجرى حَجْب الجسم
الكثيف نورَ الشمس عما يُقابله من الأرض، وذلك لا يحصل به تخويف؟
(١) ((شرح السندي)) ج٣ ص١٣٨.
(٢) ((المفهم)) ج٢ ص ٥٥٢ .

٤٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
قلنا: لا نُسلّم أن سبب الكسوف ما ادعوه، ومن أين عرفوا ذلك، بالعقل، أم
بالنقل؟ وكلّ واحد منهما إما بواسطة نظر، أو بغير واسطة، ودعوى شيء من ذلك
ممنوعة، وغايتهم أن يقولوا: ذلك مبنيّ على أمور هندسيّة، ورصدية تُفضي بسالكها
إلى القطع ، ونحن نمنع أيضًا ما ذكروه إلى (١) القطع، وهو أول المسألة.
ولئن سلّمنا ذلك جَدَلاً، لكنّا نقول: يحصل بهما تخويفُ العقلاء من وجوه متعدّدة،
أوضحها أن ذلك مذكّر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك
الكسوف منها، ولذلك قام النبي ◌َّ فَزِعًا، يخشى أن تقوم الساعة، وكيف لا؟ وقد قال
اللَّه عزّ وجلّ: ﴿فَإِذَا بِقَ الْصُرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ النَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٧-٩] قال أهل
التفسير: جُمعَ بينهما في إذهاب نورهما، وقيل: غير ذلك، وأيضًا فإن كلّ ما في هذا
العالم علويّه وسفليّه دليل على نفوذ قدرة اللّه، وتمام قهره، واستغنائه، وعدم مبالاته،
وذلك كلّه يوجبٍ عند العلماء باللّه خوفه، وخشيته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ
مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾ [فاطر: ٢٨].
وخص هنا خسوفهما بالتخويف، لأنهما أمران علویّان نادران، طارئان، عظيمان،
والنادر العظیم مخوّف، موجع، بخلاف ما یکثر وقوعه، فإنه لا يحصل منه ذلك غالبًا،
وأيضًا فلِمَا وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما، ولِمَا وقع للجهّال من
اعتقاد تأثيرهما انتهى كلام القرطبي رحمه اللّه تعالى(٢). وهو تحقيق نفيس. والله تعالى
أعلم .
(فَإِذَا رَأَنْتُمْ كُسُوفَ أَحَدِهِمَا، فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ،
لَقَدْ أَدْنِيَتِ الْجَنَّةُ مِنِّي) أي دنوا حقيقياً (حَتَّى لَوْ بَسَطْتُ يَدِي) غاية لشدة دنوّها منه
(لَتَعَاطَيْتُ مِنْ قُطُوفِهَا) جمع قطف - بكسر، فسكون- وهو: ما يُقطف منها، أي يُقطع،
ويُجتنى، وهو هنا عُنقودٌ من العنب، كما جاء مفسّرًا في الرواية الأخرى (وَلَقَدْ أُدْنِيَتِ
النَّارُ مِنِّي، حَتَّى لَقَدْ جَعَلْتُ أَتَّقِيهَا، خَشْيَةَ أَنْ تَغْشَاكُمْ، حَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً، مِنْ خِمِيَرَ)
بكسر، فسكون، أي منسوبة إلى قبيلة حِمْيَر، قال المجد اللغوي: حِمْيَر، کدِرْهم:
موضع غَربِيَّ صَنْعَاء اليمن، وابنُ سَبَأْ بن يَشْجُبَ، أبو قبيلة انتهى(٣). وفي رواية
لمسلم: ((فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل)) وفي رواية: ((فرأيت فيها امرأة حميرية
سوداء طويلة)) (تُعَذَّبُ) بالبناء للمفعول، والجملة صفة لـ((امرأة)) بعد صفة، أو حال (فِي
(١) هكذا عبارة المفهم ((إلى القطع)) ولعل الصواب من إفضائه إلى القطع. فليحرّر.
(٢) ((المفهم)) ج٢ ص ٥٥٢- ٥٥٣ .
(٣) انظر ((ق)) في مادة حمر.

