النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ١٥ - (بَأَبُ الأذَاَنِ لِلْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٩٢ طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري: ((كان ابتداء النداء الذي ذكره اللَّه في القرآن يوم الجمعة)). وله في رواية وكيع، عن ابن أبي ذئب: ((كان الأذان على عهد رسول الله وَلّر، وأبي بكر، وعمر أذانين يوم الجمعة)). قال ابن خُزيمة: قوله: ((أذانين)) يريد الأذان والإقامة. يعني تغليبًا، أو لاشتراكهما في الإعلام، كما تقدّم في أبواب الأذان. (كَانَ أَوَّلُ) يحتمل أن يكون مرفوعاً على أنه اسم ((كان))، والمضاف إليه مقدرٌ لفظًا، أي أولُهُ، وقد جاء مصرّحًا به في رواية أبي داود، فقد أخرجه من طريق المصنف، ولفظه: ((أنّ الأذان كان أولُهُ حين يجلس الإمام على المنبر ... )). ويحتمل أن يكون مبنياً على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، ونية معناها، فإن للفظ ((أول)) أربعةً أحوال، أن يضاف لفظًا، أو يُحذف المضاف إليه، ويُنوى لفظه، أو يُقطع لفظًا ومعنى، ففي هذه الأحوال الثلاثة يُعرب، والحالة الرابعة أن يقطع لفظه عن الإضافة، وينوى معناها، ففي هذه الحالة يُبنى على الضمّ، ونظيره ((غير))، و((قبل))، و(بعد))، و((حسبُ))، و((دونُ))، وأسماء الجهات الست، وإلى هذا أشار ابن مالك وَخّْتُهُ في ((الخلاصة)) بقوله: وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْرًا انْ عَدِمْتَ مَا لَهُ أُضِيفَ نَاوِيَا مَا عُدِمَا وَدُونُ وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَعَلُ قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ قَبْلًا وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكِرَا وَأَعْرَبُوا نَصْبًا إِذَا مَا نُكُرَا ويحتمل أن يكون منصوبا على الظرفية بتقدير لفظ المضاف إليه، أي أوّلَ الأمر، وهو متعلق بـ(كان))، لأنها - وإن كانت ناقصة- تُعلّق الظرف، والجارّ والمجرور على الأصح، ويؤيد هذا الوجه أنه وقع في ((الكبرى)) بلفظ ((كان أوّلًا)). (حينَ يَجْلسُ الإمَامُ عَلَى الْمِثْبَرِ) بكسر الميم، سمي به لارتفاعه، وكُسرت ميمه تشبيهًا له بالآلة. قاله الفيومي رحمه اللّه تعالى. وفي رواية ابن خزيمة من طريق أبي عامر، عن ابن أبي ذئب: ((إذا خرج الإمام، وإذا أقيمت الصلاة))، وكذا للبيهقي من طريق ابن أبي فُديك، عن ابن أبي ذئب. وفي رواية المصنف الآتية بعد حديث، من طريق سليمان التيمي، عن الزهري: ((كان بلال يؤذّن إذا جلس النبي وَلَّ على المنبر، فإذا نزل أقام)). قال المهّب رحمه الله تعالى: الحكمة في جعل الأذان في هذا المحلّ ليَعرف الناسُ بجلوس الإمام على المنبر، فينصتوا له إذا خطب. قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: وفيه نظر، فإن في سياق ابن إسحاق عند الطبراني وغيره عن الزهريّ في هذا الحديث: إن بلالًا كان يؤذن على باب المسجد))، فالظاهر ١٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ أنه كان لمطلق الإعلام، لا لخصوص الإنصات، نعم لما زيد الأذان الأول كان للإعلام، وكان الذي بين يدي الخطيب للإنصات انتهى (١). (يَوْمَ الْجُمُعَة) منصوب على الظرفية متعلق بـ((يجلس)) (في عَهْد رَسُول اللَّهِ وََّ) متعلّق بـ((يجلس)) أيضًا، أو بخبر مبتدإ محذوف، أي ذلك كائن في زمنه رَلير (وَأَبِي بَكْر، وَعُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (فَلَمَّا كَانَ فِي خَلَاقَة عُثْمَانَ) اسم ((كان) ضمير يعود إلى ((عهد))، والجارّ والمجرور خبرها، أي فلما كان هو أي العهد في خلافة عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه. وفي نسخة بإسقا لفظة ((في))، وعليه فـ((كان)) تامّة، و((خلافة)) فاعلها، أي فلما جاء خلافة عثمان (وَكَثُرَ النَّاسُ) أي بالمدينة، وصُرّح به في رواية عند البخاريّ، وظاهره أن عثمان أمر بذلك في ابتداء خلافته، لكن في رواية أبي ضمرة، عن يونس عند أبي نعيم في ((المستخرج)) أن ذلك كان بعد مضيّ مدة من خلافته. والجملة في محلّ نصب على الحال بتقدير ((قد))، أي والحال أن الناس قد كثروا، ولم يكفهم الأذان المعهود (أَمَرَ عُثْمَانُ) رضي اللَّه تعالى عنه (يَوْمَ الْجُمُعَة) فيه بيانُ أن أمره صدر في يوم الجمعة (بِالأَذَان الثّالث) وفي رواية وكيع، عن ابن أبي ذئب، عند ابن خزيمة: ((فأمر عثمان بالأذان الأول))، ونحوه للشافعي ◌َّتُهُ، ولا تنافي بين الروايتين، لأنه باعتبار كونه مزيدًا على الأذان والإقامة يسمّى ثالثًا، وباعتبار كونه جُعل مقدّمًا عليهما في الفعل يسمّى أوّلًا، فهو أول في الفعل، ثالث في المشروعية، ووصف بالثاني في رواية للبخاريّ من طريق عُقيل، عن ابن شهاب، نظرًا للأذان دون الإقامة. (فَأْذْنَ به) ببناء الفعل للمفعول، وفي نسخة (( يؤذّن به)) (عَلَى الزَّوْرَاء) -بفتح الزاي، وسكون الواو بعدها راء ممدودة- موضع بالسوق بالمدينة. هكذا فسره البخاري رَّلهُ في (صحيحه))، قال الحافظ: وهو المعتمد، وجزم ابن بطال بأنه حجر كبير عند باب المسجد، وفيه نظر، لما في رواية ابن إسحاق، عن الزهريّ، عند ابن خزيمة، وابن ماجه بلفظ ((زاد النداء الثالث على دار في السوق، يقال لها: الزوراء))، وفي روايته عند الطبراني: «فأمر بالنداء الأول على دار له، يقال لها: الزوراء، فكان يُؤذّن له عليها، فإذا جلس على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة)). وفي رواية له من هذا الوجه: ((فأذن بالزوراء قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت)). ونحوه في مرسل مکحول. وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أنس ◌َميه: ((أن نبي اللَّه وَلّل وأصحابه كانوا (١) ((فتح)) ٥٤/٣. = ١٨٣ ١٥- (بَابُ الأذَانِ لِلْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٩٢ بالزوراء- والزوراء