النص المفهرس

صفحات 101-120

٥- (إِكْثَرُ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ لَ يَوْمَ ... - حديث رقم ١٣٧٤
١٠١=
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في ((النكت الظراف)): ذكر البخاريّ، وأبو حاتم،
وتبعهما ابن حبّان أن حسين بن عليّ الجعفيّ غلط في عبدالرحمن بن يزيد بن تميم،
فظنّه عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، كما جرى لأبي أسامة فيه، وأن هذا الحديث عن ابن
((تميم))، لا عن ((ابن جابر))، ولا يكون صحيحًا، وردّ ذلك الدار قطنيّ، فخصّ أبا أسامة
(١)
.
بالغلط فيه انتهى
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تلخص من مجموع ما ذُكر ترجيح كون
عبدالرحمن بن يزيد الذي روى عنه حسين الجعفي هذا الحديث هو ابنَ جابر الثقة
المعروف، وأن الحديث صحيح، لصحة إسناده، ولشواهده.
وقد صححه من الأئمة: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي،
والنووي في ((الأذكار))، وحسنه ابن المنذر، والحافظ ابن حجر، وله شواهد من حديث
أبي الدرداء عند ابن ماجه -١٦٣٧ - ورجاله ثقات، لكنه منقطع، وآخر من حديث أبي
أمامة عند البيهقي، وحَسّن إسناده المنذريّ، إلا أن مكحولا قيل: لم يسمع من أبي
أمامة، ومن حديث أبي هريرة، وأبي مسعود، وأنس، والحسن، كما تقدم في كلام ابن
القيم، فهذه الأحاديث، وإن كان في معظمها مقال، فمجموعها يصلح شاهدًا لحديث
الباب .
والحاصل أن حديث الباب صحيح. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٣٧٤/٥ - وفي ((الكبرى)) -١٦٦٦/٧- بالسند المذكور.
وأخرجه (د) ١٠٤٧ و١٥٣١ (ق) ١٠٨٥ و١٦٣٦ (أحمد) ٨/٤ (الدارمي) ١٥٨٠
(ابن خزيمة) ١٧٣٣ و ١٧٣٤ . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده :
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب إكثار الصلاة على النبي
وَل يوم الجمعة.
ومنها: فضل يوم الجمعة على سائر الأيام.
ومنها: أن الأنبياء أحياء في قبورهم، حياةً برزخية، لا يعلم حقيقتها إلا الله
تعالى، وأما زيادة: ((فنبي اللَّه حيّ يُرزق)) في آخر هذا الحديث عند ابن ماجه،
والطبراني، فغير صحيحة، لأن في إسنادها انقطاعًا في موضعين، كما بينه الحافظ
(١) ((النكت الظراف)) جـ ٢ ص ٣ - ٤ .

١٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
البوصيري رحمه اللَّه تعالى(١).
ومنها: أن اللَّه تعالى حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام .
ومنها: أن النبي ◌َلتر تُعرض عليه في قبره صلاة أمته. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللّه، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٦- (بَابُ الأَمْرِ بِالسِّوَاكِ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ)
١٣٧٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ
سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلَالٍ، وَبُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ، حَدَّثَاهُ(٢)، عَنْ أَبِيَ بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِّرِ، عَنْ عَمْرٍو
بْنِ سُلَيْم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعيدٍ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((الْغُسْلُ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ، وَالسِّوَاكُ، وَيَمَسُ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ)).
إِلَّا أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ ((عَبْدَالرَّحْمُنِ))، وَقَالَ فِي الطَّيبِ: ((وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ»).
رجال هذا الإسناد: تسعة :
١- (محمد بن سلمة) المرادي المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم ٢٠/١٩.
٢- (ابن وهب) عبدالله المصري، ثقة حافظ [٩] تقدم٩/٩.
٣- (عمرو بن الحارث) أبو أيوب المصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٦٣ /٧٩.
٤- ( سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم المصري، صدوق [٦] تقدم ٤١/ ٦٨٦.
٥- (بُكير بن الأشج) هو ابن عبدالله المدني نزيل مصر، نُسب لجدّه، ثقة [٥]
تقدم ١٣٥ / ٢١١ .
٦- (أبو بكر بن المنكدر) بن عبدالله بن الهُدَير التيميّ المدني، ثقة [٤]، كان أسنّ
من أخيه محمد.
(١) راجع نسخة (ابن ماجه)) بشرح السندي الطبعة الجديدة جـ ٢ ص ٢٩١ رقم الحديث ١٦٣٧ بتحقيق
الشيخ خليل مأمون شيحا.
(٢) وفي ((الهندية)): ((أخبراه)).

١٠٣ ـ
٦- (بَبُ الأَمْرِ بِالسِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٥
روى عن عمه ربيعة بن عبدالله بن الْهُدَير، وجابر، وأبي أمامة، وعَمرو بن سُليم،
وغيرهم. وعنه أخوه محمد، ويُكير بن الأشجّ، وسعيد بن أبي هلال، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا يُسمّى. وكذا قال النسائي. وقال الآجرّيّ عن أبي داود: كان من
ثقات الناس. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقة قليل الحديث.
روى له الجماعة، سوى ابن ماجه. وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده برقم
(١٣٨٣).
٧- (عمرو بن سُليم) الزُّرقي الأنصاري المدني، ثقة [٢] تقدم ٧٣٠/٣٧ .
٨- (عبدالرحمن بن أبي سعيد) الخدري الأنصاري المدني، ثقة [٣] تقدم٣٢٦/١.
٩- (أبو سعيد) الخدري سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي، رَضِلّا،
تقدم ٢٦٢/١٦٩ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح،
وأنه مسلسل بالمصريين إلى بُكير، وبعده بالمدنيين، وفيه أربعة من التابعين يروي
بعضهم عن بعض: بكير، وأبو بكر، وعمرو، وعبد الرحمن، وفيه رواية الابن عن
أبيه، وفيه أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠)
حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِالرَّحْمَن بْن أَبِي سَعيد) الخدري (عَنْ أَبيه) سعد بن مالك بن سنان رضي الله
تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ، قَالَ: ((الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَة وَاجِبٌ) هذا ظاهر في
الوجوب، وبه قال بعض العلماء، وحمله الجمهور على أنه أمر مؤكد، وسيأتي تحقيق
الخلاف في الباب التالي إن شاء الله تعالى. وليس في رواية مسلم لفظ ((واجب))،
ولفظه: ((غسلُ يوم الجمعة على كلّ محتلم)).
(عَلَى كُلِّ مُخْتَلم) أي بالغ، فيشمل من بلغ بالسنّ، أو الإحبال، والمراد بالبالغ من
كان خاليًا عن عذر يُبيح الترك، وإلا فالمعذور مُستثنى بالأدلّة الأخرى.
والمراد الذَّكَر كما هو مقتضى الصيغة، وأيضًا الاحتلام أكثر ما يبلغ به الذكور دون
الإناث، وفيهنّ الحيض أكثر.
وعمومه يشمل المصلي وغيره، لكن الحديث الذي بعده وغيره يخصّه بالمصلي(١).
(١) ((شرح السندي)) جـ ٣ ص ٩٢ .

١٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
(وَالسِّوَاكُ) عطف على ((الغسل))
(وَيَمَسُ من الطيب) بفتح الميم أفصح من ضمها. قال الفيومي: مسسته، من باب
تعب، وفي لغة: مسسته مَسَّا من قتل: أفضيت إليه بيدي من غير حائل، هكذا قيّدوه،
والاسم المَسيس. قال: ومَسَّ الماءُ الجسدَ مَسًا: أصابه، ويتعدّى إلى ثان بالحرف،
وبالهمزة، فيقال: مسست الجسد، وأمسستُ الجسد ماءً انتهى.
