النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢- (بَأَبُ الإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٤٠١
٢٢١
وقال ابن حزم: فإن أدخل الخطيب في خطبته ما ليس من ذكر الله تعالى، ولا من
الدعاء المأمور به، فالكلام مباح حينئذ، فهذان مذهبان آخران مفصّلان، إما بين أئمة
الجور وغيرهم، وإما بين الوعظ وغيره.
وحكى ابنُ عبدالبرّ قولًا خامسًا أنه إنما يجب الإنصات عند تلاوة القرآن خاصّة،
قال: روي عن الشعبي، وسعيد بن جبير، والنخعيّ، وأبي بُردة، قال: وفعلهم ذلك
مردود عند أهل العلم بالسنّة الثابتة، وأحسن أحوالهم أنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك،
لأنه حديث انفرد به أهل المدينة، ولا علم لمتقدمي أهل العراق به.
وقال ابن بطال: استماع الخطبة واجب وجوبَ سنة عند أكثر العلماء، ومنهم من
جعله فریضةً انتهى .
وهذا على قاعدة المالكية من وجوب السنن، ومعناه أنه سنة مؤكدة، وهو قول
الشافعيّ في الجديد، فيكون ابن بطال نقل استحباب الإنصات عن الأكثرين، فمن
أوجب الإنصات أخذ بقول من قال: إن اللغوَ الباطلُ، ومن استحبّه أخذ بقول من قال:
إنه السقط، وما لا يُعتدّ به، ولغط الكلام، وما لا محصول له، أو الْمُطَّرَح من القول،
وما لا يُغْنَى، فإن هذه العبارات متقاربة المعنى، ومقتضاها أن قائل اللغط غير مرتكب
حرامًا .
وقد قال الشافعي تَحّْتْهُ في قوله: ((لغوت)): تكلّمت في موضع الأدبُ فيه أن لا
تتكلّم.
واحتجّ الشافعيّ في القديم على عدم تحريم الكلام في الخطبة بحديث أنس ◌َّه في
الرجل الذي قام إلى رسول اللّه ◌َ لير في يوم الجمعة، وهو يخطب، فقال: يا رسول
اللَّه، هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله ... ))، وهو في ((الصحيحين)).
وبحديث عثمان رَّه حيث دخل يوم الجمعة، وعمر ◌َّهِ يخطب، فكلّمه،
وأجابه.
واحتجّ على ذلك في الجديد بالحديث المتقدّم قبل هذا في سؤال النبي ◌َّ الداخل،
وهو يخطب عن كونه صلى، وإجابته له بقوله: ((لا))، وقوله له: ((صلّ ركعتين)).
وبكونه ربَّي﴿ كلّم الذين قَتَلوا ابن أبي الْحُقَيق على المنبر، وكلموه، وتداعوا قتله، وقد
رواه الشافعي مرسلًا، قال البيهقيّ، وهذا، وإن كان مرسلًا، فهو مشهور فيما بين أهل
العلم بالمغازي. وروي من وجه آخر موصولًا عن عبدالله بن أنيس انتهى.
ومن ذهب إلى تحريم الكلام أجاب عن هذه الأحاديث بأن المخاطبة فيها من الإمام،
أو معه، فلا يشتغل بذلك عن سماع الخطبة، بخلاف كلام الحاضرين بعضهم مع بعض

٢٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
انتھی
(١)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذُكر أن المذهب الراجح هو تحريم
الكلام مطلقًا على حاضري الخطبة؛ لوضوح أدلته، وأما من كلمه الإمام، أو كلم الإمامَ
فلا يحرم ذلك عليه، لأنه مستثنى بالنصوص الكثيرة الدالّة على ذلك. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم فيمن لا يسمع الخطبة، هل يجب عليه
الإنصات أم لا؟ :
ذهب المالكية، والحنابلة، والظاهرية، إلى أنه لا فرق في وجوب الإنصات بين من
يسمع الخطبة، ومن لا يسمعها. وحكاه ابن بطال وغيره عن أكثر العلماء، وحكاه ابن
عبدالبرّ عن مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوريّ، والأوزاعيّ، وهو
الأصحّ عند الشافعية، واختلف الحنفية في هذه المسألة.
وروى ابن أبي شيبة، عن عروة بن الزبير أنه كان لا يرى بأسّا بالكلام إذا لم يسمع
الخطبة .
والمختلف فيه هو كلام الآدميين، أما الذكر، والتلاوة سرّا، فليس ممنوعًا منهما
قطعًا .
قال ابن قدامة: وهل ذلك أفضل، أو الإنصات؟ يحتمل الوجهين: أحدهما
الإنصات أفضل، لحديث عبدالله بن عمرو، مرفوعًا: ((يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل
حضرها يلغو، فهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا اللَّه، فإن شاء
أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطّ رقبة مسلم، ولم
يؤذ أحدًا، فهي كفّارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله عزّ وجلّ
يقول: ﴿مَنْ جَّةَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾)). رواه أبوداود(٢).
ولقول عثمان: من كان قريبًا يسمع، ويُنصت، ومن كان بعيدًا يُنصت، فإن للمنصت
الذي لا يسمع من الحظّ ما للسامع.
والثاني: الذكر أفضل، لأنه يحصل له ثوابه من غير ضرر انتهى.
وقال ابن عقيل من الحنابلة: في صورة البعد له المذاكرة في الفقه، وصلاة النافلة،
والمشهور عندهم منع ذلك انتهى (٣).
(١) ((طرح التثريب)) جـ ٣ ص ١٩٢ - ١٩٥ .
(٢) حديث حسن.
(٣) ((طرح)) ١٩٦/٣ - ١٩٧ .

