النص المفهرس

صفحات 261-280

٣٠- (بابُ نُزُولِ الإِمَامِ عَنِ الْمِنْبَرَ قَبَلَ ... - حديث رقم ١٤١٣
٢٦١
رسول الله رجل غريبٌ، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه؟، قال: فأقبل عليّ
رسول اللَّه ◌َله، وترك خطبته، حتى انتهى إليّ، فأُتي بكرسيّ، حسبت قوائمه حديدًا،
قال: فقعد عليه رسول اللَّه ◌َله، وجعل يُعلّمني مما علّمه الله، ثم أتى خطبته، فأتمّ
آخرها».
ففيه قطع النبي ◌َّ خطبته لتعليم هذا الرجل، وهو قطع طويل، فالحق أن القطع
للحاجة جائز، ولا يلزمه بذلك استئنافه، بل يستمر من حيث وصل إليه، والله تعالى
أعلم .
(فَحَمَلَهُمَا) أي لما وضع اللَّه تعالى فيه من الرأفة وشدة الرحمة.
(ثُمَّ عَاد) أي رجع (إِلَى الِمِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ) ولفظ أحمد، وابن خزيمة:
((صدق الله ورسوله)) (﴿إِنَّمَا أَمَوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾) أي شاغلة لكم عن أمور الآخرة.
ومحلّ ((إنما أموالكم الخ)) نصب بالقول المقدر، أي صدق الله حيث قال: إنما أموالكم
الخ .
وإنما كانت فتنة لأنها اختبار من الله تعالى لعباده، ليظهر من يشغله ذلك عن الطاعة،
فتكون نقمة عليه، ومن لا تشغله، فتكون نعمة عليه، فمن رجع إلى الله تعالى، ولم
يشتغل بماله وولده، وجاهد نفسه، فقد فاز، ومن اشتغل بهما فقد هلك.
ولكن النبي وَله معصوم من الاشتغال بغير الله تعالى، فيكون المراد بالفتنة هنا مجرّد
ميل لا يشغله عن اللَّه تعالى.
(رَأَيْتُ هَذَيْنِ يَعْثُرَانِ فِي قَمِيصَيْهِمَا، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ كَلَامِي، فَحَمَلْتُهُمَا) زاد
ابن خزيمة من طريق زيد بن الْحُبَاب، عن حسين بن واقد: ((ثم أخذ في خطبته)). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث بريدة بن الحُصيب رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٤١٣/٣٠ - وفي ((الكبرى)) - ١٧٣١/٣٤ - عن محمد بن عبدالعزيز،
عن الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه. وفي -
١٥٨٥/٢٧- و((الكبرى)) - ١٧٩٠/٢٥ - عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبي تُميلة يحيى
ابن واضح، عن حسين بن واقد به.
وأخرجه (د) -١١٠٩ (ت) ٣٧٧٤ (ق) ٣٦٠٠ - (أحمد) ٣٥٤/٥ (ابن خزيمة)

٢٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
١٤٥٦ و١٨٠١ و١٨٠٢ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز نزول الإمام عن منبره،
وقطع خطبته لأمر ينزل به، ثم رجوعه إليه، وإتمام خطبته .
قال الحافظ ولي الدين تَخّْتُهُ: قد يَستدلّ بهذه القصَّة من لا يوجب الموالاة في
الخطبة، لكنه زمن يسير، لا يقطع الموالاة عند من يشترطها، فليست هذه الصورة في
موضع النزاع، وللشافعي في المسألة قولان: أصحهما عند أصحابه اشتراطها، وبه
قالت الحنابلة، وكذلك الخلاف في اشتراط الموالاة بين الخطبة والصلاة، والمرجع
فيما يقطع الموالاة من كلام، أو فعل إلى العرف، وحيث انقطعت الموالاة استأنف
الأركان، وقد يقال: لم تكن هذه الخطبة خطبة الجمعة، لكن النسائيّ بوّب عليه :
(نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة يوم الجمعة))، وقال الحاكم: هو أصل في
قطع الخطبة، والنزول من المنبر عند الحاجة انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قول من قال بجواز قطع الخطبة للحاجة هو الذي
يترجّح عندي، لأنه تؤيده الأدلة المذكورة، ومن قال بعدم الجواز فليس له حجة في
ذلك. والله تعالى أعلم.
ومنها: أن فيه منقبة عظيمة الحسن والحسين رَوَّها، وقد أورده الترمذي في
مناقبهما، ولو لا شدّة محبته بَّيوم لما فعل معهما مثل ذلك، وفي رواية الحاكم: ((رأيت
ولديّ هذین)).
ومنها: ما كان عليه النبي ◌َّلتر من كمال الشفقة، وشدة الرأفة، كما وصفه الله تعالى
بذلك في كتابه حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
قال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى: وفيه بيان رحمته وَّلّ للعيال، وشفقته
عليهم، ورفقه بهم، والظاهر أن مبادرته وَ له إلى أخذهما لإعيائهما بالمشي، وحصول
المشقّة لهما بالعثار، فرفع تلك المشقّة عنهما بحملهما انتهى.
ومنها: جواز لبس الثوب الأحمر، وفيه خلاف بين أهل العلم، سيأتي تحقيقه في
موضعه من ((كتاب الزينة))، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن الأموال والأولاد فنتة ابتلى الله تعالى بها عباده، فمن آثرهما على الطاعة،
(١) ((طرح)) ٣/ ٢٠٤.