قال السندي رحمه الله تعالى: وهو خبر بمعنى الأمر.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنه عطف على ((الغسل)) بحذف أن المصدريّة،
وحذف ((أن)) ورفع الفعل جائز عند بعض النحاة، وهو الأصح، ومنه قوله تعالى:
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، والتقدير هنا: والمسُّ منَ الطِّيب.
و((من)) بيان مقدم لـ ((ما)) في قوله (مَا قَدَرَ عَلَيْهِ) و((ما) مفعول ((يمسٌ))، أي ومسُ الشيء
الذي قدر عليه من الطيب.
قال القاضي عياض رحمه اللّه تعالى: يحتمل إرادة التأكيد حتى يفعله بما أمكنه،
ويحتمل إرادة التكثير، والأول أظهر، ويؤيده قوله: ((ولو من طيب المرأة))، وهو
المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه، وخفي ريحه، فإباحته للرجل هنا للضرورة، لعدم
غيره، وهذا يدلّ على تأكده. والله أعلم(١) .
(إلَّا أَنَّ بُكَيْرًا) استثناء منقطع، أي لكن بُكير بن الأشجّ خالف سعيد بن أبي هلال في
سند هذا الحديث، فـ(لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَالرَّحْمَن) بن أبي سعيد، بل جعله عن عمرو بن
سُليمٍ، عن أبي سعيد (و) خالف في متنه أيضًا بالزيادة، فـ(قَالَ في الطّيب: وَلَوْ منْ طيب
الْمَرْأَة) يعني أنه قال: ويمس من الطيب، ولو من طيب المرأة.
و (لو)) وصلية، فلا تحتاج إلى جواب، والجار والمجرور خبر لـ ((كان)) المحذوفة مع
اسمها، وهو كثير في الاستعمال، كما قال في ((الخلاصة)):
وَيَخْذِفُونَّا وَيُبْقُونَ الْخَبَزْ وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثِيرًا ذَا اشْتَهَزْ
أي ولو كان الممسوسُ كائنًا من طيب المرأة.
[تنبيه]: رواية بكير بن الأشج التي قال فيها المصنّف أنه لم يذكر فيها ((عبدالرحمن))
وافقه فيها شعبة، فقد رَوَى الحديث البخاري في ((صحيحه)) عن علي - هو ابن
المديني - عن حَرَميّ بن عُمَارة، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن المنكدر، قال:
حدثني عمرو بن سليم الأنصاري، قال: أشهد على أبي سعيد، قال: أشهد على رسول
(١) أفاده النووي في ((شرح مسلم)) جـ ٦ ص ١٣٥.

٦- (بَابُ الأَمْرِ بِالسُّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٥
١٠٥ ==
اللَّهِ وَّه قال: ((الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستنّ، وأن يمسّ طيبًا،
إن وجده)) .
قال الحافظ رحمه الله تعالى بعد ذكر نحو ما تقدم عن النسائي: ما حاصله: وكذلك
أخرجه أحمد من طريق ابن لهيعة، عن بُكير، ليس فيه عبدالرحمن.
وغفل الدارقطني في (العلل)) عن هذا الكلام الأخير، فجزم بأن بُكيرًا وسعيدًا خالفا
شُعبة، فزادا في الإسناد ((عبد الرحمن))، وقال: إنهما ضبطا إسناده، وجوّداه، وهو
الصحيح.
وليس كما قال، بل المنفرد بزيادة ((عبدالرحمن)) هو سعيد بن أبي هلال، وقد وافق
شعبةَ، وبُكيرًا على إسقاطه محمدُ بنُ المنكدر، أخو أبي بكر، أخرجه ابن خُزيمة من
طريقه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد.
والذي يظهر أن عمرو بن سُليم سمعه من عبدالرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، ثم
لقي أبا سعيد، فحدّثه، وسماعه منه ليس بمنكر، لأنه قديم، وُلد في خلافة عمر بن
الخطاب رَّه ، ولم يوصف بالتدليس.