- ٢٢٣
٢٢- (بَأَبُ الإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٤٠١
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ليس لأحد أن يتكلم، والإمام يخطب، على ظاهر
هذا الحدیث. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الراحج قول من قال بتحريم الكلام مطلقًا،
سواء سمع الخطبة، أم لا؛ لأن النبي ◌َّر لم يشترط السماع حينما حرّم الكلام، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في رد السلام، وتشميت العاطس حال
الخطبة :
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلفوا في تشميت العاطس، وردّ السلام،
والإمام يخطب، فرخصت طائفة في تشميت العاطس، ورد السلام، والإمام يخطب:
وممن رخّص في ذلك الحسن البصريّ، والنخعيّ، والشعبي، والحَكَم، وحماد،
وسفيان الثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وكان قتادة يقول: يردّ السلام، ويُسمعه، وروي
ذلك عن القاسم بن محمد .
واختلف قول الشافعي في هذا الباب، فكان إذ هو بالعراق يقول: ولا يشمتون
عاطسًا، ولا يردون سلامًا إلا بإيماء، وكان يقول بعدُ بمصر: وإن سلم رجل على رجل
يوم الجمعة كرهت ذلك، ورأيت أن يردّ عليهم بعضهم، لأن ردّ السلام فرض، ولو
عطس رجل، فشمّته رجل رجوت أن يَسَعَه، لأن التشميت سنّة.
وكان سعيد بن المسيّب يقول: لا يشمّته، وكذلك قال قتادة، وهذا خلاف قوله في
ردّ السلام، ولعل الفرق يمنعه بينهما أن ردّ السلام فرض، وليس كذلك تشميت
العاطس. وقال أصحاب الرأي: أحبّ إلينا أن يستمعوا، ويُنصتوا.
وفرق عطاء بين الحالين، فقال: إذا كنت تسمع الخطبة، فارددَلَل في نفسك،
وإذا كنت لا تسمعها، فاردد عليه، وأسمعه، وقال أحمد: إذا لم يسمع الخطبة شمّت،
ورد.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ثبت أن رسول اللّه وَ لّه قال: ((إذا قلت لصاحبك:
أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت))، فالإنصات يجب على ظاهر السنّة، وإباحة ردّ
السلام، وتشميت العاطس غير موجود بحجة، والذي أرى أن يردّ السلام إشارةٌ،
ويشمّت العاطس إذا فرغ الإمام من الخطبة انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر حسنٌ جدًّ؛ لوضوح دليله.
(١) ((الأوسط)) جـ ٤ ص ٧٠ .
(٢) ((الأوسط)) ٤/ ٧٢ - ٧٣ .

٢٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في الكلام بعد الفراغ من الخطبة :
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلفوا في الكلام بعد فراغ الإمام من الخطبة قبل
أن يدخل في الصلاة، فرخصت طائفة في ذلك:
وممن كان لا يرى به بأسا طاوس، وعطاء، والزهريّ، وحماد بن أبي سليمان،
وبكر بن عبدالله، وإبراهيم النخعي، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق،، وأبي
ثور، ويعقوب، ومحمد، وروينا عن ابن عمر أنه قال: لا بأس بالكلام إذا نزل الإمام
من المنبر يوم الجمعة حتى يكبر.
وكان الحكم بن عُتيبة يكره ذلك، وروي عن طاوس رواية توافق قول الحكم،
خلاف الرواية الأولى.
وكذا اختلفوا في الكلام بين الخطبتين، فكرهته طائفة، منهم مالك، والأزاعيّ،
والشافعي، وإسحاق، وقال الحسن البصريّ: لا بأس بالكلام بين الخطبتين، وإذا نزل
الإمام عن المنبر.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد كان الكلام مباحًا قبل خطبة الإمام، وقد أمر
الناس بالإنصات لإمامهم إذا خطب، فإذا انقضت الخطبة رجعت الإباحة، والأخبار
دالة على ذلك انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى بتصرّف(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن الإنصات يكون من خروج
الإمام إلى أن ينتهي من الصلاة، لما تقدم -١٣٩٥/١٦- من حديث جابر بن عبدالله
رَّا مرفوعًا: ((إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإمام ... ))، فقد جعل خروج الإمام مبدأ
الإنصات، فلا يتشاغل عنه إلا من يصلي تحيّة المسجد.
ولما يأتي -١٤٠٣/٢٣ - من حديث سلمان رَظُنَّه مرفوعًا: ((ما من رجل يتطهّر یوم
الجمعة ... )) وفيه: ((ثم يُنصت حتى يقضي صلاته ... ))، ففيه أن الإنصات يكون إلى
انقضاء الصلاة .
والحاصل أن الإنصات يكون من أوّل ما خرج الإمام إلى أن ينتهي من الصلاة، فلا
يتكلم في خلال ذلك سواء كان في حال الخطبة، أو بين الخطبتين، أو بين الخطبة
والصلاة، لما ذكرناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) («الأوسط)) ٤ / ٩٧ - ٨٠ .

٢٢- (بَأَبُ الإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٤٠٢
٢٢٥ =
١٤٠٢- (أَخْبَرَنَا عَبْدُالْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
جَدْي، قَالَ(١): حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابَ، عَنْ عُمَّرَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَّمَا حَدَّثَاهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ
لَغَوْتَ))).
رجال هذا الإسناد : تسعة :
١- (عبدالملك بن شعيب بن الليث بن سعد) الفَهميّ مولاهم، أبو عبدالله
المصريّ، ثقة [١١].
روى عن أبيه، وأسد بن موسى، وابن وهب، وغيرهم.
وعنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال
ابن يونس: توفي في ذي الحجة سنة (٢٤٨)، قال: كان حديثيًّا فقيها عسرًا في
الحديث، ممتنعًا. وفي ((الزهرة)) روى عنه مسلم خمسين حديثًا، وله في هذا الكتاب
(٨) أحاديث.
٢- (أبوه) شعيب بن الليث بن سعد الفَهْمي، أبو عبدالملك المصريّ: ثقة فقيه
نبيل، من كبار [١٠] تقدم ١٢٠ /١٦٦ .
٣- (عمر بن عبدالعزيز) بن مروان بن الحكم الأموي، الخليفة الراشد الثقة الحجة
[٤] تقدم ١٢٢ / ١٧١ .
٤- (عبدالله بن إبراهيم بن قارظ) هو إبراهيم بن عبدالله بن قارظ، ووهم من زعم
أنهما اثنان، صدوق [٣] تقدم ١٢٢ / ١٧١ .
والباقون تقدّموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
(١) سقطت لفظة ((قال)) من ((الهندية)).