٣١- (بأَبُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَقْصِيرِ الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٤١٤
=
٢٦٣
فقد خسر، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَمَوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَن
ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
قال الحافظ ولي الدين رحمه اللَّه تعالى: فإن قلت: ظاهر الحديث أن قطع
الخطبة، والنزول لأخذهما -يعني الحسن والحسين- فتنة دَعَى إليها محبة الأولاد،
وكان الأرجح تركه، والاستمرار في الخطبة، وهذا لا يليق بحال النبي وَّر، فإنه لا
يقطعه عن العبادة أمر دنيويّ، ولا يفعل إلا ما هو الأرجح والأكمل.
قلت: قد بيّن النبي ◌ّ﴾ جواز مثل ذلك بفعله، فكان راجحًا في حقّه، لتضمنه بيان
الشريعة التي أرسل بها، وإن كان مرجوحًا في حقّ غيره، لخلوّه عن البيان، وكونه ناشئًا
عن إيثار مصلحة الأولاد على القيام بحقّ العبادة، ونبّه وَّر بما ذكره في ذلك على حال
غيره في ذلك لا على حال نفسه، فإنه وَ لّ لا يفعل ذلك إلا لمصلحة راجحة على
مصلحة الخطبة، وبتقدير أن يكون لمصلحة مرجوحة، فذلك الفعل في حقه راجح على
الترك، لكونه بيّن به جواز تقديم المصلحة المرجوحة على الأمر الراجح الذي هو فيه.
والله أعلم انتهى.
ومنها: أن فيه استحبابَ الخطبة على المنبر، قال العلماء رحمهم اللّه: فإن لم يكن
منبر، فعلى موضع مرتفع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٣١- (بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَقْصِيرِ
الْخُطْبَةِ)
١٤١٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنٍ غَزْوَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ
الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْتَى بْنُ عُقَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى،َ
يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرِ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللُّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَ
لَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينٍ، فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدموا في الباب الماضي، إلا:
١- (يحيى بن عُقَيل) -بالتَّصغير - البصريّ، نزيل مرو، صدوق [٣].

٢٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
روى عن عمران بن حُصين، وعبدالله بن أبي أوفى، وأنس بن مالك، ويحيى بن
يعمر، وغيرهم.
وعنه سليمان التيميّ، وعَزْرة بن ثابت، وحسين بن واقد، وغيرهم.
قال ابن معين: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والباقون، سوى الترمذيّ، وله في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط .
٢- (عبدالله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد، الصحابي الشهير، آخر من مات من
الصحابة بالكوفة، مات سنة (٨٧) تقدم ٤٠٢/٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وأنه
مسلسل بالمراوزة، غير الصحابي، فكوفي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن يحيى بن عُقيل ◌ََّتْهُ تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) رضي اللّه
تعالى عنه (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ) أي ذكر الله سبحانه وتعالى (وَيُقِلُّ
اللَّغْوَ) بضم حرف المضارعة، من الإقلال، وفي بعض النسخ: ((ويقصر اللغو)).
قال المجد اللغويّ ◌َخّْلهُ: ((اللغو))، و((اللَّغَا))، كالفتى: السَّقَط، وما لا يُعتدّ به من
الكلام وغيره، كـ«اللَّغْوَى)) كسكرى انتهى (١).
وقال الفيّومِي ◌َّتُهُ: لغَا الشيءُ يلغُو لَغْوًا، من باب قال: بطل، ولغا الرجل: تكلّم
باللغو، وهو أَخْلاطُ الكلام، ولغا به: تكلم به، وألغيته: أبطلته، وألغيته من العدد:
أسقطته، واللَّغَى مقصور: مثل اللغو، واللاغية: الكلمة ذات لغو.
قال: ومن الفرق اللطيف قول الخليل: اللغَطُ كلام لشيء ليس من شأنك، والكذب
كلام لشيء تَغُرُّ به، والْمُحالُ كلام لغير شيء، والمستقيم كلام لشيء منتظم، واللغو
كلام لشيء لم ترده انتهى باختصار(٢).
وقال السيوطي رَّتُهُ: القلّة هما بمعنى العدم، كقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾
(٣)
انتھی
(١) ((ق)) في ماذَّة (لغا)).
(٢) ((المصباح)) في مادّة ((لغا)).
(٣) ((زهر الربى)) ٣/ ١٠٩.

٢٦٥ ==
٣١- (بَأَبُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَقْصِيرِ الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٤١٤
وقال السندي رحمه الله تعالى: قوله: (ويُقلّ اللغو ((أي الكلامَ القليلَ الْجَدْوَى، أي
غالب كلامه جامع لمطالبَ جّة، وأما الكلام القاصر عن ذلك، فكان قليلًا، وقيل:
القلّة بمعنى العدم، فاللغو ما لا فائدة فيه انتهى(١).
(وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ) بضم حرف المضارعة. من الإطالة (وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ) بفتح حرف
المضارعة، ويحتمل ضمها، من الإقصار، أو التقصير.
قال الفيّومي تَخْدَّتُهُ: قَصَرتُ الصلاةَ، ومنها، قَصْرًا، من باب قتل، هذه هي اللغة
العالية التي جاء بها القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾،
وقُصِرَتِ الصلاةُ بالبناء للمفعول، فهي مقصورةٍ، وفي الحديث: ((أَقُصِرَتِ الصلاةُ))،
وفي لغة يتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أَقْصَرْتُها، وقَصْرتُها انتهى.
والمعنى أن صلاته وَ ل # كانت طويلة، وخطبته بالعكس، خلافَ ما عليه كثير من
الناس، فإنهم يطيلون الخطبة، ويقصرون الصلاة.
ولكن كان كلّ من الصلاة والخطبة متوسطًا، كما يدل عليه حديث جابر بن سمرة
رضي اللَّه الآتي في - ١٤١٨/٣٥ -: ((وكانت خطبته قصدًا، وصلاته قصدًا)).
قال النووي رحمه الله تعالى: ليس هذا مخالفًا للأحاديث المشهورة في الأمر
بتخفيف الصلاة، ولقوله في الرواية الأخرى: ((وكانت خطبته قصدًا، وصلاته قصدًا))،
لأن المراد بالحديث الأول أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلًا يشقّ
على المأمومين، وهي حينئذ قصدٌ، أي معتدلةٌ، والخطبة قصدٌ بالنسبة إلى وضعها
(٢)
انتھی
.
(وَ لَا يَأْنَفُ) مضارع أَنف من الشيء أَنَفًا، من باب تعب، والاسم الأنَفَة، مثل
قَصَبَة: أي استكف، وهو الاستكبار، وأنِفَ منه: تنزّه عنه، قال أبو زيد: أنفتُ من قوله
أشدَّ الأَنَف: إذا كرهت ما قال. قاله الفيّومي.
والمعنى أن من أخلاقه وَّ الكريمة، وشمائله العظيمة أنه لا يتكبّر، ولا يكره (أَنْ
يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ) أي المرأة الفقيرة التي لا زوج لها.
قال المجد رحمه الله تعالى: رجلٌ أرملُ، وامرأة أرمَلَةٌ: محتاجة، أو مسكينة،
والجمع أرامل، وأراملةٌ، والأرمَلُ الْعَزَبُ، وهي بهاء، ولا يقال للعَزَبَة الموسرة أرملة
انتھی .
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: ورجلٌ أرمَلٌ، وامرأةٌ أرملةٌ: محتاجة، وهم
(١) ((شرح السندي)) ٣/ ١٠٩.
(٢) ((شرح مسلم)) ٦/ ١٥٨ - ١٥٩ .