بالمدينة عند السوق -... )) الحديث. (فَثَبَتَ) وفي نسخة ((وثبت)) بالواو (الأَمْرُ عَلَى ذَلكَ) أي استمرّ أمر الأذان على ما أحدثه عثمان تَظّيه . وفي رواية أبي عامر، عن ابن أبي ذئب، عند ابن خزيمة: ((فثبت ذلك حتى الساعةَ)). قال الحافظ تَخْذَلهُ: والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد، إذ ذاك، لكونه خليفةً مُطاعَ الأمر، لكن ذكر الفاكهانيّ أن أول من أحدث الأذان الأول بمكّة الْحَجّاج، وبالبصرة زياد، وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة . ورى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر، قال: ((الأذان الأول يوم الجمعة بدعة))، فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي ◌َّ، وكلّ ما لم يكن في زمنه يُسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما یکون بخلاف ذلك. وتبيّن بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة، قياسًا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها، وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله. وأما ما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر، والصلاة على النبي وَخير، فهو في بعض البلاد، دون بعض، واتباع السلف الصالح أولى انتهى. [تنبيهان] ذکرهما الحافظ رحمه الله تعالى: [الأول]: ورد ما يخالف هذا الخبر أن عمر تظنّه هو الذي زاد الأذان، ففي تفسير جُويبر، عن الضحاك، من زيادة الراوي، عن بُرد بن سنان، عن مكحول، عن معاذ رَّ: ((أن عمر أمر مؤذّنَين أن يؤذنا للناس الجمعة(١) خارجا من المسجد حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه، كما كان في عهد النبي ◌َّر، وأبي بكر، ثم قال عمر: نحن ابتدعناه لكثرة المسلمین انتهى. وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت، لأن معاذا كان خرج من المدينة إلى الشام في أول ما غزوا الشام، واستمرّ إلى أن مات بها في طاعون عمواس. وقد تواردت الروايات أن عثمان هو الذي زاده، فهو المعتمد. قال: ثم وجدت لهذا الأثر ما يُقوّيه(٢)، فقد أخرج عبدالرزاق، عن ابن جريج، (١) هكذا نسخة ((الفتح)) ((الجمعة))، ولعل الأولى ((في الجمعة)). (٢) قال الجامع: في تقوية هذا الأثر لما قبله نظر. ١٨٤ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ قال: قال سليمان بن موسى: ((أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كلّا، إنما كان يدعو الناس دعاء، ولا يؤذن غير أذان واحد انتهى. وعطاء لم يدرك عثمان، فرواية من أثبت ذلك عنه مقدّمة على إنكاره. ويمكن الجمع بأن الذي ذكره عطاء هو الذي كان في زمن عمر، واستمرّ على عهد عثمان، ثم رأى أن يجعله أذانًا، وأن يكون على مكان عال، ففعل ذلك، فنسب إليه، لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان فعله عمر، لكونه مجرّد إعلام. [الثاني]: تواردت الشُّرّاح على أن معنى قوله: ((الأذان الثالث)) أن الأولين الأذانُ والإقامةُ، لكن نقل الداوديّ أن الأذان أوّلًا كان في سُفل المسجد، فلما كان عثمان جَعَل من يؤذن على الزوراء، فلما كان هشام -يعني ابن عبدالملك- جعل من يؤذن بين يديه، فصاروا ثلاثة، فسمي فعل عثمان ثالثا لذلك. انتهى وهذا الذي ذكره يُغني ذكره عن تكلف ردّه، فليس له فيما قاله سلف، ثم هو خلاف الظاهر، فتسمية ما أمر به عثمان ثالثًا يستدعي سبق اثنين قبله، وهشام إنما كان بعد عثمان بثمانين سنة انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث السائب بن يزيد رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٣٩٢/١٥ - وفي ((الكبرى)) ١٥/ ١٧٠٠- عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عنه. وفي ١٣٩٣/١٥ - و ((الكبرى)) - ١٥/ ١٧٠٢ - عن محمد بن يحيى الذَّهلي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب به. وفي - ١٥/ ١٣٩٤ - و ((الكبرى)) ١٧٠١-(٢) عن محمد بن عبدالأعلى، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الزهريّ به. وأخرجه (خ) ١٠/٢ و١١/٢ (د) ١٠٨٧ و ١٠٨٨ و١٠٨٩ و١٠٩٠ (ت) ٥١٦ (ق) ١١٣٥ (أحمد) ٤٤٩/٣ و٣/ ٤٥٠ (ابن خزيمة) ١٧٧٣ و١٧٧٤ و ١٨٣٧. والله تعالى أعلم. (١) ((فتح) ٣/ ٥٥ - ٥٦ . (٢) وقع في ((الكبرى)) تقديم وتأخير لتريب ((المجتبى))، فجعل الحديث الثاني في ((المجتبى)) ثالثًا، وبالعكس، فتنبه . ١٥ - (بَأَبُ الأذَاَنِ لِلْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٩٢ ١٨٥ == المسألة الثالثة: في فوائده : منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية الأذان للجمعة. ومنها: استحباب جلوس الإمام على المنبر، خلافا لبعض الحنفية، واختلف هل هو للأذان، أو لراحة الخطيب؟ فعلى الأول لا يسنّ في العيد، إذ لا أذان هناك. قاله في ((الفتح)). ومنها: أن التأذين يكون قُبيل الخطبة. ومنها: عدم مشروعية تأذين اثنين معًا، لقوله في الرواية التالية: ((ولم يكن الرسول اللَّه وَ ل غير مؤذن واحد)) . ومنها: أن الخطبة يوم الجمعة سابقة على الصلاة، ووجهه أن الأذان لا يكون إلا قبل الصلاة، وإذا كان يقع حين يجلس الإمام على المنبر دلّ على سبق الخطبة على الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في حكم الأذان للجمعة: قال الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى: وقد دلّ الحديث على أن الأذان الذي كان على عهد رسول اللّه وَّر، وأبي بكر، وعمر، هو النداء الذي بين يدي الإمام عند جلوسه على المنبر. وهذا لا اختلاف فيه بين العلماء، ولهذا قال أكثرهم: إنه هو الأذان الذي يمنع البيع، ويوجب السعي إلى الجمعة، حيث لم يكن على عهد النبي ◌َّ سواه . وما ذكره ابن عبدالبرّ عن طائفة من أصحابهم: أن هذا الأذان الذي يمنع البيع لم يكن على عهد النبي ◌َّر، وإنما أحدثه هشام بن عبدالملك، فقد بين ابن عبدالبر أن هذا جهل من قائله، لعدم معرفته بالسنة