وحكى الدارقطني في ((العلل)) فيه اختلافا آخر على علي بن المديني شيخ البخاري
فيه، فذكر أن الباغنديّ حدّث به عنه بزيادة عبدالرحمن أيضًا، وخالفه تمّام عنه، فلم
يذكر عبدالرحمن .
وفيما قاله نظر، فقد أخرجه الإسماعيلي، عن الباغندي بإسقاط عبدالرحمن، وكذا
أخرجه أبو نُعيم في ((المستخرج)) عن أبي إسحاق بن حمزة، وأبي أحمد الغطريفي،
كلاهما عن الباغندي، فهؤلاء ثلاثة من الحفّاظ حدّثوا به عن الباغنديّ، فلم يذكروا
عبدالرحمن في الإسناد، فلعلّ الوهم فيه ممن حدث به الدارقطنيّ عن الباغنديّ.
وقد وافق البخاريّ على ترك ذكره محمدُ بنُ يحيى الذُّهْليُّ عند الجوزقي، ومحمدُ
ابنُ عبدالرحيم صاعقةُ عند ابن خُزيمة، وعبدُ العزيز بن سلام عند الإسماعيليّ،
وإسماعيلُ القاضي عند ابن منده في ((غرائب شعبة))، كلهم عن علي بن المديني، ووافق
عليَّ بنَ المدينيّ على ترك ذكره أيضًا إبراهيمُ بنُ محمد بن عَرْعَرَة، عن حرمي بن
عُمَارة، عند أبي بكر المرّوذي في (كتاب الجمعة)) له.
ولم أقف عليه من حديث شعبة إلا من طريق حرميّ، وأشار ابن منده إلى أنه تفرّد به
انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
(١) (فتح)) جـ ٣ ص ١٨ .

١٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٣٧٥/٦- وفي ((الكبرى)) -١٦٦٧/٧- عن محمد بن سلمة، عن ابن
وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، وبُكير بن الأشجّ، كلاهما عن
أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سُليم، عن عبدالرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه
وفي ١٣٨٣/١١ - وفي («الكبرى» ١٦٨٨/١٠ - عن هارون بن عبدالله، عن الحسن
ابن سوّار، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال به.
وفي ١٣٧٧/٨ - و((الكبرى)) -١٦٦٨/٨- عن قتيبة، عن مالك، عن صفوان بن
سُليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد نَّه.
وأخرجه (خ) ٢١٧/١ و٣/٢ و٢٣٢/٣ (م) ٣/٣(د)٣٤١ و٣٤٤ (مالك في
الموطأ) ٨٤ (الحميدي) ٧٣٦ (أحمد)٦/٣/ ٣٠/٣ و٦٠/٣ و٦٠/٣ و٣/
٦٥ (الدارمي) ١٥٤٥ (ابن خزيمة) ١٧٤٢ و١٧٤٣ و١٧٤٤ و١٧٤٥. والله تعالى
أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو الأمر بالسواك يوم الجمعة، وحمله العلماء على
الاستحباب .
ومنها: مشروعية الغسل للجمعة، وسيأتي الكلام عليه في الباب التالي إن شاء الله
تعالی .
ومنها: استعمال الطيب للجمعة، إزالةً للرائحة الكريهة، وبُعدًا عن إيذاء المسلمين
الذين يحضرون الجمعة.
ومنها: أن طيب الرجال مخالف لطيب النساء، وهو أن طيبه ما ظهر ريحه، وخفي
لونه، وطيبها ما ظهر لونه، وخفي ريحه.
فقد جاء فيه حديث صحيح، أخرجه الترمذي في ((جامعه)) من حديث أبي هريرة
رَّهُ مرفوعًا: ((طيب الرجل ما ظهر ريحهه، وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه،
وخفي ریحه)).