٢٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
الأرملة، والأراملُ، والأراملةُ، كسّروه تكسير الأسماء لقلّته، وكل جماعة من رجال
ونساء، أو رجال دون نساء، أو نساء دون رجال أرملةٌ، بعد أن يكونوا محتاجين، ويقال
للفقير الذي لا يقدر على شيء من رجل، أو امرأة: أرملةٌ، ولا يقال للمرأة الموسرة
أرملةٌ، والأرامل المساكينُ.
ويقال: جاءت أرملة من نساء ورجال محتاجين، ويقال للرجال المحتاجين
الضعفاء: أرملة، وإن لم يكن فيهم نساء.
وحكى ابن بَرِّيّ عن ابن قتيبة، قال: إذا قال الرجل: هذا المال لأرامل بني فلان،
فهو للرجال والنساء، لأن الأرامل يقع على الذكور والنساء.
قال: وقال ابن الأنباريّ: يُدفع للنساء دون الرجال، لأن الغالب على الأرامل أنهنّ
النساء، وإن كانوا يقولون: رجل أرمل، كما أن الغالب على الرجال أنهم الذكور دون
الإناث، وإن كانوا يقولون: رَجُلَةٌ. وفي شعر أبي طالب يمدح النبيّ وَّ:
ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
قال: الأرامل: المساكين من نساء ورجال، قال: ويقال: لكل واحد من الفريقين
على انفراده: أرامل، وهو بالنساء أخصّ، وأكثر استعمالاً .
والأرمل الذي ماتت زوجته، والأرملة التي مات زوجها، وسواء كانا غنيين، أو
فقیرین انتهى ببعض تصرف(١).
(وَالْمِسْكِينٍ، فَيَقْضِيَ) بالنصب عطفًا على ((يمشي)) (لَهُ الْحَاجَةَ) الضمير للمسكين،
وحذف نظيره ل((أرملة))، ويحتمل أن يعود الضمير إلى (الأرملة))، و((المسكين)) باعتبار
المذكور. ورمز في هامش ((الكبرى)) إلى أنه وقع في بعض النسخ: ((لهم حاجتهم))،
وهو واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث عبدالله بن أبي أوفى رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ١٤١٤/٣١ - وفي ((الكبرى)) - ١٧١٦/٢٥ - بالسند المذكور، وهو من
أفراده رحمه الله تعالى.
(١) ((لسان العرب)) في مادة ((رمل)).

=
٣١- (بَأَبُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَقْصِيرِ الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٤١٤
٢٦٧ =
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب تقصير الخطبة، هذا هو
الذي صرح به المصنف رحمه اللّه تعالى.
لكن جاء ما يدلّ على وجوبه، حيث ورد بصيغة الأمر، فقد أخرج مسلم في
((صحيحه)) عن أبي وائل، قال: خطبنا عمّار، فأوجز، وأبلغ، فلما نزل، قلنا: يا أبا
القطان، لقد أبلغت، وأوجزت، فلو كنت تنفّستَ(١)، فقال: إني سمعت رسول الله
وَله يقول: ((إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مَئِنَةٌ(٢) من فقهه، فأطيلوا الصلاة،
واقصُرُوا الخطبة، وإن من البيان لسحرًا)).
وأخرجه أبو داود، والبيهقي بسند حسن في المتابعات مختصرًا بلفظ: ((أمرنا رسول
اللَّه وَ لّه بإقصار الخطبة)). ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: ((خطبنا عمار، فتجوّز في الخطبة،
فقال رجل: قد قلتَ قولًا شفاء، لو أنك أطلت، فقال: إن رسول اللّه وَلّله نهى أن نُطيل
الخطبة)) .
فالظاهر وجوب تطويل الصلاة، وتقصير الخطبة، والله تعالى أعلم.
ومنها: استحباب الإكثار من ذكر الله تعالى، والتقليل من الكلام الذي لا فائدة فيه.
ومنها: بيان ما كان عليه النبي ◌َّلِّ من التواضع، وعدم التكبر على أحد من الخلق،
فكان لين الجانب، يمشي مع الأرملة، والفقير لقضاء حاجتهما، ولقد صدق اللَّه تعالى
حيث قال سبحانه في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّا غَلِظَ اُلْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾ الآية [آل
عمران: ١٥٩]، وصدق رسول اللّه وَّر، حيث قال: ((بُعثتُ لأتمّم صالح الأخلاق)) (٣).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم في حكم الخطبة :
ذهب جمهور الفقهاء، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد إلى أن الخطبتين من شروط
صحة الجمعة. وذهب أبو حنيفة إلى أنها شرط، ولكن تجزئ خطبة واحدة، وحكى ابن
المنذر عن الحسن البصري أن الجمعة تصح بلا خطبة. وبه قال داود، وعبد الملك من
أصحاب مالك. قال القاضي عياض: وروي عن مالك. أفاده النووي في ((المجموع))
٣٨٣٠/٤
(١) أي أطلت قليلا .
(٢) بفتح الميم، ثم همزة مكسورة، ثم نون مشددة: أي علامة.
(٣) أخرجه أحمد في ((مسنده)) بسند صحيح رقم ٩٥٩٥ .