٢٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
٢٣- (بَابُ فَضْلِ الإِنْصَاتِ، وَتَرْكِ
اللَّغْوِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
١٤٠٣- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا (١) جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي
مَعْشَرِ زِيَادٍ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ الْقَرْثَعِ الضَّبِّيِّ - وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ
الأَوَّلِيْنَ - عَنَْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَا مِنَ رَجُلٍ يَتَطَّهَّرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،
كَمَا أُمِرَ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ، وَيُنْصِتُ حَتَّى يَقْضِيَّ صَلَاتَهُ، إِلَّا كَانَ
كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإمام الثبت الحجة [١٠] تقدم ٢/٢.
٢- (جرير) بن عبدالحميد الضبي الكوفي، نزيل الري، وقاضيها، ثقة ثبت [٨]
تقدم ٢ / ٢ .
٣- (منصور) بن المعتمر الكوفي الثبت الحجة [٦] تقدم٢/ ٢.
٤- (أبو معشر زياد بن كُليب) الحنظلي الكوفيّ، ثقة [٦] تقدم ٣٠٠/١٨٨.
٥- (إبراهيم) بن يزيد النخعي الفقيه الحجة [٥] تقدم ٣٣/٢٩ .
٦- (علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٢] تقدم ٦١ / ٧٧ .
٧- (القَرْئع الضّبيّ) - بالثاء المثلثة، وزان أحمد- الكوفي، مخضرم صدوق [٢].
روى عن سلمان الفارسي، وأبي أيوب الأنصاريّ، وأبى موسى الأشعريّ،
وغيرهم. وعنه علقمة بن قيس، والمسيب بن رافع، وقَزَعَة بن يحيى، وسَهْم بن
منجاب .
قال أبو معشر: حدثنا إبراهيم، عن علقمة، عن القرنَع الضبيّ، وكان من القرّاء
الأولين .
قال الحاكم عقيب حديث له: سمعت أبا علي الحافظ يقول: أردت أن أجمع مسانيد
قرع الضبّيّ، فإنه من زُهَّاد التابعين، فوجدته لم يُسند تمام العشرة. وقال الخطيب:
كان مخضرمًا أدرك الجاهلية والإسلام، وقُتل في خلافة عثمان شهيدًا.
روى له أبو داود، والترمذي في ((الشمائل))، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا
(١) وفي نسخة ((حدثنا))، وفي أخرى ((أنا)).

٢٢٧
٢٣ - (بَأَبُ فَضْلِ الإِنْصَاتِ، وَتَرْكِ اللَّغْو ... - حديث رقم ١٤٠٣
الكتاب هذا الحديث، وحديث رقم (١٨٦٧) فقط.
٨- (سلمان) الفارسي الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه، تقدم ٤١/٣٧. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح.
غير القرئع. ومنها: أنه مسلسل بالكوفين، غير شيخه، فنيسابوري، وسلمان فمدني.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: إبراهيم، وعلقمة، والقرثع.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْقَرْثَع) بفتح القاف، وسكون الراء، بعدها مهملة (الضَّبِّيِّ ) منسوب إلى ضَبَّة
أبي قبيلة (وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ الأَوَّلِينَ) يحتمل أن يكون هذا من كلام علقمة، ويحتمل أن
یکون ممن دونه .
يعني أنّ قرثعًا كان من التابعين الأولين الذين اشتهروا بقراءة القرآن، أو بالعبادة، فإن
القارىء يُطلق على قارىء القرآن، وعلى الناسك المتعبّد.
والظاهر أن ((القراء)» هنا جمع قارىء، كما قال ابن مالك:
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلِ وَفَاعِلَهْ وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهُ
وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِرَا وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامَا نَدَرَا
لكن في ((اللسان)) ما يفيد أن القُرّاء بالضم يكونٍ مفردًا، حيث قال: والقارىء،
والمقترىء، والقُرّاءُ كله: الناسك، مثل حَسّان، وجمال انتهى.
والحاصل أن القُرّاء بالضم يكون جمع قارىء، وهو المناسب هنا، أو مفرد كرُمّان، أو
هو بالفتح كحسّان، ولكن معنى المفرد لا يناسب هنا لوصفه بـ((الأوّلين)). والله تعالى
أعلم.
(عَنْ سَلْمَانَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ) ولفظ
((الكبرى)) من طريق المغيرة، عن أبي معشر: ((قال رسول اللَّه ◌َلّ: («أتدري ما يومُ
الجمعة؟)) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((لكني أنا أحدثك عن يوم الجمعة، لا يتطهر
رجل، ثم يمشي إلى الجمعة، ثم ينصتُ حتى يقضي الإمام صلاته، إلا كانت كفّارةً لما
بينها وبين الجمعة التي قبلها، ما اجتنبت المَقْتَلَة)).
ولفظ ابن خزيمة: ((يا سلمان، ما يوم الجمعة؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال:

