النص المفهرس
صفحات 301-320
٤٤- (بَأَبُ إِطَالَةِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٤٢٩ : ٣٠١ = الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بیتِهِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إسحاق بن إبراهيم) المذكور في السند الماضي. ٢- (عبدالرزاق) بن همّام الصنعاني، ثقة حافظ [٩]٦١/ ٧٧. ٣- (معمر) بن راشد الصنعاني، ثقة ثبت [٧] تقدم ١٠ / ١٠. ٤- (الزهري) تقدم قبل باب. ٥- (سالم) بن عبدالله بن عمر العَدَويّ المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٢٣ /٤٩٠ . (ابن عمر) عبدالله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٢/ ١٢ . وشرح الحديث واضح، وهو حديث صحيح، أخرجه المصنف هنا- ١٤٢٨/٤٣ - بالسند المذكور، وأخرجه (د) رقم ١١٣٢ . ودلالته على ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى واضحة، إذ فيه بيان أنه وَ لو كانت صلاته بعد الجمعة في بيته، فيستحبّ للإمام أن يصليهما في بيته. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: الحكمة في صلاته وَالر الركعتين بعد الجمعة في بيته أن الجمعة لما كانت بدل الظهر، واقتصر فيها على الركعتين، ترك التنفّل في المسجد، خشيةَ أن يُظَنَّ أنها التي حُذفت انتهى. قال في ((الفتح)): وعلى هذا فلا يتنفّل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد لهذا المعنى انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٤٤- (بَابُ إِطَالَةِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ) ١٤٢٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ - قَالَ: أَنَبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، يُطِيلُ فِيهِمَا، (١) ((فتح)) ٩٥/٣. ٣٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ وَيَقُولُ: ((كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَفْعَلُهُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عبدة بن عبدالله) الصفّار الْخُزاعي، أبو سهل البصريّ، كوفي الأصل، ثقة [١١] تقدم ٨٠٠/١٨. ٢- (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد[٩] تقدم ٢٤٤/١٥٣. ٣- (شعبة) بن الحجاج، المذكور قبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: قوله: ((شعبة)) هكذا وقع في نسخ ((المجتبى)) المطبوعتين، و(الهندية))، وهو الذي في ((الكبرى))، و(تحفة الأشراف)) ج٦ ص ٧٤ . وأشار في هامش ((الهندية)) إلى أن في بعض النسخ ((سعيد)) بدل ((شعبة))، والظاهر أنه غلط. والله تعالى أعلم. ٤- (أيوب) بن أبي تيمية السختياني، ثقة ثبت فقيه [٥] تقدم ٤٢ /٤٨ . والباقون تقدموا قريبًا. وشرح الحديث واضح، وهو حديث صحيح، أخرجه هنا- ١٤٢٩/٤٤- وفي ((الكبرى)) - ١٧٤٧/٣٩- بالسند المذكور. [تنبيه]: ضعف الشيخ الألباني حديث الباب، وقال: شاذ بذكر إطالتهما، انظر ضعيف النسائي ص ٥٠ . وقال في ((الإرواء)): وسنده صحيح، لكن خالفه وُهيب، فقال: حدثنا: أيوب به بلفظ: ((كان يغدو إلى المسجد يوم الجمعة، فيصلي ركعات، يطيل فيهنّ القيام، فإذا انصرف الإمام رجع إلى بيته، فصلى ركعتين، وقال: هكذا كان يفعل رسول اللَّه وَلتر)). أخرجه أحمد ١٠٣/٢ وسنده على شرطهما. ووجه المخالفة أنه وصف بإطالة الصلاة قبل الجمعة، لا الركعتين، وهذا هو الصواب، فقد تابعه على ذلك إسماعيل، وهو ابن علية عند أبي داود - ١١٢٨ - (١) انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن شعبة إمام حجة، لا تضره مخالفة غيره له، وأيضًالا تعارض بين روايتيهما، فرواية وهيب بَيّن فيها فعل ابن عمر تَوّها أنه كان يطيل الصلاة في المسجد قبل الجمعة، وليس هو بيانًا لفعل النبي وَله، بدليل أنه ◌َّ ما كان يدخل المسجد إلا بعد الزوال، ولم يُنقل عنه أنه صلى في المسجد وقت دخوله، فضلًا (١) ((الإرواء)) ٣/ ٩١ - ٩٢ . ٤٥- (ذِكْرُ السَّاعَةِ التِّي يُسْتَجَابُ فِيهَا ... - حديث رقم ١٤٣٠ ٣٠٣ عن الإطالة، ورواية شعبة بَيّن فيها فعل النبي ◌َّرَ، وهو أنه كان يطيل الركعتين اللتين يصليهما بعد الجمعة، فلا تخالف بين الروايتين، فالحديثان صحيحان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٤٥- (ذِكْرُ السَّاعَةِ الَّتِي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ١٤٣٠- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ - عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ الطُّورَ، فَوَجَدْتُ ثَمَّ كَعْبًا، فَمَكَثْتُ أَنَا، وَهُوَ يَوْمًا، أَحَدَّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ، وَيُحَدِّثُنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((خَيْرُ يَوْمِ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قُبِضَّ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَابَّةٍ، إِلَّ وَهِيَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مُصِيخَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلَّا ابْنَ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلََّةِ، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». فَقَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ يَوْمٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَقُلْتُ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمعَةٍ، فَقَرَأَ كَعْبٌ الثَّوْرَاةَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ،َ هُوَ فِي كُلِّ جُمعَةٍ . فَخَرَجْتُ، فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيَّ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟، قُلْتُ: مِنَ الطُّورِ، قَالَ: لَوْ لَقِيتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَهُ لَمْ تَأْتِهِ، قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلِّهَ يَقُولُ: ((لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدٍ بَيْتِ الْمَقْدِسِ)). فَلَقِيتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، فَقُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبًا، فَمَكَثْتُ أَنَا، وَهُوَ يَوْمًا، أُحَدَّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بََّ، وَيُحَدِّثُنِي