٢٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول بصحة الجمعة بلا خطبة هو الحقّ عندي؛
لعدم دليل يَدُلُّ على الاشتراط. ولقد حققّ هذا الموضوع ابن حزم تَخّْلهُ، فقال في الردّ
عى من اشترط ذلك: ما نصه: فأما أبو حنيفة ومالك فقالا: الخطبة فرض لا تجزئ
صلاة الجمعة إلا بها، والوقوف في الخطبة فرض، واحتجا بفعل رسول اللَّه ◌َليل، ثم
تناقضًا، فقالا: إن خطب جالسًا أجزأه، وإن خطب واحدة أجزأه، وإن لم يخطب لم
يجزه. قال: من الباطل أن يكون بعض فعله و الر فرضا وبعضه غير فرض. وقال
الشافعي: إن خطب خطبة واحد لم تجزه الصلاة، ثم تناقض، فأجاز الجمعة لمن خطب
قاعدًا، والقول عليه في ذلك كالقول على أبي حنيفة ومالك في إجازتهما الجمعة بخطبة
واحد ولا فرق. قال: فإن ادعوا إجماعًا أكْذَبُمْ ما رويناه عن سعيد بن أبي عروبة، عن
قتادة، عن الحسن البصري: من لم يخطب يوم الجمعة صلى ركعتين على كل حال.
وقد قاله أيضًا ابن سيرين. قال: فإن قالوا: لم يصلها وَالل قط إلا بخطبة، قلنا: ولا
صلاها قط إلا بخطبتين قائمًا يجلس بينهما، فاجعلوا كل ذلك فرضا لا تصح الجمعة إلا
به، ولا صلى قط إلا رفع يديه في التكبيرة الأولى، فأبطلوا الصلاة بترك ذلك. انتهى
كلام ابن حزم(١) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن القول الراجح هو عدم اشتراط
الخطبة لصحة الجمعة، لعدم دليل يَدُلُّ على ذلك، فالذين قالوا بالاشتراط ما جاءوا
بدليل إلا مجرد فعله وَالر، وهو بمجرده لا يكفي، وأيضًا قد تناقضوا في ذلك، فإن فعله
مشتمل على أمور من القيام والجلوس بين الخطبتين، وغير ذلك، وهم لا يقولون
باشتراطها .
والحاصل أن الحقّ صحة الجمعة بلا خطبة، ولكن السنة أن لا تُصَلَّى إلا بها؛ اقتداء
بفعل النبي ◌ّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
(١) ((المحلي)) جـ ص ٥٧ - ٦٠ .
٦

٢٦٩ =
٣٢- (بابٌّ كَمْ يَخْطُبُ؟) - حديث رقم ١٤١٥
٣٢- (بَابٌ كَمْ يَخْطُبُ؟)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((باب)» يحتمل أن يكون منوّنًا، ويحتمل أن يكون
مضافًا إلى جملة ((كم يخطب))، و((كم)) استفهاميّة، في محل نصب مفعول مقدّم
((يخطب))، وحذف تمييزها، أي كم خُطبةً يخطب. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤١٥- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيٌ، عَنْ سِمَاكِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
سَمُرَةَ، قَالَ: جَالَسْتُ النَّبِيِّ وَِّ، فَمَا رَأَيْتُهُ يَخْطُبُ، إِلَّا قَائِمًا، وَيَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ،
فَيَخْطُبُ الْخُطْبَةَ الآخِرَةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (علي بن حُجر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣ / ١٣.
٢- (شريك) بن عبدالله النخعي الكوفي القاضي، صدوق يخطىء كثيرًا، تغيّر حفظه
منذ ولي القضاء، وكان عادلًا فاضلاً عابدًا شديدًا على أهل البدع [٨] تقدم ٢٩/٢٥.
[تنبيه]: هكذا وقع في النسخة الهندية ((شريك))، وهو الذي في ((الكبرى))، و((تحفة
الأشراف)) ج٢ ◌َر، ١٥٦ ووقع في النسخ المطبوعة ((إسرائيل)) بدل شريك، وهو
تصحيف بلا شكّ، لأن علي بن حُجر ولد سنة (١٥٤) على ما ذكر الباشاني، ومات
إسرائيل سنة (١٦٠) أو بعدها، فيبعد جدًا أن يكون علي بن حجر ممن يروي عنه، لأنه
يكون وقت موت إسرائيل ابن ست سنين، أو سبع، وهو مروزي المولد، وإسرائيل
كوفي. والله تعالى أعلم.
٣- (سماك) بن حَرْب، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، تغيّر بآخره[٤] تقدم ٣٢٥/٢.
٤- (جابر بن سمرة) بن جُنادة الصحابي ابن الصحابي تَوَّت، تقدّم ٨١٦/٢٨.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو الرابع والثمانون من رباعيات
الكتاب، وأن رجاله رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فمروزي.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: جَالَسْتُ النَّبِيِّ وَّ) أي عشت

=
٢٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
معه (فَمَا رَأَيْتُهُ يَخْطُبُ، إِلَّا قَائِمًا) فيه أنه ◌َِّ كان يخطب دائمًا بالقيام، واستدلّ به
الشافعيّ، ومالك، ومن وافقهما على وجوب القيام في الخطبة، لكن الراجح عدم
الوجوب؛ لعدم ما يدل عليه، وقد تقدم البحث فيه في ١٨/ ١٣٩٧ مستوفّى (وَيَجْلِسُ)
أي على المنبر بعد الخطبة الأولى (ثُمَّ يَقُومُ، فَيَخْطُب) وفي نسخة: ((ويخطب)) بالواو
(الْخُطْبَةَ الآخِرَةَ) أي الثانية، وهذا محلّ الترجمة، ففيه بيان عدد خطبة الجمعة.
وفي الرواية الآتية في الباب التالي من طريق إسرائيل، عن سماك بن حرب: ((رأيت
رسول اللّه وَ﴿ يخطب يوم الجمعة قائمًا، ثم يقعد قعدةً، لا يتكلّم، ثم يقوم، فيخطب
خطبة أخرى، فمن حدّثكم أن رسول اللّه ◌َ لهل كان يخطب قاعدًا فقد كذب)).
وفي رواية سفيان الثوريّ، عن سماك: ((كان النبي ◌َّ يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم
يقوم، ويقرأ آيات، ويذكر اللَّه عز وجلّ، وكانت خطبته قصدًا، وصلاته قصدًا)).
والقصد الوسط، أي خطبته و13* متوسطة بين القصر والطول، وكذلك صلاته، ولا
يلزم مساواتهما، إذ توسط كلِّ يُعتبر في بابه، كما تقدّم.
وفي رواية مسلم: ((كان النبي ◌ُّ يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب
قائمًا، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا، فقد كذب، فقد واللّه صليت معه أكثر من ألفي
صلاة)).
قال النووي رحمه الله تعالى: المراد الصلوات الخمس، لا الجمعة انتهى. ولا بدّ
من هذا التأويل، لأن الْجُمَع التي صلاها النبي ◌َّر من عند افتراضها إلى موته لا تبلغ
ذلك المقدار، ولا نصفه(١) .
وفي رواية أبي داود من طريق شيبان بن عبدالرحمن النَّخوي، عن سماك: ((كان لا
يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات)). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤١٥/٣٢- وفي ((الكبرى)) -١٧٣٠/٣٣ - عن علي بن حجر، عن
شريك بن عبدالله، عن سماك بن حرب، عنه. وفي ١٤١٧/٣٤ - عن محمد بن
(١) ((نيل الأوطار)) ٣١٨/٣ - ٣١٩.

٢٧١
٣٢- (بَأَبِّ كَمْ يَخْطُبُ؟) - حديث رقم ١٤١٥
عبدالله بن بَزيع، عن يزيد بن زُريع، عن إسرائيل، عن سماك به. وفي ١٤١٨/٣٥-
عن عمرو بن علي، عن عبدالرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن سماك به. وفي
٢٦/ ١٥٧٨٤ - عن محمر بن بشار، عن ابن مهدي به. وفي ١٨/ ١٥٧٤ - عن إسماعيل
ابن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن سماك به. وفي ٢٤/ ١٥٧٨٢ - عن
قتيبة، عن أبي الأحوص، عن سماك به. وفي ١٥٧٨٣/٢٥ - عن قتيبة، عن أبي
عوانة، عن سماك به.
وأخرجه (م)٩/٣ و١١/٣ (د) ١١٠١ و١٠٩٥ و١٠٩٣ و١٠٩٤ و١١٠٧ (ت) ٥٠٧
(ق) ١١٠٥ و١١٠٦ (أحمد) ٥/ و٨٦ و٨٧و٨٨ و٩٠ و٩٢ و ٩٣ و٩٨ و١٠٠ و١٠٢
و١٠٦ و١٠٧ (الدارمي) ١٥٦٥ و١٥٦٧ (عبدالله بن أحمد في زوائد المسند) ٩٧/٥
و١٠٠ (ابن خزيمة) ١٤٤٧ و ١٤٤٨. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده(١):
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان عدد الخطبة، فالحديث
صريح في مشروعية الخطبتين للجمعة، وسيأتي بيان حكمهما في المسألة التالية إن شاء
الله تعالى.
ومنها: مشروعية القيام حال الخطبة، وأنه لا يجلس فيها، قال ابن المنذر تَخْذَلهُ :
هو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار اهـ. واختلف في وجوبه، فذهب
الجمهور إلى وجوبه، ونقل عن أبي حنفية ريّْلهُ أن القيام سنة، وليس بواجب، وقال
به ابن حزم، وهو الرجح، وقد تقدم البحث فيه في ١٨/ ١٣٩٧ .
ومنها: مشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلا يَصل بينهما في قيام واحد.
ومنها: مشروعية تخفيف الخطبتين، وقد تقدم البحث عنه في الباب الماضي.
ومنها: استحباب عدم التكلّم في حال الجلوس بين الخطبتين.
ومنها: قراءة آيات من القرآن في الخطبة، وتذكير الناس، ولا خلاف في
الاستحباب، وإنما الخلاف في الوجوب، فذهب الشافعي إلى وجوب ذلك، وذهب
الجمهور إلى عدم الوجوب، وهو الراجح؛ لعدم دليل للوجوب، سوى مجرّد الفعل،
وهو لا يكفي في ذلك، كما تقدّم غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم فيما يجزىء من الخطبة:
(١) ليس المراد فوائد سياق المصنف فقط، بل مع ما أوردته في الشرح، فتنبه.

٢٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: اختلف أهل العلم فيما يجزىء من الخطبة
للجمعة، فقالت طائفة: يجزىء ما يقع عليه اسم خطبة، روينا ذلك عن الشعبي، أنه
كان يخطب يوم الجمعة ما قلّ، أو كثر، وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ما جلس النبي
مَ *- على منبر قطّ (١).
وممن رأى أن خطبةً واحدة تجزىء مالكٌ، والأوزاعيّ، وإسحاق، وأبو يوسف،
ومحمد، وقال أبو ثور: يجزىء ما يكون كلاما مجتمعًا، يقع عليه اسم خطبة .
وفي هذا المسألة قولان آخران:
أحدهما قول الشافعيّ، وهو أن الإمام إن خطب خطبة واحدة، وصلى الجمعة عاد،
فخطب ثانيةً، فإن لم يفعل حتى يذهب الوقت أعاد الظهر أربعًا. وقال: فإن جعلها
خطبتين، ولم يفصل بينهما بجلوس أعاد خطبته، فإن لم يفعل صلى أربعًا، وأقلّ ما يقع
عليه اسم خطبة من الخطبتين أن يحمد اللّه، ويصلي على النبي ◌َّر، ويوصي بتقوى
اللَّه، ويقرأ شيئًا من القرآن في الأولى، ويحمد الله، ويصلي على النبي اَّر، ويوصي
بتقوى الله، ويدعو في الآخرة.
والقول الآخر قول النعمان، وهو أن الإمام إن خطب يوم الجمعة بتسبيحة واحدة
أجزأه.
قال ابن المنذر: فأما ما قال النعمان، فلا معنى له، ولا أعلم أحدًا سبقه إليه، وغير
معروف عند أهل المعرفة باللغة بأن يُقال لمن قال: سبحان اللَّه، قد خطب، وإذا كان
المقول هذا سبيله، فلا معنى للاشتغال به.
وأما الذي قاله الشافعي، فلست أجد دلالةً توجب ما قال.
وقد عارض الشافعيَّ غيرُه(٢) من أصحابنا، فقال: يقال لمن قال بقوله: من أين
أوجبت الجلسة بين الخطبتين فرضًا؟ أبطلت الجمعة بتركها، وقد أتى بالجمعة،
والخطبتين، وليست الجلسة من الجمعة، لأن الجمعة فرضها ركعتان، كذلك في
حديث عمر رَّه ، والخطبة معروفة، والجلسة غير هذا، ولو كانت الجلسة واجبة لم
يجز أن تبطل الجمعة بتركها، لأنها غير هذا، فإن اعتلّ بجلوس النبي ◌َّ بين الخطبتين،
فالفعل عنده، وعند غيره لا يوجب فرضًا، ولو ثبت أنه فرض لم يدلّ على إبطال
(١) هذا القول ترده الأحاديث الصحيحة أنه وه# كان يجلس بين الخطبتين. فتنبّه.
(٢) قوله: ((غيرُه)) أراد به المحققين من أهل العلم الذين جمعوا بين النقل والدراية، وفيه إبطال لزعم من
زعم أن ابن المنذر شافعي المذهب مقلدٌ للشافعي، وقد سبق في مقدمة هذا الشرح تفنيد هذا
الزعم، عند ذكر مذهب الإمام النسائي تَقّْلُهُ، فراجعه تستفد. وبالله تعالى التوفيق.

٢٧٣
٣٣- (بَابُ الفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِالْجُلُوسِ) - حديث رقم ١٤١٦
الجمعة .
ويقال له: وما الفرق بين الجلسة الأولى، والجلسة بين الخطبتين؟ فإن اعتلّ بأن
الجلسة بين الخطبتين من فعل النبي وَلّ، فكذلك الجلسة الأولى من فعل النبي وَّل،
وذكر كلاما تركت ذكره ههنا كراهية التطويل انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول من قال: إن أقل الخطبة ما
يقع عليه اسم الخطبة، ومعلوم أنه لا يقع عليه ذلك إلا إذا اشتمل على الذكر،
والموعظة، وذلك هو المقصود من الخطبة، كما يظهر ذلك ممن تتبّع خُطَب النبي ◌َِّّ .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي، إلا باللّه، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٣٣- (بَابُ الْفَضْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ
بِالْجُلُوسِ)
١٤١٦- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ هَ كَانَ يَخْطُبُ الْخُطْبَتَيْنِ، وَهُوَ قَائِمٌ،
وَكَانَ يَفْصِلُ بَيْتَهُمَّا بِجُلُوسٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسماعيل بن مسعود) أبو مسعود البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢ / ٤٧ .
٢- (بشر بن المفضّل) البصري، ثقة ثبت عابد [٨] تقدم ٨٢/٦٦.
٣- (عبيدالله) بن عمر العمري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ١٥ / ١٥.
٤- (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١٢ / ١٢ .
٥- (ابن عمر) عبدالله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٢/١٢ .
وشرح الحديث يعلم مما سبق في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((الأوسط)) ٤ / ٦٢ - ٦٣ .

٢٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
مسألتان :
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤١٦/٣٣- وفي ((الكبرى)) -١٧٢٢/٢٩- عن إسماعيل بن مسعود،
عن بشر بن المفضّل، عن عبيدالله، عن نافع، عنه. وفي ((الكبرى)) -١٧٢١/٢٩ - عن
إسحاق بن إبراهيم، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن عبيدالله به.
وأخرجه (خ) ١٢/٢ و١٤/٢ (م) ٩/٣ (ت) ٥٠٦ (ق) ١١٠٣ (أحمد)٢/ ٣٥ و٢/
٩١ و٩٨/٢ (الدارمي) ١٥٦٦ (ابن خزيمة) ١٤٤٦ و١٧٨١. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
٣٤- (بَابُ السُّكُوتِ فِي الْقَعْدَةِ بَيْنَ
الْخُطْبَتَيْنِ)
١٤١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنُ زُرَيْع-
قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، عَنَْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَلِّ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ قَعْدَةً، لَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَخْطُبُ خُطْبَةً
أُخْرَى، فَمَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ كَانَ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَدْ كَذَبَ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم البحث فيه
مستوفّى قبل باب، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وممن لم يتقدم هناك من رجاله :
١- (محمد بن عبدالله بن بَزيع) البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٣ / ٥٨٨ .
٢- (يزيد بن زُرَیع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم٥/٥ .
٣- (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو يوسف الكوفي الكوفي، ثقة
[٧] تقدم ٧٥ /١٠٠٦ .

٣٥- (بابُ القِرَاءَةِ فِي الْخُطْبةِ الثانية ... - حديث رقم ١٤١٨
٢٧٥ =
وقوله: ((قعدة)) بفتح القاف: المرّة من القعود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٣٥- (بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ
الثَّانِيَةِ، وَالذُّكْرِ فِيهَا)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا أن
يبين أن الخطبة الثانية مثل الأولى في مشروعية القراءة، والذكر فيها، لا أنه أراد أن
القراءة والذكر في الخطبة الثانية فقط دون الأولى، بدليل أنه تقدم له في ((بابٌ كيف
الخطبة؟)) أن أورد خطبة الحاجة، وهي شاملة للخطبتين، وفيها القراءة والذكر، وكأنه
أراد التنبيه لئلا يُظنّ أن الخطبة الثانية للدعاء فقط. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤١٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سِمَاكِ،
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ النَِّيُّ وَّهِ يَخْطُبُ قَّائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، وَيَقْرَأْ
آيَاتٍ، وَيُذْكُّرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَتْ خُطْبَتُهُ قَصْدًا، وَصَلَاتَهُ قَصْدًا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه
مستوفى قبل بابين.
ودلالته على ما ترجم له واضحة، فإنه يدلّ على استحباب قراءة آيات من القرآن،
وذكر الله عزّ وجلّ في الخطبة الثانية. والله تعالى أعلم.
وممن لم يتقدم من رجاله هناك:
١- (عمرو بن علي) الفلّاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤ .
٢- (عبدالرحمن) بن مهديّ البصري الإمام الثبت الحجة [٩] تقدم ٤٩/٤٢ .
٣- (سفيان) بن سعيد الكوفي الإمام الثبت الحجة [٧] تقدم ٣٧/٣٣. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