٢٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
(يا سلمان، ما يوم الجمعة؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((يا سلمان، ما يوم
الجمعة؟)) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((يا سلمان، يوم الجمعة به جُمع أبوك - أو
أبوكم- أنا أحدثك عن يوم الجمعة، ما من رجل يتطهر يوم الجمعة، كما أمر، ثم
يخرج من بيته حتى يأتي الجمعة، فيقعد، فينصت حتى يقضي صلاته، إلا كان كفارة
لما قبله من الجمعة)).
(مَا) نافية (منْ) زائدة (رَجُل) مبتدأ خبره جملة ((إلا غُفر له))، وجملة قوله (يَتَطَهَّرُ) صفة
(رجل)) (يَوْمَ الْجُمُعَة كَمَا أُمِرَ) أي تطهيرا مما ثلًا لما أمره اللَّه تعالى به، وهو تعميم
جسده بالغسل، إن اغتسل، أو الوضوء، إن لم يتسير له الاغتسال، أو التيمم، إن كان
من أهله.
أو المراد بالطهارة ما يعمّ ما ذُكر، وغيره من أنواع النظافة، كأخذ الشارب، والظفر،
والعانة مثلًا.
وفي رواية البخاريّ من طريق عبدالله بن وديعة، عن سلمان: (( لا يغتسل رجل يوم
الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدّهن، من دهنه، أو يمسّ من طيب بيته، ثم
يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلّم الإمام، إلا غفر
له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)).
وفي رواية عبدالله بن عمرو عند أبي داود من الزيادة: ((ويلبس من صالح ثيابه)).
(ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَيته) زاد في حديث أبي أيوب عند ابن خزيمة: ((إلى المسجد))،
ولأحمد من حديث أبي الدرداء: ((ثم يمشي، وعليه السكينة))، وللبخاري من رواية ابن
وديعة المذكورة: ((فلا يفرّق بين اثنين))، وفي حديث عبدالله بن عمرو عند أبي داود:
((ثم لم يتخط رقاب الناس))، وفي حديث أبي الدرداء: «ولم يتخطّ أحدًا، ولم يؤذه)»
(حَتَّى يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ) ((حتى)) هنا تعليليّة، أي كان خروجه لكي يأتي صلاة الجمعة فقط،
يعني أنه ما خرج لحاجة غير الجمعة، زاد في رواية ابن وديعة: (( ثم يصلي ما كتب له))
(وَيُنْصِتُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَةُ) وفي رواية ابن وديعة المذكورة: (ثم ينصت إذا تكلم
الإمام)).
ورواية المصنف تؤيد قول من قال: لا يتكلم بين الخطبتين، ولا بعد الفراغ منهما،
وقد تقدّم الكلام عليه في الباب الماضي (إِلَّا كَانَ) أي هذا العملُ، فاسم ((كان)) ضمير
يعود إلى ما ذُكر من الطهارة، وغيرها (كَفَّارَةً لَمَا قَبْلَهُ) أي للذنب الذي حصل قبل هذا
اليوم (منَ الْجُمُعَة) أي ابتداء من يوم الجمعة الماضية، فـ((من)) ابتدائية، أو المراد
بـ((الجمعة)) الأسبوعُ -كماقاله السندي- فتكون ((من)) بيانا لـ((ما)). والله أعلم.

٢٣- (بَأَبُ فَضْلِ الإِنْصَاتِ، وَتَرْكِ اللَّغْو ... - حديث رقم ١٤٠٣
=
٢٢٩
وعند البخاري: ((غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)). وعند ابن خزيمة ((غفر له ما
بينه وبين الجمعة التي قبلها)). ولابن حبان من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن
أبي هريرة ◌َزي: ((غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام من التي
بعدها)). وفي رواية المصنف في ((الكبرى)) كما تقدم ((ما اجتنبت المقتلة)). وزاد ابن
ماجه في رواية أخرى عن أبي هريرة: (( مالم يَغْشَ الكبائر))، ونحوه لمسلم.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر - والله أعلم - أن المراد بـ((المقتلة)) أسباب
القتل، فيكون بمعنى الرواية الأخرى ((ما اجتنبت الكبائر))، وذلك لأن كثيرًا من الكبائر
سبب لقتل صاحبه، فإذا اجتنب الكبائر اجتنب أسباب القتل. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في بيان درجته :
حديث سلمان رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤٠٣/٢٣ - وفي ((الكبرى)) - ١٧٢٤/٣١ - عن إسحاق بن إبراهيم،
عن جرير بن عبدالحميد، عن منصور بن المعتمر، عن أبي معشر زياد بن كُليب، عن
إبراهيم، عن علقمة، عن القَرْئَع الضبّيّ، عنه. وفي ((الكبرى)) - ١٧٢٥/٣١ - عن
إبراهيم بن يعقوب، عن عفّان بن مسلم، ويحيى بن حماد - والنسق لعفّان- كلاهما عن
أبي عوانة، عن المغيرة، عن أبي معشر به.
وأخرجه (خ) ٤/٢ و٩/٢ وتقدم لفظه قريبًا (أحمد) ٤٤٠/٥ و٤٣٨/٥ و٤٣٩/٥
(الدارمي) ١٥٤٩ (ابن خزيمة)، ١٧٣٢ والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده(١) :
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان فضل الإنصات، وترك اللغو في حال خطبة
الجمعة .
ومنها: كراهة التخطي يوم الجمعة، لقوله: ((ثم لم يتخطّ رقاب الناس))، وقد تقدم
تمام البحث فيه قبل بابين.
ومنها: استحباب المشي، وعدم الركوب في السعي إلى الجمعة.
ومنها: مشروعية النافلة قبل خطبة الجمعة، لقوله: ((ثم صلى ما كتب له))، ثم قال:
(١) ليس المراد فوائد سياق المصنف فقط، بل ما يشمل الزيادات التي نبّهتُ عليها في الشرح، فتنبّه.

٢٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
((ثم ينصت)) فدلّ على تقدم ذلك على الخطبة، وقد بينه أحمد من حديث نُبيشة الهذلي
بلفظ: (( فإن لم يجد الإمام خرج صلى ما بدا له)) .
ومنها: جواز النافلة نصف النهار يوم الجمعة، كذا قيل، وفيه نظر.
ومنها: أن التبكير ليس من ابتداء الزوال، لأن خروج الإمام يعقب الزوال، فلا يسع
وقتًا يتنفّل فيه.
ومنها: أنه قد تبين بمجموع ما ذكر من الروايات أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى
الجمعة مشروط بوجود جميع ما تقدّم، من غسل، وتنظيف، وتطيّب، أو دهن، ولبس
أحسن الثياب، والمشي بالسكينة، وترك التخطي والتفرقة بين الاثنين، وترك الأذى،
والتنفّل، والإنصات، وترك اللغو.
ووقع في حديث عبدالله بن عمرو: ((فمن تخطّى، أو لغا كانت له ظهرًا)).
ودلّ التقييد بعدم غشيان الكبائر على أن الذي يُكفّر من الذنوب هو الصغائر، فتحمل
الروايات المطلقة كلها على هذا المقيّد، وذلك أن معنى قوله: ((ما لم تُغْشَ الكبائر))،
أي فإنها إذا غُشيت لا تُكفّر، وليس المراد أن تكفير الصغائر شرطه اجتناب الكبائر، إذ
اجتناب الكبائر بمجرّده يكفّرها، كما نطق به القرآن، ولا يلزم من ذلك أن لا يكفّرها إلا
اجتناب الكبائرِ، وإذا لم يكن للمرء صغائر تُكفّر رُجي له أن يُكفّر عنه بمقدار ذلك من
الكبائر، وإلا أُعطي من الثواب بمقدار ذلك، وهو جارٍ في جميع ما ورد في نظائر ذلك.
قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢٤ - (بَابُ كَيْفِيَّةِ الْخُطْبَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وقع في نسخة («بَابٌ كيف الخطبةُ))، فعلى الأول
ف(باب)) مضاف إلى ((كيفية))، وعلى الثاني يحتمل أن يكون مضافًا إلى جملة ((كيف
الخطبة))، ويحتمل أن يكون منوّنًا، والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤٠٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ،
(١) ((فتح)) ٢٥/٣ - ٢٧.