١٤ - (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٤٨٢
٤٣٧
هِرَّةٍ) أي لأجل هرّة، وشأنها، قال ابن مالك تَخّْلهُ: ((في)) هنا للسببية، وهو مما خفي
على أكثر النحويين، مع وروده في القرآن، والحديث، والشعر القديم (١) (رَبَطَتْهَا، فَلَمْ
تَدَعْهَا) أي لم تتركها (تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ) مثلث الخاء المعجمة، أي هوامّها،
وحشراتها (فَلَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلاَ هِيَ سَقَتْهَا، حَتَّى مَاتَتْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا تَنْهَشُهَا) بالشين
المعجمة: أي تعَضّها، قال الفيومي ◌َخّْتُهُ : نَّسَه الكلبُ، وكلّ ذي ناب نُسًا، من بابي
ضرب، ونَفَع: عَضّه، وقيل: قبض عليه، ثم نَثَرَه، فهو نّاس، وَستُ اللحمَ: أخذته
بمقدّم الأسنان للأكل، واختلف في جميع الباب، فقيل: بالسين المهملة، واقتصر عليه
ابن السِّكْيت، قال: سمعت الكلابي يقول: انتهسه الكلبُ، والذئبُ، والحيّة، ونَسَه،
وقيل: جميع الباب بالسين والشين، ونقله ابن فارس عن الأصمعيّ، وقال الأزهريّ:
قال الليث: النَّهْش بالشين المعجمة: تناولٌ من بَعِيد، كنَهْشِ الحيّة، وهو دون النهس،
والنّهْسُ بالمهملة: القبضُ على اللحم، ونثره، وعكَسَ ثعلبٌ، فقال: النهسُ بالمهملة
يكون بأطراف الأسنان، والنهْشُ بالمعجمة بالأسنان، وبالأضراس، وقال ابن الْقُوطِيّة
كما قال الليث: نَّشَهُ الحيةُ بالشين المعجمةن ونهسه الكلب، والذئبُ والسبع بالمهملة
انتهى كلام الفيّومي(٢).
(إِذَا أَقْبَلَتْ، وَإِذَا وَلَّتْ تَنْهَشُ أَلْيَتَهَا) بفتح الهمزة: العَجِيزة، أي إذا أدبرت المرأة،
تنهش عجيزتها، والحاصل أن الهرّة في النار مع المرأة، لكن لا لتُعَذَّب الهرّةُ، بل
لتكون عذابًا في حقّ المرأة.
قال القاض عياض ◌َخّْلهُ: في هذا الحديث المؤاخذة بالصغائر، قال: وليس فيه أنها
عُذّبت عليها بالنار، قال: ويحتمل أنها كانت كافرة، فزيد في عذابها بذلك انتهى.
وتعقّبه النووي تَخَّْتْهُ، فقال: وليس هذا بصواب، بل الصواب المصرّح به في
الحديث أنها عُذّبت بسبب الهرّة، وهي كبيرة، لأنها ربطتها، وأصرّت على ذلك، حتى
ماتت، والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، كما هو مقرّر في كتب الفقه وغيرها،
وليس في الحديث ما يقتضي كفر هذه المرأة انتهى (٣).
(وَحَتَّى رَأَنْتُ فِيهَا صَاحِبَ السُّبْتِيَتَيْن) وفي الرواية الآتية ١٤٩٦/٢٠ من طريق شعبة،
عن عطاء: ((ورأيت فيها سارق بَدَنَتَيْ رسول اللّه وَلّ).
قال السندي ◌َخْذَّلهُ: هكذا في نسخة النسائي -يعني ((صاحب السبتيتين))- وفي كتب
(١) (زهر الربى)) ج٣ ص١٣٩.
(٢) ((المصباح المنير)) في مادة ((نهس)).
(٣) ((شرح مسلم)) ج ٦ ص ٢٠٧ - ٢٠٨ .

٤٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
الغريب: ((صاحب السائبتين))، في ((النهاية)): سائبتان بدنتان، أهداهما النبي وَل إلى
البيت، فأخذهما رجل من المشركين، فذهب بهما، وسمّاهما سائبتين، لأنه سيبهما لله
تعالی انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لعل ذلك الرجل كان لابسّا نعلين سبتيتين، والله تعالى
أعلم.