٢٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
٣٦- (الْكَلَامُ وَالْقِيَامُ بَعْدَ النُّزُولِ عَنِ
الْمِنْبَرِ)
١٤١٩- (أَخْبَرَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ،
فَيَغَرِضُ لَهُ الرَّجُلُ، فَيُكَلِّمُهُ، فَيَقُومُ مَعَهُ النَِّيُّ ◌َِّ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إِلَّى
مُصَلَّاهُ، فَيُصَلِّي).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (محمد بن عليّ بن ميمون) الرَّقْيّ، أبو العباس العطّار، ثقة [١١] تقدم ١٤ / ٤١٨.
٢- (الفريابيّ(٢)) محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبّيّ مولاهم، نزيل
قَيْسَارية، من ساحل الشام، ثقة فاضل [٩] تقدم ١٤ / ٤١٨.
٣- (جرير بن حازم) الأزدي، أبو النضر البصري، ثقة، له أوهام إذا حدّث من
حفظه [٦] تقدم ١٧٢ / ١١٤١ .
٤- (ثابت البنانيّ) ابن أسلم البصري، ثقة عابد [٤] تقدم ٤٥/ ٥٣ .
٥- (أنس) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، تقدم٦/٦ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ)، وفي نسخة: ((كان
النبي))، وفي رواية أبي داود: ((رأيت رسول اللَّه وَّر (يَنْزِلُ عَنِ الْمِثْبَرِ، فَيَعْرِضُ لَهُ
الرَّجُلُ) بفتح الياء، من باب ضرب: أي يظهر له (فَيُكَلِّمُهُ) فيه دلالة على جواز الكلام
بعد الفراغ من الخطبة، وقبل الشروع في الصلاة (٣)، وقد تقدم بيان اختلاف العلماء في
ذلك في المسألة السادسة -٢٢/ ١٤٠١ - ((باب الإنصات للخطبة يوم الجمعة)) (فيقُومُ
مَعَهُ النَّبِيُّ ◌َّرِ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ) فيه ما كان عليه النبي ◌َِّ من مكارم الأخلاق، وحسن
المعاشرة، فكان لا يقطع على أحد كلامه حتى يكون هو الذي يقطعه (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إِلَى
(١) وفي نسخة ((أخبرني)).
(٢) قوله: ((الفريابي)) بكسر الفاء، وسكون الراء، بعدها تحتانية، وبعد الألف موحدة: نسبة إلى
فارياب، بلدة بنواحي بلخ، ويقال: الفاريابي، والفيريابي. قاله في ((اللباب)) ٢ / ٤٠٦.
(٣) لكن حديث الباب ضعيف لا يصلح للاحتجاج به، فتنبه.

٢٧٧ =
٣٧- (عَدَدُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٤٢٠
مُصَلَّاهُ) بضمّ الميم بصيغة اسم المفعول: أي محل صلاته، وفي نسخة: ((إلى المصلّى))
(فَيُصَلِّي) أي صلاة الجمعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا ضعيف، لشذوذه، والمحفوظ أن هذا في
صلاة العشاء، لا الجمعة، كما تقدم في ٧٩١/١٣ - ((باب الإمام تعرض له الحاجة بعد
الإقامة)).
قال أبو داود في ((سننه)) بعد أن أخرج الحديث: والحديث ليس بمعروف عن ثابت،
وهو مما تفرّد به جرير بن حازم انتهى.
وقال الترمذي في ((جامعه)) بعد أن أخرج الحديث: قال أبو عيسى: هذا حديث لا
نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم، قال: وسمعت محمدًا - يعني البخاريّ- يقول:
وهم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح ما رُوي عن ثابت، عن أنس، قال:
((أقيمت الصلاة، فأخذ رجل بيد النبي وَّر، فما زال يُكلمه حتى نعس بعض القوم)).
قال محمد: ((والحديث هو هذا)).
وجرير بن حازم ربّما يَهم في الشيء، وهو صدوق انتهى. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٤١٩/٣٦ - وفي ((الكبرى)) - ١٧٣٢/٣٥ - بالسند المذكور.
وأخرجه (د) ١١٢٠ (ت) ٥١٧ (ق) ١١١٧ (أحمد) ١١٩/٣ و١٢٧/٣ و٢١٣/٣
(عبد بن حميد) ١٢٦٠ (ابن خزيمة) ١٨٣٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣٧- (عَدَدُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ)
١٤٢٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أَبِي لَيْلَى، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: صَلََّةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانٍ، وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانٍ، وَصَلَاةُ

٢٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
الأَضْحَى رَكْعَتَانٍ، وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ، غَيْرُ قَصْرِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ نَّهِ).
قَالَ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ: عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (علي بن حُجر) المروزي تقدم قبل أربعة أبواب.
٢- (شريك) بن عبدالله النخعي الكوفي تقدم قبل أربعة أبواب أيضًا.
٣- (زُبيد) - بموحّدة مصغّرًا- ابن الحارث بن عبدالكريم بن عمرو بن كعب الياميّ،
ويقال: الإياميّ، أبو عبدالرحمن، ويقال: أبو عبدالله الكوفي، ثقة ثبت عابد [٦].
روى عن مرّة بن شراحيل، وسعد بن عُبيدة، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم.
وعنه أبناه عبدالله، وعبدالرحمن، وشريك، وغيرهم.
قال القطّان: ثبت. وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال ليث، عن
مجاهد: أعجب أهل الكوفة إليّ أربعة، فيهم زُبيد. وقال ابن شُبرُمة: كان يصلي الليل
كله. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة ثقة خيار، إلا أنه كان يميل إلى التشيّع. وقال ابن
سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وكان في عداد الشيوخ، وليس بكثير الحديث. وقال
العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، وكان علويّا. وحكى ابن أبي خيثمة، عن شعبة، قال:
ما رأيت بالكوفة شيخًا خيرًا من زُبيد. وقال سعيد بن جُبير: لو خُيّرتُ عبدًا ألقى الله
بمسلاحه اخترت زبيدًا الياميّ. وقال البخاري في ((تاريخه)): قال عمرو بن مُرّة: كان
زُبيدٌ صدوقًا. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): كان من الْعُبّاد الْخُشُن مع الفقه في الدين،
ولزوم الورع الشديد.
قال أبو نعيم: مات سنة (١٢٢)، وقال ابن نمير: مات سنة (٢٤)، وأرخه الإمام
أحمد، وابن قانع سنة (٢٣). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثًا .
٤- (عبدالرحمن بن أبي ليلى) الأنصاريّ المدني، ثم الكوفيّ، ثقة [٢] تقدم٨٦/
١٠٤ .
٥- (عمر) بن الخطاب بن نُفَيل بن عبدالعزى بن رياح العدوي أمير المؤمنين رضي
الله تعالى عنه، تقدم ٧٥/٦٠ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عبدالرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطاب
رضي اللّه تعالى عنه (صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانٍ، وَصَلَاةُ الْفِطْر) أي صلاة عيد الفطر
(رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الأَضْحَى) أي صلاة عيد الأضحى (رَكْعَتَانٍ، وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَان)