٢٣١ :
٢٤- (بابُ کیفیة الخُطْبةِ) - حدیث رقم ١٤٠٤
قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ، عَنِ
النَّبِيِّ نَِِّّ، قَالَ: عَلَّمَنَا خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ
شُرُورٍ أَنْفُسِنَا، وَسَيْئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ، فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ))، ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَثَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
أَنَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَبِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءٍ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى
تَسَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ
قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، وَلَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مَسْعُودٍ، وَلَا عَبْدُالْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصري، ثقة ثبت [١٠] تقدّم ٦٤ / ٨٠.
٢- (محمد بن بشار) أبو بكر المعروف بـ((بُندَار)) البصريّ، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٢٤/
٢٧ .
٣- (محمد بن جعفر) غُندر تقدم قبل خمسة أبواب.
٤- (شعبة) بن الحجاج، تقدم قبل خمسة أبواب أيضًا.
٥- (أبو إسحاق) عمرو بن عبدالله السبيعيّ الكوفي، ثقة عابد اختلط في آخره [٣]
تقدم ٤٢/٣٨ ٠
٦- (أبو عُبيدة) بن عبدالله بن مسعود الكوفي، ثقة، من كبار الثالثة، لا يعرف
اسمه، تقدم ٥٥/ ٦٢٢ .
٧- (عبدالله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، تقدم ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ) الضمير يعود إلى عبدالله، أي
قال عبدالله بن مسعود، حال كونه راويًا عن النبي ◌َِّ (عَلَّمَنَا) الضمير الفاعل يعود إلى
النبي ◌َّةِ،، والجملة مقول القول (خُطْبَةَ الْحَاجَةِ) أي الخطبة التي تقال عند افتتاح
الكلام لقضاء الحاجة، من النكاح وغيره.
قال السنديّ نَّلهُ : الظاهر عموم الحاجة للنكاح وغيره، فينبغي للإنسان أن يأتي
بهذا ليستعين به على قضائها وتمامها، ولذلك قال الشافعيّ ◌َّلهُ: الخطبة سنة في أول

٢٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
العقود كلها، مثل البيع، والنكاح، وغيرهما، والحاجة إشارة إليها.
ويحتمل أن المراد بالحاجة النكاح، إذ هو الذي تعارف فيه الخطبة، دون سائر
الحاجات، وعلى كلّ تقدير فوجه ذكر المصنف الحديث في هذا الباب، لأن الأصل
اتحاد الخطبة، فما جاز، أو جاء في موضع جاز في موضع آخر أيضًا، وكأنه جاء فيه،
والله تعالى أعلم انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: بل الاحتمال الأول هو الصواب، لأن في سنن أبي داود
التصريح بذلك، فقد أخرجه من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن
عبدالله بن مسعود: ((في خطبة الحاجة، في النكاح وغيره))، والله تعالى أعلم.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ) وفي رواية ((عمل اليوم والليلة)) من طريق إسماعيل بن حمّاد بن أبي
سليمان، عن أبي إسحاق: ((إن الحمد لله، نحمده))، قال الجزري في ((تصحيح
المصابيح)): يجوز تخفيف ((أن))، وتشديدها، ومع التشديد يجوز رفع ((الحمد))،
ونصبه، ورویناه بذلك انتهى.
وقال الطيبي: ((أن)) مخفّفة من الثقيلة، كقوله تعالى: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنِهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
والحمد هنا يجب أن يُحمل على الثناء الجميل(٢) من نعمة، أو غيرها، من أوصاف
الكمال والجلال والجمال، والإكرام، والأفعال العظام، والتعريفُ على استغراق
الجنس، فيفيد أن كلّ نعمة من النعم الدنيوية والأخروية ليست إلا منه، وكلّ صفة من
صفات الكمال، وفضائل الأعمال له، ومنه، وإليه، لتترتب عليه الأفعال المتناسقة
بعده، من الاستعانة، والاستغفار، والاستعاذة. أفاده القاري(٣).
(نَسْتَعِينُهُ) أي في جميع الأمور، قال القاري تَخْذَّلُهُ: أي في حمده، وغيره، وهو،
وما بعده جُلٌ مستأنفة مبينة لأحوال الحامدين انتهى.
(وَنَسْتَغْفِرُهُ) أي من تقصير عبادته، وتأخير طاعته (وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورٍ أَنْفُسِنَا) أي
نعتصم بالله من ظهور شرور أخلاق أنفسنا الرديّة، وأحوال طباع أهوائنا الدَّنية (وَسَيِّئَاتِ
أَعْمَالِنَا) وفي رواية بزيادة ((من))، وهو من إضافة الصفة للموصوف، أي من أعمالنا
السيّئة (مَنْ يُهْدِهِ اللَّهُ) بإثبات الضمير، وفي رواية بحذفه، أي من يُوفّقهُ اللَّه لاتباع طريق
الحقّ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) أي من شيطان، أو نفس، أو غيرهما (وَمَنْ يُضْلِلْ) بحذف الضمير
(١) ((شرح السندي)) ١٠٥/٣.
(٢) لعل الصواب ((الثناء بالجميل إلخ)) بزيادة الباء.
(٣) ((المرقاة شرح المشكاة)) جـ ٦ ص ٣٠٨.