عَنِ النَّوْرَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((خَيْرُ يَوْمَ طَلَعَتْ فِهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قُبِضِّ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، إِلَّ ٣٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ وَهِيَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُصِيحَةً، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقًّا مِنَ السَّاعَةِ، إِلَّ ابْنَ دَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ)). قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ يَوْمٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَالَ عَبْدُالَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبَ كَعْبُ، قُلْتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ بَِّه هُوَ فِي كُلِّ ◌ُعَةٍ، فَقَلَ عَبْدُاللَّهِ: صَدَقَ كَعْبٌ، إِنِّي لِأَعْلَمُ تِلْكَ السَّاعَةَ، فَقُلْتُ: يَا أَخِي حَدِّثْنِي بِهَا، قَالَ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ يَقُولُ: ((لَا يُصَدِفُهَا مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ))، وَلَيْسَتْ تِلْكَ السَّاعَةَ صَلَاةٌ؟، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَّ يَقُولُ: ((مَنْ صَلَّى، وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، فَهُوَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ الصَّلَاةُ الَّتِي تَلِيهَا))؟، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَهُوَ كَذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، تقدم ١/ ١. ٢- (بكر بن مُضر) المصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢٢٣ /١٧٣. ٣- (ابن الهاد) يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهاد الليثي، أبو عبدالله المدني، ثقة مكثر [٥] تقدم ٧٣ / ٩٠ . ٤- (محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي، أبو عبداللَّه المدني، ثقة له أفراد [٤] تقدم ٦٠/ ٧٥. ٥ - (أبو سلمة بن عبدالرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/١. ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه، تقدم ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالمدنیین، غير شيخه، فَبَغْلَانيّ، وبكرٍ، فمصريّ. ومنها: أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض، ابن الهاد، ومحمد بن إبراهيم، وأبو سلمة، وكلهم مدنيون، وفيه أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه رأس المكثرين من الرواية، رَوَى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَتَيْتُ الطُّورَ) بضم الطاء، قال المجد ◌َّتْهُ: الطُّور: الجبل، وفناء الدار، وجبل قُرب أَيلةَ، يُضاف إلى سيناء، وسينين، وجبلٌ بالشام، وقيل: هو المضاف إلى سيناء، وجبلٌ بالقدس عن يمين ٤٥- (ذِكْرُ السَّاعَةِ التِّي يُسْتَجَابُ فِيهَا ... - حديث رقم ١٤٣٠ ٣٠٥ المسجد، وآخر عن قبليه به قبر هارونّالتَّلُ، وجبل برأس العين، وآخر مُطلّ على طَبَرِيّةَ، وكورة بمصر من القبلية، وبلد بنواحي نَصيبين انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه أراد أبو هريرة رَّه الطور الذي ناجى موسىَّلُ ربه عزّ وجلّ فيه. والله تعالى أعلم. (فَوَجَدْتُ ثَمَّ) بفتح المثلّثة: اسم إشارة للمكان البعيد، أي هنالك (كَغْبًا) هو كعب بن ماتع الحميريّ المعروف بكعب الأحبار، ثقة مخضرم، كان من أهل اليمن، فسكن الشام، ومات في خلافة عثمان رضي اللّه تعالى عنه، وقد زاد على المائة، وتقدمت ترجمته في ٨٩/ ١٣٤٦ (فَمَكَثْتُ أَنَا) ضمير منفصل جيء به للفصل عند العطف على الضمير المرفوع المتصل، كما قال في ((الخلاصة)): وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْمِ نَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَهُوَ) عطف على الضمير الفاعل (يَوْمًا) متعلق بـ(مكثت)) (أُحَدَّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل (وَيُحَدِّثُنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: خَيْرُ يَوْمِ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ) أي أفضل الأيام يوم الجمعة، فخير أفعل تفضيل، حذفّت منه الهمزة لكثرة الاستعمال، وهو لا ينافي ما رواه ابن حبان في ((صحيحه)) عن عبدالله بن قُرط، أنه وَ ل ◌َ قال: ((أفضل الأيام عند الله تعالى يوم النحر))، وما رواه جابر، قال: قال رسول اللّه وَ له: ((ما من يوم أفضل عند الله تعالى من يوم عرفة))، لأن تفضيل يوم الجمعة بالنسبة لأيام الأسبوع، وتفضيل يوم عرفة، أو يوم النحر بالنسبة لأيام السنة، وقد صرح العراقي بأن حديث أفضلية يوم الجمعة أصح، وصرح الشوكاني بأن دلالة حديث جابر على أفضلية يوم عرفة أقوى من دلالة حديث عبد الله بن قُرط على أفضلية يوم النحر(٢). (فِيهِ خُلِقَ آدَمُ) بيان لبعض فضائل يوم الجمعة (وَفِيهِ أَهْبِطَ) أي أُنزل من الجنة إلى الأرض، قيل: إنه نزل في مكان بالهند، يقال له: سرنديب، وكان هبوطه من مزايا يوم الجمعة، لما ترتب عليه من الخير الكثير، من وجود الذرية الطيبة، من الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصالحين (وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ) أي قبل اللَّه تعالى توبته في يوم الجمعة، مما وقع منه من الأكل من الشجرة التي نهاه اللَّه تعالى عن الأكل منها، وكون (١) ((ق)) في مادّة ((طور)). (٢) ((المنهل العذاب)) جـ ٦ ص ١٨١ . = ٣٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ هذه الخصلة من مزايا يوم الجمعة ظاهر (وَفِيهِ قُبِضَ) بالبناء للمفعول، أي مات في يوم الجمعة، قيل: دفن بالهند، وقيل: بمكة في غار أبي قبيس، وقيل: ببيت المقدس، وكان موته من مزايا يوم الجمعة، لأن الموت به دخوله الجنة (وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ) أي القيامة، وكان قيامها من مزايا يوم الجمعة، لأن فيه نعمتين عظيمتين للمؤمنين، وصولهم إلى النعيم المقيم، وإدخال أعدائهم في نار الجحيم. [تنبيه]: قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): قد اختلفوا في هذه اللفظة في قوله: ((فيه خلق آدم)) إلى قوله: ((وفيه تقوم الساعة))، أهو عن أبي هريرة، عن النبي ◌ُّر، أو عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار؟. قال: والقلب إلى رواية من جعل هذا الكلام عن أبي هريرة، عن كعب أميل، لأن محمد بن يحيى حدثنا، قال: نا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة تَظّه: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُسكن الجنة، وفيه أُخرج منها، وفيه تقوم الساعة))، قال: قلت له: أشيءٍ سمعته من رسول اللَّه ◌َلهو؟ قال: بل شيء حدثناه كعب. وهكذا رواه أبان بن يزيد العطار، وشيبان بن عبدالرحمن النحويّ، عن يحيى بن أبي کثیر . قال: وأما قوله: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة))، فهو عن أبي هريرة، عن النبي وَالر، لا شكّ، ولا مرية فيه، والزيادة التي بعدها: ((فيه خُلق آدم)) إلى آخره هذا الذي اختلفوا فيه، فقال بعضهم: عن النبي ◌َّر، وقال بعضهم: عن كعب انتھی(١). قال الشيخ الألباني حفظه الله في تعليقه: الحديث كله صحيح مرفوعا بلا ريب، ويكفي أن مسلمًا أخرجه من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، ورواه المصنف - يعني ابن خزيمة- من طريقين آخرين عنه، فلعل العلة من يحيى، فإنه مدلس، وللمرفوع شاهد من حديث أوس . -يعني حديث أوس بن أوس الذي تقدم للمصنف في ٥/ ١٣٧٤ - ((إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلق آدم ... )) الحديث -. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الشيخ الألباني حفظه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والحاصل أن الحديث كله مرفوع. والله تعالى أعلم. (١) ((صحيح ابن خزيمة)) جـ ٣ ص ١١٦ . ٤٥- (ذِكْرُ السَّاعَةِ التِّي يُسْتَجَابُ فِيهَا ... - حديث رقم ١٤٣٠ ٣٠٧ (مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، إِلَّ وَهِيَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مُصِيخَةً) بالصاد المهملة، من أصاخ، أي مستمعة مُضْغية، ومترقّبة قيام الساعة بإلهام من اللَّه تعالى. وفي رواية أبي داود: ((مُسيخة)) بالسين المهملة، وهو بمعنى الأول، ـ((الإساخة)) بالسيم المهملة، كـ«الإصاحة)) بالصاد المهملة (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) بضم اللام، من باب قعد (شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ) انتصاب ((شفقًا)) على أنه مفعول لأجله، أي خوفًا من قيام الساعة فيما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وسميت القيامة ساعة لسرعة قيامها. (إِلَّ ابْنَ آدَمَ) وفي رواية أبي داود: (( إلا الجنّ والإنس))، أي فإنهم لا يترقبون، ولا يخافون قيام الساعة في هذا اليوم، لكثرة غفلتهم، لا لأنهم لا يعلمون ذلك. (وَفِيهِ) أي في يوم الجمعة، وفي نسخة لأبي داود: ((وفيها)) أي في الجمعة، أو في ساعاتها (سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا) وفي نسخة ((لا يوافقها))، وهو أعمّ من أن يقصد لها، أو يتفق له وقوع الدعاء فيها (مُؤْمِنٌ) ولفظ البخاريّ: ((عبد مسلم)) (وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا) جملتان في محل رفع على الوصفية لـ((مؤمن))، أو الأولى صفة، والثانية حال منها . ولفظ البخاريّ: ((وهو قائم، يصلي، يسأل اللَّه))، قال في ((الفتح)): هي صفات ((مسلم)) أعربت حالًا، ويحتمل أن يكون ((يصلي)) حالًا منه، لاتصافه بـ((قائم))، و(يسأل)) حال منه مترادفة، أو متداخلة. وأفاد ابن عبدالبرّ أن قوله: ((وهو قائم)) سقط من رواية أبي مصعب، وابن أبي أويس، ومطرّف، والتنيسيّ، وقُتيبة، وأثبتها الباقون. قال: وهي زيادة محفوظة عن أبي الزناد، من رواية مالك، وورقاء، وغيرهما عنه. وحكى أبو محمد بن السيد عن محمد بن وضاح أنه كان يأمر بحذفها من الحديث، وكأن السبب في ذلك أنه يُشكل على أصحّ الأحاديث الواردة في تعيين هذه الساعة، وهما حديثان : أحدهما: أنها من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصلاة. والثاني: أنها من بعد العصر إلى غروب الشمس. وقد احتجّ أبو هريرة على عبدالله ابن سلام ◌َّهَا لَمّا ذكر له القول الثاني بأنها ليست ساعةَ صلاة، وقد ورد النصّ بالصلاة، فأجابه بالنصّ الآخر أن منتظر الصلاة في حكم المصلي، فلو كان قوله: ((وهو قائم)) عند أبي هريرة ثابتًا لاحتجَ عليه بها، لكنه سلم له الجواب، وارتضاه، وأفتى به بعده . وأما إشكاله على الحديث الأول، فمن جهة أنه يتناول حال الخطبة كله، وليست ٣٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ صلاةٌ على الحقيقة. وقد أجيب عن هذا الإشكال بحمل الصلاة على الدعاء، أو الانتظار، وبحمل القيام على الملازمة والمواظبة، ويؤيد ذلك أن حال القيام في الصلاة غير حال السجود والركوع والتشهد، مع أن السجود مظنة إجابة الدعاء، فلو كان المراد بالقيام حقيقته لأخرجه، فدلّ على أن المراد مجاز القيام، وهو المواظبة، ونحوها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ الآية [آل عمران: ٧٥]، فعلى هذا يكون التعبير عن المصلي بالقائم من باب التعبير عن الكلّ بالجزء، والنكتة فيه أنه أشهر أحوال الصلاة انتهى (١). (شَيْئًا) أي مما يليق أن يدعو به المسلم، ويسأل ربه تعالى، وفي رواية سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ◌َ ◌ّ عند البخاري في ((الطلاق)): ((يسأل الله خيرًا))، ولمسلم من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة مثله، وفي حديث أبي لبابة عند ابن ماجه: ((ما لم يسأل حرامًا))، وفي حديث سعد بن عُبادة، عند أحمد: ((ما لم يسأل إثمًا، أو قطيعة رحم)»، وهو نحو الأول، وقطيعة الرحم من جملة الإثم، فهو من عطف الخاصّ على العامّ، للاهتمام به. قاله في (الفتح)). (إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ) أي أعطاه الله تعالى الشيءَ الذي سأله. (فَقَالَ كَعْبٌ) أي كعب الأحبار (ذَلِكَ يَوْمٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ) أي ذلك اليوم الذي أخبر به النبي وَ لّر أن فيه ساعةً يُستجاب فيها الدعاء يوم واحد فقط في كل سنة، لا كل جمعة (فَقْلْتُ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ ◌ُمعَةٍ) أي الساعة المذكورة تكون في كل يوم جمعة (فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ) أي