و((السبتيتان)) تثنية سِبتِيَّة، بكسر المهملة، وسكون الموحدة، وهي النعل التي لا شعر
عليها (أَخَا بَنِي الدَّعْدَاع) هكذا في النسختين المطبوعتين بألف بعد الدال الثانية، وفي
(الهنديّة)): (بني الدعدع))، بإسقاط الألف، وهو الآتي في رواية شعبة المذكورة، ولم
أجد من ضبط هذه الكلمة، ولا بيّن من هي هذه القبيلة؟. والله تعالى أعلم.
(يُدْفَعُ) بالبناء للمفعول (بِعَصًا، ذَاتِ شُعْبَتَيْنِ) تثنية شعبة، وهو بضم، فسكون:
الطائفة من الشيء (فِي النَّار، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا، صَاحِبَ الِحِجَنِ) بكسر الميم، وسكون
الحاء المهملة وِزَان مِقْوَد: خشبة في طرفها اعوجاج، مثل الصَّوْلجان، قال ابن دُرید.
كل عُود معطوف الرأسِ، فهو مِحْجَنّ، والجمع المحاجن. قاله في ((المصباح)).
(الَّذِي كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ) أي أمتعة الحاجّ، فهو على حذف مضاف، و((أل)) للجنس،
وفي رواية شعبة: ((سارق الحجيج)) (بِمِخْجَنِهِ) بيّن في رواية مسلم كيفية سرقته،
ولفظه: ((وحتى رأيت فيها صاحب المِحجَن، يجرّ قُضْبه في النار، وكان يسرق الحاج
بمحجنه، فإن فُطن له، قال: إنما تعلّق بمحجني، وإن غُفِلَ عنه ذَهَبَ به)). وفي رواية
شعبة الآتية ١٤٩٦/٢٠: «فإذا فُطن له قال: هذا من عمل المحجن)).
وقال ابن منظور: وصاحب المجحن في الجاهلية: رجل كان معه محجن، وكان
يقعد في جادّة الطريق، فيأخذ بمحجنه الشيءَ بعد الشيءٍ من أثاث المارّة، فإن عُثِر عليه
اعتلّ بأنه تعلّق بمحجنه انتهى (١) (مُتَكِثًا عَلَى نِجَتِهِ فِي النَّارِ، يَقُولُ: أَنَا سَارِقُ المِخْجَنِ»)
أي سارق المتاع بالمحجن، فهو من الإضافة إلى الآلة. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث عبدالله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
فإن قلت: كيف يصحّ، وفي إسناده عطاء بن السائب، وهو مختلط؟
(١) انظر ((لسان العرب)) في مادة حجن.

٤٣٩
١٤ - (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٤٨٣
قلت: قد ثبت من رواية من رواه عنه قبل الاختلاط، فقد رواه عنه سفيان الثوريّ،
وشعبة، وزائدة بن قدامة، فهؤلاء ممن روى عنه قبل الاختلاط، فرواية سفيان عند
أحمد ١٩٨/٢، ورواية شعبة تأتي للمصنف ١٤٩٦/٢٠ ورواية زائدة عند أحمد ٢/
١٨٨ .
وتابع عطاءً أبو إسحاق السبيعيّ، عن السائب عند المصنف في ((الكبرى)) (١) عن
محمد بن عبدالأعلى- وعند أحمد ٢٢٣/٢ عن يحيى بن آدم- كلاهما عن أبي بكر بن
عیّاش، عن أبي إسحاق به.
والحاصل أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا- ١٤ / ١٤٨٢ وفي ((الكبرى)) ١٤ / ١٨٦٧ - بالإسناد المذكور، وفي ١٩/
١٤٩٦ - و(«الكبرى» ٢٠/ ١٨٨٣- عن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن المسور
الزهريّ، عن غُندر، عن شُعبة، عن عطاء به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (د) ١١٩٤ (ت) في ((الشمائل)): ٣٢٤ (أحمد) ١٥٩/٢ و١٦٣/٢ و١٨٨/٢
و١٩٨/٢ (ابن خزيمة) ٩٠١ و١٣٨٩ و١٣٩٢ و١٣٩٣. والله تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تعلم مما ذكرناه في الأحاديث المتقدّمة، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: هذا الحديث يدلّ على أن صلاة الكسوف تصلّی برکوع واحد في كل ركعة،
وهو حجة لمن قال: إنها مثل صلاة الصبح، وهو مخالف للأحاديث التي أخرجها
الشيخان، وغيرهما من أنها بركوعين، فترجّح تلك الأحاديث عليه، ومن العلماء من
رأى أن هذا من الاختلاف المباح، فجمع بأنه ◌َ لّ فعل بهذا، وبهذا، وهذا غير صحيح،
فإن في بعض طرق حديث ابن عمرو هذا أن ذلك وقع يوم مات إبراهيم ابن النبي ◌َّل،
والأحاديث الصحيحة الكثيرة متفقة على أنه ◌َ ل# صلى صلاة الكسوف في ذلك اليوم
بأربع ركوعات، وأربع سجدات، فلا يصحّ الجمع المذكور. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٨٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ سَبَلَانُ،
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّدُ بْنُ عَبَّادِ الْمُهَلَّبِيُّ، عَنْ تَحِمَّدِ بْنِ عَمْرٍو،ً عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ وَهَ، فَقَامَ، فَصَلَّ لِلنَّاسِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ
(١) رواية المصنف في ((الكبرى)) ذكرها في ((تحفة الأشراف)) ج٦ ص٢٩٨ ولم أرها فيه.

٤٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ
الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَأَطَالَ
السُّجُودَ، وَهُوَ دُونَ السُّجُودِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّ رَكْعَتَيْنِ، وَفَعَلَ فِيهِمَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ
سَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، يَفْعَلُ فِيهِمَا مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّىٍ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ، آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لاَ يَنْكَسِفَانِ لِوْتِ أَحَدٍ، وَلاَ لِحِيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ،
فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِلَى الصَّلَاةِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (محمد بن عبيدالله بن عبد العظيم) القرشي الْكُرَيزيّ -بضم الكاف، وفتح الراء
المهملة، وبعد التحتانية زاي(١) - أبو عبدالله البصريّ القاضي، صدوق [١١].
روى عن أبي عاصم، والحسن بن بشر، وإبراهيم بن زياد سَبَلَان، وغيرهم. وعنه
النسائيّ، وقال: لا بأس به. ومحمد بن عبداللَّه الدمشقي، وأبو عروبة، وأحمد بن
الحسين الخُرَيبيّ. قال ابن حبان في (الثقات)): مات سنة (٢٥٠) وقال أبو علي
الحرّاني، وأبو عروبة، وغيرهما: سنة (٢٦٠). انفرد به المصنف بهذا الحديث فقط.
[تنبيه]: محمد بن عبيد الله، شيخ المصنف هكذا وقع في النسخة ((الهندية))، وهو
الصواب، فقد أورده في (ت))، و(تت))، و(صه)) مصغرًا، و((تحفة الأشراف))٧/١١-٨،
ووقع في النسختين المطبوعتين، و(السنن الكبرى)) للمصنف محمد بن عبدالله مكبرًا،
وهو تصحيف فاحش، فتنبه. والله تعالى أعلم.
٢- (إبراهيم سَبَلان) هو ابن زياد، أبو إسحاق البغداديّ، المعروف بسَبَلان -بفتح
المهملة، والموحّدة- ثقة [١٠].
روى عن عباد بن عبّاد المهلبي، والفرج بن فَضالة، ويحيى القطّان، وغيرهم. وعنه
مسلم، وأبو داود، وروى عنه النسائي بواسطة، وابن المدينيّ، وغيرهم.
قال أحمد: إذا مات سَبَلان ذهب علم عبّاد بن عبّاد، وقال أيضًا: لا بأس به، كان
معنا عند هُشيم. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وصالح جَزَرَة: ثقة. وقال أبو حاتم:
صالح الحديث. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال:
مات سنة (٢٣٢) وقال مطيّن، وموسى الحمال: مات سنة (٢٢٨) زاد موسى: في ذي
الحجة، وكان قد ضبّب أسنانه بالذهب. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
(١) هكذا ضبطه في ((صه)).