٢٣٣
٢٤ - (بَابُ كَيْفِيَّةِ الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٤٠٤
المنصوب، أي من يُزغه عن اتباع الحقّ، يقال: ضلّ الرجلُ الطريقَ، وضلّ عنه يَضلّ
من باب ضرب، ضَلَالًا، وضلالةً: زلْ عنه، فلم يهتد إليه، وأضله الله يتعدى بالهمزة
(فَلَا هَادِيَ لَهُ) أي لا أحد يهديه إلى الحقّ، لا من جهة العقل، ولا من جهة النقل، ومن
جهة أحد من الخلق.
قال الطيبي ◌َّلهُ: أضاف الشرّ إلى الأنفس أوّلًا كسبًا، والإضلال إلى اللَّه تعالى
ثانيًا خلقًا وتقديرًا. انتهى.
(وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) زاد في رواية ((عمل اليوم والليلة)): ((وحده لا شريك له))
(وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) تقدم معنى الشهادتين في ((كتاب الأذان)).
(ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ) قال الطيبيّ: هذا يقتضي معطوفًا عليه، فالتقدير يقول: ((الحمد
للَّه))، ثم يقرأ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ) أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح
عن ابن مسعود رَّه ، موقوفًا، قال: هو أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يذكر فلا يُنسى،
وأن يُشكر فلا يُكفر.
وقد ذهب سعيد بن جُبير، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيّان،
وزيد بن أسلم، والسُّدّيّ، وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا
اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رَّت: إنها لم تنسخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَائِهِ﴾
أن يُجاهدوا في سبيله حقّ جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو
على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم.
﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾ أي حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم،
لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى سنته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن
مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك(١).
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ هي آدمَلَِّرُ (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)
هي حوّاء عليها السلام، خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه، وهو نائم، فاستيقظ،
فرآها، فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رَبِّها، قال: ((خُلقت المرأة من الرجل، فجُعلت
نهمتها في الرجل، وخُلق الرجل من الأرض، فجُعلت نهمته في الأرض، فاحبسوا
نساءكم)) .
(١) راجع ((شرح ابن كثير)) في ((تفسير سوة آل عمران)) جـ ١ ص ٣٩٦.

٢٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ◌َّه مرفوعًا: ((إن المرأة خلقت من ضلع، وإن
أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تُقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها،
وفيها عوج)). وفي لفظ لمسلم: ((إن المرأة خُلقت من ضلع، لن تستقيم على طريقة)
فإن استمتعت بها استمتعت بها، وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها
طلاقها)).
﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءٍ﴾ أي وذرأ من آدم وحوّاء رجالًا كثيرًا ونساء، ونشرهم في
أقطار العالم على اختلاف أصنافهم، وصفاتهم، وألوانهم، ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك
المعاد والمحشر.
﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ بطاعتكم إياه ﴿الَّذِى تَسَاءَلُونَ﴾ بحذف إحدى التاءين، وبتشديد السين،
قرءتان متواترتان (بِه) أي تتساءلون فيما بينكم حوائجكم بالله، كما تقولون: أسألك
باللّه، قال إبراهيم، ومجاهد، والحسن: ﴿الَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ،﴾ أي كما يقال: أسألك بالله
وبالرحم .
﴿وَالْأَرْحَامُ﴾ بالنصب عند عامّة القرّاء، أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفيه المبالغة
في اجتناب قطع الرحم.
وقال الضحاك: واتقوا الله الذي تعاقدون، وتعاهدون به، واتقوا الأرحام أن
تقطعوها، ولكن برّوها، وصلوها.
وقرأ حمزة: ﴿وَالْأَرْحَمَ﴾ بالجرّ على العطف على الضمير في ((به))، أي تساءلون
باللّه، وبالأرحام، كما قال مجاهد وغيره.
والعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ فصيح على الصحيح، كما قال
ابن مالك :
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ضَمِيرٍ خَفْضِ لَازِمَا قَدْ جُعِلَا
وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا
وفي قراءة شاذة عن ابن مسعود: ((وبالأرحام)). وقيل: الجرّ للجوار، وقيل: الواو
للقسم .
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي هو مراقبٌ لجميع أحوالكم، وأعمالكم، كما قال:
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِهُ﴾. وفي الصحيح: ((اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه
يراك))، وهذا إرشاد، وأمر بمراقبة الرقيب.
وإنما ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد، وأمّ واحدة ليُعَطّفَ بعضهم على
بعض، ويَحُثَّهُم على ضعفائهم.

٢٣٥
٢٤ - (بَابُ كَفِيَّةِ الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٤٠٤
(﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا﴾) أي مستقيمًا لا اعوجاج فيه، ولا
انحراف ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ هذا وَعْد منه سبحانه وتعالى أنهم إن
فعلوا ذلك أثابهم عليه، بأن يُصلح لهم أعمالهم، أي يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن
يغفر لهم الذنوب الماضية، وما قد يقع منهم في المستقبل يُلهمهم التوبة منها. ﴿وَمَن
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي بامتثال الأوامر، واجتناب الزواجر، ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي بأن
يُجار من نار الجحيم، ويصير إلى النعيم المقيم(١).
زاد الطبراني بعد ذكر الآيات: ((أما بعد)) ثم يذكر حاجته .
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائي (أَبُو عُبَيْدَةً لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ) عبدالله بن مسعود
وغرض المصنف رحمه اللَّه تعالى بهذا بيان أن هذا السند فيه انقطاع، حيث إن أبا
عبيدة لم يسمع من أبيه.
وهذا الذي قاله المصنف رحمه الله تعالى قد ثبت عن أبي عبيدة نفسه، فقد ذكر
الترمذيّ عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: سألت أبا عبيدة، هل تذكر من عبدالله
شيئًا؟ قال: لا(٢) .
(وَلَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُود) يعني أن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود،
وهو أخو أبي عُبيدة لم يسمع من أبيه أيضًا.
وهذا الذي قاله المصنف رَخْذَهُ، قد اختلف فيه أهل العلم بالآثار، فمنهم من أثبت
سماعه، ومنه من نفاه :
قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة قليل الحديث، وقد تكلّموا في روايته عن أبيه، وكان
صغيرًا. فأما علي بن المديني، فقال: قد لقي أباه. وقال ابن معين: عبد الرحمن،
وأبو عبيدة لم يسمعا من أبيهما. وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد: مات
عبدالله، وعبدالرحمن ابن ست سنين، أو نحوها. وقال أحمد، أما سفيان الثوريّ،
وشريك، فإنهما يقولان: سمع، وأما إسرائيل، فإنه يقول في حديث الضبّ: سمعت.
وقال العجلي: يقال: إنه لم يسمع من أبيه إلا حرفًا واحدًا: ((محرّم الحلال كمستحلّ
الحرام)). وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: سمع من أبيه، وعن عليّ.
وروى البخاريّ في ((التاريخ الصغير)) بإسناد لا بأس به، عن القاسم بن عبدالرحمن
ابن عبدالله بن مسعود، عن أبيه، قال: لمّا حَضَرَ عبدالله الوفاةُ قال له ابنه عبدالرحمن :
(١) (تفسير ابن كثير)) في ((سورة الأحزاب)) جـ ٣ ص ٥٢٩.
(٢) انظر ((تت)) في ترجمة ((عامر بن عبد الله بن مسعود)).