والآثار، فإن قال هذا الجاهل: إنه لم يكن أذان بالكلية في الجمعة، فقد باهتَ، ويكذّبه قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا﴾ الآية [الجمعة: ٩]، وإن زعم أن الأذان الذي كان في عهد النبي ◌َّ، وأبي بكر، وعمر هو الأذان الأول الذي قبل خروج الإمام، فقد أبطل، ويكذبه هذا الحديث، وإجماع العلماء على ذلك. وقد أنكر عطاء الأذان الأول، وقال: إنما زاده الحجاج، قال: وإنما كان عثمان يدعو الناس دعاءً. أخرجه عبدالرزاق. وقال عمرو بن دينار: إنما أراد عثمان الأذان بالمدينة، وأما مكة، فأول من زاده الحجاج، قال: ورأيت ابن الزبير لا يُؤَذَّنُ له حتى يجلس على المنبر، ولا يؤذن له إلا أذان واحد يوم الجمعة. أخرجه عبدالرزاق أيضًا. ١٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ وروى مصعب بن سَلّام، عن هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إنما كان رسول الله وسلّ إذا قعد على المنبر أذْن بلال، فإذا فرغ النبي ◌َّر من خطبته أقام الصلاة، والأذان الأول بدعة. وروى وكيع في ((كتابه))، عن هشام بن الغاز، قال: سألت نافعًا عن الأذان يوم الجمعة؟ فقال: قال ابن عمر: بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وإن رآه الناس حسنًا. وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: لم يكن في زمان النبي وَلّ إلا أذانان، أذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة، قال: وهذا الأخير شيء أحدثه الناس بعدُ . أخرجه ابن أبي حاتم. وقال سفيان الثوري: لا يؤذن للجمعة حتى تزول الشمس، وإذا أذن المؤذن قام الإمام على المنبر، فخطب، وإذا نزل أقام الصلاة، قال: والأذان الذي كان على عهد رسول اللَّه وَ لّره وأبي بكر، وعمر أذان وإقامة، وهذا الأذان الذي زادوه محدث. وقال الشافعي -فيما حكاه ابن عبدالبرّ- أحبّ إليّ أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر بين يديه، فإذا قعد أخذ المؤذن في الأذان، فإذا فرغ، قام، فخطب، قال: وكان عطاء يُنكر أن يكون عثمان أحدث الأذان الثاني، وقال: إنما أحدثه معاوية. قال الشافعي: وأيهما كان فالأذان الذي كان على عهد النبي ◌َّ، هو الذي يُنهَى الناسُ عنده عن البيع(١). ونقل حرب، عن إسحاق بن راهويه أن الأذان الأول للجمعة مُحدث، أحدثه عثمان، رأى أنه لا يسمعه إلا أن يزيد في المؤذنين، ليُعلِمَ الأبعدين ذلك، فصار سنة، لأن على الخلفاء النظرَ في مثل ذلك للناس. قال الحافظ ابن رجب: وهذا يُفهم منه أن ذلك راجع إلى رأي الإمام، فإن احتاج إليه لكثرة الناس فعله، وإلا فلا حاجة إليه انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى باختصار(٢) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبين مما سبق أن ما زاده عثمان رضي الله من الأذان ليس محل إجماع، فقد ثبت إنكاره عن ابن عمر تعطلفيها وغيره، فما اقتضاه كلام ابن المنذر تَخْذَتُهُ من دعوى اتفاق الأمة عليه، غير صحيح(٣). والحاصل أن الأولى اتباع ما كان على عهد رسول اللَّه وَالقول، كما قال الشافعي رحمه (١) ((الأم)) ج١ ص ١٧٢ - ١٧٣ . (٢) ((شرح صحيح البخاري)) ٢١٥/٨ - ٢٢١. (٣) راجع ((الأوسط)) ٤ / ٥٦ . ٠ ١٨٧ ١٥- (بَأَبُ الأَذَاَنِ لِلْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٩٣ الله تعالى، فلا ينبغي زيادة الأذان الثالث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، أَخْبَرَهُ، قَالَ: إِنَّمَا أَمَرَ بِالتَأْذِينِ الثَّالِثِ عُثْمَانُ، حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْمَّدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ بِّهِ غَيْرَ مُؤَذِّنٍ(١) وَاحِدٍ، وَكَانَ التَّذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (محمد بن يحيى بن عبدالله) الذُّهلي النيسابوري، ثقة حافظ جليل [١١] تقدم ٣١٤/١٩٦ . ٢- (يعقوب) بن إبراهيم بن سعد الزهري المدني نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] تقدم ١٩٦ / ٣١٤ . ٣- (إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] تقدم ٣١٤/١٩٦ . ٤- (صالح) بن كيسان أبو محمد المدني، ثقة ثبت فقيه [٤] تقدم ٣١٤/١٩٦ . والباقيان تقدما في الذي قبله، والحديث متفق عليه، وقد سبق شرحه والكلام على مسائله، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: ((غير مؤذن واحد)) زاد أبو داود في روايته: ((بلال)). والمراد أن بلالًا هو المؤذن الذي كان يؤذن لرسول اللّه وَ ل * يوم الجمعة، كما بينته الرواية التالية. أو المراد -كما قال في ((الفتح))- أن المؤذن الذي كان يؤذن هو الذي كان يقيم. وأما أبو محذورة، وسعد القَرَظ، فكان كل منهما بمسجده الذي رُتِّبَ فيه، وأما ابن أم مكتوم، فلم يرد أنه كان يؤذن إلا في الصبح، كما تقدم في الأذان. وعُرف بهذا - كما قال الحافظ- الردّ على ما ذكره ابن حبيب أنه وَ لّ كان إذا رقي المنبر، وجلس أذن المؤذنون، وكانوا ثلاثة، واحد بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام، فخطب، فإنه دعوى تحتاج لدليل، ولم يرد صريحًا من طريق متصلة يثبت مثلها. قال: ثم وجدته في مختصر البويطي عن الشافعي انتهى(٢). وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: فيه أنه اشتهر أنه كان للنبي وَ لّر جماعة من (١) وفي نسخة ((غير أذان)). (٢) ((فتح)) ٥٦/٣ - ٥٧. ١٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ المؤذنين، منهم بلال، وابن أم مكتوم، وسعد القرظ، وأبو محذورة. وأجيب بأنه أراد الجمعة، وفي مسجد المدينة، ولم يُنقل أن ابن أم مكتوم كان يؤذن يوم الجمعة، بل الذي ورد عنه التأذين يوم الجمعة بلال، وأبو محذورة جعله وَ لّ مؤذنًا بمكة، وسعد جعله بقباء(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٩٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا جَلَسَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ عَلَّى الْمِنْبَرِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا نَزَلَ أَقَامَ، ثُمَّ كَانَ كَذَلِكَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ تَّا). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن عبدالأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم٥/٥. ٢- (المعتمر) بن سليمان البصري، ثقة، من كبار [٩] تقدم ١٠/١٠. ٣- (سليمان) بن طَرْخان التيمي البصري، ثقة عابد [٤] تقدم ١٠٧/٨٧. والباقيان تقدما قريبًا، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، وهو متفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٦ - (بَابُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ جَاءَ، وَقَدْ خَرَجَ الإِمَامُ) ١٣٩٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِالأَغْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللَّهِ، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((إِذَا جَاءَ أَحَذَّكُمْ، وَ قَدْ خَرَجَ الإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ)) - قَالَ شُعْبَةَ -: ((يَوْمَ الْجُمُعَةِ)). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (محمد بن عبدالأعلى) المذكور في السند الماضي. ٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيمي البصريّ، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢ / ٤٧. (١) ((نيل الأوطار)) ٣١٢/٣ - ٣١٣. ١٨٩ ١٦ - (بَأَبُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ جَاءَ ... - حديث رقم ١٣٩٥ ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الناقد البصري [٧] تقدم ٢٤ / ٢٦ . ٤- (عمرو بن دينار) الجُمَحي مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] تقدم ١١٢ / ١٥٤ . ٥- (جابر بن عبدالله) رَضِ يّها تقدم قبل باب. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وعمرو مكي، وجابر مدني. ومنها: أن فيه جابرا من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرو بْنِ دينَار، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْداللَّه) رضي اللَّه تعالى عنهما (يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ) أي إلى المسجد يوم الجمعة. ورواية المصنف رحمه الله تعالى مختصرة، ففي أوله قصة، وقد ساقه بتمامه مسلم في (صحيحه) من رواية أبي الزبير، عن جابر رَّه، أنه قال: جاء سُليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول اللّه وَل قاعد على المنبر، فقعد سُليك قبل أن يُصلي، فقال له النبي وَالر: ((أركعت ركعتين؟)) قال: لا، قال: ((قم، فاركعهما)). وفي رواية أبي سفيان، عن جابر رَظّ، قال: جاء سُليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول اللَّه ◌َلّه يخطب، فجلس، فقال له: ((يا سُليك قم، فاركع ركعتين، وتجوز فيهما))، ثم قال: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، ولیتجوّز فيهما)). (وَ قَدْ خَرَجَ الإمَامُ) أي صعد المنبر للخطبة، سواء شرع في الخطبة، أم لا. وفي رواية لمسلم: ((والإمام يخطب))، وموضع الجملة نصب على الحال من ((أحدكم))، والرابط الواو (فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْن) زاد في رواية مسلم المذكورة: ((وليتجوز فيهما))، أي ليخفف الركعتين، حتى يتفرغ لاستماع الخطبة . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأمر فيه للندب، لا للوجوب للنصوص الدالّة على أنه لا يجب ما عدا الصلوات الخمس، كما مرّ تحقيقه في محله في («باب كم فُرضت الصلاة في اليوم والليلة)) - ٤٥٨/٤ و٤٥٩ . وفيه دليل على مشروعية تحية المسجد بركعتين خفيفتين، واستحبابها حال الخطبة للداخل في تلك الحالة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وهو ١٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ الحق، وخالف في ذلك بعضهم، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة الرابعة إن شاء اللَّه تعالى . (قَالَ شُعْبَةَ: يَوْمَ الْجُمُعَة) يعنى أن شعبة الراوي عن عمرو بن دينار بَيّن أن المراد بالمجيء المذكور في هذا الحديث هو المجيء يوم الجمعة. وظاهر هذه الرواية أن قوله: ((يوم الجمعة)) من كلام شعبة، وليس مرفوعًا، لكن رواية مسلم صريحة في كونه مرفوعًا، ولفظه من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة : ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإما، فليُصلّ ركعتين)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبدالله رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه : أخرجه هنا-١٣٩٥/١٦ - وفي ((الكبرى)) -١٧٠٣/١٦- بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٧١/٢ (م) ١٤/٣ (أحمد) ٣٦٩ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده : منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الصلاة يوم الجمعة لمن جاء، وقد خرج الإمام، وذلك أنه يستحبّ له أن يركع ركعتين. ومنها: جواز صلاة تحية المسجد في الأوقات المكروهة، لأنها إذا لم تسقط في الخطبة مع الأمر بالإنصات لها، فغيرها أولى. ومنها: أن التحية لا تفوت بالقعود، لأنه ثبت أن سُليكًا دخل المسجد، فقعد، فقاله النبي وَل: ((قم، فاركع ركعتين))، لكن الظاهر أن هذا مقيد بالجاهل، والناسي، كما قاله بعضهم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: (لكن الظاهر إلخ)) فيه نظر، بل عدم التقييد هو الظاهر؛ لأنه لو كان مقيدًا لبينه النبي رَّ، ولم يثبت ذلك منه. والحاصل أن الجلوس لا يقطع مشروعية ركعتي تحية المسجد؛ إذ لا دليل عليه. والله تعالى أعلم. ومنها: أن للخطيب أن يأمر وينهى، ويُبَيّن الأحكام في أثناء خطبته، ولا يقطع ذلك توالي الخطبة، بل إن ذلك من جملة الخطبة . ومنها: ما قاله بعضهم: أنه يدلّ على أن المسجد شرط للجمعة، للاتفاق على أنه لا ١٩١ ١٦- (بَابُ الصَّلاَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ جَاءَ ... - حديث رقم ١٣٩٥ تُشرع التحية لغير المسجد، وفيه نظر(١). ومنها: أنه يدلّ على جواز ردّ السلام، وتشميت العاطس في حال الخطبة، لأن أمرهما أخفّ، وزمنهما أقصر، ولا سيما رد السلام، فإنه واجب. قاله في ((الفتح)) (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة لمن جاء يوم الجمعة، والإمام يخطب : قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في المرء يدخل المسجد يوم الجمعة، والإمام على المنبر، فقالت طائفة: يركع ركعتين، ويجلس، كذلك قال الحسن البصري، وفعل ذلك مكحول، وهو قول ابن عيينة، وعبدالله بن يزيد- المقرىء، والشافعي، والحميديّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، ونفر(٣) من أهل الحديث. وقالت طائفة: يجلس، ولا يصلي، هذا قول محمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وشُريح، وقتادة، والنخعيّ، ومالك، والليث بن سعد، والثوريّ، وسعيد بن عبدالعزيز، والنعمان . وفيه قول ثالث، قاله أبو مِجْلَز، قال: إن شئت ركعت، وإن شئت جلست. وفيه قول رابع، قاله الأوزاعيّ، قال: كان من هدي الناس أن يركع الرجل في منزله ركعتين عند خروجه إلى الجمعة، فمتى ركعهما، ثم جاء المسجد، فوجد الإمام يخطب قعد، ولم يركع، وإن لم يكن ركع قبل خروجه، فلا يجلس حين يدخل المسجد حتى یرکع . قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: يصلي إذا دخل، والإمام يخطب ركعتين خفيفتين، صلى في منزله، أو لم يصلّ، لأن النبي ◌َّ أمر بذلك الداخل في المسجد، وأَمْرُهُ على العموم، ويؤكد ذلك حديث أبي قتادة رَوي (٤). ولا يقولنّ قائل: إن النبي وَلّ خَصَّ بهما سُليكًا، لأن في حديث جابر ◌َّه جاء سُليكٌ الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله وَ لَ يخطب، فجلس، فقال له النبي وَلِيّ: (١) قال الجامع: لا نظر فيه، بل هو الحقّ، فتأمل. والله تعالى أعلم. (٢) جـ ٣ ص ٧٦ - ٧٧ . (٣) عبارة ابن حزم في ((المحلى)) جـ ٥ ص ٧٠: ((وجمهور أهل الحديث)). (٤) يعني حديث عمرو بن سُليم، عن أبي قتادة مرفوعًا: ((إذا دخل أحكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)). متفق عليه. = ١٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ (قم، فاركع ركعتين، وتجوّز فيهما))، ثم قال: ((إذا دخل أحدكم إلى الجمعة، والإمام یخطب، فلیرکی رکعتین، ویتجوّز فيهما)). قال: ومما يزيد ذلك ثباتًا فعل أبي سعيد الخدريّ ◌َّه ذلك، وهو الراوي بهذه(١) القصة، دخل، ومروان يخطب، فقام يصلي الركعتين، فجاء إليه الأحراس ليُجلسوه، فأبى حتى صلى الركعتين، وقال: ما كنت أدعهما لشيء بعد شيء رأيته من رسول الله وَالثير، وذكر الحديث. قال ابن المنذر تَخّْلهُ: وفي قوله: ((إذا جاء أحدكم إلى الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين)) بعد أن علّم سُليكًا أبينُ البيان بأن ذلك عامّ للناس انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار(٢) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى في هذه المسألة، ورجحه حسنٌ جدًّا. وقد حقق البحث في هذه المسألة الحافظ رحمه اللّه تعالى في ((الفتح))، فذكر أدلّة الفريقين، وناقشها بما لا يوجد في غيره، فقال: واستُدلّ به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد. وتُعُقّب بأنها واقعة عين لا عُموم لها، فيحتمل اختصاصها بسُليك، ويدلّ عليه قوله في حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب السنن وغيرهم: (جاء رجل، والنبي وَّل يخطب، والرجل في هيئة بذَّة، فقال له: ((أصليت؟))، قال: لا، قال: ((صلّ ركعتين، وحَضَّ الناس على الصدقة ... )) الحديث، فَأَمَرَهُ أن يصلي ليراه بعض الناس، وهو قائم، فيُتَصدَّق عليه. ويؤيّده أن في الحديث عند أحمد أن النبي ◌َّ قال: ((إن هذا الرجل دخل المسجد في هيئة بذّة، فأمرته أن يُصلي ركعتين، وأنا أرجو أن يَفطن له رجل، فيُتَصدّقَ عليه)). وعُرف بهذه الرواية الردّ على من طعن في هذا التأويل، فقال: لو كان كذلك لقال لهم: إذا رأيتم ذا بَذَّةٍ، فتصدّقوا عليه، أو إذا كان أحد ذابذّة، فليقم، فليركع حتى يتصدّق الناس عليه . والذي يظهر أنه وَّر كان يعتني في مثل هذا بالإجمال دون التفصيل، كما كان يصنع عند المعاتبة . ومما يُضعف الاستدلال به أيضًا على جواز التحية في تلك الحال أنهم أطلقوا أن (١) هكذا نسخة ((الأوسط)) بالباء، ولعل الأولى ((لهذه القصة)) باللام. (٢) ((الأوسط)) جـ ٤ ص ٩٤ - ٩٦ . ١٦- (بَأَبُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ جَاءَ ... - حديث رقم ١٣٩٥ ١٩٣ = التحية تفوت بالجلوس. وورد أيضًا ما يُؤكّد الخصوصية، وهو قوله وَ لّ لسليك في آخر الحديث: ((ولا تعودن لمثل هذا». أخرجه ابن حبان. انتهى ما اعتلّ به من طعن في الاستدلال بهذه القصّة على جواز التحيّة. وكله مردود، لأن الأصل عدم الخصوصيّة، والتعليل بكونه وَالهر قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يُجيزون التطوّع لعلة التصدّق. قال ابن المنيّر في ((الحاشية)): لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوّع عند طلوع الشمس، وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به. ومما يدلّ على أن أمره بالصلاة لم ينحصر في قصد التصدّق معاودته وَلّ بأمره بالصلاة أيضًا في الجمعة الثانية بعد أن حَصَّلَ له في الجمعة الأولى ثوبين، فدخل بهما في الثانية، فتصدّق بأحدهما، فنهاه النبي وَلّر عن ذلك، أخرجه النسائي(١)، وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضًا، ولأحمد، وابن حبان أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرّات في ثلاث جمع، فدلّ على أن قصد التصدّق عليه جزء علّة، لا علّة كاملة. وأما إطلاق من أطلق أن التحيّة تفوت بالجلوس، فقد حَكَى النووي في ((شرح مسلم)) عن المحققين أن ذلك في حق العامد العالم (٢)، أما الجاهل، أو الناسي فلا، وحالُ هذا الداخل محمولة في الأولى على أحدهما، وفي المرّتين الأخريين على النسيان . والحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر بالإنصات، والاستماع للخطبة. قال ابن العربي: عارض قصّةَ سُليك ما هو أقوى منها، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَ اَلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقوله وَّ: ((إذا قلتَ لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت))، متفق عليه. قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف، وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه، فمنع التشاغل بالتحيّة مع طول زمنها أولى. وعارضوا أيضًا بقوله وَلّ، وهو يخطب للذي دخل يتخطى رقاب الناس: ((اجلس، فقد آذيت))، أخرجه أبو داود، والنسائيّ(٣)، وصححه ابن خزيمة، وغيره من حديث (١) سيأتي برقم ٢٦ / ٤٠٨ إن شاء الله تعالى. (٢) قد سبق ترجيح القول بعدم الفوات بالجلوس للعامد أيضًا، فلا تغفل. (٣) سيأتي برقم ١٣٩٩/٢٠. ١٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ عبدالله بن بُسر، قالوا: فأمره بالجلوس، ولم يأمره بالتحيّة. وروى الطبرانيّ من حديث ابن عمر، رفعه: ((إذا دخل أحدكم، والإمام على المنبر، فلا صلاة، ولا كلام، حتى يفرغ الإمام)) . والجواب عن ذلك كلّه أن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط أحد الدليلين إنما يُعمل بها عند تعذّر الجمع، والجمع هنا ممكن: أما الآية، فليست الخطبة كلها قرآنًا، وأما ما فيها من القرآن، فالجواب عنه كالجواب عن الحديث، وهو تخصيص عمومه بالداخل. وأيضًا فمصلي التحيّة يجوز أن يُطلق عليه أنه منصت، فقد تقدّم في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة تَظّه، أنه قال: ((يا رسول اللَّه سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟)) فأطلق على القول سرّا السكوتَ. وأما حديث ابن بُسْر تَّه، فهو أيضًا واقعة عين لا عموم فيها، فيحتمل أن يكون ترك أمره بالتحيّة قبل مشروعيتها، وقد عارض بعضهم في قصّة سُليك بمثل ذلك. ويحتمل أن يُجمَعَ بينهما بأن يكون قوله له: ((اجلس)) أي بشرطه، وقد عرف قوله للداخل: ((فلا تجلس حتى تصلي ركعتين))، فمعنى قوله: ((اجلس))، أي لا تتخطّ، أو ترك أمره بالتحيّة لبيان الجواز، فإنها ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع في أواخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحيّة، وقد اتفقوا على استثناء هذه الصورة. ويحتمل أن يكون صلى التحيّة في مؤخر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة، فوقع منه التخطي، فأنكر عليه. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن هذا الوجه هو الأولى والأقرب في الجواب من جميع الاحتمالات المذكورة. والله تعالى أعلم. قال: والجواب عن حديث ابن عمر رَزيه بأنه ضعيف، فيه أيوب ابن نَهيك، وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة، وأبو حاتم، والأحاديث الصحيحة لا تُعَارَضُ بمثله. وأما قصّة سُليك، فقد ذكر الترمذيّ أنها أصحّ شيء رُوي في هذا الباب، وأقوى. وأجاب المانعون أيضًا بأجوبة غير ما تقدّم، اجتمع لنا منها زيادة على عشرة، أوردتها مُلخّصةً مع الجواب عنها، لتُستَفاد: الأول: قالوا: إنه وَّ لما خاطب سُليكًا سكت عن خطبته حتى فرغ سُليك من صلاته، فعلى هذا فقد جمع سُليك بين سماع الخطبة، وصلاة التحيّة، فليس فيه حجة لمن أجاز التحية، والخطيب يخطب. والجواب أن الدارقطني الذي أخرجه من حديث أنس قد ضعفه، وقال: إن الصواب ١٩٥ ١٦- (بَابُ الصَّلَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ جَاءَ ... - حديث رقم ١٣٩٥ أنه من رواية سليمان التيميّ مرسلًا، أو معضّلًا. وقد تعقبه ابن المنيّر في ((الحاشية)) بأنه لو ثبت لم يسغ على قاعدتهم، لأنه يستلزم جواز قطع الخطبة لأجل الداخل، والعمل عندهم لا يجوز قطعه بعد الشروع فيه، لا سيما إذا كان واجبًا. الثاني: لما تشاغل النبي وَّر بمخاطبة سُليك سقط فرض الاستماع عنه، إذ لم يكن منه حينئذ خطبة لأجل تلك المخاطبة. قاله ابن العربي، وادعى أنه أقوى الأجوبة. وتُعُقّب بأنه من أضعفها، لأن المخاطبة لما انقضت رجع رسول اللّه وَّه إلى خطبته، وتشاغل سليك بامتثال ما أَمَره به من الصلاة، فصحّ أنه صلى في حال الخطبة . الثالث: قيل: كانت هذه القصة قبل شروعه ◌َلّ في الخطبة، ويدلّ عليه قوله في رواية الليث عند مسلم: ((والنبي وسلّ قاعد على المنبر)). وأجيب بأن القعود على المنبر لا يختصّ بالابتداء، بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين أيضًا، فيكون كلمه بذلك، وهو قاعد، فلما قام ليصلي قام النبي ◌ّ للخطبة، لأن زمن القعود بين الخطبتين لا يطول. ويحتمل أيضًا أن يكون الراوي تجوّز في قوله: ((قاعد))، لأن الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل، والنبي ◌َّ يخطب. الرابع: قيل: كانت هذه القصّة قبل تحريم الكلام في الصلاة. وتُعقّب بأن سُليكًا متأخر الإسلام جدًا، وتحريم الكلام متقدم، كما مرّ في موضعه، فكيف يُدْعَى نسخ المتأخّر بالمتقدّم، مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقيل: كانت قبل الأمر بالإنصات، وقد تقدّم الجواب عنه، وعورض هذا الاحتمال بمثله في الحديث الذي استدلّوا به، وهو ما أخرجه الطبراني عن ابن عمر رَّهَا: ((إذا خرج الإمام، فلا صلاة، ولا كلام))، لاحتمال أن يكون ذلك قبل الأمر بصلاة التحيّة، والأولى في هذا أن يُقال على تقدير تسليم ثبوت رفعه يخصّ عمومه بحديث الأمر بالتحية خاصة، كما تقدَّم. الخامس: قيل: اتفقوا على أنّ منع الصلاة في الأوقات المكروهة، يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه، وقد اتفقوا على أن من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفّل حال الخطبة، فليكن الآتي كذلك. قاله الطحاويّ. وتُعُقّب بأنه قياس في مقابلة النّصّ، فهو فاسد. وما نقله من الاتفاق وافقه عليه الماورديّ وغيره. وقد شذّ بعض الشافعية، فقال: ينبني على وجوب الإنصات، فإن قلنا به امتنع ١٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ التنفّل، وإلا فلا. السادس: قيل: اتفقوا على أن الداخل، والإمام في الصلاة تسقط عنه التحية، ولا شك أن الخطبة صلاة، فتسقط عنه فيها أيضًا. وتُعُقْب بأن الخطبة ليست صلاةً من كل وجه، والفرق بينهما ظاهر من وجوه كثيرة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل المقصود، هذا مع تفريق الشارع بينهما، فقال: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة))، وقد وقع في بعض طرقه: ((فلا صلاة إلا التي أُقيمت))، ولم يقل ذلك في حال الخطبة، بل أمرهم فيها بالصلاة. السابع: قيل: اتفقوا على سقوط التحيّة عن الإمام مع كونه يجلس على المنبر، مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم، فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى. وتُعُقّب بأنه أيضًا قياس في مقابلة النصّ، فهو فاسد، ولأن الأمر وقع مقيّدًا بحال الخطبة، فلم يتناول الخطيب. وقال الزين ابن المنير: منع الكلام إنما هو لمن شهد الخطبة، لا لمن خطب، فكذلك الأمر بالإنصات، واستماع الخطبة . الثامن: قيل: لا نُسلّم أن المراد بالركعتين المأمور بهما تحيّة المسجد، بل يحتمل أن تكون صلاة فائتة، كالصبح مثلًا، قاله بعض الحنفيّة، وقوّاه ابن المنيّر في ((الحاشية))، وقال: لعله وَالَّ كان كُشف له عن ذلك، وإنما استفهمه مُلاطفةً له في الخطاب، قال: ولو كان المراد بالصلاة التحيّةً لم يحتج إلى استفهامه، لأنه قد رآه لمّا دخل. وقد تولّى رده ابن حبان في ((صحيحه))، فقال: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرّةً أخرى، ومن هذه المادة قولهم: إنما أمره بسنة الجمعة التي قبلها، ومستندهم قوله في قصّة سُليك عند ابن ما جه: ((أصليت قبل أن تجيء))، لأن ظاهره قبل أن تجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعيّ: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء، فلا يصلي إذا دخل المسجد . وتعقّب بأن المانع من صلاة التحيّة لا يُجيز التنفل حال الخطبة مطلقًا. ويحتمل أن يكون معنى: ((قبل أن تجيء)) أي إلى الموضع الذي أنت به الآن، وفائدة الاستفهام احتمال أن يكون صلاها في مؤخر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة، كما تقدم في قصة الذي تخطى، ويؤكده أن في رواية لمسلم: ((أصليت الركعتين)) بالألف واللام، وهو للعهد، ولا عهدَ هناك أقرب من تحيّة المسجد، وأما سنة الجمعة التي قبلها، فلم يثبت فيها شيء، كما سيأتي في بابه. ١٩٧ == ١٦- (بَأَبُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ جَاءَ ... - حديث رقم ١٣٩٥ التاسع: قيل: لا نسلم أن الخطبة المذكورة كانت للجمعة، ويدلّ على أنها كانت لغيرها قوله للداخل: ((أصليت))، لأن وقت الصلاة لم يكن دخل. وهذا ينبنى على أن الاستفهام وقع عن صلاة الفرض، فيحتاج إلى ثبوت ذلك، وقد وقع في حديث الباب (١)، وفي الذي بعده أن ذلك كان يوم الجمعة، فهو ظاهر في أن الخطبة كانت لصلاة الجمعة . قال جماعة، منهم القرطبيّ: أقوى ما اعتمده المالكية في هذه المسألة عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقًا . وتُعُقّب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك، فقد ثبت فعل التحيّة عن أبي سعيد الخدري، وهو من فقهاء الصحابة، من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضًا. فروى الترمذي، وابن خُزيمة، وصححاه عن عياض بن أبي سرح: ((أن أبا سعيد الخدريّ دخل، ومروان يخطب، فصلى الركعتين، فأراد حَرَس مروان أن يمنعوه، فأبى حتى صلاهما، ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول اللَّه ◌َلّ يأمر بهما)) انتھی . ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحًا ما يخالف ذلك. وأما ما نقله ابن بطال عن عمر، وعثمان، وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقًا، فاعتماده على روايات عنهم، فيها احتمالات، كقول ثعلبة ابن أبي مالك: ((أدركت عمر، وعثمان -وكان الإمام- إذا خرج تركنا الصلاة)). ووجه الاحتمال أن يكون ثعلبة عَنَى بذلك من كان داخل المسجد خاصّة. قال الحافظ العراقي في ((شرح الترمذيّ)): كلّ من نقل عنه - يعني من الصحابة- منع الصلاة، والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد، لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحية، وقد ورد فيها حديث يخصّها، فلا تترك بالاحتمال انتهى. قال الحافظ: ولم أقف على ذلك صريحًا عن أحد من الصحابة. وأما ما رواه الطحاويّ عن عبدالله بن صفوان أنه دخل المسجد، وابن الزبير يخطب، فاستلم الركن، ثم سلّم عليه، ثم جلس، ولم يركع. وعبدالله بن صفوان، وعبدالله بن الزبير صحابيّان صغيران، فقد استدلّ به (١) يعني رواية البخاري، ولفظه: ((جاء رجل، والنبي ◌َّيّ يخطب الناس يوم الجمعة ... )) الحديث. ١٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ الطحاويّ، فقال: لمّا لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان، ولا من حضرهما من الصحابة ترك التحيّة دلّ على صحة ما قلناه. وتُعُقّب بأن تركهم النكير لا يدلّ على تحريمها، بل يدلّ على عدم وجوبها، ولم يقل به مخالفوهم . وسيأتي في أواخر الكلام على هذا الحديث البحث في أن صلاة التحيّة، هل تعمّ كلّ مسجد، أو يُستثنى المسجد الحرام، لأن تحيته الطواف؟ فلعل ابن صفوان كان يرى أن تحيّته استلام الركن فقط. وهذه الأجوبة التي قدّمناها تندفع من أصلها بعموم قوله وَ لّ في حديث أبي قتادة: ((إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين)). متفق عليه. وقد تقدّم الكلام علیه . وورد أخصّ منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبدالله يقول: قال رسول اللَّه وَ الر، وهو يخطب: ((إذا جاء أحدكم، والإمام يخطب - أو قد خرج - فليُصلّ ركعتين)) متفق عليه أيضًا، ولمسلم من طريق أبي سفيان، عن جابر، أنه قال ذلك في قصّة سُليك، ولفظه بعد قوله: ((فاركعهما، وتَجَوَّزْ فيهما)): ثم قال: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، ولیتجوّز فيهما)). قال النووي: هذا نصّ لا يتطرّق إليه التأويل، ولا أظنّ عالمًا يبلغه هذا اللفظ، ويعتقدہ صحيحًا، فيخالفه. وقال أبو محمد بن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نصّ في الباب، لا يحتمل التأويل . وحكى ابن دقيق العيد أن بعضهم تأوّل هذا العموم بتأويل مستكره. وكأنه يُشير ألى بعض ما تقدّم من ادعاء النسخ، أو التخصيص. وقد عارض بعض الحنفية الشافعيّةً بأنهم لا حجة لهم في قصّة سُليك، لأن التحيّة عندهم تسقط بالجلوس، وقد تقدّم جوابه. وعارض بعضهم بحديث أبي سعيد تعطيه رفعه: ((لا تصلّوا، والإمام يخطب)). وتعقّب بأنه لا يثبت، وعلى تقدير ثبوته، فيخصّ عمومه بالأمر بصلاة التحيّة. وبعضهم بأن عمر تَظّه لم يأمر عثمان رَّه بصلاة التحيّة مع أنه أنكر عليه الاقتصار على الوضوء. وأجيب باحتمال أن يكون صلّاهما. ١٧- (مقَمُ الإِمَامِ فِي الْخُطْبةِ) - حديث رقم ١٣٩٦ ١٩٩ [فائدة]: قيل: يُخصّ عموم حديث الباب بالداخل في آخر الخطبة، كما تقدّم. قال الشافعي تَخْذَ لُهُ: أرى للإمام أن يأمر الآتي بالركعتين، ويزيد في كلامه ما يُمكنُهُ الإتيان بهما قبل إقامة الصلاة، فإن لم يفعل كرهت ذلك. وحكى النوويّ عن المحققين أن المختار إن لم يفعل أن يقف حتى تقام الصلاة، لئلا يكون جالسًا بغير تحيّة، أو متنفّلًا حال إقامة الصلاة. واستثنى المحاملي المسجد الحرام، لأن تحيّته الطواف. قال الحافظ تَخّْلهُ: وفيه نظر، لطول زمن الطواف بالنسبة إلى الركعتين. والذي يظهر من قولهم: إن تحية المسجد الحرام الطواف، إنما هو في حقّ القادم، ليكون أول شيء يفعله الطواف، وأما المقيم، فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعل قول من أطلق أنه يبدأ في المسجد الحرام بالطواف، لكون الطواف يعقبه صلاة الركعتين، فيحصل شغل البقعة بالصلاة غالبًا، وهو المقصود، ويختصّ المسجد الحرام بزيادة الطواف. والله تعالى أعلم انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(١) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تلخص مما تقدم أن المذهب الراحج في هذه المسألة هو ما ذهب إليه المجوّزون لأداء ركعتي التحية لمن دخل المسجد، والإمام يخطب؛ لوضوح أدلته، وضعف ما عارضه مما ذكره المانعون. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٧ - (مَقَامُ الإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ) بفتح الميم: أي موضع قيامه. ١٣٩٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ(٢)، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ إِ لّهِ إِذَا خَطَبِّ، يَسْتَنِدُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ، مِنِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْيَرُ، وَاسْتَوَى عَلَيْهِ، (١) ((فتح)) ٧٢/٣ - ٧٧ . (٢) وفي النسخة ((الهندية)): ((حدثه)). ــ ٢٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَةُ، كَحَنِينِ النَّاقَةِ، حَتَّى سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ، حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللّهِ وَهِ، فَاعْتَنَقَهَا، فَسَكَتَتْ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (ابن جُريج) هو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس، ويرسل [٦] تقدّم ٣٢/٢٨ . ٢- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، صدوق، يدلس [٤] تقدم ٣١/ ٣٥ . والباقون تقدّموا قريبًا، فشيخه، وابن وهب، تقدما قبل بابين، والصحابي في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خمسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالمكيين، فقد سكن جابر مكة، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصريان. ومنها: أن فيه جابرًا رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن جابر ◌َّ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ◌ِّهِ إِذَا خَطَبَ، يَسْتَندُ إلَى جذْع نَخْلَة) بكسر الجيم، وسكون الذال المعجمة، أي ساقها، قال الفيّومي ريْذَّتُهُ: ((الجذع)) بالكسر: ساق النخلة، ويُسمّى سَهْم السقف جذعًا، والجمع جُذُوع، وأجذاع انتهى (منِ سَوَاري الْمَسْجِد) متعلق بصفة محذوف ((جذوع))، أو حال منه. و ((السواري)) جمع سارية، كجارية وجواري، وهي الأُسطوانة (فَلَمَّا صُنعَ الْمِثْبَرُ) بكسر الميم: مرقاة الخطيب، سمي منبرًا لارتفاعه، وعُلُّوِّه، ويقال: انتبر الأميرُ: ارتفع فوق المنبر. أفاده في ((اللسان)). وهذا المنبر صنعه له وَّر غلام امرأة من الأنصار، فقد أخرج البخاري عن أبي حازم، أن رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعديّ رَّه، وقد امْتَرَوا في المنبر ممَّ عُودُه، فسألوه عن ذلك؟ فقال: والله إني لأعرف مما هو؟، ولقد رأيته أول يوم وُضع، وأول يوم جلس عليه رسول اللّه وَّله أرسل رسول اللّه وَ لهل إلى فلانة امرأة من الأنصار، قد سماها سهل، مُري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا، أجلس عليهنّ، إذا كلمت الناس، فأمرته، فعملها من طَرْفاء الغابة، ثم جاء بها، فَأَرسَلَتْ إلى رسول اللَّه وَرَ،