النص المفهرس

صفحات 381-400

٥- (تَرْكُ التَّطَوَّعِ فِي السَّفَر) - حديث رقم ١٤٥٨
٣٨١=
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو ترك السنن الرواتب في السفر.
ومنها: بيان ملازمة النبي ◌َّ للقصر في السفر، فلم يثبت عنه أنه أتمّ في السفر حتى
توفاه الله تعالى، وكذا الخلفاء *** بعده، ففيه الردّ على من قال: بأن الإتمام أفضل
من القصر.
ومنها: الإنكار على من خالف السنة، وإن لم تكن واجبة.
ومنها: فضل ابن عمر رَ ◌ّ، حيث كان شديد الاتباع للنبي وُّ، في جميع أفعاله.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في التطوع في السفر:
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: اختلف أهل العلم في التطوع في السفر،
فثبت أن ابن عمر لم يكن يصلي في السفر مع الفريضة شيئًا قبلها، ولا بعدها، إلا من
جوف الليل .
ورأت طائفة التطوع في السفر، فممن روينا عنه أنه كان يتطوع في السفر عمر،
وعلي، وعبدالله بن مسعود، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، وابن عباس، وأبو
ذرّ، وقال الحسن البصريّ: كان أصحاب رسول اللّه وَالله يُسافرون، فيتطوعون قبل
المكتوبة وبعدها .
وممن رُوي عنه أنه كان يتطوع في السفر: القاسم بن محمد، والأسود بن يزيد،
والحارث بن سُويد، وعطاء بن أبي رَبَاح، وطاوس، والشعبي، ومكحول، والحسن
البصري، والنخعي، وعروة بن الزبير، وعمرو بن ميمون، وجابر بن زيد، وأبو وائل،
وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي
رحمهم الله تعالى. انتهى(١).
وقال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: ثم اختلف أهل العلم بعد النبي وَ لَّ، فرأى
بعض أصحاب النبي و # أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد، وإسحاق، ولم
ير طائفة من أهل العلم أن يصلي قبلها، ولا بعدها، ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول
الرخصة، ومن تطوع فله في ذلك فضل كثير، وهو قول أكثر أهل العلم، يختارون
التطوع في السفر انتهى (٢).
وقال النووي رحمه الله تعالى: قد اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في
السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر، وآخرون، واستحبها
(١) ((الأوسط)) ٢٤١/٥ - ٢٤٤.
(٢) ((جامع الترمذي)) بنسخة ((تحفة الأحوذي)) ١١٨/٣ - ١١٩.

٣٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
الشافعي، وأصحابه، والجمهور، ودليلهم الأحاديث العامّة الواردة في ندب مطلق
الرواتب، وحديث صلاته وَّ الضحى في يوم الفتح، وركعتي الصبح حين ناموا حتى
طلعت الشمس، وأحاديث أخر صحيحة، ذكرها أصحاب السنن، والقياس على النوافل
المطلقة انتهى.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: كان من هديه ◌َّر الاقتصار على الفرض،
ولم يُحفظ عنه وَلّ أنه صلى سنة الصلاة قبلها، ولا بعدها، إلا ما كان من الوتر، وسنة
الفجر، فإنه لم يكن ليدعهما حضرًا، ولا سفرًا، قال: وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل
الفريضة، ولا بعدها، إلا من جوف الليل مع الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبي وَل
كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة، ولا بعدها شيئًا، ولم يكن يمنع من التطوع
قبلها، ولا بعدها، فهو كالتطوع المطلق، لا أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة،
ويؤيد هذا أن الرباعية قد خففت إلى ركعتين تخفيفًا على المسافر، فكيف يُجعل لها سنة
راتبة يُحافظ عليها، وقد خفف الفرض ركعتين، فلو لا قصد التخفيف على المسافر،
وإلا كان التمام أولى به.
وقال أيضًا: ، كان أي النبي وَلّ يواظب على سنة الفجر، والوتر أشد من جميع
النوافل، دون سائر السنن، ولم ينقل أنه ◌َ لو صلى سنة راتبة غيرهما، ولذلك كان ابن
عمر لا يزيد على ركعتين، وسئل عن سنة الظهر في السفر ؟ فقال: لو كنت مسبحًا
لأتممت، وهذا من فقهه رَّه ، فإن الله سبحانه وتعالى خفف عن المسافر في الرباعية
شطرها، فلو شرع لها الركعتان قبلها، أو بعدها لكان الإتمام أولى به انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما ذكر أن النفل المطلق ثابت عن النبي بَّه
في السفر، وكذا الوتر، ومن السنن الراتبة سنة الصبح، وما عدا ذلك، فأحاديثه متكلم
فيها، وإن ثبتت فتحمل على أنه ◌ّ فعلها لبيان الجواز، فالأولى للمسافر أن يلازم ما
لازمه النبي ◌َّير، وما عداه فعله في بعض الأحيان. هذا ما عندي، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) ((زاد المعاد)) ١/ ٤٧٣ - ٤٧٥ .