=
٢٧٩
٣٧- (عَدَدُ صَلَاَةِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٤٢٠
أي ما عدا المغرب، أو الصلاة المختلفة حضرًا وسفرًا في السفر ركعتان، أو الصلاة
الرباعية في الحضر تكون في السفر ركعتين، قاله السندي رحمه الله تعالى.
(تَمَامٌ غير قصر) خبر لمبتدإٍ محذوف، أي هما تمام، و((غير)) بالرفع صفة لتمام،
ويحتمل النصب على الحال.
يعني أنهما تامان في الثواب، وإن نقصا في عدد الركعات من صلاة الحضر. أو
المراد أنهما المشروع في السفر، كما صح في حديث عائشة رَّها: ((فُرضت الصلاةُ
ركعتين ركعتين، فأقرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر)). وتقدم للمصنف -٣/
٤٥٥، وإن أطلق عليها القصر في كتاب الله تعالى.
وقال السندي رحمه الله تعالى: قوله: ((تمام غير قصر)): أي لا ينبغي الزيادة فيها،
فصارت كالتمام، فلا يرد أن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَن نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ ظاهر
في القصر، فكيف يصحَ القول بأنها تمام غير قصر؟ انتهى(١).
وقال القاري تَخْذَهُ تعالى عند قوله: ((سَنَّ رسولُ اللَّه وَ ل صلاةَ السفر ركعتين،
وهما تمام غير قصر ... )) الحديث، رواه أحمد، وابن ماجه: أي تمام المفروض، غير
قصر، أي غير نقصان عن أصل الفرض، فإطلاق القصر في الآية مجاز، أو إضافيّ
انتھی(٢) .
(عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ بَّهَ) وفي نسخة ((على لسان النبي ◌َّ).
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائي رحمه اللّه تعالى (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَسْمَغْ
مِنْ عُمَرَ) غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا بيان الانقطاع الواقع في هذا السند؛ لأن
عبدالرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر رضي الله تعالى عنه.
وهذا الذي قاله ثبت عن غيره أيضًا، فقد روى الدُّوريّ عن ابن معين أنه قال: لم ير
عمر، قال: فقلت له: فالحديث الذي يُروى كنّا مع عمر نتراءى الهلال؟ قال: ليس
بشيء، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: يصحّ لابن أبي ليلى سماع من عمر؟ قال: لا.
قال أبو حاتم: رُويَ عن عبدالرحمن أنه رأى عمر، وبعض أهل العلم يدخل بينه وبين
عمر البراء بن عازب، وبعضهم كعب بن عُجرة. وقال الآجرّيّ عن أبي داود: رأى
عمر، ولا أدري يصحّ، أم لا؟.
وقال أبو خيثمة في («مسنده»: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سفيان الثوريّ، عن
زُبيد، وهو الياميّ، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، سمعت عمر يقول: ((صلاة الأضحى
(١) ((شرح السندي)) على ((سنن ابن ماجه)) ١/ ٥٥٧.
(٢) ((المرعاة)) ٤ /٤١٤.

٢٨٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
ركعتان، والفطر ركعتان))، الحديث، قال أبو خيثمة: تفرّد به يزيد بن هارون هكذا،
ولم يقل أحد: سمعت عمر غيره، ورواه يحيى بن سعيد، وغير واحد عن سفيان، عن
زُبيد، عن عبدالرحمن، عن الثقة، عن عمر. ورواه شريك، عن زبيد، عن
عبدالرحمن، عن عمر، ولم يقل: سمعت.
وقال ابن أبي خيثمة في ((تاريخه)): وقد روي سماعه من عمر من طرق، وليست
بصحيحة .
وقال الخليليّ في ((الإرشاد)): الحُفّاظ لا يثبتون سماعه من عمر.
وقال ابن المدينيّ: كان شعبة يُنكر أن يكون سمع من عُمر، قال ابن المديني: ولم
يسمع من معاذ بن جبل، وكذا قال الترمذيّ في ((العلل الكبير))، وابن خُزيمة. وقال
يعقوب بن شيبة: قال ابن معين: لم يسمع من عمر، ولا من عثمان، وسمع من عليّ.
وقال ابن معين: لم يسمع من المقداد. وقال العَسْكريّ: روى عن أَسيد بن حُضير
مرسلًا. وقال الذهليّ، والترمذيّ في ((جامعه)): لم يسمع من عبدالله بن زيد بن
عبدربه. ذكر هذه الأقوال في ((تت)) (١) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبين بما ذُكر أن الحفاظ لا يثبتون سماع
عبدالرحمن بن أبي ليلى من عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث عمر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
فإن قلت: كيف يصحّ، وفيه انقطاع، كما بيّنه المصنف تَخّْتُهُ تعالى هنا؟.
قلت: له سند آخر عند المصنف في ((الكبرى))، فقد رواه عن محمد بن رافع، عن
محمد بن بشر، قال: أنبأنا يزيد بن زياد بن أبي الجعد(٢)، عن زُبيد، عن عبدالرحمن
بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة، عن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، فذكره.
وأخرجه ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤٢٠/٣٧ - وفي ((الكبرى)) - ١٧٣٣/٣٦- عن علي بن حُجْر، عن
شريك بن عبدالله، عن زُبيد بن الحارث، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عنه. وفي -
(١) راجع (تت) جـ ٢ ص ٢٤٨ - ٥٤٩ .
(٢) يزيد بن زياد بن أبي الجعد ثقة وثقه ابن معين وغيره. راجع ((تت)) جـ ٤ ص ٤١٢ .