لينظر، ويتأكد ما قاله آخذًا منها، من أنها في جمعة واحدة من السنة ( ثُمَّ) بعد أن نظر في التوراة، ووجد ماقاله النبي وَلَّ حقًّا (قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ﴾ أي في قوله: إنها في كل جمعة، كما سمعه منه أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، فردّ به على كعب، فقوله (هُوَ فِي كُلِّ ◌ُمعَةٍ) تأكيد لمعنى ((صدق رسول اللّه وَّ))، يعني أن وقت الإجابة في كل يوم جمعة، فتذكير الضمير باعتبار الوقت، ويحتمل أن يكون الضمير لليوم، و((الجمعة)) بمعنى الأسبوع، أي إن ذلك اليوم في كل أسبوع. والله تعالى أعلم. قال أبو هريرة رَّه (فَخَرَجْتُ) أي من الطور (فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَضْرَةَ الْغِفَارِيُّ) - بفتح أوله، وسكون المهملة- جميل بن بَصرة بن وقّاص بن غفار الغفاريّ، له ولأبيه صحبة(٢). (١) ((فتح)) ٨٢/٣. (٢) اختُلِف في أبي بصرة، فقيل: جميل بالجيم مكبرًا. وقيل: حُمَيل بالحاء المهملة مصغرًا، وهو المشهور. وقيل: لا يعرف اسمه. وحَضَر بصرةُ مصر، واختطَ بها دارًا عند دار الزبير. أفاده في (تت) ١ / ٢٣٨ - ٢٣٩ . = ٣٠٩ = ... - حديث رقم ١٤٣٠ ٤٥- (ذِكْرُ السَّاعَةِ التِّي يُسْتَجَابُ فِيهَا روى عن النبي ◌َّر حديثًا واحدًا: ((لا تُعمل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد)). وروى عنه أبو هريرة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: لكن تفرّد يزيد بن الهاد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بذلك . ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بصرة، وكذلك رواه سعيد بن المسيب، وسعيد المقبريّ، وغير واحد عن أبي هريرة، وهو المحفوظ. والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) أي بَصْرةُ (مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟، قُلْتُ: مِنَ الطُّورِ، قَالَ: لَوْ لَقِيتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَهُ لَمْ تَأْتِهِ، قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ يَقُولُ: ((لَا تُعْمَلُ) - بضم حرف المضارعة- على بناء المفعول، أي لا تُحثُّ، ولا تُساق (المطيّ) بفتح الميم جمع مطية، وتُجمع على مطايا، كعطية، وعطايا، قال الفيّوميّ: و((المطا)) وزان العَصَا: الظهر، ومنه قيل للبعير: مطيّةٌ، فَعيلة بمعنى مفعولة، لأنه يُركب مَطَاه، ذكرًا كان أو أنثى، ويُجمع على مَطَيّ، ومَطَايا، ويُثنَى على مَطَوَين انتهى. وقيل: يُمطى بها في السير، أي يُمدّ. وفي ((اللسان)): المطية: الناقةُ التي يُركب مَطَاها، والمطيّة البعير يُمتطى ظهرُهُ، وجمعه المطايا، يقع على الذكر والأنثى، وقال الجوهري: المطية واحد المطي، والمطايا، والمطيّ واحد وجمع، يذكر، ويؤنث، والمطايا فَعالى، وأصله فعائل، إلا أنه فُعل به ما فُعل بخطايا انتهى. (إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَام) بالجر على البدلية، ويحتمل قطعه إلى الرفع، والنصب، وكذا ما بعده (وَمَسْجِدِي) أي مسجده ◌ََّ في المدينة (وَمَسْجِدٍ بَيْتٍ الْمَقْدِسِ). قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه (فَلَقِيتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ سَلَام) بن الحارث الإسرائليّ، أبو يوسف حليف بني عوف بن الخزرج، أسلم عند قُدوم النبّيّ ◌َّ المدينة، قيل: كان اسمه الْحُصين، فسمّاه النبي ◌َّ عبدالله، وشهد له بالجنّة. روى عن النبي ◌َّ، وعنه ابناه يوسف، ومحمد، وابن ابنه حمزة بن يوسف، وغيرهم. وشهد مع عمر فتح بيت المقدس والجابية، ومات بالمدينة سنة (٤٣). (فَقُلْتُ: لَوْ رَأَنْتَنِي خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبًا، فَمَكَثْتُ أَنَا، وَهُوَ يَوْمًا، أُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وََّ، وَيُحَدِّثُنِي عَنِ الثَّوْرَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: (خَيْرُ يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قُبِضَ، ٣١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا عَلَى الأَرْضِِ مِنْ دَابَّةٍ، إِلَّا وَهِيَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُصِيخَةً، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقًّا مِنَ السَّاعَةِ، إِلَّا ابْنَ دَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ يَوْمٌ فِي كُلِّ سَنَّةٍ، قَالَ) وفي نسخة: ((فقال)) بالفاء (عَبْدُاللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبَ كَغْبٌ) أي أخطأ، يعني أن كعبًا أخطأ في قوله: يوم في كلّ سنة، ولا يريد أنه تعمّد الكذب في ذلك (قُلْتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ) أي التوراة (فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، هُوَ فِي كُلِّ جُمعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَدَقَ كَعْبُ، إِنِّي لأَعْلَمُ تِلْكَ السَّاعَةَ) يحتمل أن يكون بإخبار النبي ◌ِّ، ويحتمل أن يكون مما قرأه في التوراة (فَقُلْتُ: يَا أَخِي حَدِّثْنِي بِهَا، قَالَ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((لَ يُصَادِفُهَا مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ))، وَلَيْسَتْ تِلْكَ السَّاعَةَ صَلَاةٌ؟) (تلك)) منصوب بنزع الخافض خبر (ليس))، و((الساعة)) بدل، أو عطف بيان لاسم الإشارة، و((صلاة)) اسم ((ليس)) مؤخرًا عن خبرها، أي ليست الصلاة مشروعة في تلك الساعة (قَالَ) أي عبدالله بن سلام (أَلَيْسَ قَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((مَنْ صَلَّى، وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، فَهُوَ) وفي نسخة: ((لم يزل)) (فِي صَلَاتِهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ الصَّلَاةُ الَّتِي تَلِيهَا؟) وفي نسخة: («تلاقيها)»، قال أبو هريرة (قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَهُوَ كَذَلِكَ) أي الأمر كما سمعته، يعني أنّ من جلس في تلك الساعة ينتظر صلاة المغرب، فهو في حكم الصلاة، فإذا صادفها، وهو كذلك، استجيب له دعاؤه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٤٥/ ١٤٣٠ - وفي ((الكبرى)) - ١٧٥٤/٤٠- بالسند المذكور. وأخرجه (د) ١٠٤٦ (ت) ٤٩١ (مالك في الموطإ) ٨٨ (أحمد) ٢/ ٤٨٦ و ٤٥١/٥ و٤٥٣/٥ (ابن خزيمة) ١٧٣٨ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، وهي آخر ساعة منه، وسيأتي اختلاف العلماء في تعيينها في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. ٤٥- (ذِكْرُ السَّاعَةِ التِّي يُسْتَجَابُ فِيهَا ... - حديث رقم ١٤٣٠ ٣١١ ومنها: بيان فضل يوم الجمعة، لاختصاصه بساعة الإجابة. ومنها: فضل الدعاء، واستحباب الإكثار منه. ومنها: ما قيل: إنه استدلّ به على بقاء الإجمال بعد النبي وَلـ وتعقّب بأنه لا خلاف في بقاء الإجمال في الأحكام الشرعية، لا في الأمور الوجودية، كوقت الساعة، فهذا لاختلاف في إجماله، والحكم الشرعي المتعلق بساعة الجمعة، وليلة القدر، وهو تحصيل الأفضلية يمكن الوصول إليه، والعمل بمقتضاه باستيعاب اليوم والليلة، فلم يبق في الحكم الشرعي إجمال. والله تعالى أعلم. وبقية فوائد الحديث تقدمت في ((باب ذكر فضل يوم الجمعة)) - ٤/ ١٣٧٣ . [تنبيه]: إن قيل: ظاهر الحديث حصول الإجابة لكلّ داع بالشرط المتقدّم، مع أن الزمن يختلف باختلاف البلاد، والمصلي، فيتقدم بعض على بعض، وساعة الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف تتفق مع الاختلاف؟ . أجيب باحتمال أن تكون ساعة الإجابة متعلقة بفعل كلّ مصلّ، كما قيل نظيره في ساعة الكراهة، ولعلّ هذا فائدة جعل الوقت الممتدّ مظنّة لها، وإن كانت هي خفيفة، ويحتمل أن يكون عبّر عن الوقت بالفعل، فيكون التقدير وقت جواز الخطبة، أو الصلاة، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: الحكمة في إخفاء هذه الساعة في هذا اليوم أن يجتهد الناس فيه، ويستوعبوه بالدعاء، ولو عُرفت لخصّوها بالدعاء، وأهملوا ما سواها، وهذا كما أنه تعالى أخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى، ليُسأل بجميع أسمائه، وأخفى ليلة القدر في أوتار العشر الأخير، أو في جميع شهر رمضان، أو في جميع السنة على الخلاف في ذلك، ليجتهد الناس في هذه الأوقات كلها، وأخفى أولياءه في جملة المؤمنين حتى لا يُخصّ بالإكرام واحد بعينه. وقد ورد فيها ما ورد في ليلة القدر من أنه أُعلم بها، ثم أنسيها، رواه أحمد في ((مسنده))، والحاكم في ((مستدركه)) من حديث أبي سعيد الخدريّ رَّه، قال: سألت النبي وَّر عنها، فقال: ((إني كنت أعلمتها، ثم أنسيتها، كما أنسيت ليلة القدر)). قال ولي الدين: وإسناده صحيح، قال الحاكم: إنه على شرط الشيخين، ولعل ذلك يكون خيرًا للأمة، ليجتهدوا في سائر اليوم، كما قال ◌َّ في ليلة القدر حين أنسيها: (١) ((فتح)) ٩٠/٣. ٣١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ((وعسى أن يكون خيرًا لكم)). قال الحافظ العراقي في ((شرح الترمذي)): وإنّ من كان مطلبه خطيرًا عظيمًا، كسؤال المغفرة، والنجاة من النار، ودخول الجنة، ورضى اللَّه تعالى لجدير أن يستوعب جميع عمره بالطلب، والسؤال، فكيف لا يسهل على طالب مثل ذلك سؤال يوم واحد، كما قال ابن عمر: إن طلب حاجة في يوم يسير. قال العراقي: ومن لم يتفرغ لاستيعاب اليوم بالدعاء، وأراد حصول ذلك، فطريقه كما قال كعب الأحبار: لو قسم الإنسان جمعةً في جمع أتى على تلك الساعة. قال العراقي: وهذا الذي قاله: بناء على أنها مستقرّة في وقت واحد من اليوم، لا تنتقل، وهو الصحيح المشهور. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في ساعة الجمعة: لقد حقّق الحافظ رحمه الله تعالى هذا الموضوع، وأجاد فيه في كتابه العديم النظير في بابه، في استقصائه واستيعابه ((فتح الباري))، حيث قال: وقد اختلف أهل العلم من الصحابة والتابعيين، ومن بعدهم في هذه الساعة، هل هي باقية، أو رُفعت؟ وعلى البقاء، هل هي في كلّ جمعة، أو في جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول، هل هي وقت من اليوم معينٌ، أو مبهم؟ وعلى التعيين، هل تستوعب الوقت، أو تبهم فيه؟، وعلى الإبهام ما ابتداؤه، وما انتهاؤه؟ وعلى كلّ ذلك، هل تستمرّ، أو تنتقل؟ وعلى الانتقال، هل تستغرق اليوم، أو بعضه؟، وها أنا أذكر تلخيص ما اتصل إليّ من الأقوال مع أدلتها، ثم أعود إلى الجمع بينها، والترجيح: فالأول: أنها رُفعت، حكاه ابن عبدالبرّ عن قوم، وزيّفه، وقال عياض: رده السلف على قائله، وروي عبدالرزاق، عن ابن جُريج، أخبرني داود بن أبي عاصم، عن عبدالله بن عبس مولى معاوية، قال: قلت لأبي هريرة: إنهم زعموا أن الساعة التي في يوم الجمعة يستجاب فيها الدعاء رُفعت، فقال: كذب من قال ذلك، قلت: فهي في كل جمعة؟ قال: نعم. إسناده قويّ. وقال صاحب ((الهدى)): إن أراد قائله أنها كانت معلومة، فرفع علمها عن الأمة، فصارت مبهمة احْتُمل، وإن أراد حقيقتها، فهو مردود على قائله. القول الثاني: أنها موجودة، لكن في جمعة واحدة من كل سنة، قاله كعب الأحبار (١) ((طرح التثريب)) ٢١٤/٣. .. - حديث رقم ١٤٣٠ ٤٥- (ذِكْرُ السَّاعَةِ التِّي يُسْتَجَابُ فِيهَا ٣١٣ = لأبي هريرة، فردّ عليه، فرجع إليه. رواه مالك في ((الموطا))، وأصحاب السنن. القول الثالث: أنها مخفية في جميع اليوم، كما أخفيت ليلة القدر في العشر. روى ابن خزيمة، والحاكم من طريق سعيد بن الحارث، عن أبي سلمة: سألت أبا سعيد عن ساعة الجمعة؟ فقال: سألت النبي وَّر عنها؟ فقال: ((قد أُعلمتها، ثم أُنسيتها، كما أنسيت ليلة القدر)). وروى عبدالرزاق، عن معمر، أنه سأل الزهِريّ؟، فقال: لم أسمع فيها شيئًا، إلا أن كعبًا كان يقول: لو أن إنسانًا قسم جمعةً في جُمع لأتى على تلك الساعة. قال ابن المنذر: معناه أنه يبدأ، فيدعو في جمعة من الْجُمَع من أول النهار إلى وقت معلوم، ثم في جمعة أخرى يبتدىء من ذلك الوقت إلى وقت آخر حتى يأتي على آخر النهار، قال: وكعب هذا هو كعب الأحبار، قال: وروينا عن ابن عمر أنه قال: إنّ طلب حاجة في يوم ليسير. قال: معناه أنه ينبغي المداومة على الدعاء يوم الجمعة كله ليمرّ بالوقت الذي يُستجاب فيه الدعاء انتهى . والذي قاله ابن عمر يصلح لمن يقوى على ذلك، وإلا فالذي قاله كعب سهل على كلّ أحد، وقضية ذلك أنهما يريان أنها غير معينة، وهو قضية كلام جمع من العلماء، كالرافعي، وصاحب ((المغني))، وغيرهما، حيث قالوا: يستحبّ أن يكثر من الدعاء يوم الجمعة رجاء أن يُصادف ساعة الإجابة. ومن حجة هذا القول تشبيهها بليلة القدر، والاسم الأعظم في الأسماء الحسنى، والحكمةُ في ذلك حثّ العباد على الاجتهاد في الطلب، واستيعاب الوقت بالعبادة، بخلاف ما لو تحقّق الأمر في شيء من ذلك لكان مقتضيًا للاقتصار عليه، وإهمال ما عداه . الرابع: أنها تنتقل في يوم الجمعة، ولا تلزم ساعة معينة، لا ظاهرة، ولا مخفيةً، قال الغزالي: هذا أشبه الأقوال، وذكره الأثرم احتمالا، وجزم به ابن عساكر وغيره. وقال المحب الطبري: إنه الأظهر، وعلى هذا لا يتأتى ما قاله كعب في الجزم بتحصيلها . الخامس: إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره الحافظ أبو الفضل العراقي في ((شرح الترمذي)»، والشيخ سراج الدين ابن الملقّن في ((شرحه على البخاريّ)) ونسباه لتخريج ابن أبي شيبة عن عائشة، وقد رواه الروياني في ((مسنده)) عنها، فأطلق الصلاة، ولم يقيدها، ورواه ابن المنذر، فقيدها بصلاة الجمعة. والله أعلم. السادس: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، رواه ابن عساكر من طريق أبي جعفر الرازي، عن ليث بن أبي سُليم، عن مُجاهد، عن أبي هُريرة، وحكاه القاضي أبو ٣١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ الطيب الطبريّ، وأبو نصر بن الصباغ، وعياض، والقرطبي، وغيرهم، وعبارة بعضهم: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. السابع: مثله، وزاد: ومن العصر إلى الغروب. رواه سعيد بن منصور، عن خَلَف بن خليفة، عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، وتابعه فُضيل بن عياض، عن ليث، عند ابن المنذر، وليث ضعيف، وقد اختلف عليه فيه كما ترى. الثامن: مثله، وزاد: وما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبر رواه حميد بن زنجويه في ((الترغيب)) له من طريق عطاء بن قرة، عن عبدالله بن ضمرة، عن أبي هريرة، قال: ((التمسوا الساعة التي يُجاب فيها الدعاء يوم الجمعة في هذه الأوقات الثلاثة))، فذكرها. التاسع: أنها أول ساعة بعد طلوع الشمس، حكاه الجيلي في ((شرح التنبيه))، وتبعه المحبّ الطبريّ في ((شرحه)). العاشر: عند طلوع الشمس، حكاه الغزالي في ((الإحياء))، وعبّر عنه الزين ابن المنيّر في ((شرحه)) بقوله: هي ما بين أن ترتفع الشمس شبرًا إلى ذراع، وعزاه لأبي ذرّ. الحادي عشر: أنها في آخر الساعة الثالثة من النهار، حكاه صاحب ((المغني))، وهو في ((مسند الإمام أحمد)) من طريق علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: ((يوم الجمعة فيه طبعت طينة آدم، وفي آخر ثلاث ساعة منه ساعة من دعا بها اللَّه فيها استجيب له))، وفي إسناده فَرَج بن فضالة، وهو ضعيف، وعليّ لم يسمع من أبي هريرة . قال المحبّ الطبريّ: قوله: ((في آخر ثلاث ساعات)) يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون المراد الساعة الأخيرة من الثلاث الأُوَل. ثانيهما: أن يكون المراد أن في آخر كلّ ساعة من الثلاث ساعةُ إجابة، فيكون فيه تجوّز لإطلاق الساعة على بعض الساعة . الثاني عشر: من الزوال إلى أن يصير الظلّ نصف ذراع، حكاه المحبّ الطبريّ في ((الأحكام))، وقبله الزكيّ المنذريّ. الثالث عشر: مثله، لكن قال: إلى أن يصير الظلّ ذراعًا، حكاه عياض، والقرطبيّ، والنووي . الرابع عشر: بعد زوال الشمس، بشبر إلى ذراع، رواه ابن المنذر، وابن عبدالبرّ بإسناد قويّ إلى الحارث بن يزيد الحضرميّ، عن عبدالرحمن بن حُجيرة، عن أبي ذرّ، أن امرأةٌ سألته عنها؟ فقال ذلك، ولعله مأخذ القولين اللذين قبله. ٣١٥ == ٤٥- (ذِكْرُ السَّاعَةِ التِّي يُسْتَجَابُ فِيهَا ... - حديث رقم ١٤٣٠ الخامس عشر: إذا زالت الشمس، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، وورد نحوه في أثناء حديث عن علي، ورَوَى عبدالرزاق من طريق الحسن أنه كان يتحرّاها عند زوال الشمس بسبب قصّة وقعت لبعض أصحابه في ذلك، وروى ابن سعد في ((الطبقات)) عن عُبيدالله بن نوفل نحو القصّة، وروى ابن عساكر من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس، وكأن مأخذهم في ذلك أنها وقت اجتماع الملائكة، وابتداء دخول وقت الجمعة، وابتداء الأذان، ونحو ذلك. السادس عشر: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، رواه ابن المنذر عن عائشة، قالت : (يوم الجمعة مثل يوم عرفة، تُفتح فيه أبواب السماء، وفيه ساعة لا يسأل اللَّه فيها العبد شيئًا إلا أعطاه))، قيل: أية ساعة؟ قالت: ((إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة))، وهذا يُغاير الذي قبله من حيث أن الأذان قد يتأخر عن الزوال، قال الزين ابن المنير: ويتعين حمله على الأذان الذي بين يدي الخطيب . السابع عشر: من الزوال إلى أن يدخل الرجل في الصلاة، ذكره ابن المنذر عن أبي السَّوَّار العَدَويّ، وحكاه ابن الصبّاغ بلفظ: إلى أن يدخل الإمام. الثامن عشر: من الزوال إلى خروج الإمام، حكاه القاضي أبو الطيّب الطبريّ. التاسع عشر: من الزوال إلى غروب الشمس، حكاه أبو العباس أحمد بن علي بن كشاسب الدزماريّ، وهو بزاي ساكنة، وقبل ياء النسب راء مهملة في ((نكته على التنبيه)) عن الحسن، ونقله عنه سراج الدين ابن الملقّن في ((شرح البخاريّ))، وكان الدزماريّ المذكور في عصر ابن الصلاح. العشرون: ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة، رواه ابن المنذر عن الحسن، وروى أبو بكر المروزيّ في ((كتاب الجمعة)) بإسناد صحيح إلى الشعبيّ، عن عوف بن حصيرة، رجل من أهل الشام مثله . الحادي والعشرون: عند خروج الإمام، رواه حُميد بن زنجويه في ((كتاب الترغيب)» عن الحسن أن رجلًا مرت به، وهو ينعس في ذلك الوقت. الثاني والعشرون: ما بين خروج الإمام إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبيّ قولَه، ومن طريق معاوية بن قرة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قولَه، وفيه أن ابن عمر استصوب ذلك. الثالث والعشرون: ما بين أن يَحرُم البيع إلى أن يَحلّ، رواه سعيد بن منصور، وابن · المنذر، عن الشعبي قولَه أيضًا، قال الزين ابن المنيّر: ووجهه أنه أخصّ أحكام ٣١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ الجمعة، لأن العقد باطل عند الأكثر، فلو اتفق ذلك في غير هذه الساعة بحيث ضاق الوقت، فتشاغل اثنان بعقد البيع، فخرج، وفاتت تلك الصلاة لأثما، ولم يبطل البيع. الرابع والعشرون: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، رواه حميد بن زنجويه عن ابن عباس، وحكاه البغويّ في ((شرح السنة)) عنه الخامس والعشرون: ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه مسلم، وأبو داود من طريق مَخرَمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بُردة بن أبي موسى، أن ابن عمر سأله عما سمع من أبيه في ساعة الجمعة؟ فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللّه وَ له، فذكره، وهذا القول يُمكن أن يُتخذ من اللذين قبله. السادس والعشرون: عند التأذين، وعند تذكير الإمام، وعند الإقامة، رواه حُميد بن زنجويه من طريق سُليم بن عامر، عن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي. السابع والعشرون: مثله، لكن قال: إذا أذن، وإذا رقي المنبر، وإذا أقيمت الصلاةُ، رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي أمامة الصحابي قولَه. قال الزين ابن المنيّر: ما ورد عند الأذان من إجابة الدعاء، فيتأكد يوم الجمعة، وكذلك الإقامة، وأما زمان جلوس الإمام على المنبر، فلأنه وقت استماع الذكر، والابتداء في المقصود من الجمعة . الثامن والعشرون: من حين يفتتح الإمام الخطبة حتى يفرغ، رواه ابن عبدالبرّ من طريق محمد بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، مرفوعًا، وإسناده ضعيف. التاسع والعشرون: إذا بلغ الخطيب المنبر، وأخذ في الخطبة، حكاه الغزالي في (الإحياء)). الثلاثون: عند الجلوس بين الخطبتين، حكاه الطيبيّ عن بعض شُرّاح ((المصابيح)). الحادي والثلاثون: أنها عند نزول الإمام من المنبر، رواه ابن أبي شيبة، وحميد بن زنجويه، وابن جرير، وابن المنذر بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق، عن أبي بردة، قولّه. وحكاه الغزالي قولًا بلفظ: إذا قام الناس إلى الصلاة. الثاني والثلاثون: حين تقام الصلاة حتى يقوم الإمام في مقامه، حكاه ابن المنذر، عن الحسن أيضًا، وروى الطبراني من حديث ميمونة بنت سعد نحوه، مرفوعًا بإسناد ضعيف . الثالث والثلاثون: من إقامة الصلاة إلى تمام الصلاة، رواه الترمذي، وابن ماجه من طريق كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا، وفيه: قالوا: أية ساعة يا رسول الله؟ قال: ((حين تُقام الصلاة إلى الانصراف منها))، وقد ضَعَّفَ كثيرٌ ٣١٧= ٤٥- (ذِكْرُ السَّاعَةِ التِّي يُسْتَجَابُ فِيهَا ... - حديث رقم ١٤٣٠ رواية كثير، ورواه البيهقي في ((الشعب)) من هذا الوجه بلفظ: ((مابين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن تُقضى الصلاة))، رواه ابن أبي شيبة من طريق مغيرة، عن واصل الأحدب، عن أبي بردة قولَه، وإسناده قويّ إليه، وفيه أن ابن عمر استحسن ذلك منه، وبرّك عليه، ومسح على رأسه، وروى ابن جرير، وسعيد بن منصور، عن ابن سيرين نحوه. الرابع والثلاثون: هي الساعة التي كان النبي ◌َّير يصلي فيها الجمعة، رواه ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن سيرين، وهذا يُغاير الذي قبله من جهة إطلاق ذاك، وتقييد هذا، وكأنه أخذه من جهة أن صلاة الجمعة أفضل صلوات ذلك اليوم، وأن الوقت الذي كان يصلي فيه النبي ◌ّ أفضل الأوقات، وأن جميع ما تقدّم من الأذان، والخطبة، وغيرهما وسائل، وصلاة الجمعة هي المقصودة بالذات، ويؤيده ورود الأمر في القرآن بتكثير الذكر حال الصلاة، كما ورد الأمر بتكثير الذكر حال القتال، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٥٤]، وفي قوله: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى أن ختم الآية بقوله: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًاً لَّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وليس المراد إيقاع الذكر بعد الانتشار، وإن عطف عليه، وإنما المراد تكثير الذكر المشار إليه أول الآية (١). والله تعالى أعلم. الخامس والثلاثون: من صلاة العصر إلى غروب الشمس، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جُبير، عن ابن عباس موقوفًا، ومن طريق صفوان بن سُليم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، مرفوعًا بلفظ: ((فالتمسوها بعد العصر))، وذكر ابن عبدالبرّ أن قوله: ((فالتمسوها الخ)) مدرج في الخبر من قول أبي سلمة، ورواه ابن منده من هذا الوجه، وزاد: ((أغفل ما يكون الناس))، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) من طريق الشيباني، عن عون بن عبدالله بن عُتبة، عن أخيه عبيدالله، كقول ابن عباس، ورواه الترمذي من طريق موسى بن وردان، عن أنس، مرفوعًا بلفظ: ((بعد العصر إلى غيبوبة الشمس))، وإسناده ضعيف . السادس والثلاثون: في صلاة العصر، رواه عبدالرزاق، عن عُمر بن ذَرّ، عن يحيى ابن إسحاق بن أبي طلحة، عن النبي ◌َّلجر مرسلًا، وفيه قصّة. السابع والثلاثون: بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، حكاه الغزالي في ((الإحياء)). الثامن والثلاثون: بعد العصر كما تقدم عن أبي سعيد مطلقًا، ورواه ابن عساكر من (١) قال بعض المحققين: هذا فيه نظر، وسياق الآية يخالفه. والله أعلم. ٣١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ طريق محمد بن سلمة الأنصاري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، مرفوعًا بلفظ: ((وهي بعد العصر))، ورواه ابن المنذر، عن مجاهد مثله، ورواه ابن جريج(١) من طريق إبراهيم بن ميسرة، عن رجل، أرسله عمرو بن أويس إلى أبي هريرة، فذكر مثله، قال: وسمعته عن الحكم، عن ابن عباس مثله، ورواه أبو بكر المرّوذيّ من طريق الثوريّ، وشعبة جميعًا، عن يونس بن خبّاب، قال الثوريّ: عن عطاء، وقال شعبة: عن أبيه، عن أبي هريرة مثله. وقال عبدالرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنه كان يتحرّاها بعد العصر، وعن ابن جريج، عن بعض أهل العلم، قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس مثله، فقيل له: لا صلاة بعد العصر، فقال: بلى، لكن من كان في مصلاه لم يقم منه، فهو في صلاة. التاسع والثلاثون: من وسط النهار إلى قرب آخر النهار، كما تقدم أول الباب عن سلمة بن علقمة. الأربعون: من حين تصفرّ الشمس إلى أن تغيب، رواه عبدالرزاق، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن كيسان، عن طاوس قولَه، وهو قريب من الذي قبله. الحادي والأربعون: آخر ساعة بعد العصر، رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم بإسناد حسن عن أبي سلمة، عن جابر مرفوعًا، وفي أوله: ((إن النهار اثنتا عشرة ساعة))، ورواه مالك، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبدالله بن سلام، قولَه، وفيه مناظرة أبي هريرة له في ذلك، واحتجاج عبدالله بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة. وروى ابن جرير من طريق العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله، ولم يذكر عبدالله بن سلام قوله، ولا القصّة. ومن طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار قولَه. وقال عبدالرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني موسى بن عقبة أنه سمع أبا سلمة يقول: حدثنا عبدالله بن عامر، فذكر مثله. وروى البزار، وابن جرير من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبدالله بن سلام مثله. وروى ابن أبي خيثمة من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، فذكر الحديث، وفيه: قال أبو سلمة: فلقيت عبدالله بن سلام، فذكرت (١) وفي مخطوطة الرياض من ((الفتح)) ((ابن جرير)) بدل ((ابن جريج))، والظاهر أنه الصواب. والله أعلم. ٣١٩ = ٤٥- (ذِكْرُ السَّاعَةِ التِّي يُسْتَجَابُ فِيهَا ... - حديث رقم ١٤٣٠ ذلك له، فلم يُعرّض بذكر النبي ◌َّ، بل قال: ((النهار اثنتا عشرة، وإنها لفي آخر ساعة من النهار)). ولابن خزيمة من طريق أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عبدالله بن سلام، قال: قلت - ورسول اللّه وَ ليل جالس -: إنا لنجد في كتاب الله أن في الجمعة ساعة، فقال رسول اللَّه وَ لجر: ((أو بعض ساعة))، قلت: نعم، أو بعض ساعة ... الحديث، وفيه: فقلت أي ساعة؟ فذكره. وهذا يحتمل أن يكون القائل: ((قلت)) عبدَاللَّه بنَ سلام، فيكون مرفوعًا، ويحتمل أن يكون أبا سلمة، فيكون موقوفًا، وهو الأرجح، لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير بأن عبدالله بن سلام لم يذكر النبي ◌َّ في الجواب. الثاني والأربعون: من حين يغيب نصف قرص الشمس، أو من حين تَدَأَّي الشمسُ للغروب إلى أن يتكامل غروبها، رواه الطبراني في ((الأوسط))، والدارقطني في ((العلل))، والبيهقي في ((الشعب))، و((فضائل الأوقات)) من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي، حدثتني مُرجانة مولاة فاطمة بنت رسول اللَّه وَّ، قالت: حدثتني فاطمة عليها السلام، عن أبيها، فذكر الحديث، وفيه: قلت للنبي وَّ: أيّ ساعة هي؟ قال: ((إذا تدلى نصف الشمس للغروب))، فكانت فاطمة إذا كان يوم الجمعة، أرسلت غلاما لها، يقال له: زيد، ينظر لها الشمس، فإذا أخبرها أنها تدلت للغروب أقبلت على الدعاء إلى أن تغيب. وفي إسناده اختلاف على زيد بن علي، وفي بعض رواته من لا يُعرف حاله. وقد أخرج إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) من طريق سعيد بن راشد، عن زيد بن علي، عن فاطمة، لم يذكر مرجانة، وقال فيه: إذا تدلت الشمس للغروب، وقال فيه: تقول لغلام يقال له أربد: اصعد على الظراب، فإذا تدلت الشمس للغروب فأخبرني، والباقي نحوه، وفي آخره: ثم تصلي يعني المغرب. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فهذا جميع ما اتصل إليّ من الأقوال في ساعة الجمعة مع ذكر أدلتها، وبيان حالها في الصحة والضعف، والرفع، والوقف، والإشارة إلى مأخذ لبعضها، وليست كلها متغايرة من كل جهة، بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره. ثم ظفرت بعد كتابة هذا بقول زائد على ما تقدم، وهو غير منقول، استنبطه صاحبنا العلامة الحافظ شمس الدين الجَزَريّ، وأذن لي في روايته عنه في كتابه المسمى (الحصن الحصين)) في الأدعية لَمَّا ذكر الاختلاف في ساعة الجمعة، واقتصر على ثمانية أقوال مما تقدم، ثم قال: ما نصه: والذي أعتقده أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة ٣٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ الجمعة إلى أن يقول آمين، جمعًا بين الأحاديث التي صحت، كذا قال، ويخدش فيه أنه يفوّت على الداعي حينئذ الإنصات لقراءة الإمام، فليُتأمل. قال الزين ابن المنير: يحسن جمع الأقوال، وكان قد ذكر مما تقدم عشرة أقوال تبعا لابن بطال، قال: فتكون ساعة الإجابة واحدة منها لا بعينها، فيصادفها من اجتهد في الدعاء في جميعها، والله المستعان. وليس المراد من أكثرها أنه يستوعب جميع الوقت الذي عُيّن، بل المعنى أنها تكون في أثنائه، لقوله فيما مضى: ((يقللَّها))، وقوله: ((وهي ساعة خفيفة). وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلًا، وانتهاؤها انتهاء الصلاة . وكأن كثيرًا من القائلين عَيَّنَ ما اتفق له وقوعها فيه من ساعة في أثناء وقت من الأوقات المذكورة. فبهذا التقرير يقل الانتشار جدًا. ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى، وحديث عبدالله بن سلام كما تقدم. قال المحب الطبريّ: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبدالله بن سلام انتهى. وما عداهما إما موافق لهما، أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد في كونه وَلّ أُنسيها بعد أن أُعلمها، لاحتمال أن يكون سمع ذلك منه قبل أن ينسى، أشار إلى ذلك البيهقي وغيره. وقد اختلف السلف في أيهما أرجح، فروى البيهقي من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوريّ أن مسلما قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصخه، وبذلك قال البيهقي، وابن العربيّ، وجماعة. وقال القرطبيّ: هو نص في موضع الخلاف فلا يُلتفت إلى غيره. وقال النووي: هو الصحيح، بل الصواب، وجزم في الروضة بأنه الصواب، ورجحه أيضا بكونه مرفوعًا صريحًا، وفي أحد ((الصحيحين)). وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبدالله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك. وقال ابن عبدالبرّ: إنه أثبت شيء في هذا الباب. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبدالرحمن أن ناسًا من الصحابة اجتمعوا، فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. ورجحه كثير من الأئمة أيضًا، كأحمد، وإسحاق، ومن المالكية