١٥- (كِتَبُ الْكُسُوفِ)
٣٨٣
١٥- (كِتَابُ الْكُسُوفِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الكسوف)) لغةً: التغير إلى سواد، ومنه كسف وجهه
وحاله، وكسفت الشمس: اسودت، وذهب شُعاعها .
قال الفيومي تَخْذَّلهُ: كَسَفَت الشمسُ. من باب ضرب، كُسُوفًا، وكذلك القمر، قاله
ابن فارس، والأزهريّ، وقال ابن الْقُوطيّة أيضًا: كسفَ القمرُ، والشمسُ، والوجهُ:
تَغَيَّرَ، وكسَفَها اللَّه، كَسْفًا، من باب ضرب أيضًا، يتعدى، ولا يتعدّى، والمصدر
فارق، ونُقل: انكسفت الشمسُ، فبعضهم يجعله مطاوعًا، مثل كسرته، فانكسر، وعليه
حديث: ((انكسفت الشمس على عهد رسول اللّه ◌َّ))، وبعضهم يجعله غلطًا، ويقول:
كسفتُها، فكَسَفَتْ هي، لا غيرُ، وقيل: الكُسُوف ذَهَاب البعض، والخسوف ذَهَاب
الكلّ، وإذا عدَّيتَ الفعلَ، نصبتَ عنه المفعول باسم الفاعل، كما تنصبه بالفعل، قال
جَرير [من البسيط]:
الشَّمْسُ طَالِعَةً لَيْسَتْ بِكَاسِفَةٍ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا
في البيت تقديم وتأخيرٌ، والتقديرُ: الشمسُ في حال طُلوعها، وبكائها عليك ليست
تَكسف النجومَ والقمرَ، لعدم ضوئها.
وقال أبو زيد: كسفت الشمسُ كُسُوفًا: اسودّت بالنهار، وكسفت الشمسُ النجومَ:
غَلَبَ ضوءها على النجوم، فلم يبدُ منها شيء انتهى(١) .
وقال في مادة (خَسَفَ)): وخَسَفَه الله -أي من باب ضرب- يتعدى، ولا يتعدى،
وخسف القمرُ: ذهب ضوءه، أو نقص، وهو الكسوف أيضًا، وقال ثَعْلَبٌ: أجود
الكلام: خسف القمرُ، وكسفت الشمسُ، وقال أبو حاتم في الفَرْق: إذا ذهب بعض
الشمس، فهو الكُسُوف، وإذا ذهب جميعه، فهو الخُسُوفُ انتهى.
وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في (صحيحه)): (باب هل يقول: كسفت
الشمس، أو خسفت؟))، وقال الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨]. انتهى.
قال الزين ابن الْمُنَيِّر ◌َخْذَهُ: أتى بلفظ الاستفهام إشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في
ذلك شيء .
قال الحافظ ◌َّتُهُ: ولعله أشار إلى ما رواه ابن عُيينة، عن الزهريّ، عن عروة،
(١) ((المصباح)) في مادّة ((كسف)).

٣٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكسُوفِ
قال: ((لا تقولوا: كسفت الشمس، ولكن قولوا: خسفت))، وهذا موقوف صحيح،
رواه سعيد بن منصور عنه. وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عنه. لكن الأحاديث
الصحيحة تخالفه، لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في
استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر
الجوهري أنه أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسه، وغلّطه
لثبوته بالخاء في القمر في القرآن، وكأن هذا هو السرّ في استشهاد المؤلف به في
الترجمة. وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث، ولا شكّ أن مدلول
الكسوف لغة غير مدلول الخسوف، لأن الكسوف التغير إلى سواد، والخسوف
النقصان، أو الذلّ، فإذا قيل: في الشمس: كسفت، أو خسفت، لأنها تتغير، ويلحقها
النقص، ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان.
وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء. وقيل: بالكاف لذهاب جميع
الضوء، وبالخاء لبعضه. وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون، وبالكاف لتغيره انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما ذكر أن الراجح جواز إطلاق الكسوف،
والخسوف لكل من الشمس، والقمر؛ لورود النصوص الكثيرة بذلك. والله تعالى أعلم
بالصواب وإليه المرجع والمآب.
١- (كُسُوفُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ)
١٤٥٩- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ الشَّمْسَ، وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِن أَيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَنْكَسِفَانِ
لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يُخَوْفُ بِهِمَا عِبَادَهُ)).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد، تقدم قريبًا .
٢- (حماد) بن زيد، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٣/٣ .
٣- (يونس) بن عُبيد بن دينار العَبْدي، أبو عُبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥]
تقدم ١٠٩/٨٨ .
٤- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الإمام الحجة الثبت المشهور [٣] تقدم
٣٦/٣٢ .
(١) ((فتح)) ٢٣٤/٣ - ٢٣٥ .

١- (كُسُوفُ الشَّمْسِ والقَمَر) - حديث رقم ١٤٥٩
٣٨٥=
٥- (أبو بكرة) نفيع بن الحارث بن كُلَّدَةَ الثقفي الصحابي المشهور رضي اللّه تعالى
عنه، تقدم ٨٣٦/٤١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال
الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغلانيّ. ومنها: أن فيه رواية
تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْحَسَنِ) البصري، والحسن عن أبي بكرة متصل عند البخاري، وهو الراجح،
ومنقطع عند أبي حاتم، والدارقطني. وقد علق البخاري عن موسى، عن مبارك، عن
الحسن، قال: أخبرني أبو بكرة، فصرح بالإخبار، فهذا يؤيد ما ذهب إليه البخاري (عَنْ
أَبِي بَكْرَةَ) رَّهِ، أَنْه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ الشَّمْسَ، وَالْقَمَرَ آيَتَانِ) قال
الزركشي رحمه الله تعالى: أي كسوفهما آيتان، لأنه الذي خرج الحديث بسببه. وقال
الكرماني ◌َّلهُ : أي علامتان لقرب القيامة، أو لعذاب اللّه، أو لكونهما مسخرين بقدرة
اللَّه تعالى، وتحت حكمه.
وقال السندي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر قول الزركشي: قلت: يحتمل أن المراد
أنهما ذاتًا وصفةً آيتان، أو أراد أنهما كانا آيتين، فتغيرهما يكون مسندًا إلى تصرفه تعالى،
لا دخل فيه لموت، أو حياة، كشأن الآيات.
ومعنى كونهما آيتين أنهما علامتان لقرب القيامة، أو لعذاب اللَّه، أو لكونهما
مسخرين بقدرة الله تعالى، وتحت حكمه انتهى(١).
(مِن أَيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) الد الة على وحدانية الله، وعظيم قدرته، أو على تخويف العباد
من بأس الله وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِلْأَيَتِ إِلَّا تَخْرِيفًا﴾
[الإسراء: ٥٩].
(لَا يَنْكَسِفَانِ) بالتذكير لتغليب القمر، كما في القمرين (لِمَوْتِ أَحَدٍ) قال ذلك لأنها
انكسفت يوم مات إبراهيم ابنه وّقر، فزعم الناس ذلك، فدفع هذا الزعم بهذا الكلام،
وقد جاء بيان هذا السبب في رواية عبدالوارث الآتية ١٦/ ١٤٩١ - ولفظه: ((وذلك أن
ابنًا للنبي ◌ِّ، يقال له: إبراهيم مات، فقال الناس في ذلك))، وفي رواية مبارك بن
فضالة عند ابن حبان: ((فقال الناس: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم))، ولأحمد،
(١) ((شرح السندي)) ١٢٤/٣.