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
٢٣٦
يا أبت أوصني، قال: ((ابْك من خطيئتك)).
وروى البخاريّ أيضًا في ((التاريخ الكبير))، وفي ((الأوسط)) من طريق ابن خُثيم، عن
القاسم بن عبدالرحمن، عن أبيه، قال: إني مع أبي، فذكر الحديث في تأخير الصلاة،
زاد في ((الأوسط)): قال شعبة: لم يسمع من أبيه. وحديث ابن خُثيم أولى عندي.
وقال ابن المديني في ((العلل)): سمع من أبيه حديثين: حديث الضبّ، وحديث
تأخير الوليد للصلاة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وأسند حديثه: ((محرم
الحلال)) من طريق سماك عنه.
وقال أبو حاتم: سمع من أبيه، وهو ثقة.
وقال الحاكم: اتفق مشايخ أهل الحديث أنه لم يسمع من أبيه انتهى.
قال الحافظ: وهو نقل غير مستقيم.
وقال خليفة: مات مقدم الْحَجَّاج العراق سنة (٧٩)(١) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر من كلام الأكثرين أنه سمع من أبيه قليلًا،
بخلاف أبي عبيدة، فإنه لم يسمع شيئًا. والله تعالى أعلم.
(وَلَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) يعني أن عبدالجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من
أبيه .
وهذا الذي قاله المصنف ثبت عن غيره أيضًا، فذكر الدُّوريّ عن ابن معين، قال: لم
يسمع من أبيه شيئًا. وقال أبو داود، عن ابن معين: مات أبوه، وهو حَمْل. وقال
الترمذيّ: سمعت محمدًا -يعني البخاريّ- يقول: عبدالجبار لم يسمع من أبيه، ولا
أدركه. وقال ابن حبان في ((الثقات)): من زعم أنه سمع أباه، فقد وهم، لأن أباه مات،
وأمه حامل به. وقال البخاريّ: لا يصحّ سماعه من أبيه، مات أبوه قبل أن يولد. وقال
ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله قليل الحديث، ويتكلمون في روايته عن أبيه، ويقولون
لم يلقه .
وبمعنى هذا قال أبو حاتم، وابن جرير الطبري، والْجُريري، ويعقوب بن سفيان،
ويعقوب بن شيبة، والدارقطنيّ، والحاكم، وقبلهم ابن المدينيّ، وآخرون(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أنهم اتفقوا على أن عبدالجبار لم يسمع
من أبيه شيئًا .
وأما ما قاله في ((تهذيب الكمال)): إنه قد صحّ عنه أنه قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة
(١) (تت)) في ترجمة ((عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود)).
(٢) ((تت)) في ترجمة ((عبد الجبار بن وائل)).

٢٤ - (بابُ كيفية الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٤٠٤
٢٣٧ =
أبي. فقد رَدّه الحافظ بما نص عليه البزار من أن هذا القول لعلقمة بن وائل، لا لأخيه
عبدالجبار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبدالله بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
فإن قيل: كيف يصح، وفيه انقطاع، كما بينه المصنف؟.
أجيب: بأنه موصول من طريق آخر صحيح، فقد أخرجه المصنف ١٩٠/ ١١٦٤ -
عن أبي الأحوص، عن عبداللّه رَبّه . وله طريق أخرى عن عمران القطان، عن قتادة،
عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن ابن مسعود رَّه، بلفظ: أن رسول اللّه وَلَّ كان إذا
تشهد قال: ((الحمد لله، نستعينه، ونستغفره ... )) الحديث، إلى قوله: ((عبده
ورسوله))، وزاد: (( أرسله بالحقّ بشيرًا ونذيرًا، بين يدي الساعة، من يُطع اللَّه ورسوله
فقد رشد، ومن يعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئًا)). أخرجه أبو داود،
والبيهقيّ، والطبرانيّ في (الكبير)). وسنده ضعيف، فأبو عياض مدني مجهول، كما في
((ت) .
وله شواهد من حديث أبي موسى الأشعريّ، وابن عباس، وجابر، ونُبَيط بن
شَريط، وعائشة رضي اللَّه تعالى عنهم.
وقد تكلم على أحاديث هؤلاء الصحابة * العلامةُ المحدث الكبير الشيخ محمد
ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى في رسالة نافعة جامعة، فأحسن، وأجاد، وأسهب
وأعاد، فجزاه الله عن خدمة كتب السنة، والعناية بها أتمَّ عناية خير الجزاء. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢٤ / ١٤٠٤ - وفي ((عمل اليوم والليلة)) ٤٩١- عن محمد بن المثنى،
ومحمد بن بشار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي
عبيدة، عنه. وفي ((عمل اليوم والليلة)) عن زكريا بن يحيى السجزيّ، عن وهب بن
بقية، عن خالد بن عبدالله، عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبي إسحاق به .
قال أبو عبيدة: وسمعت أبا موسى، يقول: كان رسول اللَّه بَ لَّه يقول: ((فإن شئت أن
تَصلَ خطبتك بآي من القرآن، فقل: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَانِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾،
﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىِ تَسََّلُونَ بِهِ، وَآلْأَرْحَمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿اَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا

٢٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
. فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أما بعد، ثم تكلّم بحاجتك)).
وفي ٤٩٣- عن محمد بن المثنى، عن عبدالرحمن، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق،
عن أبي عبيدة، عن عبدالله، قال: علّمنا رسول اللَّه وَالر خطبة الحاجة: ((الحمد لله
نحمده، ونستعينه ... ثم ذكر مثله سواءً، وقال: قال عبدالله: ثم تصل خطبتك بثلاث
آيات، وساق الحديث.
وأخرجه (د) ٢١١٨ و٢١١٩. (الطيالسي) ٣٣٨ (أحمد) رقم ٣٧٢٠ و٤١١٥ (أبو
يعلى)) والطبراني في ((المعجم الكبير))، والبيهقي في ((سننه ١٤٦/٧ من طرق. والله
تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده :
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان كيفية الخطبة، فينبغي
للخطيب أن يستنّ بهذه السنة التي كادت تموت، فيحييها، فيكون له أجر من أحيى سنة
أمیتت .
ومنها: أن الحاجة يستحبّ افتتاحها بهذه الخطبة، فإنها سوف تنجح ببركة هذا
الذكر .
ومنها: أن الخطبة ينبغي أن تكون مشتملة على الحمد، والشهادتين، وبعض الآيات
القرآنية .
وقد ذكر النووي رحمه الله تعالى في ((شرح المهذب)) أن فروض الخطبة خمسة:
(أحدها): حمد الله تعالى (الثاني): الصلاة على رسول اللّه وَلَلـ (الثالث): الوصيّة
بتقوى الله تعالى. (الرابع): قراءة القرآن. (الخامس): الدعاء للمؤمنين. وقد ذكر هذه
الأمور مفصلة، فراجعه (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعوى كون هذه الأمور كلها من فروض الخطبة
يحتاج إلى دليل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) ((المجموع)) جـ ٤ ص ٣٨٨ - ٣٩٠.

٢٥- (بَابُ حَضِّ الإِمَامِ فِي خُطْبَّهِ عَلَى ... - حديث رقم ١٤٠٦
=
٢٣٩
٢٥- (بَابُ حَضِّ الإِمَامِ فِي خُطْبَتِهِ
عَلَى الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الحَضُّ)) -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الضاد
المعجمة -: هو الحثّ على الشيء، والحمل عليه، يقال: حَضَّه على الأمر خَضًّا، من
باب قتل: حَمَلَه عليه، والتحضيض منه، لكنه شُدّد مبالغةً.
وحروف التحضيض: ((هَلَّا))، و((أَلَّا)) -بالتشديد- و(لولا))، و((لوما))،
قال النحاة: دخولها على المستقبل حَثٍّ على الفعل، وطلب له، وعلى الماضي
توبيخ على ترك الفعل، نحو ((هلّا تنزل عندنا))، و((هلّا نزلت)). أفاده في ((المصباح)).
وإضافة ((حضّ)) إلى ((الإمام)) من إضافة المصدر إلى فاعله، ومفعوله محذوف، أي
الناسَ، والجاران، والظرف تتعلق بـ((حضّ)). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤٠٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنِ الْحَكَم، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِّ، فَقَالَ: «إِذَا رَاحَ
أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَلْيَغْتَسِلْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تمامُ البحث فيه
سندًا ومتنًا في -١٣٧٦/٧-، فراجعه هناك تستفد.
وممن لم يتقدم هناك من رجال إسناده: محمد بن بشار، ومحمد بن جعفر، وشعبة،
وقد تقدموا في الباب الماضي، والحكم، وهو ابن عتيبة أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت
فقيه، ربما دلس [٥]، تقدم ٨٦/ ١٠٤ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَشِيطِ، أَنَّهُ
سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: سُنَّةٌ، وَقَدْ حَدَّثَنِي بِهِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ،
عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ تَكَلَّمَ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (محمد بن سلمة) المرادي المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم ٢٠/١٩.
٢- (ابن وهب) عبد اللَّه المصري تقدم قريبًا.
٣- (إبراهيم بن نَشيط) -بفتح النون، وكسر المعجمة- ابن يوسف الوَعْلانيّ،
ويقال: الْخَوْلانيّ مولاهم أبو بكر المصري، ثقة [٥].

٢٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
دخل على عبدالله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيديّ، ورَوَى عن الزهريّ، وبُكير بن
الأشجّ، وعبدالله بن أبي حسين، وغيرهم. وعنه الليث، وابن المبارك، وابن وهب.
قال أبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطنيّ ثقة. وقال أحمد: ثقة ثقة. وذكره ابن حبان
في ((الثقات))، وقال العجليّ: ثقة. وقال ابن يونس: غزا مع مسلمة بن عبدالملك،
وكانت له عبادة وفضل. وقال يحيى بن بُكير: مات سنة إحدى، أو اثنتين، وقيل: سنة
(١٦٣). قال ابن يونس: الصواب سنة (٣).
أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، والمصنفّ، وابن ماجه، وله في
هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤- (ابن شهاب) الزهري، تقدم قريبًا.
٥- (سالم بن عبدالله بن عمر) العدوي المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٢٣ /٤٩٠.
٦- (أبوه) عبدالله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما المذكور في السند الماضي. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير
إبراهيم بن نشيط، ومنها أنه مسلسل بالمصريين، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه سالم
أحد الفقهاء السبعة، وأبوه أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَشِيطٍ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أي عن
مشروعيته (فَقَالَ: سُنَّةٌ) خبر لمحذوف، أي هو سنّة، وطريقة أتى بها رسول اللّه وَله
ثم ذكر مستنده فيما قاله (وَقَدْ حَدَّثَنِي بِه) أي بغسل يوم الجمعة، وذكّر الضمير هنا
باعتبار الغسل، وأنثه فيما يأتي باعتبار السنة (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ) رَِّ (أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ بِ هِ تَكَلَّمَ بِهَا) أي بهذه السنة (عَلَى الْمِثْبرِ) هذا محلّ الترجمة، حيث إن النبي
وَالر حضّ في خطبته على غسل يوم الجمعة، وفي الرواية التالية من رواية عبدالله بن
عبدالله بن عمر، عن أبيه، عن رسول اللَّه بِّرله أنه قال، وهو قائم على المنبر: ((من
جاء منكم الجمعة، فليغتسل)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث :
المسألة الأولى: في درجته: