النص المفهرس
صفحات 361-380
٣- (بَابُ الصَّلَاةِ فِي مِنَى) - حديث رقم ١٤٥٠ ٣٦١ وعن محمود بن غيلان، عن يحيى بن آدم، سفيان- كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبدالرحمن بن یزید عنه. وفي ١٤٤٩/٣- و((لكبرى)) -١٩٠٧/٣- عن علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش به، بنحوه. وأخرجه (خ) ٢/ ٥٣ و١٩٧/٢ (م) ١٤٦/٢ (د) ١٩٦٠ (أحمد) ١/ ٣٧٨ و٤١٦/١ و ٤٦٤/١ و٤٢٢/١ ٤٢٥/١ (الدارمي) ١٨٨١ (ابن خزيمة) ٢٩٦٢ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنَّى أَرْبَعًا، حَتَّىَ بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَاللَّهِ، فَقَالَ: (لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ رَكْعَتَيْنِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم البحث فيه مستوفىّ في الحديث الذي قبله. وعلي بن خشرم، المروزي، ثقة من صغار [١٠] تقدم ٨/٨. وعيسى هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة مأمون [٨] تقدم٨/٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٠ - (أَخْبَرَنَا عُبيدالله بن سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْتَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِّ نَّهُ بِمِنَّى رَكْعَتَيْنٍ، وَمَعَ أَبِي بَكْرِ رَّهُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَيْهِ رَكْعَتَيْنِ))). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (عبيدالله بن سعيد) السرخسي، ثقة مأمون [١٠] تقدم ١٥ / ١٥. ٢- (يحيى) بن سعيد القطان تقدم قريبًا. ٣- (عُبيدالله) بن عمر العمري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ١٥/ ١٥ . ٤- (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١٢/ ١٢. ٥- (ابن عمر) عبدالله رضي الله تعالى عنهما تقدم١٢/ ١٢ . وشرح الحديث يعلم مما تقدم، وهو حديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا- ٣/ ١٤٥٠ - وفي ((الكبرى)) - ١٩٠٨٣ - عن عُبيدالله بن سعيد، عن يحيى القطان، عن عُبيدالله العمري، عن نافع، عنه. وفي ١٤٥١/٣ - و(الكبرى)) =٣/ ١٩٠٩ - عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عُبيداللّه بن عبدالله ابن عمر، عن أبيه. ٣٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ وأخرجه (خ) ٥٣/٢ (م) ١٤٦/٢ (أحمد) ١٦/٢ و٥٥/٢ و٥٧/٢ (ابن خزيمة) ٢٩٦٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ((صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ رَجُ بِمِنِّى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّاهَا أَبُو بَكْرِ رَكْعَتَيْنَ، وَصَلَّاهَا عُمَرُ رَكْعَتَيْنٍ، وَصَلَّاهَا عُثْمَانُ رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (محمد بن سلمة) المرادي المصري، ثقة [١٠] تقدم٢٠/١٩ . ٢- (ابن وهب) عبدالله المصري، ثقة حافظ [٩] تقدم ٩/٩. ٣- (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة [٧] تقدم ٩/٩ . ٤- (ابن شهاب) الزهري، تقدم قريبًا . ٥- (عبيدالله بن عبدالله بن عمر) بن الخطاب العدوي، أبو بكر المدني، شقيق سالة، ثقة [٣] في ٣٢٨/٢ . ٦- (أبوه) عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنه المذكور في السند الماضي، والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن إريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٤- (بَابُ الْمُقَامِ الَّذِي يُقْصَرُ بِمِثْلِهِ الصَّلَاةُ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((المُقام)) هنا بضم الميم مصدر ميميّ لأقام، رباعيًّا، بمعنى الإقامة، لا بفتحها، من قام ثلاثيّا، بمعنى انتصب، إذ لا يناسب هنا. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤٥٢- (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا(١) يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْتِى بْنُ أَبِي (١) وفي نسخة ((أخبرنا))، وفي أخرى ((نا)). ٤- (بأَبُ الْمُقَمِ الذِّي يَقْصَرُ بِمِثْلِهِ الصَّلَاةُ) - حديث رقم ١٤٥٢ ٣٦٣ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي بِنَا رَكْعَتَيْنِ، حَتَى رَجَعْنَا، قُلْتُ (١): هَلْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَقَمْنَا عَشْرًا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم قبل بابين -١/ ١٤٣٨- وتقدم تمام البحث فيه، وبيان مسائله هناك، وبالله تعالى التوفيق. و(حميد بن مسعدة)) هو الباهلي البصري. و(يزيد)) هو ابن زريع البصري. [تنبيه]: قوله: ((أقام بها عشرا)) لا يعارض هذا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الآتي أنه ربَّر أقام بمكة خمسة عشر يومًا؛ لأن هذا في حجة الوداع، وحديث ابن عباس في فتح مكة، وقد ثبت من حديث ابن عباس: ((قدم النبي ◌َّ وأصحابه لصبح رابعة ... )) الحديث، ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدة إقامته بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها، كماقال أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء، لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلى الظهر بمنى. أفاده في ((الفتح)) (٢). [مسألة]: قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: اختلف أهل العلم في القدر الذي يجب على المسافر إذا أقام ذلك المقدار إتمام الصلاة: فقالت طائفة: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتمّ الصلاةَ، ورينا هذا القول عن ابن عمر، وبه قال سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: إذا أزمع إقامة اثنتي عشرة أتمّ الصلاة، هذا قول عبدالله بن عمر بن الخطاب، آخر أقواله، كما ذكره نافع، وبنحوه قال الأوزاعي. وقالت طائفة: إذا عزم على مقام عشر ليال أتم الصلاة، وهذا قول الحسن ابن صالح، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وليس ذلك بثابت عنهما، وبه قال محمد بن عليّ. وقالت طائفة: إذا أقمت أكثر من خمس عشرة، فأتم الصلاة، روي هذا عن سعيد ابن جُبير، وعبدالله بن عُتبة، وبه قال الليث بن سعد. الخامس: أن من أقام أربعًا صلى أربعًا هكذا قال مالك، وأبو ثور، واحتجّ أبو ثور بأنهم لما أجمعوا على ما دون الأربع أنه يقصر كان ذلك له، فلما اختلفوا في الأربع كان عليه أن يُتمّ، وذلك أن الفروض لا تزال باختلاف. السادس: قول ابن عباس رَبُّهَا: إذا سافرنا تسع عشرة نقصر الصلاة. السابع: قول أحمد بن حنبل: إذا أجمع لعشرين صلاة مكتوبة قصر، فإذا عزم على أن (١) وفي نسخة ((قلنا)). (٢) (فتح)) ٢٧٠/٣. ٣٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ يُقيم أكثر من ذلك أتمّ (١). واحتجّ بحديث جابر، وابن عباس ***: ((أن النبي وَلّر قدم لصبح رابعة، قال: فأقام النبي وَلهر الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع أن يُقيم كما أقام النبي وَّر قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ. الثامن: قول سعيد بن المسيب: إذا وطنت نفسك بأرض أكثر من ثلاث، فأتمّ الصلاة . التاسع: قوله أيضًا: إن المسافر إذا أقام ثلاثًا أتمّ. قال ابن المنذر: هذان قولان: لا نعلم أحدًا قال بهما. وله قول آخر، كقول الثوريّ، وآخر كقول مالك. العاشر: ذكره إسحاق بن راهويه، قال: وقد قال آخرون، وهم الأقلون من أهل العلم: صلاة المسافر ما لم ترجع إلى أهلك إلا أن تُقيم ببلدة لك بها أهل، ومال، فإنها تكون كوطنك، ولا ينظرون في ذلك إلى إقامة أربع، ولا خمس عشرة، قال: ومما احتجّوا به لأنفسهم في ذلك ما سُئل ابن عباس عن تقصير الصلاة؟ فقال: كان النبي وَل إذا خرج من المدينة صلى ركعتين ركعتين حتى يرجع. وعن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أن رجلًا قال له: إنا نُطيل المقام في الغزو بخراسان، فكيف ترى؟ فقال: يصلي ركعتين، وإن أقمت عشر سنين، وقال الحسن البصريّ: أقام أنس بن مالك بنيسابور سنة، أو سنتين يصلي ركعتين، ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين، وأقام عبدالرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس، فكان لا يجمع، ولا يزيد على ركعتين، وقال أبو إسحاق: أقمنا مع وال -أحسبه قال: بسجستان سنين، وكان معنا رجال من أصحاب ابن مسعود، فصلى بنا ركعتين ركعتين حتى انصرف، ثم قال: كذلك كان ابن مسعود يفعل، وقال أبو مجلز: كنت جالسًا عند ابن عمر، قال: قلت: يا أبا عبدالرحمن آتي المدينة طالب حاجة، فأقيم بها السبعة الأشهر، والثمانية كيف أصلي؟ قال: ركعتين ركعتين، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين ركعتين، وكان الثلج حال بينهم وبين القُفُول، وأقام مسروق بالسلسلة سنين، وهو عامل عليها، فصلى ركعتين ركعتين حتى انصرف يلتمس بذلك السنّة. الحادي عشر: إن المسافر يصلي ركعتين ركعتين إلا أن يقدم مصرًا من الأمصار، (١) لكن المشهور عن أحمد كما يأتي قريبًا أنه إذا عزم على إحدى وعشرين صلاة قصر، وإن كان أكثر أتم . ٤- (بَابُ الْمُقَامِ الذِّي يَقْصَرُ بِمِثْلِهِ الصَّلَاة) - حديث رقم ١٤٥٢ ٣٦٥ هذا قول الحسن البصري. الثاني عشر: قول من فرق بين المقام للخوف، والمقام لغير الخوف، قال الشافعي: فأشبه ما قال رسول اللَّه وَلّر من مقام المهاجر، فلا يأخذ مقام المسافر، وما جاوزه كان مقام الإقامة، وليس يحسب اليوم الذي كان فيه سائرًا، ثم قدم، ولا اليوم الذي كان فيه مقيمًا، ثم سار، كان غير مقام حرب، ولا خوف حرب قصر، فإذا جاوز مقامه أربعًا أحببت أن يتمّ، وإن لم يتمّ أعاد ما صلى بالقصر بعد الأربع، وإن كان مقامه لحرب، أو خوف حرب، فإن رسول اللّه وَ الرّ أقام الفتح يُحارب هوازن سبع عشرة، أو ثمان عشرة يقصر، فإذا أقام الرجل ببلد أثناءه ليس ببلد مقامه لحرب، أو خوف حرب، أو تأهب حرب قصر ما بينه وبين ثمان عشرة ليلة، فإذا جاوزها أتمّ الصلاة حتى يُفارق البلد تاركا للمقام به آخذًا في سفره. الثالث عشر: ما روي عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن، قال: يفصل بين الحضر والسفر اليوم والليلة، فمن أجمع مسير يوم وليلة روحته، وغدوته، وولجته فقد أجمع سفرًا، فله صلاة السفر، ورخصة فطر الصوم، ومن أجمع إقامة يوم وليلة صلى صلاة الحضر، وعليه الصوم. القول الرابع عشر: ما حكاه إسحاق بن راهويه عن بعضهم قالوا: قد مضت السنة من النبي ◌َّ وأصحابه في التقصير للمسافر إذا كان طاعنا، فإذا وضع الزاد والمزاد، وترك الرحيل، وأقام أيامًا لحاجة، أو تجارة، أو نزهة، فهو بالمقيم أشبه منه بالمسافر، فعليه الإتمام. انتهى ملخصا من كلام ابن المنذر في كتابه ((الأوسط))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى هو الأرجح، حيث اعتبر عدد صلاة النبي ◌َّ، فمن أجمع على إحدى وعشرين صلاةً، قصر، ومن زاد على ذلك أتمّ. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: وأسعد الناس بحديث جابر أحمد، ومن وافقه، لأنه نظر إلى عدد الصلوات التي صلاها رسول اللَّه ◌َ لّ في أيام مقامه بمكة في حجته، فأجاز أن يقصر من أقام مقدارًا يصلي ذلك العدد من الصلوات، وأمر من زاد مُقامُه على ذلك المقدار بالإتمام انتهى. ونص مختصر الخرقي: ((وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاةً أتمّ)) قال ابن قدامة ◌َخّْلهُ في ((المغني)): المشهور عن أحمد تيّْتهُ أن المدة التي (١) جـ ٤ ص ٣٥٥ - ٣٦٤ . ٣٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ تُلزم المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها، هي ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاةً. ثم قال بعد ذكر الخلافات: ما نصه : ولنا ما روى أنس، قال: خرجنا مع رسول اللَّه ◌َلّل إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقام بمكة عشرًا يقصر الصلاة. متفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر، وابن عباس أن النبي وَّر قدم لصبح رابعة، فأقام النبي ◌َّل اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي ◌َّ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ. انتهى(١). والحاصل أن من نوى أن يقيم أكثر من إحدى وعشرين صلاةً عدد صلاة النبي وَّ في مكة أتم، ومن نوى إحدى وعشرين، أو أقل من ذلك قصر، كما قصر النبي ◌َّ في إحدى وعشرين صلاةً، مع أنه عزم على أنه سيقيم بمكة هذه المدة. وهذا هو القول الموافق لفعل النبي وَّر، وأما ما عداه من الأقول فليس عليه دليل صريح مرفوع يؤيده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٤٥٣- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَقَامَ بِمَكَّةَ خَمْسَةَ عَشَرَ، يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (عبدالرحمن بن الأسود) بن المأمول(٢)، مولى بني هاشم، أبو عمرو الوراق البصريّ، بغدادي الأصل، مقبول [١١]. روى عن عَبِيدَة بن حُميد، ومحمد بن ربيعة الكلابي، ومعمر بن سليمان الرّقّيّ، وعمر بن أيوب المَوْصلي. وعنه الترمذي، والنسائي، وابن جرير الطبري، وغيرهم. مات بعد (٢٤٠). وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢- (محمد بن ربيعة) الكلابي الرُّؤاسي، أبو عبدالله الكوفي، ابن عمّ وكيع، صدوق [٩] تقدم في ٨ / ٤٦٤ . (١) ((المغنى)) ١٤٩/٣ - ١٥٠. (٢) كذا في (تهذيب الكمال)) و((ت)) نسخة أبي الأشبال أحمد صغير، وهي من أحسن النسخ، ووقع في بعض النسخ، و((تت)) ((ابن مأمون)) بالنون، والظاهر أنه تصحيف، والله تعالى أعلم. ٣٦٧ ٤- (بَابُ الْمُقَامِ الذَّي يَقْصَرُ بِمِثْلِهِ الصَّلَاة) - حديث رقم ١٤٥٣ ٣- (عبدالحميد بن جعفر) الأنصاري المدني، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم [٦] تقدم ٢٦ / ٩١٤ . ٤- (يزيد بن أبي حبيب) واسم أبيه سُويد المصريّ، ثقة فقيه، يرسل[٥] تقدم ١٣٤ / ٢٠٧ . ٥- (عراك بن مالك) الغفاريّ الكنانيّ المدني، ثقة فاضل [٣] تقدم ١٣٤ / ٢٠٧. ٦- (عُبيدالله) بن عبدالله بن عتبة بن مسعود المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٤٥/ ٥٤ ٠ ٧- (ابن عباس) عبدالله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٣١/٢٧ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ، وشيخ شيخه، فمن رجال الأربعة. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يزيد، عن عراك، عن عبيد الله. ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ أَقَامَ بِمَكَّةَ خَمْسَةَ عَشَرَ) أي يومًا بليلته، وذلك في عام الفتح، وأما إقامته عشرًا في حديث أنس رَّه الماضي ففي حجة الوداع، كما تقدم. [تنبيه]: اختلفت الروايات عن ابن عباس رَنيها في مقدار إقامته وَ يّر بمكة عام الفتح، فروي تسعة عشر، كما في ((صحيح البخاري))، ولفظه من رواية عكرمة، عنه: ((أقام النبي ◌َّلل تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا)). وروي عشرون، أخرجه عبد بن حُميد في (مسنده))، وروي سبعة عشر بتقديم السين، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، وروي خمسة عشر، وهي رواية المصنف هنا، ورواها أبو داود أيضًا، وروي ثمانية عشر، رواه أبو داود. قال البيهقي في ((السنن)): وأصح هذه الروايات في ذلك عندي رواية من روى تسعة عشر -أي بتقديم التاء- وهي الرواية التي أودعها البخاريّ في ((الجامع الصحيح))، وجمع أيضًا البيهقي بين روايات تسع عشرة وثمان عشرة، وسبع عشرة بأن من رواها تسع ٣٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ عشرة عدّ يوم الدخول ويوم الخروج، ومن روى ثمان عشرة لم يعدّ أحد اليومين، ومن قال: سبع عشرة لم يعدّهما(١). قال الحافظ في ((التلخيص الحبير)): وهو جمع متين، وتبقى رواية خمسة عشر شاذة لمخالفتها، ورواية عشرين، وهي صحيحة الإسناد، إلا أنها شاذّة أيضًا، اللَّهمّ إلا أن يُحمل على جبر الكسر، ورواية ثمانية عشر ليست بصحيحة من حيث الإسناد(٢)، أي لأنّ في سنده علي بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف. وقال في ((الفتح)) بعد ذكر الجمع المذكور: وأما رواية خمسة عشر، فضعفها النوويّ في ((الخلاصة))، وليس بجيّد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك، عن عُبيدالله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة، فليُحمل على أن الراوي ظنّ أنّ الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشرة. واقتضى ذلك أن تسع عشرة أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضًا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة، وأخذ الثوريّ، وأهل الكوفة برواية خمس عشرة، لكونها أقلّ ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقًا، وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين، وهو ما أخرجه أبو داود بلفظ: ((غزوت مع رسول اللَّه وَلّر عام الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة، لا يصلي إلا ركعتين). لكن محله عنده فيمن لم يُزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في أول الحال على أربعة أيام أتم، على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها، أولا، وحجته حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه انتهى (٣). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تقدم أن أرجح المذاهب مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ لموافقته لحديث أنس رضي اللّه تعالى عنه. وحاصله أن من أقام في بلدة أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم، وإلا قصر. والله تعالى أعلم. (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ) جملة في محل نصب على الحال، وكرر ((ركعتين)) إشارة إلى أن قصره في كل صلاة صلاها في تلك المدة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((السنن الكبرى)) جـ ٣ ص ١٥١ . (٢) ((التلخيص الحبير)) جـ ٢ ص ٤٥ - ٤٦. (٣) ((فتح)) ٣ / ٢٦٩ . ٤- (بَبُ الْمُقَمِ الذِّي يَقْصَرُ بِمِثْلِهِ الصَّلاة) - حديث رقم ١٤٥٤ ٣٦٩ = مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح، وتقدم قريبًا أن النووي ضعفه بالشذوذ، وأجاب عنه الحافظ رحمهما الله تعالى. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٤٥٣/٤ - وفي ((الكبرى)) - ١٩١١/٤ - بالسند المذكور. وأخرجه (د) ١٢٣١ (ق) ١٠٧٦ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٤- (أَخْبَرَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ(٢) ابْنِ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِالرَّحْمَنِ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهـ يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (محمد بن عبدالملك بن زَنجَوَيه) البغداديّ، أبو بكر الغَزَّال، ثقة [١١]. روى عن جعفر بن محمد بن حمزة، وزيد بن الحباب، وعبدالرزاق، وغيرهم. وعنه الأربعة، وعبدالله بن أحمد، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وهو صدوق. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال مسلمة: ثقة كثير الخطإ. قال ابن مخلد: مات في جمادى الآخرة سنة (٢٥٨). روى عنه الأربعة، وروى عنه المصنف في هذا الكتاب حديثين فقط، هذا، و(٢٨٩٣) حديث: ((خلّ عنه، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد ... )) الحديث. ٢- (عبدالرزاق) بن همام الصنعاني. ثقة ثبت [٩] تقدم ٦١/ ٧٧ . ٣- (ابن جُريج) عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج المكي، ثقة فاضل فقيه يدلس ويرسل [٦] تقدم ٣٢/٢٨. ٤- (إسماعيل بن محمد بن سعد) بن أبي وقّاص الزهري أبو محمد المدني، ثقة حجة [٤] تقدم ٩٧ / ١٢٥ . (١) وفي نسخة ((أخبرني)). (٢) وفي نسخة ((أنا)). ٣٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ٥- (حُميد بن عبدالرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة [٢] تقدم ٧٢٥/٣٢ . ٦- (الساءب بن يزيد) الكندي الصحابي الصغير رضي اللّه تعالى عنه، تقدم ٦٢/ ١٣٠٥. ٧- (العلاء بن الحَضْرَمي) حليف بني أَميّة، واسم الحضرميّ عبدالله بن عمّار بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن عُوَيف. وله عدة إخوة، يقال: إنهم أحد عشر، وأخوه عمرو ابن الحضرمي أول قتيل من المشركين، قتله المسلمون، وكان ماله أول مال خُمّس في الإسلام، وبسببه كانت وقعة بدر. روى عن النبي ◌ُّ في مُكث المهاجر. وعنه السائب بن يزيد، وأبو هريرة، وحيان الأعرج، وسهم بن منجاب، وزياد بن حُدَیر. وكان يقال: إنه مُجاب الدعوة، وولّاه رسول اللّه وَل البحرين، وأقرّه أبو بكر، وعمر، ثم ولّاه عمر البصرة، فمات قبل أن يصل إليها سنة (١٤). وقال ابن سيرين، عن ابن العلاء بن الحضرمي: إن أباه كتب إلى النبي وَلَّ، فبدأ باسمه. وقال أبو حسان الزياديّ: مات سنة (٢١) وله مناقب، وفضائل كثيرة. أخرج الجماعة الحديث المتقدم. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فمن رجال الأربعة. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وصحابي، عن صحابي، وأن صحابيه من المقلين، ليس له في الكتب الستة، إلا ثلاثة أحاديث: حديث الباب، ((أنه كتب إلى النبي وَ لتر، فبدأ باسمه)) عند أبي داود رقم (٥١٣٥)، وأخرجه أحمد أيضًا (جـ٤ص ٣٣٩)، وحديث ((بعثني رسول اللّه وَلّ إلى البحرين، أو إلى هجر، فكنت آتي الحائط يكون بين الإخوة، يسلم أحدهم، فآخذ من المسلم العشر، ومن المشرك الخراج)) عند ابن ماجه رقم ١٨٣١ - وأخرجه أحمد أيضًا جـ٥/ ٥٢. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن السائب بن يزيد رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّهُ سَمِعَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ) رضي اللّه تعالى عنه (يَقُولُ) جملة في محل نصب على الحال. ولفظ البخاري من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبدالرحمن بن حميد الزهري، قال: سمعت عمر بن عبدالعزيز، يسأل السائب بن يزيد ابن أخت نمر، قال: ما سمعتَ ٣٧١= ٤- (بَابُ الْمُقَامِ الَّذِّي يَقْصَرُ بِمِثْلِهِ الصَّلاة) - حديث رقم ١٤٥٤ في سُكنى مكةً؟ قال: سمعت العلاء بن الحضرميّ قال: قال رسول اللّه وَلّ: ((ثلاث للمهاجر بعد الصدر)). و((الصدر)) بفتح المهملتين، أي بعد الرجوع من منى. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لِهِ يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ) من باب قتل: أي يقيم، ويتلَبْثُ، ومَكُث مُكثًا، فهو مَكيث، مثلُ قرُب قُربًا، فهو قريب لغةٌ، وقرأ بها السبعة قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ باللغتين. قاله الفيّومي (بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ) أي فراغه من أعمال الحجّ، وأصل النسك بضمتين: العبادة، والمراد هنا أفعال الحج، يقال: نسك لله ينسُك، من باب قتل: تطوع بقُربة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِ﴾، ومناسك الحج: عباداته، وقيل: مواضع العبادات. أفاده الفيومي (ثَلَاثًا) أي ثلاثة أيام بلياليها، وذكر العدد، لكون التمييز محذوفا، كما تقدم. قال النووي رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة. وحكَى عياض أنه قول الجمهور، قال: وأجازه لهم جماعة -يعني بعد الفتح - فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه. قال: واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأن سُكنى المدينة كان واجبًا لنصرة النبي ◌َّر، ومواساته بالنفس، وأما غير المهاجرين، فيجوز له سُكنى أيّ بلد أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق انتهى كلام القاضي. ويستثنى من ذلك من أذن له النبي وّر بالإقامة في غير المدينة. وقال القرطبي رحمه الله تعالى: المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصرة النبي ◌َّة، ولا يُعنى به من هاجر من غيرها، لأنه خرج جوابًا عن سؤالهم لمّا تحرّجوا من الإقامة بمكة، إذ كانوا قد تركوها للَّه تعالى، فأجابهم بذلك، وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة . قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى، وهل ينبني عليه خلاف فيمن فرّ بدينه من موضع يَخاف أن يُفتن فيه في دينه، فهل له أن يرجع إليه بعد انقضاء تلك الفتنة؟ يمكن أن يقال: إن كان تركها لله كما فعله المهاجرون، فليس له أن يرجع لشيء من ذلك، وإن كان تركها فرارًا بدينه، ليَسلّم له، ولم يقصد إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك انتهى. قال الحافظ: وهو متجه، إلا أنه خص ذلك بمن ترك رباعًا أو دورًا، ولا حاجة إلى تخصيص المسألة. والله تعالى أعلم انتهى(١). (١) (فتح)) ٧/ ٦٨٥ في ((كتاب مناقب الأنصار)). ٣٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي فيما قاله القرطبي نظران: أما أوّلًا ، ففي تعميمه المنع لكل من فرّ بدينه، لأن ذلك يحتاج إلى دليل، من نص أو إجماع. وأما ثانيًا ففي تفريقه بين من فر بدينه، ومن ترك بلده للَّه، فإنه لا فرق بينهما في الحقيقة، كما هو ظاهر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث العلاء بن الحضرمي رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٤٥٤/٤- وفي ((الكبرى)) - ١٩١٢/٤ - عن محمد بن عبدالملك بن زنجويه، عن عبدالرزاق، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن حميد ابن عبدالرحمن، عن السائب بن يزيد، عنه. وفي -١٤٥٥/٤- و((الكبرى)) -٤/ ١٩١٣- عن الحارث بن مسكين، عن ابن عيينة، عن عبدالرحمن بن حُميد، عن السائب بن یزید به . وفي ((الكبرى)) ٤٢١٢/٢٧٩- عن محمد بن عبدالله بن المبارك، عن يحيى بن سعيد القطان- ح و٤٢١٣/٢٧٩-عن عُبيدالله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، عن عمه يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان- كلاهما عن عبدالرحمن بن حميد، أنه سمع عمر بن عبدالعزيز يسأل السائب بن يزيد؟، فقال السائب: سمعت العلاء بن الحضرمي يقول: سمعت رسول اللّه وَ ل يقول: «ثلاث ليال يمكثهنّ المهاجر بمكة بعد الصدر)). وفي -٤٢١٤/٢٧٩- عن محمد بن رافع، عن عبدالرزاق به. وأخرجه (خ)٨٧/٥ (م) ١٠٨/٤ و١٠٩/٤ (د) ٢٠٢٢ (ت)٩٤٩ (ق) ١٠٧٣ . (الحميدي) ٨٤٤ (أحمد) ٣٣٩/٤ و٥٢/٥ (الدارمي) ١٥٢٠. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده : منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مدة الإقامة التي تُقصر فيها الصلاة، وهذا الذي ذهب إليه رحمه اللّه تعالى هو مذهب الشافعي، ومالك رحمهما اللَّه تعالى، ووجه الدلالة منه أن الترخيص في الثلاث يدلّ على بقاء حكم السفر، بخلاف الأربعة، فالأربع حد الإقامة، وما دونه حد السفر، فتقصر الصلاة فيه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاستدلال عندي غير صحيح، لأنه يرده ما فعله ٤- (بَابُ الْمُقَمِ الَّذِّي يَقْصَرُ بِمِثْلِهِ الصَّلاة) - حدیث رقم ١٤٥٥ ٣٧٣ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، مع أصحابه له، حيث أقاموا أربعة أيام بمكة، وقد عزموا قبل ذلك على إقامة تلك المدة، لأنهم يعلمون أن أفعال الحج لا تنتهي إلا بهذا القدر من الزمن، فدلّ على أن الأربعة لها حكم السفر، فلذا تقدم ترجيح ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فكل من أقام مدة إقامة النبي بَّ بمكة، وهي أربعة أيام قصر، ومن زاد أتم، والله تعالى أعلم. ومنها: أن الإقامة بمكة كانت حراما على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أبيح لمن قصدها منهم بحج أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام، لا يزيد عليها، وبهذا رئى النبي ◌ُّ لسعد بن خولة أن مات بمكة. وما ادعاه الداوديّ من اختصاص ذلك بالمهاجرين الأولين، رده في ((الفتح)) بأنه لا معنى لتقييده بالأولين. ومنها: أنه استدلّ به على أن طواف الوداع عبادة مستقلة، ليست من مناسك الحجّ، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعي، لقوله في هذا الحديث: ((بعد قضاء نسكه))، لأن طواف الوداع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده خرج عن كونه طواف الوداع، وقد سماه قبله قاضيًا لمناسكه، فخرج طواف الوداع عن أن يكون من مناسك الحج. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٤٥٥- (أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِهِ يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةً بَعْدَ نُسُكِهِ ثَلَاثَا))). قال الجامع عفا اللّه تعالى: هذا الحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. و((أبو عبدالرحمن)) هو النسائي، وقائل أخبرنا هو الراوي عنه، والظاهر أنه أبو بكر ابن السُّنِّيّ راوي الكتاب عن النسائي رحمهما الله تعالى، ويقدّر قبل ((قال الحارث بن مسكين)) لفظة ((قال))، وتكون جملة ((قال الحارث)) مقولًا لذلك القول المقدر، ومقول ((قال الحارث)) جملة ((قال: قال النبي وَّر الخ)). وقوله: ((قراءةً)) بالنصب على الحالية، وكذا جملة ((وأنا أسمع))، وقوله: ((في حديثه)) متعلق بـ((قال الحارث)). وقوله: ((عن سفيان)) متعلق بـ((حديثه))؛ لأنه مصدر. (١) ((فتح) ٧ / ٦٨٥. ٣٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ورجال إسناده : خمسة : ١- (الحارث بن مسكين) القاضي المصري الفقيه الثقة [١٠] تقدم ٩/٩. ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ١/١ . ٣- (عبدالرحمن بن حميد) عبدالرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة [٥ (١)]. روى عن أبيه، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. وعنه صالح بن كيسان، وسليمان بن بلال، وحاتم بن إسماعيل، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم، وأبو داود: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال النسائي في ((الجرح والتعديل)): ثقة. وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات بالعراق في أول خلافة أبي جعفر سنة (١٣٧). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و(٤٣٦٦) حديث: ((إذا دخلت العشر، فأراد أحدكم أن يضخّي ... )) الحديث. والباقيان تقدما في السند الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَخْتَى الصُّوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ زُهَيْرِ الأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّا اعْتَمِّرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ ◌ّهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا قَدِمَتْ مَكَّةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَّ وَأُمِّي قَصَرْتَ، وَأَتْمَمْتُ، وَأَفْطَرْتَ، وَصُمْتُ، قَالَ: ((أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ))، وَمَا عَابَ عَلَيَّ). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (أحمد بن يحيى الصوفي) أبو جعفر الكوفي العابد، ثقة [١١] تقدم ١٢٧٤/٣٨. ٢- (أبو نعيم) الفضل بن دُكين الكوفي، ثقة ثبت [٩] تقدم ٥١٦/١١ . ٣- (العلاء بن زُهير الأزديّ) ابن عبدالله بن زهير بن سُليمی الأزديّ، أبو زهير الكوفي، ثقة [٦]. روى عن عبدالرحمن بن الأسود بن يزيد، ووبَرَة بن عبدالرحمن الْمُسْلَيّ. وعنه وكيع، وأبو نعيم، والفريابي، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال (١) جعله في (ت)) من السادسة، والأولى أنه من الخامسة؛ لأنه يروي عن السائب بن يزيد الصحابي، كما في هذا السند. فتنبه. والله تعالى أعلم. ٤- (بَابُ الْمُقَامِ الّذِي يَقْصَرُ بِمِثْلِهِ الصَّلَاةُ - حديث رقم ١٤٥٦ ٣٧٥ ابن حزم: مجهول، وردّ ذلك عليه عبدالحقّ، وقال: بل هو ثقة مشهور، والحديث الذي رواه في القصر صحيح. وتناقض فيه قول ابن حبان، فقال في ((الضعفاء)): يروي عن الثقات ما لا يُشبه الأثبات، فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الثقات. ورده الذهبي بأن العبرة بتوثيق يحيى. انفرد به المصنف، فروى له حديثين: أحدهما حديث الباب، والثاني حديث ابن عمر رَّهَا الآتي في الباب التالي. ٤- (عبدالرحمن بن الأسود) بن يزيد النخعي أبو بكر الكوفي، ثقة، من كبار [٣] تقدم ٣٧ / ٤١ . ٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها، تقدمت ٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين. ومنها: أن فيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رََّا (أَنَّا اغْتَمَرَتْ) وفي رواية الدارقطني: ((عمرة في رمضان))، واستنكر ذلك، فإنه وَّ لم يعتمر في رمضان (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا قَدِمَتْ) بتاء التأنيث الساكنة (مَكَّةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) متعلق بمحذوف، أي أَفديك بأبي وأمي، أو مَفْديّ أنت بأمي وأمي (قَصَرْتَ) خطاب للنبي وَّلـ (وَأَتْمَمْتُ) بتاء المتكلم (وَأَفْطَرْتَ) بتاء الخطاب (وَصُمْتُ) بضمير المتكلم (قَالَ) ◌ِل (أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ))، وَمَا عَابَ عَلَيَّ) أي فيما فعلتْ من الإتمام والصوم. والله تعالى أعلم . [تنبيه]: هذا الحديث صحيح، كما مرّ تصحيحه آنفًا عن عبد الحقّ، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا فقط، وقد اختلف في اتصاله، قال الدار قطني : عبد الرحمن أدرك عائشة، ودخل عليها، وهو مراهق. وقال أبو حاتم: دخل عليها، وهو صغير، ولم يسمع منها. وعند ابن أبي شيبة، والطحاوي ثبوت سماعه منها. وفي رواية للدارقطني: عن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة، قال أبو بكر النيسابوري: من قال فيه: عن أبيه أخطأ، واختلف قول الدارقطني فيه، فقال في ((السنن)): إسناده حسن، وقال في ((العلل)): المرسل أشبه . ٣٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الظاهر أن الحديث صحيح متّصل، وأن سماع عبد الرحمن عن عائشة صحيح، قال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)ج ١٤٢/٣-١٤٣ معلّقًا على كلام الدار قطني السابق: ما نصّه: وذكر الطحاوي عن عبد الرحمن أنه دخل على عائشة بالاستئذان بعد احتلامه، فلو أطلق الدارقطني دخوله عليها، ولم يقيده بأنه كان وهو مراهق لكان أولى، وذكر صاحب ((الكمال)) أنه سمع منها. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)). * ٥- (تَرْكُ التَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ) ١٤٥٧- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَخْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ زُهَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَبَرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمِّرَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَّيْنٍ، لَا يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا، فَقَيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَصْنَعُ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا السند تقدم الكلام عليه في الباب الماضي، سوی : ١- (وَبَرَة بن عبدالرحمن) -بفتح الواو، والموحدة - الْمُسْلَيّ -بضم أوله، وسكون المهملة، بعدها لام- أبو خُزيمة، أو أبو العباس الكوفي، ثقة [٤]. روى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي الطفيل، وغيرهم. وعنه العلاء بن زُهير، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش، ومسعر، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في (الثقات)). وقال ابن سعد: تُوفي في ولاية خالد بن عبدالله القَسْري على الكوفة، وكذا قال الهيثم بن عديّ، وخليفة، وزاد سنة (١١٦). روى له الجماعة، سوى الترمذي، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، و(٢٩٢٩) حديث: رأينا رسول اللّه ◌َ و أحرم بالحجّ، فطاف بالبيت ... )) الحديث، و(٥٣١٣) حديث: ((لم يرخّص في الديباج إلا موضع أربع أصابع ... )) الحديث. ٢- (ابن عمر) عبدالله رَنطليها، تقدم ١٢/١٢. ولطائف الإسناد تقدم في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. ٥- (تَرْكُ التَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ) - حديث رقم ١٤٥٨ ٣٧٧ شرح الحديث عن وبَرَة بن عبدالرحمن أنه (قال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ) يحتمل أن يكون المعنى أنه لا يتم في السفر كما كان يُتَمّ بعض الصحابة، ويحتمل أن يكون المعنى لا يتطوع زيادة على ركعتي الفريضة، بل يقتصر عليهما، وعلى الأول تكون جملة قوله (لَا يُصَلِّي قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا) مستأنفة بَيَّنَ بها أنه لا يصلي الرواتب القبلية، ولا البعدية، وعلى الثاني تكون الجملة تفسيرًا لقوله: ((لا يزيد في السفر علی رکعتين)). وأفرد الضمير في قوله: ((قبلها، وبعدها)) مع أن المرجع مثنى، وهو (ركعتين)) باعتبار الصلاة (فَقَيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟) أي قيل لابن عمر: ما هذا الاقتصار على الركعتين، وترك السنن الرواتب كلها (قَالَ) أي ابن عمر رَّهَا (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ يَصْنَعُ) أي من الاقتصار على الركعتين، وترك السنن الرواتب القبلية والبعدية. وإنما قيدنا بالقبلية والبعدية، لأنه ثبت عن النبي ◌َّ أنه كان يتطوع في السفر على راحلته، وأنه كان يصلي الوتر، وإنما ترك الراتب القبلية والبعدية. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا - ١٤٥٧/٥ - وفي ((الكبرى)) -٥٪ ١٩١٥- بالسند المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب،. وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٨ - (أَخْبَرَنِي نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِم، قَالَ: حَدَّثَّنِيَ أَبِي، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى طِنْفِسَةٍ لَهُ، فَرَأَى قَوْمًا يُسَبِّحُونَ، قَالَ: مَا يَضْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِحُونَ، قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُصَلِّيَا قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا لَأَتْمَمْتُهَا، صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، فَكَان لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ ◌ِ﴿هَ كَذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (نوح بن حَبيب) الْقُومَسيّ، أبو محمد الْبَذَشيّ، ثقة سنيّ [١٠] تقدم ١٠١٠/٧٩. ٢- (يحيى بن سعيد) القطّان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] تقدم ٤ / ٤ ٣- (عيسى بن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العَدَويّ، أبو زياد المدنيّ، لقبه رَبَاح - بموحدة-ثقة [٦]. ٣٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ روى عن أبيه، وسعيد بن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. وعنه يحيى القطان، وسليمان بن بلال، ووكيع، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. ونقل ابن خلفون أن العجلي وثقه. وقال الحاكم: قال فيه القعنبي: عيسى بن حفص الأنصاريّ، وكانت أمه ميمونة بنت داود الخزرجية، فربّما عرف بقبيلة أخواله. وقال ابن حبان، وابن قانع، والواقدي: مات سنة (١٥٧) زاد الواقدي: في خلافة أبي جعفر. روى له الجماعة، سوى الترمذي، له عندهم حديثان: أحدهما حديث الباب، والآخر حديثه عن نافع، عن ابن عمر في فضل المدينة. ٤- (حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطّاب العمري المدني، ثقة [٣] تقدم ٦٠/ ٨٦٧ ٠ ٥- (ابن عمر) رضي اللَّه تعالى عنهما المذكور في السند السابق. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من عيسى بن حفص. ومنها: أن فيه ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن حفص بن عاصم ◌َّتُهُ أنه (قال: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ) ولفظ مسلم: ((صحبتُ ابن عمر في طريق مكة ... )) (فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ركعتين) الظاهر أنه صلاهما جمعًا، وفي نسخة: (( أو العصر)) بـ((أو))، والظاهر أنه تصحيف، لأن ابن عمر لا يرى جواز النافلة بعد العصر، فلو رآهم يتنفلون بعد العصر لكان إنكاره في ذلك أشدّ . ولفظ مسلم: ((فصلى لنا الظهر ركعتين)) (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي رجع من محل صلاته (إِلَى طِنْفِسَةٍ لَهُ) مثلّثة الطاء، والفاء، وبكسر الطاء، وفتح الفاء، وبالعكس: واحدة الطنافس للبُسُط، والثياب، والحَصير، من سَعَف، عرضه ذراع. قاله المجد. وقال الفيّومي: ((الطنفسة) بكسرتين في اللغة العالية، واقتصر عليها جماعة، منهم ابن السِّكْيت، وفي لغة بفتحتين، وهي بساط له خَمْلٌ رَقيقٌ، وقيل: هو ما يُجعل تحت الرَّخل على كتفي البعير، والجمع طَنَافس انتهى (١) (فَرَأَى قَوْمًا يُسَبِّحُونَ) أي يصلون النافلة، فالسبحة (١) ((ق)) و((المصباح)) في مادة ((طنفس)). ٥- (تَرْكُ التَّطَوَّعِ فِي السَّفَر) - حديث رقم ١٤٥٨ ٣٧٩ معناها النافلة (قَالَ) أي ابن عمر (مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟) ((ما)) استفهامية، والاستفهام هنا للإنكار (قُلْتُ) القائل حفص بن عاصم (يُسَبِحُونَ، قَالَ) أي ابن عمر (لَوْ كُنْتُ مُصَلّيًا قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا) أي قبل الركعتين اللتين صليتهما قصرًا (لأَتْمَمْتُهَا) أي أتممت المكتوبة، وأفرد الضمير في المواضع الثلاث باعتبار الصلاة، كما تقدم في الحديث الذي قبله. يعني أنه لو كان مخيّرًا بين الإتمام، وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يُصلي الراتبة، ولا يُتَمّ. قاله فى ((الفتح)). وقال السندي رحمه اللّه تعالى: لعلّ المعنى: لو كنت صليت النافلة على خلاف السنة لأتممت الفرض على خلافها، أي لو تركت العمل بالسنة لكان تركها لإتمام الفرض أحبّ، وأولى من تركها الإتيان النفل، وليس المعنى: لو كانت النافلة مشروعة لكان الإتمام مشروعًا، حتى يَردَ عليه ما قيل: إن شرع الفرض تامّةً يُفضي إلى الحرج، إذ يلزم حينئذ الإتمام، وأما شرع النفل، فلا يُفضي إلى حرج، لكونها إلى خيرة المصلي انتھی(١). (صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهَ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيا، وهو ما يقع جوابًا لسؤال مقدّر، فكأنه قال له: لماذا قلت هذا الكلام؟، فأجابه بأنه صحب رسول اللّه وَ لَّ (فَكَان لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ) أي في هذه الصلاة التي صلاها لهم في ذلك الوقت، فلا يُعترض على كلامه بالمغرب، حيث لا تُصلى ركعتين إجماعًا. قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: يحتمل هذا اللفظ - يعني ((كان لا يزيد في السفر على ركعتين))- أن يريد أن لا يزيد في عدد ركعات الفرض، فيكون كنايةً عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة على القصر، ويحتمل أن يريد لا يزيد نفلًا، ويمكن أن يريد ما هو أعمّ من ذلك. انتهى. قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: ويدلّ على هذا الثاني رواية مسلم، ولفظه: صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل، وأقبلنا معه، حتى جاء رحله، وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت))، فذكر المرفوع انتهى (٢). قال النووي تَخْذَلَّهُ: أجابوا عن قول ابن عمر هذا بأن الفريضة محتّمة، فلو شُرعت تامة لتحتَّم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المصلي، فطريق الرفق به أن تكون (١) ((شرح السندي)) جـ ٣ ص ١٢٣ . (٢) ((فتح)) ٢٨٩/٣. ٣٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ مشروعة، ويُخيّر فيها انتهى. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن مراد ابن عمر بقوله: ((لو كنت مسبحًا لأتممت)) يعني أنه لو كان مخيّرًا بين الإتمام، وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يُصلي الراتبة، ولا يُتمّ انتهى. (وَأَبَا بَكْرٍ) بالنصب عطفًا على (رسول اللَّه))، أي وصحبت أبا بكر (حَتَّى قُبِضَ) بالبناء للمفعول، أي مات (وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ ** ﴾ كَذَلِكَ) أي حتى قُبضا، ولفظ مسلم: (يا ابن أخي صحبت رسول اللّه بَّر في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبتُ عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١])) انتهى (١). وإنما ذكر الموقوف بعد المرفوع مع أن الحجة قائمة بالمرفوع ليُبيّن أن العمل استمر على ذلك، ولم يطرُق إليه نسخٌ، ولا مُعارض، ولا راجحْ. واستُشكل قوله: ((ثم صحبت عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه))، لأنه ثبت فيما تقدم من حديث ابن عمر أن عثمان أتمها بعد ثماني سنين، أو ست. وأجيب بأن المراد في هذه الرواية أن عثمان لم يزد على ركعتين حتى قبضه الله في غير منى، والروايات المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بمنى خاصةً، وقد فسر عمران بن الحصين في روايته أن إتمام عثمان إنما كان بمنى. أفاده النووي نَُّ في ((شرح مسلم)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث : المسألة الأولى: في درجته : حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٤٥٨/٥ - وفي ((الكبرى)) -١٩١٦/٥ - بالسند المذكور. وأخرجه(خ) ٢/ ٥٧ (م) ٢ / ١٤٤ (د) ١٢٢٣ (ق) ١٠٧١ (أحمد) ٢٤/٢ و٥٦/٢ (عبد بن حميد) ٨٢٧ (ابن خزيمة) ١٢٥٧ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: (١) ((صحيح مسلم)) بشرح النووي ٦/ ١٩٧ - ١٩٩.