النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ = ١٧ - (مقَمُ الإِمَامِ فِي الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٣٩٦ فأمر بها، فوُضعت ههنا، ثم رأيت رسول اللَّه وَ لّ- صلى عليها، وكبر، وهو عليها، ثم ركع، وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: ((أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا، ولتعَلَّموا صلاتي))(١). (وَاسْتَوَى عَلَيْهِ) أي ارتفع على ذلك المنبر (اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّاريَةُ) أي تحركت (كَحَنينِ النَّاقَة، حَتَّى سَمعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِد) الظاهر أن قوله ((كحنين الناقة)) متعلق بمحذوف، أي وحَنَّتْ حَنينًا كحنين الناقة، أي كاشتياقها إلى ولدها، يقال: حنّت المرأة حَنينًا: اشتاقت إلى ولدها. قاله في ((المصباح)). وفي رواية في ((الكبرى)): ((اضطربت السارية كحنين الناقة الخَلُوج)). والخَلُوج بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام الخفيفة، آخره جيم: الناقة التي انتُزع منها ولدُها. وفي رواية للبخاري من طريق أيمن، عن جابر رَظمفيه: ((فصاحت النخلة صياح الصبيّ))، وفي رواية له: ((فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار)). والعشار بكسر المهملة، بعدها معجمة خفيفة، جمع عُشَراء بضم، ففتح، وهي الناقة التي انتهت في حملها إلى عشرة أشهر. وفي حديث أنس ◌َظنّه عند ابن خزيمة: ((فحنّت الخشبة حنين الولد)). وفي روايته الأخرى عند الدارميّ: ((خَارَ ذلك الجذع كخُوَار الثور)). وفي حديث أبيّ بن كعب رَزّ عند أحمد، والدارميّ، وابن ماجه: «فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدّع، وانشقّ)). (حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ) أي من منبره (فَاعْتَنَقَهَا، فَسَكَتَتْ) وفي نسخة: ((فسكنت)). وفي رواية للبخاري: ((ثم نزل النبي ◌ُّ، فضمها إليه، تئنّ أنين الصبي الذي يُسكّن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها)). وفي رواية الإسماعيلي، من طريق يحيى بن السكن، عن معاذ: فأتاه، فاحتضنه، فسكن، فقال: ((لو لم أفعل لما سكن))، ونحوه في حديث ابن عباس عند الدارمي بلفظ: ((لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة))، ولأبي عوانة، وابن خُزيمة، وأبي نعيم في حديث أنس: ((والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة، حزنًا على رسول اللّه وَّرَ، ثم أمر به، فدفن))، وأصله في الترمذيّ، دون الزيادة. ووقع في رواية الحسن، عن أنس رَميّه: ((كان الحسن إذا حدّث بهذا الحديث يقول: يا معشر المسلمين الخشبة تحنّ إلى رسول اللَّه ◌َم ◌ّ شوقًا إلى لقائه، فأنتم أحقّ أن (١) ((صحيح البخاري)) جـ ٢ ص ١١. ٢٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ تشتاقوا إليه)). وفي حديث أبي سعيد عند الدارمي: ((فأمر به أن يحفر له، ويدفن)). ولا تنافي بين رواية دفنه وبين ما رُوي أنّ أبي بن كعب ◌َّه أخذ ذلك الجذع لمّا هُدم المسجد، فلم يزل عنده حتى بلي، وعاد رُفَاتًا. لاحتمال أن يكون ظهر بعد الهدم عند التنظيف، فأخذه أبي بن كعب رَّه. قاله في ((الفتح)). وفي حديث سهل بن سعد ◌َّه عند أبي نعيم: ((فقال: ألا تعجبون من حنين هذه الخشبة؟ فأقبل الناس عليها، فسمعوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم)). وفي حديث بريدة رَّه عند الدارميّ أن النبي ◌َّ قال له: ((اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه، فتكون كما كنت -يعني قبل أن تصير جذعًا- وإن شئت أن أغرسك في الجنة، فتشرب من أنهارها، فيحسن نبتك، وتثمر، فيأكل منك أولياء الله))، فقال النبي ◌َّله: ((اختار أن أغرسه في الجنة)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبدالله رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٣٩٦/١٧ - وفي ((الكبرى)) - ١٧١٠/٢١ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ١٢٢/١ و١١/٢ و٨٠/٣ و٢٣٧/٤. (ق) ١٤١٧ (أحمد) ٢٩٣/٣ و٢٩٥/٣ و٣٠٠/٣ و٣٠٦/٣ و٣٢٤/٣. (الدارمي) ٣٣ و٣٤ و٣٥ و١٥٧٠ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده : منها: ما بوّب له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان مقام الإمام في حال خطبته، ففيه بيان استحباب قيام الإمام على المنبر، أو على محلّ مرتفع، حتى يسمع الناس خطبته . ومنها: أن فيه آيةً بينةً، ومعجزة باهرةً للنبي وَّر، حيث حنّت إليه الجمادات، بينما يكذبه الذين يزعمون أنهم عقلاء، ويبغضونه، وهذا من العجب العُجَاب، ولقد أحسن من قال، وأجال في المقال: رِسَ عَنْهُ لِأَحْمَدَ الْفُصَحَاءُ وَالْجَمَادَاتُ أَقْصَحَتْ بِالَّذِي أُخْـ أَلِفَتْهُ ضِبَابَا وَالظُّبَاءُ وَيْحَ قَوْمِ جَفَوَا نَبِيًّا بِأَرْضٍ ١٧ - (مقَامُ الإمَامِ فِي الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٣٩٦ = ٢٠٣ = الْغُرَبَاءُ وَوَدَّهُ وَسَلَوْهُ وَحَنَّ جِذْعٌ إِلَيْهِ وَقَلَوْهُ قال البيهقي ◌َّلهُ : قصّة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، ورواية الأخبار الخاصّة فيها كالتكلّف. ومنها: أن فيه دلالة على أن الجمادات قد يخلق اللَّه لها إدراكًا، كالحيوان، بل كأشرف الحيوان . ومنها: أن فيه تأييدًا لقول من يحمل قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَمِحُ بِحَدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] على ظاهره. [فائدة]: نقل ابن أبي حاتم ◌َخْدَّتُهُ في ((مناقب الشافعي))، عن أبيه، عن عمرو بن سوّاد، عن الشافعي ◌َّتُهُ، قال: ما أعطى اللَّه نبيّا ما أعطى محمدًا وَلّ، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمدًا مَ لتر حنين الجذع حتى سُمع صوته، فهذا أكبر من ذلك انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في حكم الخطبة للجمعة : قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الجمعة تُصلى، ولم يُخطب لها، فقالت طائفة: تجزيهم جمعتهم، خطب الإمام، أو لم يخطب، هكذا قال الحسن البصريّ. قال ابن المنذر: ولعل من حجة قائل هذا القول حديث عمر رَزاله : ((صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان النبي (وَ لير)). وقالت طائفة: إذا لم يخطب الإمام صلى أربعًا، كذلك قال عطاء، والنخعي، وقتادة، وبه قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، ویعقوب، ومحمد. وروينا عن سعيد بن جبير أنه قال: كانت الجمعة أربعًا، فجعلت الخطبة مكان الركعتين. انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى(١). وقال أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى ردا على القائلين بالفرضية: فأما أبو حنيفة، ومالك فقالا: الخطبة فرض، لا تجزىء صلاة الجمعة إلا بها، والوقوف في الخطبة فرض، واحتجًا بفعل رسول اللَّه وَلقر، ثم تناقضا، فقالا: إن خطب جالسًا أجزأه، وإن خطب خطبة واحدة أجزأه، وإن لم يخطب لم يجزه. قال: من الباطل أن يكون بعض فعله وَّل فرضًا، وبعضه غير فرض. وقال الشافعي: (١) ((الأوسط)) جـ ٤ ص ٥٩ - ٦٠. ٢٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ إن خطب خطبة واحدة لم تجزه الصلاة، ثم تناقض، فأجاز الجمعة لمن خطب قاعدًا، والقول عليه في ذلك كالقول على أبي حنيفة ومالك في إجازتهما الجمعة بخطبة واحدة، ولا فرق. قال: فإن ادعوا إجماعًا أكذَبهم ما رويناه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن البصريّ: من لم يخطب يوم الجمعة صلى ركعتين على كلّ حال. وقد قاله أيضًا ابن سيرين. قال: فإن قالوا: لم يصلّها وَلل قط إلا بخطبة. قلنا: ولا صلاها وَلّ قط إلا بخطبتين قائمًا يجلس بينهما، فاجعلوا كل ذلك فرضًا لا تصح الجمعة إلا به، ولا صلى ◌َ لل قط إلا رفع يديه في التكبيرة الأولى، فأبطلوا الصلاة بترك ذلك. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى باختصار. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أنّ ما ذهب إليه من قال بعدم وجوب الخطبتين هو الحقّ، لأنه لادليل على الوجوب إلا مجرّد فعل النبيِ وَلِّ، وهو لا يكفي في إثبات الوجوب، كما هو مقرر في محله من كتب الأصول، وسيأتي تمام البحث في ذلك في ((باب كم الخطبة)) ١٤١٥/٣٣ إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)) . ١٨ - (قِيَامُ الإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ) ١٣٩٧- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَذَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنٍ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أُمّ الْحَكَمِ، يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا، يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَّةً أَوْ لَمْوَ أَنفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]). رجال هذا الإسناد: سبعة : (أَخْمَدُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الْحَكَم) أبو الحسين البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥٨٣/٣٩. ٢٠٥ ١٨ - (قِيَامُ الإِمَامِ فِي الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٣٩٧ (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر) المعروف بغندر البصري، ثقة [٩] تقدم ٢٢/٢١ . ٣- (شعبة) بن الحجاج المذكور قبل باب. ٤- (منصور) بن المعتمر الكوفي الحجة الثبت المشهور [٦] تقدم٢/٢ . ٥- (عمرو بن مُرّة) الْجَمَليّ الكوفي، ثقة عابد [٥] تقدم ٢٦٥/١٧١. ٦- (أبو عُبيدة) بن عبدالله بن مسعود الكوفي، ثقة، من كبار[٣] تقدم ٥٥/ ٦٢٢. ٧- (كعب بن عُجرة) الأنصاريّ المدنيّ الصحابي رَّه، تقدم ١٠٤/٨٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها أن رجاله رجال الصحيح، غير أبي عبيدة، فإنه من رجال الأربعة. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبالكوفيين بعده. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي عُبيدة، عَنْ كَعْب بْن عُجْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أي عن قصته (قَالَ) الفاعل ضمير أبي عبيدة، وليس ضميرَ كعب رَّه، أي قال أبو عبيدة (دَخَلَ الْمَسْجدَ) الفاعل ضمير كعب رَزّه ، يعني أن كعب بن عُجرة دخل المسجد، وهو مسجد الكوفة (وَعَبْدُالرَّحْمَنِ ابْنُ أَمِّ الْحَكَم) - بفتح المهملة، والكاف- هكذا هو عند المصنف، وصحيح مسلم (ابن أم الحكم))، ووقع في ((سنن الكبرى)) للبيهقي ((ابن الحكم)) بدون ((أم)). وعبدالرحمن بن أم الحكم: هو عبدالرحمن بن عبدالله بن عبد اللَّه بن عثمان الثقفي، المعروف بابن أم الحكم، وهو ابن أخت معاوية بن أبي سفيان بن حرب، استعمله معاوية رَّه أميرًا على الكوفة في سنة (٥٨)، وبعد سنة، أو أكثر عُزل عنها، توفي بعد معاوية سنة (٨٣)(١). فلعبدالرحمن (( مبتدأ، خبره جملة (يخطب) وقوله (قاعدًا) حال من فاعل ((يخطب))، وجملة المبتدأ والخبر في محلّ نصب على الحال من فاعل ((دخل))، فالحالان متداخلان . يعني أن كعب بن عجرة رضي اللَّه دخل المسجد، والحال أن عبدالرحمن ابن أم (١) انظر ترجمته في ((الجرح والتعديل)) ٢٢٩/٥ و((مشاهير علماء الأمصار)) ص ١٠٦ و((الكامل)) لابن الأثير ٥١٥/٣ . ٢٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ الحكم يخطب الناس قاعدًا، مخالفًا للسنة. (فَقَالَ) أي كعب منكرًا عليه (انْظُرُوا إِلَى هَذَا) وفي رواية مسلم: ((انظروا إلى هذا الخبيث))، وهذا من غاية غضب هذا الصحابي الجليل على مخالفة سنة رسول اللّه وَالهيل (يَخْطُبُ قَاعدًا) مع كونه السنة أن يخطب قائما. وفي رواية ابن خزيمة(١): (( ما رأيت كاليوم قطّ إمامًا يؤم المسلمين يخطب، وهو جالس، يقول ذلك مرتين)). (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) جملة في محل نصب على الحال من فاعل ((يخطب))، والرابط الواو (وَإِذَا رَأَوْا) أي أبصروا، أو عرفوا (تَجَارَةً) أي بيعًا وشراءً (أَوْ لَهْوًا) قيل: المراد الطبل الذي كان يُضرب عند قدوم التُّجَّار (انْفَضُّوا) أي تفرّقوا (إليها) أي إلى تلك التجارة، وما ذكر معها، فيكون من باب الاكتفاء، ومراعاة أقرب المذكورين، أو اختصّت بالذكر، لأنها المقصود الأعظم من الأمرين، فإن الطبل كان لإعلام مجيء أسباب التجارة (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) أي حال كونك قائمًا على المنبر، تخطب الناس. وقال الطيبي ◌َخْذَلُهُ: قوله: ((وقد قال اللّه)) حال مُقَرِّرة لجهة الإنكار، أي كيف يخطب قاعدًا، ورسول اللَّه ◌ِ لَه كان يخطب قائمًا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَآَيِمًا﴾ ، وذلك أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء، فقدم تجارة من زيت الشام، والنبي وَّ يخطب يوم الجمعة، فتركوه قائمًا، وما بقي معه إلا نفر يسير انتهى. وقال النووي تَخَّْلهُ: هذا الكلام يتضمن إنكار المنكر، والإنكار على ولاة الأمور، إذا خالفوا السنّة. ووجه استدلاله بالآية أن الله أخبر أن النبي ◌َّ كان يخطب قائمًا، وقد قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، مع قوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، مع قوله وَّ: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلي)) انتهى(٢). وسبب نزول هذه الآية ما أخرجه الشيخان من حديث جابر رضي اللَّه تعالى عنه، قال: بينما نحن نصلي مع النبي وَالر إذ أقبلت عير، تحمل طعامًا، فالتفتوا إليها، حتى ما بقي مع النبي ◌ٍَّ إلا اثنا عشر رجلًا، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْ نِجَرَةً أَوْ لَمُوا أَنْفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ فََّبِمَاً﴾ . وفي رواية لمسلم: ((إلا اثنا عشر رجلًا، فيهم أبو بكر، وعمر))، وفي رواية أخرى: ((أنا فيهم)) . (١) هكذا عزاه في ((الفتح)) جـ ٣ ص ٦٤ إلى ابن خزيمة، ولم أره في ((صحيحه))، فالله أعلم. (٢) ((شرح صحيح مسلم)) ج٦ ص ١٥٢ . ٢٠٧= ١٨- (قِيَّامُ الإِمَامِ فِي الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٣٩٧ وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي: ((أن سالما مولى أبي حذيفة منهم)). وروى العقيلي عن ابن عباس: ((أن منهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأَناسًا من الأنصار)). وحكى السهيليّ أن أسد بن عمرو روى بسند منقطع: أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة، وبلال، وابن مسعود. قال: وفي رواية ((عمار)) بدل ابن مسعود انتهى. قال الحافظ: ورواية العقيلي أقوى، وأشبه بالصواب. قال: ثم وجدت رواية أسد بن عمرو عند العقيلي بسند متصل، لا كما قال السهيليّ: إنه منقطع، أخرجه من رواية أسد، عن حُصين، عن سالم -يعني ابن أبي الجعد - عن جابر راه - انتهى. ومعنى قوله: ((نصلي)) أي ننتظر الصلاة، لما في رواية مسلم: ((كان يخطب قائمًا)) من تسمية الشيء بما قاربه. قال في ((الفتح)) عند قوله: ((فنزلت هذه الآية)): ظاهر في أنها نزلت بسسب قدوم العير المذكورة، والمراد باللَّهو على هذا ما ينشأ من رؤية القادمين، وما معهم. ووقع عند الشافعي من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلًا: ((كان النبي وَل يخطب يوم الجمعة، وكانت لهم سوق كانت بنو سُليم يجلبون إليها الخيل، والإبل، والسمن، فقدموا، فخرج إليهم الناس، وتركوه، وكان لهم لهو يضربونه، فنزلت)). ووصله أبو عوانة في ((صحيحه))، والطبري بذكر جابر فيه: «أنهم كانوا إذا نكحوا تضرب الجواري بالمزامير، فيشتدّ الناس إليهم، ويَدَعُون رسولَ اللَّه ◌َل قائمًا، فنزلت هذه الآية)). وفي مرسل مجاهد عند عَبْد بن حُمَيد: ((كان رجال يقومون إلى نواضحهم، وإلى السَّفْرِ يَقْدَمُون، يبتغون التجارة، واللَّهوَ، فنزلت)) . ولا بُعد في أن تنزل في الأمرين معًا وأكثر. قال: والنكتة في قوله: ﴿أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا﴾ دون قوله: إليهما، أو إليه أن اللَّهو لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما كان تبعًا للتجارة، أو حُذف لدلالة أحدهما على الآخر. وقال الزجاج: أعيد الضمير إلى المعنى، أي انفضّوا إلى الرؤية، أي ليروا ما سمعوه. قال: وقد استشكل الأصيلي ◌َخْذَثُ هذا الحديث، فقال: إن اللَّه تعالى قد وصف أصحاب محمد وَلَّ بأنهم: ﴿لَّا نُلْهِيِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾. ثم أجاب باحتمال أن هذا الحديث كان قبل نزول الآية انتهى. قال الحافظ تَخْذّلهُ: وهذا الذي قاله هو الذي يتعين المصير إليه، مع أنه ليس في آية النور التصريح بنزولها في الصحابة، وعلى تقدير ذلك، فلم يكن تقدّم لهم نهي عن ٢٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ ذلك، فلما نزلت آية الجمعة، وفهموا منها ذمّ ذلك اجتنبوه، فوُصفوا بعد ذلك بما في آية النور. انتهى ما في ((الفتح)) بتصرّف(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث كعب بن عُجرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٣٩٧/١٨ - وفي ((الكبرى)) - ١٧١٢/٢٢ - بالإسناد المذكور. وأخرجه (م) ٣/ ١٠ (البيهقي) ١٩٦/٣ و١٩٧. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية قيام الإمام على المنبر في حال الخطبة. ومنها: ما كان عليه الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم من الغضب على من خالف السنة، ولو كان ممن تجب طاعته، واحترامه من ولاة الأمور، لأنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق . ومنها: ذمّ الاشتغال بالتجارة، واللَّهو، وإيثار ذلك عن ذكر الله وطاعته، قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تُذْهِكُمْ أَقْوَلُكُمْ وَلَآَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْخَسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في حكم القيام للخطبة : قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار ما يفعله الأئمة، وهو جلوس الإمام على المنبر أولَ ما يرقى إليه، ويؤذّن المؤذن، والإمام جالس، فإذا فرغ المؤذن من الأذان قام الإمام، فخطب خطبةً، ثم جلس، وهو في حال جلوسه غير خاطب، ولا يتكلم، ثم يقوم فيخطب الخطبة الثانية، ثم ينزل عند فراغه انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى(٢). ونقل غيره عن أبي حنيفة أن القيام في الخطبة سنة، وليس بواجب، وعن مالك رواية أنه واجب، فإن تركه أساء، وصحت الخطبة، وعند الباقين أن القيام في الخطبة يشترط للقادر كالصلاة . (١) ((فتح) ٣ / ٩١ - ٩٤. (٢) («الأوسط)) ٥٩/٤ . ١٨- (قِيَامُ الإِمام فِي الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٣٩٧ ٢٠٩ = واستُدلّ للأول بحديث أبي سعيد رَّه عند البخاري: ((إن النبي ◌َّ جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله)). وبحديث سهل رَزوَّه عند البخاري أيضًا: ((مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن ... )). وأجيب عن الأول بأنه كان في غير خطبة الجمعة. وعن الثاني باحتمال أن تكون الإشارة إلى الجلوس أول ما يصعد، وبين الخطبتين. واستدلّ للجهور بحديث جابر بن سمرة وَلَّه عند مسلم: ((أن رسول اللَّه وَ لِ كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائمًا، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا، فقد كذب)). وبحديث كعب بن عُجرة رَّ المذكور في الباب. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس: ((خطب رسول اللَّه ◌َّر على القيام، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية)). وبمواظبة النبي وّر على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعًا في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس، ولأن الذي نُقل عنه القعود كان معذورًا . فعند ابن أبي شيبة من طريق الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعدًا لما كثر شحم بطنه ولحمه . وروى سعيد بن منصور عن الحسن، قال: ((أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان، وكان إذا أعيى جلس، ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالسًا معاوية)). وروى عبدالرزاق، عن معمر، عن قتادة: ((أن النبي وَلّر، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يخطبون يوم، الجمعة قيامًا، حتى شقّ على عثمان القيام، فكان يخطب قائمًا، ثم يجلس، فلما كان معاوية خطب الأولى جالسًا، والأخرى قائمًا». ولا حجة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعدًا، لأنه تبين أن ذلك للضرورة. وأما من احتجّ بأنه لو كان شرطًا ما صلى من أنكر ذلك مع القاعد. فجوابه أنه محمول على أن من صنع ذلك خشي الفنتة، أو أن الذي قعد باجتهاد، كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر ابن مسعود، ثم إنه صلى خلفه، فأتمّ معه، واعتذر بأن الخلاف شرّ. ذكره في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن القول بعدم وجوب القيام للخطبة هو الحقّ، لأن من أوجبه ما استدلّ إلا بفعل النبي ◌َّ، وهو بمجرده لا يكفي في إثبات الوجوب، فالمستحب أن يخطب قائمًا، اقتداء برسول اللَّه وَالر، والخلفاء الراشدين، إلا ٢١٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ عثمان، فكان يخطب قائمًا، ثم يجلس، لما شقّ عليه، وأما الاحتجاج بقوله اَلهو: ((صلّوا كما رأيتموني أصلي)) فقد اتفقوا على عدم الاحتجاج به في بعض المواضع، كالجلوس على المنبر قبل الخطبة، والأذان بين يدي الخطيب، وقراءة سورة ﴿قَ﴾، فكان يقرأ بها في كل جمعة، وغير ذلك، فلم يقولوا بوجوبها، فكذلك هنا، إذ لا فرق بينها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)) . ١٩- (بَابُ الْفَضْلِ فِي الدُّنُوِّ مِنَ الإِمَام) ١٣٩٨ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسِ الثَّقَفِي، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، قَالَ: (مَنْ غَسَّلَ، وَاغْتَسَلَ، وَابْتَكَرَ، وَغَدَا، وَدَنَا مِنَ الإِمَّامِ، وَأَنْصَتَ، ثُمَّ لَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ كَأَجْرِ سَنَةٍ، صِيَامِهَا، وَقِيَامِهَا))). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (محمود بن خالد) أبو علي الدمشقي، ثقة، من صغار [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٩٥. ٢- (عمر بن عبد الواحد) بن قيس السلمي الدمشقي، ثقة [٩] تقدم ٤٥/ ٥٦ . والباقون تقدّموا في ١٣٨١/١٠- والحديث صحيح، وقد استوفيتُ شرحه وبيان مسائله بالرقم المذكور، وباللّه تعالى التوفيق. ودلالة الحديث على ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٢١١ ٢٠- (النَّھْيُ عَن تَخَطِي رِقَاب النّاسِ . - حديث رقم ١٣٩٩ ٢٠- (النَّهيُ عَنِ تَخْطِّي رِقَابِ النَّاسِ وَالإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن التقييد بكون الإمام على المنبر، وبيوم الجمعة خرج مخرج الغالب، لكثرة الناس في ذلك الوقت، فلا يُفهم منه جواز التخطي في سائر الصلوات، وكذا حلق الذكر، والعلم، لوجود العلة، وهي الأذى. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٩٩- (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا إِلَى جَانِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: جَاءََ رَجُلٌ، يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَهُ: ((أَي اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (وهب بن بَيَان) بن حَيّان الواسطيّ، أبو عبدالله نزيل مصر، ثقة عابد [١٠]. روى عن ابن عُيينة، وابن وهب، وعَبيدة بن حُميد، وغيرهم. وعنه أبو داود، والنسائيّ، وأحمد بن إبراهيم بن فيل، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق لا بأس به. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال مسلمة: ثقة رجل صالح. وقال أبو داود: وأهل مصر يقولون: إنه بدل من الأبدال. قال ابن يونس: توفي في ربيع الآخر سنة (٢٤٦). انفرد به أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٢- (ابن وهب) تقدم قبل بابين. ٣- (معاوية بن صالح) بن حُدير الحمصي، قاضي الأندلس، صدوق له أوهام [٧] تقدم ٥٠/ ٦٢ . ٤ - (أبو الزاهريّة) حُدير بن كُريب الحضرميّ الحمصيّ، صدوق [٣] تقدم ٩٢٣/٣١. ٥- (عبدالله بن بُسر) بن أبي بُسر المازني القيسيّ، أبو بسر، ويقال: أبو صفوان، له ولأبيه صحبة، سکن حمص. روى عن النبي ◌ََّ، وعن أبيه إن كان محفوظًا، وأخته الصمّاء، وقيل: عمته، وقيل: خالته. وروى عنه أبو الزاهرية، وخالد بن مَعْدان، وسُليم بن عامر، وغيرهم. ٢١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ قال ابن سعد وغيره: مات سنة (٨٨) بالشام، وقال بعضهم: بحمص، وهو ابن (٩٤) سنة، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة. وقال أبو القاسم عبدالصمد بن سعيد الحمصيّ في الصحابة الذين نزلوا حمص: مات عبدالله بن بُسر سنة (٩٦) وله مائة سنة، وكذا ذكره أبو نعيم في ((معرفة الصحابة))، وساق في ترجمته حديث وضع النبي وَّ يده على رأسه، فقال: ((يعيش هذا الغلام قرنًا))، فعاش مائة سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به أبو داود، والمصنف. ومنها: أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصريان. ومنها: أن صحابيه ذكر في هذا الباب فقط. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي الزَّاهريَّة) حُدير بن كُريب (عَنْ عَبْداللَّه بْن بُسْر) وَيْهَا (قَالَ) القائل هو أبو الزاهرية (كُنْتُ جَالسًا إلَى جَانبه) أي جانب عبدالله بن بسر (يَوْمَ الْجُمُعَة) زاد في رواية أبي داود: ((فجاء رجل يتخطّى رقاب الناس))، ولفظ ابن خزيمة: ((كنت جالسًا مع عبدالله بن بسر يوم الجمعة، فما زال يحدثنا حتى خرج الإمام، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال لي: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، ورسول اللّه ◌َلّ يخطب، فقال له: ((اجلس، فقد آذيت، وآنيت)) (فَقَال) أي عبدالله بن بُسر ◌َّه (جَاءَ رَجُلٌ، يَتَخَطَّى رقَابَ النَّاس) زاد في ((الكبرى)): ((يوم الجمعة، ورسول اللَّه وَّ يخطب الناس)) (فَقَالَ له رَسُولُ اللَّه ◌ِ لهِ: أَي اجْلِسْ) وفي ((الكبرى)): ((اجلس)) بدون ((أي))، وهو الذي في أبي داود، وغيره. ولعل ((أي)) هنا تفسيرية، على أنّ ((قال)) بمعنى أشار، فإنها تأتي تفسيرًا للجملة كما قاله ابن هشام في ((مغنيه))(١) ، ومنه قوله : وَتَرْمِينَنِي بِالطَّرْفِ أَيْ أَنْتَ مُذْنِبُ وَتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إِيَّاكِ لَا أَقْلِي (فَقَدْ أَذَيْتَ) الفاء للتعليل، أي لأنك قد آذيت الناس. وفي رواية أحمد، وابن (١) راجع ((مغني اللبيب)) جـ ١ ص ٧٦ بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. ٢١٣ ٢٠- (النَّهْيُ عَن تَخَطِي رِقَب الناس ... - حديث رقم ١٣٩٩ خزيمة: ((فقد آذيت، وآنيت))، أي أبطأت عن المجيء في أوائل الناس، فوقعت في إيذائهم. والحديث يدلّ على تحريم إيذاء الناس بتخطي رقابهم، وليس هذا خاصًا بيوم الجمعة لعموم العلة، كما سبقت الإشارة إليه أول الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبدالله بن بُسر رَّ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٣٩٩/٢٠ - وفي ((الكبرى)) -١٧٠٦/١٨- بالسند المذكور. وأخرجه (د) ١١١٨ (أحمد) ١٨٨/٤ و١٩٠/٤ (ابن خزيمة) ١٨١١. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في حكم التخطي يوم الجمعة: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف أهل العلم في تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، فنهت طائفة عن ذلك، وكرهته، وممن روينا عنه أنه كره ذلك أبو هريرة، وسلمان الفارسيّ، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وقال أحمد، وسئل عن التخطي إلى الصفّ الأول، قال: لا يتخطى رقاب الناس. وجوَّزت طائفة ذلك، كان قتادة يقول: لا بأس أن يتخطى رقاب الناس إلى مجلسه. وقال الأوزاعيّ في قوم جُلُوس على باب المسجد، وخلفهم مُتسعٌ، لا بأس أن يتخطاهم إلى السعة . وفيه قول ثالث: وهو أن التخطى إذا خرج الإمام، وقعد على المنبر، فمن تخطى حينئذ، فهو الذي فيه الحديث، فأما قبل ذلك فلا بأس به إذا كانت بين يديه فُرَج، وليَرْفُقْ في ذلك، هذا قول مالك، وقد روينا عن قتادة أنه رخّص أن يتخطى إلى مجلسه، إن كان له قبل أن يخرج الإمام، فإذا خرج، فليجلس في أدنى مجلس. وفيه قول رابع: قال الشافعي: أكره تخطى رقاب الناس يوم الجمعة قبل دخول الإمام وبعده، لما فيه من الأذى لهم، وسوء الأدب، فإن كان تخطيه إلى الفرجة بواحد، أو اثنين رجوت أن يسعه التخطي، وإن كثر كرهته له، إلا أن لا يجد السبيل إلى مُصَلَّى يُصلي فيه الجمعة، إلا أن يتخطى، فيسعه التخطي إن شاء الله. ٢١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ وفيه قول خامس: وهو أن يتخطى بإذن القوم الذين يتخطاهم، روينا عن أبي نضرة أنه كان يجيء يوم الجمعة، وقد اجتمعوا، فيقول: أتأذنون لي أن أتخطاكم، فيتخطّى إلى مجلسه . قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: تخطي رقاب الناس غير جائز؛ لحديث عبدالله بن بسر رَبِّهَا، ولا فرق بين القليل والكثير منه، لأن الأذى لا يجوز منه شيء أصلًا، وإذا جاء فوسعوا له، فتخللّهم، ولم يتخطاهم، فهو غير داخل فيما نهي عنه، والله أعلم انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار (١) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. وحاصله أن التخطي مطلقًا غير جائز لتحريم أذى المسلمين، فإن أذنوا له جاز؛ لانعدام العلة، وهي الأذى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٢١- (بَابُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ جَاءَ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم للمصنف رحمه الله تعالى قبل أربعة أبواب (باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء، وقد خرج الإمام))، وأورد فيه حديث جابر رَّه: ((إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإمام، فليصلّ ركعتين))، وحديثا البابين واحد، ولذلك ساقه مسلم من رواية أبي سفيان عن جابر رَظّه مساقًا واحدًا، ولفظه: (جاء سُليك الغَطَفَاني يوم الجمعة، ورسول اللّه ◌َّل يخطب، فجلس، فقال له: ((يا سُليك قم، فاركع ركعتين، وتجوّز فيهما))، ثم قال: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما)). ومعنى الترجمتين متقارب، فكان الأولى له أن يكتفي بإحدى الترجمتين، ويورد الحديثين تحتها. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤٠٠- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، وَيُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا (١) ((الأوسط)) جـ ٤ ص ٨٤ - ٨٦ . ٢٢- (بَأَبُ الإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعةِ) - حديث رقم ١٤٠١ ٢١٥ = حَجَّاجْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌّ، وَالنَّبِيِّ نَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ: ((أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَارْكَعْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إبراهيم بن الحسن) المصّيصيّ، ثقة [١] تقدم ٦٤/٥١. ٢- (يوسف بن سعيد) بن مسلم المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١] تقدم ١٣١ / ١٩٨. وهو من أفراد المصنف. ٣- (حجّاج) بن محمد الأعور المصيصي، ثقة ثبت [٨] تقدم ٣٢/٢٨. ٤- (ابن جُريج) عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] تقدم٣٢/٢٨. والباقيان تقدّما قريبًا في -١٣٩٥/١٦ - وكذا شرح الحديث، وبيان المسائل المتعلقة به، فراجعها هناك، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٢٢- (بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ١٤٠١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيْبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ، قَالَ: (مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، أَنْصِثُ، فَقَدْ لَغَا))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/١. ٢- (الليث) بن سعد الإمام الفقيه الحجة الثبت [٧] تقدم ٣٥/٣١. ٣- (عُقيل) بن خالد الأيلي، ثقة ثبت [٦] ١٨٧/١٢٥. ٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم المدني، ثقة ثبت حجة [٤] تقدم ١/١. ٥- (سعيد بن المسيب) المدني، ثقة ثبت فقيه، من كبار[٣] تقدم٩/ ٩ . ٢١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ ٦- (أبو هريرة) تَطعليه، تقدم١/١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. ومنها: رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، سعيد، وفيه أبو هرير، رضي اللَّه تعالى عنه رَأْسُ المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّه ، وعند البخاري تصريح كلّ من الزهري، وسعيد بالإخبار، ولفظه: ((عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة أخبره، أن رسول اللّه وَل قال)). قال في ((الفتح)): هكذا رواه يحيى بن بُكير، عن الليث، ورواه شعيب بن الليث، عن أبيه، فقال: ((عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عُمر بن عبدالعزيز، عن عبدالله بن إبراهيم بن قارظ، عن أبي هريرة)) أخرجه مسلم، والنسائيّ -يعني الإسناد التالي- والطريقان معًا صحيحان، وقد رواه أبو صالح، عن الليث بالإسنادين معًا، أخرجه الطحاويّ، وكذا رواه ابن جُريج وغيره عن الزهريّ بهما، أخرجه عبدالرزّاق وغيره، ورواه مالك عند أبي داود، وابنُ أبي ذئب عند ابن ماجه، كلاهما عن الزهريّ بالإسناد الأول انتهى . (عَنِ النَّبِيِّ بَّةَ) أنه (قَالَ: ((مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ) ((من)) شرطية مبتدأ، ولفظ الرواية التالية: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة، والإمام يخطب: أنصت، فقد لغوت)). والمراد بصاحبه هو الذي يخاطبه إذ ذاك، أو جليسه، وإنما ذكر الصاحب لكونه الغالب . (يَوْمَ الْجُمُعَة) متعلق بـ((قال))، وفي هذا التقييد دلالة على أن خطبة غير الجمعة، كالعيد، والكسوف، والاستسقاء ليست كالجمعة، فلا يجب الإنصات لها، ولا يحرم الكلام فيها، واستماعها مستحبّ فقط، لأنها غير واجبة، وقد صرّح بذلك أصحاب الشافعي، وحكى ابن عبدالبرّ عن عطاء، قال: يحرم الكلام ما كان الإمام على المنبر، وإن كان قد ذهب في غير ذكر الله، قال: ويوم عرفة، والعيدين كذلك في الخطبة انتهى (١). (١) ((طرح التثريب)) جـ ٣ ص ٢٠٢ - ٢٠٣. ٢٢- (بَبُ الإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٤٠١ ٢١٧ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لكن مذهب المصنّف ◌َخّْهُ أنه يرى أن خطبة العيد كخطبة الجمعة يجب الإنصات لها، فسيأتي له في ((كتاب العيد)) ترجمة بلفظ: ((الإنصاتُ للخطبة))، ثم ساق حديث أبي هريرة المذكور بلفظ: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت)). فأخذ من إطلاقه شمول الحديث لخطبة العيد. وفيه بحث، سيأتي هناك إن شاء الله تعالى. (وَالإِمَامُ يَخْطُبُ) جملة حالية من فاعل ((قال))، والرابط الواو. وفيه دلالة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة، وأن النهي من الكلام يختص بحال الخطبة، وردٌّ على من جعل وجوب الإنصات، والنهي عن الكلام من خروج الإمام، نعم الأولى والأحسن الإنصات منه . قال الجامع عفا الله عنه: كذا قيل: لكن ما تقدّم في رواية المصنف: ((إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإمام، فليُصلّ ركعتين)) يدلّ لمن قال بأن الإنصات من خروج الإمامِ، فقولهم أولى بالصواب. فليُتَنَبَّه. والله تعالى أعلم. (أَنْصتْ) قال في ((الصحاح)): الإنصات السكوت، والاستماع للحديث. وقال في ((المشارق)): السكوت والاستماع لما يقال. وقال في ((النهاية)): أنصت: سَكَتَ سُكُوتَ مُستَمِع . وهَذه العبارة متفقة في المعنى، واقتصر في ((المحكم)) على أنه السكوت، ويوافقه عطفه في التنزيل على الاستماع في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ . قال وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: وكذا قال أصحابنا الفقهاء: الإنصات هو السكوت، والاستماع شغل السمع بالسماع. ويستعمل رباعيًا، وهو أفصح، وثلاثيّا، فيقال: أنصت، ونَصَتَ، فيجوز في قوله هنا: (( انصت)) قطع الهمزة، ووصلها، والأول أفصح، وأشهر، والصاد مكسورة على كلّ حال انتهى (١). (فَقَدْ لَغَا)، وفي رواية لمسلم: (( إذا قلت لصاحبك أنصت، فقد لغيت)) بالياء، قال أبو الزناد: هي لغة أبي هريرة. وفي رواية هَمّام عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا قلت للناس أنصتوا، وهم يتكلّمون، فقد ألغيت على نفسك))(٢). قال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه. وقال ابن عرفة: اللغو السقط من القول. وقيل: الميل عن الصواب. وقيل: اللغو الإثم، كقوله تعالى: (١) ((طرح)) ١٩١/٣. (٢) أي أبطلت جمعتك على نفسك. = ٢١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِلَّغْوِ مَنُواْ كِرَامً﴾ . وقال الزين ابن المنيّر: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام. وأغرب أبو عبيد الهروي في ((الغريب))، فقال: معنى لغا: تكلّم، كذا أطلق، والصواب التقييد. وقال النضر بن شُميل: معنى لغوتَ خبتَ من الأجر. وقيل: بطلت فضيلة جمعتك. وقيل: صارت جمعتك ظهرًا. قال الحافظ: أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود، وابن خزيمة من حديث عبدالله بن عمر مرفوعًا: ((ومن لغا، وتخطّ رقاب الناس كانت له ظهرًا)). قال ابن وهب أحد رواته: معناه أجزأت عنه الصلاة، وحُرم فضيلة الجمعة. ولأحمد من حديث عليّ مرفوعًا: ((من قال: صَهْ، فقد تكلّم، ومن تكلّم، فلا جمعة له))، ولأبي داود نحوه، ولأحمد، والبزار من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((من تكلّم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت ليست له جمعة))، وله شاهد قويّ في ((جامع حماد بن سلمة))، عن ابن عمر موقوفًا . قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة، للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه. وحكى ابن التين عن بعض من جوّز الكلام في الخطبة أنه تأول قوله: ((فقد لغوت))، أي أمرت بالإنصات من لا يجب عليه، وهو جمود شديد، لأن الإنصات لم يُختَلَف في مطلوبيته، فكيف يكون من أمر بما طلبه الشرع لاغيًا، بل النهي عن الكلام مأخوذ من حديث الباب بدلالة الموافقة، لأنه إذا جُعل قوله: ((أنصت)) مع كونه أمرًا بمعروف لغوًا، فغيره من الكلام أولى أن يُسمّى لغوًا. وقد وقع عند أحمد من رواية الأعرج، عن أبي هريرة تَظّه في آخر هذا الحديث بعد قوله: ((فقد لغوت)) ((عليك بنفسك))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: (١) ((فتح)) ٨٠/٣ . ٢٢- (بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٤٠١ ٢١٩ أخرجه هنا-٢٢/ ١٤٠١ - وفي (الكبرى)) - ١٧٢٨/٣١ - عن قتيبة، عن الليث، عن عُقيل، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه. وفي ١٤٠٢/٢٢ - و((الكبرى)) - ١٧٢٧/٣١- عن عبدالملك بن شُعيب بن الليث، عن أبيه، عن جده، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عمر بن عبدالعزيز، عن عبدالله بن إبراهيم بن قارظ، وعن سعيد بن المسيب، كلاهما عنه. وفي - ١٥٧٧/٢١ - و((الكبرى)) - ١٧٨٠/١٥ - عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب به. وفي ((الكبرى)) - ١٧٢٦/٣١ - عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن مالك به . وأخرجه (خ) ١٦/٢ (م) ٤/٣ و٥ (د) ١١١٢ (ت) ٥١٢ (ق) ١١١٠ (مالك في الموطأ) ٨٥ (الحميدي) ٩٦٦ (أحمد) ٢٤٤/٢ و٢٧٢/٢ و٢٨٠/٢ و٢/ ٣٩٣ و٢/ ٣٩٦ و٤٧٤/٢ و٤٨٥/٢ ٥١٨/٢ ٥٣٢/٢ (الدارمي) ١٥٥٦ و١٥٥٧ و١٥٥٨ (ابن خزيمة) ١٨٠٥ و١٨٠٦ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الكلام حال الخطبة : قال الحافظ ولي الدين العراقي تَخّْلهُ: ما حاصله: استُدلّ بحديث الباب على وجوب الإنصات للخطبة، وتحريم الكلام فيها، لأنه إذا لم تغتفر هذه الكلمة - يعني ((أنصت))- مع خفّتها، وكونها أمرًا بمعروف محتاج إليه في تلك الحالة، فما عداها أولى بالمنع . وهذا أحد قولي الشافعي، نصّ عليه في ((القديم))، و((الإملاء))، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وهو المشهور من مذهب أحمد. وقال ابن المنذر: نَّى عثمان، وابن عمر عن الكلام، والإمام يخطب، وقال ابن مسعو: إذا رأيته يتكلم، والإمام يخطب فاقرَع رأسه بالعصا، وكره مالك ذلك، وابن عباس، والشافعي، وعوام أهل العلم. وقال الترمذي في ((جامعه)) بعد رواية هذا الحديث: والعمل عليه عند أهل العلم، كرهوا للرجل أن يتكلّم، والإمام يخطب. قال الحافظ العراقي في ((شرح الترمذي)): والمتقدّمون يُطلقون كثيرًا الكراهة، ویریدون التحریم انتهى. وقال ابن بطّال: جماعة أئمة الفتوى على وجوب الإنصات. وقال ابن عبدالبرّ: لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها انتهى. ٢٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ والقول الثاني للشافعي أن الإنصات سنة، والكلام ليس بحرام، وهو نصّه في ((الجديد))، وهو رواية عن أحمد، حكاها ابن قُدَامة . وقال ابن المنذر: كان النخعي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم بن مُهاجر، والشعبيّ، وأبو بردة يتكلمون، والحجاج يخطب، وقال بعضهم: إنّا لم نُؤمر أن ننصت لهذا. قال ابن المنذر: واتباع السنة أولى انتهى. قال العراقي لَّلهُ: فيحتمل أن يراد بـ((هذا)) الإشارةُ للحجاج، لما كان فيه من الظلم، وهو الظاهر، ويحتمل أن يراد لهذا الأمر. قال وليّ الدين: ويحتمل أن تكون الإشارة إلى كلام بعينه أتى به الحجاج، لا ينبغي سماعه، لما فيه من سب الصحابة ، أو الأمر بالظلم، وما لا يجب امتثاله، أو عند قراءة كتب وردت عليه من الخليفة، فيها ما لا ينبغي فعله. وقد قال ابن حزم: روينا من طريق سفيان الثوريّ، عن مُجالد، قال: رأيت الشعبي، وأبا بردة بن أبي موسى الأشعريّ يتكلمان، والحجاج يخطب، حين قال: لعن الله، ولعن الله، فقلت: تتكلمان في الخطبة؟ فقالا: لم نؤمر بأن ننصت لهذا. وعن إبراهيم النخعيّ: أنه كان يتكلّم، والإمام يخطب زمن الحجاج. ك . وذكر ابن قال ابن حزم: كان الحجاج، وخطباؤه يلعنون عليّا، وابن الزبير . عبدالبرّ أن عبدالله بن عروة كان يُنصت للخطيب، فإذا شتم عليّا تكلّم، ويقول: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا. وقد روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن الشعبيّ، ومحمد بن عليّ بن الحسين أنه لا بأس بالكلام، والصحف تقرأ يوم الجمعة. وعن أبي بردة، وعمر بن عبدالعزيز أنهما كانا يتكلمان في هذه الحالة. وعن حماد بن أبي سليمان إنما كان السكوت قبل اليوم إذا وعظوا بكتاب الله، وقالوا فيه، فنسكت لصحفهم هذه؟. وعن الحسن البصري أنه كان يكره الكلام، والصحف تقرأ. وعن إبراهيم النخعيّ أنه قيل له: إن الكتب تجيء من قبل قُتيبة، فيها الباطل والكذب، فأكلّم صاحبي، أو أنصت؟ قال: لا، بل أنصت - يعني في الجمعة- فطرد النخعيُّ والحسن منع الكلام في الخطبة، وسَدَّا البَابَ في ذلك. قال ابن بطال: ورى ابن وهب، وابن قانع، وعليّ بن زياد، عن مالك أن الإمام إذا لغى، وشتم الناس، فعلى الناس الإنصات، ولا يتكلّمون. ورُويَ عنه: إذا خطب في أمر ليس من الخطبة من أمر كتاب يقرؤه، أو نحو ذلك، فليس على الناس الإنصات. ورأى الليث إذا أخذ الإمام في غير ذكر اللّه، والموعظة أن يتكلّم، ولا يُنصت انتھی .