٣٨٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
والنسائي-١٤٩٠/١٦-، وابن ماجه، وصححه ابن خُزيمة، وابن حبان من رواية أبي
قلابة، عن النعمان بن بشير رَّها، قال: ((انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه وَل،
فخرج فزعًا، يجرّ ثوبه، حتى أتى المسجد، فلم يزل يُصلي حتى انجلت، فلما انجلت
قال: إن الناس يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء،
وليس كذلك ... )) الحديث.
وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في
الأرض، وهو نحو قوله في الحديث الآتي في ((الاستسقاء)) -١٥٢٥/١٦ -: ((يقولون
مطرنا بنوء كذا وكذا)). قال الخطابي رحمه اللَّه تعالى: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن
الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت، أو ضرّ، فأعلم النبي وَلّ أنه اعتقاد
باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخّران للَّه، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا
قُدرة على الدفع عن أنفسهما، وفيه ما كان عليه النبيّ وَلّ من الشفقة على أمته، وشدة
الخوف من ربه، وسيأتي لذلك مزيد بيان، إن شاء اللّه تعالى.
(وَلَا لِحَيَاتِهِ) استشكلت هذه الزيادة، لأن السياق إنما ورد في حقّ من ظنّ أن ذلك
لموت إبراهيم، ولم يذكروا الحياة .
وأجيب بأن فائدة ذكر الحياة دفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقد أن
لا يكون سببًا للإيجاد، فعمم الشارع النفي، لدفع هذا التوهم(١).
(وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يُخَوِّفُ بِهِمَا) أي بكسوفهما (عِبَادَهِ) فيه ردّ على من زعم من
أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي، لا يتأخر، ولا يتقدّم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن
في ذلك تخويف، ويصير بمنزلة الجَزْر والمد في البحر. وقد ردّ ذلك عليهم ابن
العربيّ، وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى تظنّه الآتي -٢٥/
١٥٠٣ - حيث قال: ((فقام فزعًا، يخشى أن تكون الساعة)) قالوا: فلو كان الكسوف
بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق، والصدقة، والصلاة،
والذكر معنى، فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كل ما ذُكر من أنواع
الطاعة يُرجى أن يُدفع به ما يُخشى من أثر ذلك الكسوف.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي - كما قال بعض المحققين - أن ما قاله أهل
الهيئة لا ينافي ما ذُكر؛ فإن العلم بحصول الكسوف لا ينافي التخويف؛ لأنا لا ندري ما
وراء ذلك. والله تعالى أعلم.
(١) ((فتح)" ٢٢٦/٣.

١- (كُسُوفُ الشَّمْس وَالقَمَر) - حديث رقم ١٤٥٩
٣٨٧ =
ومما نقض ابن العربي وغيره أنهم يزعمون أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة،
وإنما يحول القمر بينها، وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين، فقال: هم
يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم، فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله، أم
كيف يُظلم الكثير بالقليل، ولا سيما، وهو من جنسه؟ وكيف تحجب الأرض نور
الشمس، وهي في زاوية منها، لأنهم يزعمون أن الشمس أكبر من الأرض بتسعين
ضعفًا .
وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعمه أهل
الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم بلفظ: ((إن الشمس
والقمر لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، وإن اللَّه إذا
تجلى لشيء من خلقه خشع له)).
وسيأتي استشكال الغزالي لهذه الزيادة، ودعواه عدم ثبوتها، والردّ عليه في شرح
حديث ١٦ / ١٤٨٥- إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بكرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤٥٩/١ - وفي ((الكبرى)) - ١٨٤٠/١ - عن قتيبة، عن حماد بن زيد،
عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عنه. وفي ١٤٦٣/٥ - و((الكبرى)) - ١٨٤٦/٥ - عن
محمد بن كامل المروزي، عن هشيم، عن يونس، به. وفي ١٤٦٤/٥ - و((الكبرى)) -
١٨٤٧/٥ - عن عمرو بن علي، ومحمد بن عبدالأعلى، كلاهما عن خالد بن الحارث،
عن أشعث، عن الحسن، عنه. وفي ١٤٩١/١٦ - و((الكبرى)) -١٨٧٦/١٦- عن
عمران بن موسى، عن عبدالوارث، عن يونس به. وفي ١٤٩٢/١٦ - و («الكبرى»١٦/
١٨٧٧ - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد به. وفي ١٥٠٢/٢٤ - و ((الكبرى)) - ٢٤/
١٨٨٩ - عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، عن يونس به.
وأخرجه (خ) ٤٢/٢ و٤٤/٢ ٤٩/٢ و١٨٢/٧ (أحمد) ٣٧/٥ (ابن خزيمة)
١٣٧٤ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو إثبات الكسوف للشمس والقمر.

٣٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
ومنها: كون الشمس والقمر آيتين دالتين على عظيم قدرة الله تعالى.
ومنها: أن تغيرهما بالانكساف ليس لموت أحد من العظماء، كما هو زعم الجاهلية،
بل بتقدير اللَّه تعالى، وحكمته البالغة.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى إنما يغير بعض مخلوقاته تخويفا لعباده، حتي يرتدعوا
عن معاصيهم، ويتوبوا إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَتِ إِلَّا تَخْرِيفًا﴾ [الإسراء:
٥٩]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢- (التَّسْبِيحُ، والتَّكْبِيرُ، والدُّعَاءُ
عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ)
١٤٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ -هُوَ الْمُغِيرَةُ
بْنُ سَلَمَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودِ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ حَيَّنَ بْنِ عُمَيْرٍ ،
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَتَرَامَى بِأَسْهُمَ لِي بِالْمَدِينَةِ، إِذِ انْكَسَفَتِ
الشَّمْسُ، فَجَمَعْتُ أَسْهُمِي، وَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ مَا أَحْدَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ فِي كُسُوفٍ
الشَّمْسِ، فَأَتَيْتُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَهُ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو، حَتَّى
حُسِرَ عَنْهَا، قَالَ: ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ).
رجال الإسناد : ستة :
١- (محمد بن عبدالله بن المبارك) الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١]
تقدم ٤٣/ ٥٠ .
٢- (أبو هشام المغيرة بن سَلَمَة) البصري، ثقة ثبت، من صغار [٩] تقدم ٨١٥/٢٨.
٣- (وُهَيب) بن خالد، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، تغير قليلاً بآخره [٧] تقدم ٢١/
٤٢٧ .
٤ - (أبو مسعود الْجُريريّ) سعيد بن إياس البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين
[٥] تقدم ٣٢ / ٦٧٢ .
٥- (حيّان بن عُمَير) القَيسيّ الجُريريّ، أبو العلاء البصريّ، ثقة [٣].

٢- (التَّسْبِيحُ، والتَّكْبِيرُ، والدُّعَاءُ عِنْدَ ... - حديث رقم ١٤٦٠
٣٨٩
روى عن عبدالرحمن بن سَمُرة، وابن عباس، وسمرة بن جُندب، وغيرهم. وعنه
سعيد الجريري، وسليمان التيميّ، وقتادة، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال النسائي: في ((الكنى)): بصريّ ثقة.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وذكره البخاريّ في ((فصل من مات بين التسعين
والمائة)). روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث
فقط .
٦- (عبدالرحمن بن سمرة) بن حَبيب بن عبدشمس العَبْشميّ، أبو سعيد، أسلم يوم
الفتح، يقال: كان اسمه عبد كُلال، وقيل: غير ذلك، فسماه النبي ◌ُّ عبدالرحمن،
سكن البصرة، وهو الذي افتتح سجستان، وكابُل، وغيرهما، وشهد غزوة مؤتة.
روى عن النبي ◌ُّر، وعن معاذ بن جبل. وعنه حيان بن عُمير، وعبدالرحمن بن أبي
ليلى، والحسن البصريّ، وغيرهم.
قال ابن سعد: استعمله عبدالله بن عامر على سجستان، وغزا خُراسان، ففتح بها
فتوحًا، ثم رجع إلى البصرة، فمات بها سنة (٥٠)، وكذا أرخه بها أبو موسى وغيره،
وقال ابن عُفير: مات سنة خمسين، ويقال: سنة إحدى وخمسين. روى له الجماعة،
وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. ومنها: أن رجاله رجال
الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ. ومنها: أن فيه رواية
تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ) القيسي، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: بَيْنَا)
وفي نسخة: ((بينما)) (أَنَا أَتَرَامَى) أي أرمي، وفي رواية لمسلم: ((أرمي))، وفي أخرى
له: (أَتَرَمَّى))، قال ابن منظور: وخَرَجْتُ أَتَرَمَّى، وَخَرَج يَتَرَمَّى: إذا خرج يَرْمِي في
الأغراض، وأصول الشجر. وفي حديث الكسوف: ((خرجت أرتمي بأسهمي))، وفي
رواية: ((أترامَى))، يقال: رميتُ بالسهم رَمْيًا، وارتميتُ، وتَرَاميتُ تَرَامِيًا، ورَامَيتُ
مُرَاماةً: إذا رميت بالسهام الْقِسِيَّ، وقيل: خرجتُ أرتَمِي: إذا رميت الْقَنَصَ، وأترمَّى:
إذا خرجت تَرمي في الأهداف، ونحوها انتهى(١).
(١) (لسان العرب)) في مادة ((رمى)).

٣٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
وكان يتعلم الرمي، امتثالاً للأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾
الآية [الأنفال: ٦٠]؛ إذ القوة معناها الرمي، كما فسرها النبي ◌َّر به، فقد أخرج مسلم
من حديث عقبة بن عامر رَّه، قال: سمعت رسول اللَّه ◌َله يقول وهو على المنبر:
((﴿وَأَعِدُوْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم ◌ِّن قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي)).
وأخرج أحمد، وأصحاب السنن عنه، قال: قال رسول اللّه وَ له: ((ارموا، واركبوا،
وأن ترموا خير من أتركبوا)) .
(بِأَسْهُم لي) جمع سَهْم: واحدُ النَّبْل، وقيل: نفسُ النَّصْل، ويجمع على سهام
(بِالْمَدِينَةِ) النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام (إِذِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ،
فَجَمَعْتُ أَسْهُمِي) أي لئلا تَضيع عليه لو تركها مفرّقةً، وفي رواية مسلم: ((فنبذتها))، أي
طرحتها، وترك الاشتغال بها (وَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ مَا أَخْدَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ فِي كُسُوفٍ
الشَّمْس) ظنّ عبدالرحمن أنه لا بُدّ أن يتجدّد للنبي بَّر في الكسوف شيء من السنن،
فأن راد أن ينظر إليه.
(فَأَتَيْتُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَهُ) أي من ورائه (وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) جملة في محل نصب على
الحالية (فَجَعَل) أي شرع، وأخذ (يُسَبِّحُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو) اللَّه سبحانه وتعالى، وفي
رواية مسلم: ((فأتيته، وهو قائم في الصلاة، رافع يديه ... )) قال النووي ◌َخّْتْهُ: فيه
دليل لأصحابنا في رفع اليدين في القنوت، وردٌّ على من يقول لا تُرفع الأيدي في
دعوات الصلاة انتهى.
فبينت رواية مسلم أن التسبيح، والتكبير، والدعاء المذكور كان في الصلاة. وفيه
استحباب التسبيح، والتكبير، والدعاء في صلاة الكسوف (حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا) بالبناء
للمفعول، أي أزيل الانكساف عن الشمس، فنائب الفاعل ضمير يعود إلى الانكساف
المفهوم من ((انكسفت))، ويحتمل أن لا يكون في ((حُسر)) ضمير، فيكون مسندًا إلى
الجارّ والمجرور، أي أزيل، وكشف عن الشمس ما بها من الانكساف (قَالَ: ثُمَّ قَامَ،
فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) ظاهره أنه صلى بعد انجلاء الشمس، وهو مخالف
لسائر الأحاديث.
قال النووي في ((شرح مسلم)): هذا مما يُستشكل، ويُظنُّ أن ظاهره أنه ابتدأ صلاة
الكسوف بعد انجلاء الشمس، وليس كذلك، فإنه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد الانجلاء،
وهذا الحديث محمول على أنه وجده في الصلاة، كما صرح به في الرواية الثانية، ثم
جمع الراوي جميع ما جرى في الصلاة، من دعاء، وتكبير، وتهليل، وتسبيح، وتحميد،
وقراءة سورتين في القيامين الآخرين للركعة الثانية، وكانت السورتان بعد الانجلاء

٢- (التَّسْبِيحُ، والتَكْبِيرُ، والدُّعَاءُ عِنْدَ ... - حديث رقم ١٤٦٠
٣٩١ =
تتميمًا للصلاة، فتمت جملة الصلاة ركعتين، أولاهما في حال الكسوف، وأخراهما بعد
الانجلاء، وهذا الذي ذكرته من التقدير لا بُدّ منه، لأنه مطابق للرواية الثانية، ولقواعد
الفقه، ولروايات باقي الصحابة، والروايةُ الأولى(١) محمولة عليه أيضًا لتتفق الروايتان.
ونقل القاضي عن المازريّ أنه تأوله على صلاة ركعتين تطوّعًا مستقلًا بعد انجلاء
الكسوف، لا أنها صلاة كسوف، وهذا ضعيف، مخالف لظاهر الرواية الثانية. والله
(٢)
أعلم انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما أول به المازري رَخْذَلَهُ تعالى هو
الصواب، وأما تأويل النووي فتكلّفٌ بعيد، ترده رواية المصنف، بلفظ: ((ثم قام، فصلى
ركعتين، وأربع سجدات))، فقول: ((وأربع سجدات)) صريح في رد تأويله بأن معناه تمم
الركعة الثانية، إذ ليس فيها إلا سجدتان، فظهر بهذا أنه إنما صلى بعد الانجلاء ركعتين
كاملتين، فيهما ركوعان، وأربع سجدات، شكرًا للَّه تعالى في إزالته كسوف الشمس.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث :
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبدالرحمن بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا-٢/ ١٤٦٠ - وفي ((الكبرى))-١٨٤١/٢- بالسند المذكور.
وأخرجه (م) ٣٥/٣ و٣٦/٣ (د) ١١٩٥ (أحمد) ٦١/٥ (ابن خزيمة) ١٣٧٣. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) لفظ الرواية الأولى في ((صحيح مسلم)). ((فانتهيت إليه، وهو رافع يديه يدعو، ويكبر، ويحمد،
ويهّل، حتى جُلِّ عن الشمس، فقرأ سورتين، وركع ركعتين)). ولفظ الثانية فيه: ((فأتيته وهو
قائم في الصلاة، رافع يديه، فجعل يسبح، ويحمد، ويهلّل، ويدعو حتى حُسِر عنها، قال: فَلَمّا
حُسِرَ عنها قرأ سورتين، وصلى ركعتين)). انتهى ((صحيح مسلم)) بشر النووي ٢١٦/٦ - ٢١٧ .
(٢) (شرح مسلم)) ٦/ ٢١٧.

٣٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
٣- (الأَمْرُ بِالصَّلَاةِ عَنْدَ كُسُوفٍ
الشَّمْس)
١٤٦١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ
عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَّرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ قَالَ:
((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانٍ(١) مِنْ آيَاتِ اللَّهِ
تَعَالَى، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُّوا))).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (محمد بن سلمة) المرادي المصريّ، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/١٩ .
٢- (ابن وهب) عبداللَّه المصري الحافظ الثبت [٩] تقدم ٩/ ٩.
٣- (عمرو بن الحارث) المصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٦٣ /٧٩.
٤ - (عبدالرحمن بن القاسم) التيمي أبو محمد المدني، ثقة ثبت [٦] تقدم ١٢٠ / ١٦٦.
٥- (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق التيمي المدني أحد الفقهاء السبعة، ثقة
ثبت، من كبار [٣] تقدم ١٢٠/،١٦٦ والصحابي تقدم قريبًا، وكذا شرح الحديث سبق
في حديث أبي بكرة رضي اللّه تعالى عنه في الباب الأول.
وقوله: ((لا يخسفان)) بفتح أوله، ويجوز الضمّ، وحكى ابن الصلاح منعه. وروى
ابن خزيمة، والبزار من طريق نافع عن ابن عمر، قال: ((خسفت الشمس يوم مات
إبراهيم)) الحديث، وفيه: ((فافزعوا إلى الصلاة، وإلى ذكر الله، وادعوا، وتصدّقوا)).
قاله في ((الفتح)).
[تنبيه]: ذكر المصنف رحمه الله تعالى ثلاثة أبواب متتالية في الأمر بصلاة
الكسوف، وفيها الأمر بمطلق الصلاة، وكذا فعل البخاري رحمه اللّه تعالى في
((صحيحه))، فإنه أورد في أول الباب أربعة أحاديث، وفيها الأمر بمطلق الصلاة، فقال
في ((الفتح)): ابتدأ البخاريّ أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة في الصلاة بغير تقييد
بصفة، إشارة منه إلى أن ذلك يُعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصفة
المخصوصة عنده أفضل، وبهذا قال أكثر العلماء، ووقع لبعض الشافعية، كالبندنيجي
أن صلاتها ركعتين كالنافلة، لا يُجزىء. والله أعلم انتهى (٢).
(١) أشار في الهندية أنه وقع في بعض النسخ: ((ولكنها آية)) بالإفراد، وفيه بُعْدٌ: والله تعالى أعلم.
(٢) ((فتح)) ٢٢٦/٣ .

٣- (الأَمْرُ بِالصَّلَاةِ عَنْدَ كُسُوفِ الشَّمْس) - حديث رقم ١٤٦١
٣٩٣ =
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن هذا الاستنباط بعيد، بل الظاهر من عمل
البخاري، والمصنف في هذا أنهما أوردا أحاديث الإطلاق، ثم أتبعاها بأحاديث التقييد
بيانا لكون المراد بالصلاة في أحاديث الإطلاق هو الصلاةَ الموصوفةَ في أحاديث
التقیید، فكأنهما أجملا، ثم فصلا .
ثم إن ما قاله بعض الشافعية هو الظاهر، لأنه وَ لّ أمر بالصلاة، ثم بين كيفية تلك
الصلاة بفعله، فكيف يوجد الامتثال بصلاة مخالفة لفعله المبين لأمره. فليُتَأَمَّل. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤٦١/٣- وفي ((الكبرى))-١٨٤٤/٣ - بالسند المذكور.
وأخرجه (خ) ٤٢/٢ و١٣١/٤ (م) ٣٦/٣ (أحمد) ١٠٩/٢ و١١٨/٢. والله
تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في صلاة الكسوف:
قال النووي رحمه اللَّه تعالى في ((شرح مسلم)): (واعلم): أن صلاة الكسوف رويت
على أوجه كثيرة، ذكر مسلم منها جملة، وأبو داود أخرى، وغيرهما أخرى، وأجمع
العلماء على أنها سنة، ومذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء أنه يُسنّ
فعلها جماعة، وقال العراقيون فرادى، وحجة الجمهور الأحاديث الصحيحة في مسلم
وغيره .
واختلفوا في صفتها، فالمشهور في مذهب الشافعي أنها ركعتان في كل ركعة قيامان،
وقراءتان، وركوعان، وأما السجود فسجدتان كغيرهما، وسواء تمادى الكسوف، أم
لا، وبهذا قال مالك، والليث، وأحمد،، أبو ثور، وجمهور علماء الحجاز، وغيرهم.
وقال الكوفيون: هما ركعتان كسائر النوافل، عملًا بظاهر حديث جابر بن سمرة،
وأبي بكرة: أن النبي ◌َّ صلى ركعتين.
وحجة الجمهور حديث عائشة، من رواية عروة، وعمرة، وحديث جابر، وابن
عباس، وابن عمرو بن العاص *# أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، وسجدتان.
قال ابن عبدالبرّ: وهذا أصح ما في هذا الباب، قال: وباقي الروايات المخالفة معللة
ضعيفة .

٣٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
وحملوا حديث ابن سمرة بأنه مطلق، وهذه الأحاديث تُبيّن المراد به.
وذكر مسلم في رواية عن عائشة، وعن ابن عباس، وعن جابر ركعتين، في كل ركعة
ثلاث ركعات، ومن رواية ابن عباس، وعلي ركعتين في كل ركعة أربع ركعات، قال
الحفّاظ: الروايات الأُوَل أصحّ، ورواتها أحفظ وأضبط.
وفي رواية لأبي داود من رواية أبيّ بن كعب ركعتين في كلّ ركعة خمس ركعات،
وقد قال بكل نوع بعض الصحابة.
وقال جماعة من أصحابنا الفقهاء المحدثين، وجماعة من غيرهم: هذا الاختلاف في
الروايات بحسب اختلاف حال الكسوف، ففي بعض الأوقات تأخر انجلاء الكسوف،
فزاد عدد الركوع، وفي بعضها أسرع الانجلاء، فاقتصر، وفي بعضها توسط بين
الإسراع والتأخر، فتوسط في عدده.
واعترض الأولون على هذا بأن تأخر الانجلاء لا يُعلَم في أول الحال، ولا في الركعة
الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدلّ على
أنه مقصود في نفسه منويّ من أول الحال.
وقال جماعة من العلماء، منهم إسحاق بن راهويه، وابن جرير، وابن المنذر: جرت
صلاة الكسوف في أوقات، واختلافُ صفاتها محمول على بيان جواز جميع ذلك،
فتجوز صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة، وهذا قويّ، والله أعلم انتهى(١).
وقال في ((الفتح)) عند شرح حديث عائشة تعطّها الآتي -١٤٧٤/١١ -: واستدلّ به
على أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره،
ومن زيادة ركوع في كل ركعة.
وقد وافق عائشةً على رواية ذلك عبدُاللَّه بن عباس، وعبدُالله بن عمرو، متفق
عليهما، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر، وعن جابر عند مسلم، وعن عليّ عند أحمد،
وعن أبي هريرة عند النسائي، وعن ابن عمر عند البزار، وعن أم سفيان عند الطبراني،
وفي رواياتهم زيادة، رواها الحفاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها، وبذلك قال
جمهور أهل العلم من أهل الفتيا.
وقد وردت الزيادات في ذلك من طرق أخرى، فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة،
وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس أن
في كل ركعة أربع ركوعات، ولأبي داود من حديث أبيّ بن كعب، والبزار من حديث
(١) ((شرح مسلم)) ١٩٨/٦ - ١٩٩.

٣- (الأَمْرُ بِالصَّلاَةِ عَنْدَ كُسُوفِ الشَّمْس) - حديث رقم ١٤٦١
٣٩٥
عليّ أن في كل ركعة خمس ركوعات، ولا يخلو إسناد منها عن علة، وقد أوضح ذلك
البيهقيّ، وابن عبدالبرّ.
ونقل صاحب ((الهدي)) عن الشافعيّ، وأحمد، والبخاريّ أنهم كانوا يعدون الزيادة
على الركوعين في كل ركعة غلطًا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن ردّ
بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيمَالتَّلُ، وإذا اتحدت القصة
تعيّن الأخذ بالراجح.
وجمع بعضهم بين الأحاديث بتعدد الواقعة، وأن الكسوف وقع مرارًا، فيكون كلّ من
هذه الأوجه جائزًا، وإلى ذلك نحا إسحاق، لكن لم تثبت عنده الزيادة على أربع
ركوعات .
وقال ابن خزيمة، وابن المنذر، والخطابيّ، وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل
بجميع ما ثبت من ذلك، وهو من الاختلاف المباح، وقوّاه النوويّ في شرح مسلم.
وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع، والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء
وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ زاد
ركوعًا، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثًا، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك.
وتعقبه النووي وغيره بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يُعلم في أول الحال، ولا في
الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدلّ
على أنه مقصود في نفسه مَنْويّ من أول الحال.
وأجيب باحتمال أن يكون الاعتماد على الركعة الأولى، وأما الثانية، فهي تبع لها،
فمهما اتفق وقوعه في الأولى بسبب بطء الانجلاء يقع مثله في الثانية ليساوي بينهما،
ومن ثَمَّ قال أصبغ: إذا وقع الانجلاء في أثنائها يصلي الثانية كالعادة.
وعلى هذا فيدخل المصلي فيها على نية مطلق الصلاة، ويزيد في الركوع بحسب
الكسوف، ولا مانع من ذلك.
وأجاب بعض الحنفية عن زيادة الركوع بحمله على رفع الرأس لرؤية الشمس، هل
انجلت، أم لا، فإذا لم يرها انجلت رجع إلى ركوعه، ففعل ذلك مرة، أو مرارًا، فظنّ
بعض من رآه يفعل ذلك ركوعًا زائدًا.
وتُعُقّب بالأحاديث الصحيحة في أنه أطال القيام بين الركوعين، ولو كان الرفع لرؤية
الشمس فقط لم يحتج إلى تطويل، ولا سيما الأخبار الصريحة بأنه ذكر ذلك الاعتدال،
ثم شرع في القراءة، فكلّ ذلك يردّ هذا الحمل، ولو كان كما زعم هذا القائل لكان فيه
إخراج لفعل الرسول بماير عن العبادة المشروعة، أو لزم منه إثبات هيئة في الصلاة، لا

٣٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
عَهدَ بها، وهو ما فرّ منه انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان الأدلة أن ما ذهب إليه
الجمهور من أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، هو
الراجح؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في صلاة الكسوف في أوقات الكراهة على
أقوال :
الأول: لا صلاة فيها، بل يذكرون اللَّه، ويدعون، هذا مذهب الحسن البصري،
والزهريّ، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن شعيب، وابن أبي
مُليكة، وإسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وقتادة، وأبي بكر بن عمرو بن حزم.
وقال مالك: لا يُصَلِّي إلا في حين صلاة. وقال الثوري: لا يُصلي في الكسوف في غير
وقت صلاة، وقال يعقوب: إذا انكسفت الشمس بعد العصر، فليس بساعة صلاة
التطوع، ولكن الدعاء، والتضرع حتى تنجلي.
والثاني: متى انكسفت الشمس، نصفَ النهار، أو بعد العصر، أو قبل ذلك صلى
الإمام بالناس صلاة الكسوف، لأن رسول اللَّه ◌َ ل أمر بالصلاة لكسوف الشمس، فلا
وقت يحرم فيه صلاة أمر بها رسول اللَّه وَلير، وهذا قول الشافعي ومن تبعه، وبه قال أبو
ثور .
والثالث: إن انكسفت الشمس بعد العصر، فإنهم يُصلون كذلك ما لم تدن للغروب،
وكذلك بعد الفجر ما لم يطلع حاجب الشمس إلى أن يكون قيد رمح، أو رمحين،
لأنهما وقتان تُصلى فيهما الفوائت، والمكتوبات. وهذا قول إسحاق بن راهويه.
والرابع: يصلي للكسوف إلا في الأوقات الثلاثة التي نهي عن الصلاة فيها، وهي
وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، ووقت الزوال. وبه قال ابن المنذر (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المذهب الراجح عندي ما ذهب إليه الشافعي، ومن
تبعه أنها تصلى وقت ما حصل الانكساف من ليل أو نهار؛ لظاهر قوله وَله: ((فإذا
رأيتموهما فصلوا))، فقد أمر بالصلاة في أيّ وقت رأينا الانكساف ولم يخص وقتًا دون
وقت، وقد سبق في أبواب الأوقات ترجيح القول بأن ذوات الأسباب تجوز في أوقات
الكراهة. ويُرَجَّح أيضًا - كما قال في ((الفتح)) -: بإن المقصود إيقاع هذه العبادة قبل
(١) ((فتح)) ٢٢٩/٣ - ٢٣٠.
(٢) ((الأوسط)) ٣١٢/٥ - ٣١٣ و((الفتح)) ٢٢٥/٣.

٤ - (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عِنْدَ كُسُوفِ القَمَر) - حديث رقم ١٤٦٢
٣٩٧
الانجلاء، وقد اتفقوا على أنها لا تُقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن
الانجلاء قبله، فيفوت المقصود.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولم أقف في شيء من الطرق مع كثرتها على أنه وَل
صلاها إلَّا ضُحَى (١)، لكن ذلك وقع اتفاقًا، ولا يدلّ على منع ما عداه، واتفقت الطرق
على أنه بادر إليها انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٤- (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ كُسُوفٍ
الْقَمَر)
١٤٦٢- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي قَيْسُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَا
يَتْكَسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا رَأَيْتُمُو هُمَا، فَصَلُّوا))).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي، أبو يوسف البغدادي، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢١/
٢٢ .
٢- (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام المشهور، تقدم قريبًا .
٣- (إسماعيل) بن أبي خالد الكوفي، ثقة ثبت [٤] تقدم ١٣ / ٤٧١.
٤- (قيس) بن أبي حازم الكوفي، ثقة [٢] تقدم ٩٥٤/٤٦ .
٥- (أبو مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري البدري وضي اللَّه تعالى عنه تقدم ٦/
٤٩٤ .
وشرح هذا الحديث تقدم في حديث أبي بكرة رضي اللَّه تعالى عنه.
وقوله: ((فإذا رأيتموهما)) بالتثنية، وفي نسخة: ((فإذا رأيتموها)) بالإفراد، والضمير
يعود إلى الآية.
(١) ووقع في ((الفتح)) ((صلاها الأضحى))، والظاهر أنه تصحيف. والله أعلم.
(٢) ((فتح) ٢٢٥/٣.

٣٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
والمعنى إذا رأيتم كلّ منهما بانفراده، لاستحالة وقوع ذلك فيهما معًا في حالة واحدة
عادة، وإن كان ذلك جائزًا في القدرة الإلهية.
واستدلّ به المصنف رحمه الله تعالى على مشروعية الصلاة في كسوف القمر،
وسيأتي بيان الخلاف فيه في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((فصلوا))، استدلّ به على أنه لا وقت لصلاة الكسوف معينٌ، لأن الصلاة
عُلّقت برؤيته، وهي ممكنة في كل وقت من ليل أو نهار، وتقدم بيان الخلاف في
المسألة الرابعة من الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أبي مسعود رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه المصنف هنا ٤/ ١٤٦٢ - وفي ((الكبرى)) - ١٨٥٤/٤- بهذا السند.
وأخرجه (خ) ٤٢/٢ و٤٨/٢ و١٣٢/٤ (م) ٣٥/٣ (ق) ١٢٦١ (الحميدي) ٤٥٥
(أحمد) ١٢٢/٤ (الدارمي) ١٥٣٣ (ابن خزيمة) ١٣٧٠ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في صلاة الكسوف للقمر:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلفوا في الصلاة عند كسوف القمر، فرأت
طائفة أن يُصَلَّى عند كسوف القمر، روينا ذلك عن ابن عباس أنه فعل ذلك. وبه قال
عطاء، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب
الرأي.
قال ابن المنذر: والأخبار دالّة على هذا القول، لأنه سُوِّي بينهما، وأُمِر بالصلاة عند
كسوفهما، بُيِّنَ ذلك في الأخبار الثابتة عن نبي الله وَّ .
واستدلّ بحديث أبي مسعود المذكور في الباب، وبحديث ابن مسعود رَّه ، الذي
أخرجه هو، وابن خزيمة في (صحيحه))، وفي سنده ضعف، وفيه: ((فإذا رأيتم ذلك،
فاحمدوا الله، وكبروا، وسبحوا، وصلوا حتى ينجلي أيهما انكسف ... )).
قال: وفي هذا من البيان ما لا يُشكل على من سمعه أن يصلى لكسوف القمر.
قال: والذي ذكرته قول جلّ أهل العلم، غير مالك، فإن ابن نافع حكى عنه أنه قال:
ليس لكسوف القمر صلاة معروفة محدودة، ولا أرى بأسًا أن يصلي القوم فُرادى، كل
رجل منهم لنفسه ركعتين ركعتين، مثل صلاة النافلة.

٣٩٩
٥- (بَبُ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عِنْدَ الْكُسُوفِ ... - حديث رقم ١٤٦٣
وحكى ابن القاسم عنه أنه قال: وليس في صلاة خسوف القمر سنة، ولا صلاة
كصلاة كسوف الشمس.
قال ابن المنذر: وهذه غفلة منه، والسنة دالّة على القول الأول انتهى كلام ابن المنذر
ببعض تصرف (١)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى من
مشروعية الصلاة لخسوف القمر هو الراجح عندي؛ لظهور أدلته، كحديث الباب،
وكحديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره آنفًا، فإنه، وإن كان في سنده ضعف، إلا أن
الأحاديث الصحاح تشهد له، وكحديث أبي بكرة عند ابن حبان بلفظ: ((فإذا رأيتم شيئًا
من ذلك ... ))، وعنده من حديث عبدالله بن عمرو: ((فإذا انكسف أحدهما، فافزعوا
إلى المساجد)).
فهذه النصوص صريحة في استحباب الصلاة جماعة في خسوف القمر، فما قاله
الجمهور هو الحق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٥- (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ
الْكُسُوفِ حَتَّى تَنْجِلِيَ)
١٤٦٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَامِلِ الْمَرْوَزِيُّ، عَنْ هُشَيْم، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ،
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ ◌ِ لّهِ: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ، مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُوا حَتَّى
تَنْجَلِيَ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث تقدم الكلام عليه سندًا ومتنا في - ١/
١٤٥٩ - وممن لم لم يتقدم هناك من رجال إسناده:
١- (محمد بن كامل المروزي) ثقة، من صغار [١٠] تقدم ٣٠١/١٨٨ .
٢- (هُشيم) بن بشير الواسطي، ثقة ثبت يرسل ويدلس كثيرًا [٧] تقدم ١٠٩/٨٨.
(١) ((الأوسط)) ٣١٠/٥ - ٣١٢.

٤٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْكُسُوفِ
وقوله: ((حتى تنجلي)) بإفراد الضمير، باعتبار الآية، أي حتى تنجلي الآية التي وقعت
بكم.
واستدلّ به المصنف رحمه الله تعالى على مشروعية إطالة الصلاة حتى يقع
الانجلاء، وهو أيضا ظاهر فعله وَل الآتي في الحديث التالي، ((فصلى ركعتين حتى
انجلت)).
لكن قال الطحاوي: إن قوله في الرواية الأخرى-١٥٠٢/٢٤ -: ((فصلوا، وادعوا))
يدل على أنه إن سلم من الصلاة قبل الانجلاء يتشاغل بالدعاء حتى تنجلي.
وقرره ابن دقيق العيد بأنه جعل الغاية لمجموع الأمرين، ولا يلزم من ذلك أن يكون غاية
لكل منهما على انفراده، فجاز أن يكون الدعاء ممتدًا إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة، فيصير
غايةً للمجموع، ولا يلزم منه تطويل الصلاة، ولا تكريرها انتهى (١) وهو بحث نفيس جدًّا.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٦٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ (٢) النَّبِيِّ وَّرْ، فَكَسَفَتِ
الشَّمْسُ، فَوَثَبَ يَجُرُّ ثَوْيَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتْ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث هو الحديث الذي قبله.
ورجال إسناده : ستة :
١- (عمرو بن علي) الفلاس البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤.
٢- (محمد بن عبدالأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥ .
٣- (خالد) بن الحارث الهجيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢ / ٤٧ .
٤- (أشعث) بن عبدالملك الْحُمْراني، أبو هانىء البصري، ثقة فقيه [٦] تقدم ٩٧/
١٠٤٠ .
والباقيان تقدما بالرقم المذكور. وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: ((فكسفت الشمس)) بفتح الكاف والسين، مبنيًّا للفاعل، ويحتمل أن يكون بالبناء
للمفعول، لأنه كما تقدم يكون لازما، ومتعديًا، يقال: كَسَفَت الشمسُ، وكسَفَها اللَّه.
وقوله: ((فوَثَبَ)) من باب وعد، وثوبًا، ووَثيبًا: قَفَزَ، وهو كناية عن إسراعه. وقوله:
(يجُرُّ رداءه)) جملة في محل نصب على الحال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(١) ((فتح)) ٢٢٤/٣.
(٢) وفي ((نسخة ((مع النبي)).