٧- (بَ بُ الأَمَرِ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٦
١٠٧
وأخرجه الطبراني، والضياء المقدسي من حديث أنس رَط فيه (١).
ومنها: اهتمام الشرع بالنظافة، فقد حَثّ عليها في هذا الحديث، فينبغي للمسلم أن
يكون نظيف الجسد، واللباس، والمكان، ولا سيما في الأوقات التي يجتمع الناس فيها،
كالجمعة، والعيدين، ونحوها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٧- (بَابُ الأَمْرِ بِالْغُسْلِ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ)
١٣٧٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَِّ، قَالَ:
((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (قتيبة) بن سعيد الحافظ الحجة [١٠] تقدم ١/١.
٢- (مالك) بن أنس الإمام الحجة المجتهد المدني[٧] تقدم ٧/ ٧ .
٣- (نافع) مولى ابن عمر المدني الثقة الثبت [٣] تقدم ١٢ /١٢.
٤- (ابن عمر) عبدالله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٨٢) من رباعيات الكتاب. ومنها: أنه أصح
الأسانيد على الإطلاق، كما نُقل عن البخاري رحمه اللّه تعالى، وأنه هو السند المسمَّى
بسلسلة الذهب: مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، وقد تقدم تمام
البحث فيه، وأن فيه ابن عمر من العبادلة الأبعة، ومن المكثرين السبعة. والله تعالى
أعلم .
شرح الحديث
(عن نافع) وفي رواية ابن وهب، عن مالك أن نافعًا حدّثهم (عَن ابْن عُمَرَ) رضي اللَّه
-
(١) راجع ((صحيح الجامع)) للشيخ الألباني اخْذَلُهُ جـ ٢ ص ٧٣٠ رقم ٣٩٣٧.

= ١٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ وَِّ، قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ) المراد به الصلاة، أو
المكان الذي تقام فيه الصلاة، وذكر المجيء لكونه الغالب، وإلا فالحكم شامل لمن
كان مجاورًا للجامع، أو مقيمًا به. قاله في ((الفتح)).
وقال ولي الدين ◌ّْثُ: ليس المراد بالمجيء إلى الجمعة أن يكون بينه وبين المكان
الذي تقام فيه الجمعة مسافة، يَحتاج إلى قطعها، بل المقيم في المكان الذي يُجمَّع فيه
حكمه كذلك، فالمجيء من مكان آخر ليس مقصودًا، وإنما المراد من أراد أن يُصلي
الجمعة، فليغتسل، وإن كان سبب ورود الأمر بالغسل للجمعة أنهم كانوا ينتابون الجمعةَ
من منازلهم، ومن العوالي، فيأتون في الغبار، فقال لهم النبي وَّر: ((لو تطهرتم ليومكم
هذا))، كما في حديث عائشة رَّها، ولكن الحكم يعم الآتي من بَعُدَ، ومن قَرُبَ، ومَن
هو مقيم في مكان الجمعة، والله أعلم انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيد ذلك حديث أبي سعيد رَّه المتقدم في الباب
الماضي: ((غسلُ يوم الجمعة واجب على كلّ محتلم)). فإنه أطلق الغسل، فعم من كان
بعيدًا من الجمعة، ومن كان قريبًا لها. والله تعالى أعلم.
(فَلْيَغْتَسلْ) الفاء للتعقيب، وظاهره أن الغسل يَعقُب المجيء، وليس ذلك مرادًا،
وإنما التقدير: إذا أراد أحدكم المجيء إلى الجمعة، وقد جاء مصرّحًا به في رواية
الليث، عن نافع عند مسلم، ولفظه: ((إذا أراد أحدكم الجمعة، فليغتسل))، ونظيره قوله
تعالى: ﴿إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُنْ صَدَقَّةٌ﴾ الآية [المجادلة: ١٢]، فإن
المعنى: إذا أردتم المناجاة، بلا خلاف.
ويقوى روايةَ الليث حديثُ أبي هريرة تَظُنّ الآتي - ١٣٨٨/١٤ - ((من اغتسل يوم
الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح ... )) فإنه صريح في تأخير الرواح عن الغسل.
وعُرف بهذا فساد قول من حمله على ظاهره، واحتجَ به على أن الغسل لليوم، لا
للصلاة، لأن الحديث واحد، ومخرجه واحد، وقد بيّن الليث في روايته المرادَ، وقوّاه
حديث أبي هُريرة رَ يه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفق عليه.
(١) ((طرح التثريب)) جـ ٣ ص ١٦٩.

٧- (بَ بُ الأَمْرِ بِالْفُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٦
١٠٩ =
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٣٧٦/٧ - وفي ((الكبرى)) -١٦٧٨/٨ - عن قتيبة، عن مالك، عن
نافع، عنه. وفي - ٢٥/ ١٤٠٥ - و((الكبرى)) - ١٦٧٧/٨ - عن محمد بن بشار، عن
محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن نافع، عنه. وفي ((الكبرى)) - ١٦٧٦/٨ -
عن عبيدالله بن فَضَالة، عن محمد بن المبارك الصوري، عن معاوية، عن يحيى بن أبي
كثير، عن نافع، عنه. وفي ١٦٧٩/٨- عن هَنّاد بن السَّريّ، عن أبي بكر، عن أبي
إسحاق، عن نافع، عنه.
وأخرجه (خ) ٢/ ٢ (م) ٢/٣ (ق) ١٠٨٨ (مالك في الموطإ) ٨٥ (الحميدي) ٦١٠
(أحمد) ٣/٢ و٤١/٢ و٤٢/٢ و ٤٨ و ٥٥ و٦٤ و٧٥ و٧٧ و٧٨ و١٠١ و١٠٥ و١١٥
و١٤١ و١٤٥ (الدارمي) ١٥٤٤ (ابن خزيمة) ١٧٥٠ و١٧٥١ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: قال في ((الفتح)): رواية نافع، عن ابن عمر لهذا الحديث مشهورة
جدًّا، فقد اعتنى بتخريج طرقه أبو عوانة في ((صحيحه))، فساقه من طريق سبعين نفسًا،
رووه عن نافع.
قال الحافظ: وقد تتبعت ما فاته، وجمعت ما وقع لي من طرقه في جزء مفرد، لغرض
اقتضى ذلك، فبلغت أسماء من رواه عن نافع مائة وعشرين نفسًا.
فمما يُستفاد منه هنا: ذكر سبب الحديث، ففي رواية إسماعيل بن أميّة، عن نافع عند
أبي عوانة، وقاسم بن أصبغ: ((كان الناس يَغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة،
جاءوا، وعليهم ثياب متغيّرة، فشكوا ذلك لرسول اللّه وَلّر، فقال: ((من جاء منكم
الجمعة، فليغتسل)).
ومنها: ذكر محلّ القول، ففي رواية الحَكَم بن عُتيبة، عن نافع، عن ابن عمر رَوَلَها :
(سمعت رسول اللّه ◌َ ليل على أعواد هذا المنبر بالمدينة يقول ... )) أخرجه يعقوب
الجصاص في ((فوائده)) من رواية اليسع بن قيس، عن الحكم، وطريق الحكم عند
النسائي - ١٤٠٥/٢٥ - وغيره من رواية شعبة عنه بدون هذا السياق بلفظ حديث الباب،
إلا قوله: ((جاء))، فعنده (راح))، وكذا رواه النسائي من رواية إبراهيم بن طهمان، عن
أيوب، ومنصور، ومالك، ثلاثتهم عن نافع.
ومنها: ما يدلّ على تكرار ذلك، ففي رواية صخر بن جُويرية، عن نافع، عند أبي
مسلم الكجيّ، بلفظ: ((كان إذا خطب يوم الجمعة قال ... )) الحديث.
ومنها: زيادة في المتن، ففي رواية عثمان بن واقد، عن نافع، عند أبي عوانة، وابن
خُزيمة، وابن حبان في ((صحاحهم))، بلفظ: ((من أتى الجمعة من الرجال والنساء،

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
فليغتسل، ومن لم يأتها، فليس عليه غسل)). ورجاله ثقات، لكن قال البزّار: أخشى أن
یکون عثمان بن واقد وهم فيه .
ومنها: زيادة في المتن، والإسناد أيضًا، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن خُزيمة،
وابن حبان، وغيرهم من طرق، عن مفضّل بن فَضَالة، عن عيّاش بن عباس القتبانيّ،
عن بُكير بن عبدالله بن الأشجّ، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، قالت: قال
رسول اللَّه ◌َ له: ((الجمعة واجبة على كلّ محتلم، وعلى من راح إلى الجمعة الغسل)).
قال الطبراني في ((الأوسط)): لم يروه عن نافع بزيادة حفصة إلا بُكير، ولا عنه إلا
عیّاش، تفرد به مفضل.
قال الحافظ: قلت: رواته ثقات، فإن كان محفوظًا، فهو حديث آخر، ولا مانع أن
يسمعه ابن عمر، عن أبيه، عن النبي بَّر، ومن غيره من الصحابة، فقد ثبت في
((الصحيحين)) من رواية ابن عمر، عن أبيه، عن النبي ◌َّ، ولا سيما مع اختلاف
المتون. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الغسل يوم الجمعة:
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: اختلف أهل العلم في وجوب الغسل يوم
الجمعة، فقالت طائفة: غسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم محتلم، كذلك قال أبو
هريرة، وروينا عن عمر أنه قال في شيء: لأنا أعجز إذًا ممن لا يغتسل يوم الجمعة،
وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: ثلاث حقّ على كل مسلم في يوم الجمعة: الغسل،
والسواك، ويمس طيبًا، إن وجده. وتقاول(٢) عمار بن ياسر رجلًا، فقال: أنا إذًا أشرّ
من الذي لا يغتسل يوم الجمعة، وروينا عن ابن عباس أنه قال: ما شعرت أن أحدًا يرى
أن له طهورًا يوم الجمعة غير الغسل، حتى قدمت هذا البلد -يعني البصرة -.
وكان الحسن يرى الغسل يوم الجمعة واجبًا، ويأمر به. وكان مالك يقول: من
اغتسل يوم الجمعة في أول نهاره، وهو لا يريد به غسل الجمعة، فإن الغسل لا يجزي
عنه حتی یغتسل لرواحه.
وقالت طائفة: الغسل سنة، وليس فرضًا، قال عبدالله بن مسعود: غسل يوم الجمعة
سنة، وكان ابن عباس يأمر بالغسل، قال عطاء: من غير أن يأثم من تركه، وهو الراوي
(١) ((فتح)) ٣/ ٩١٨.
(٢) نسخة ((الأوسط)) ((تأول))، والصواب ((تقاول)).

٧- (بَ بُ الأمَّرِ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٦
١١١
للحديث عن ابن عباس، وروينا عن ابن عباس، أنه قال: ليس الغسل بمحتوم.
وممن كان لا يرى الغسل فرضًا لازمًا الأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد بن
حنبل، والنعمان، وأصحابه.
ثم مال ابن المنذر ريَّْ للهُ إلى ترجيح القول بالندبية. راجع كلامه في ((الأوسط))(١).
وقال في ((الفتح)): واستُدلّ بقوله: ((واجبٌ)) على فرضية غسل الجمعة، وقد حكاه
ابن المنذر عن أبي هريرة، وعمار بن ياسر، وغيرهما، وهو قول أهل الظاهر، وإحدى
الروايتين عن أحمد، وحكاه ابن حزم عن عمر، وجمع جَمٍّ من الصحابة، ومن بعدهم،
ثم ساق الرواية عنهم، لكن ليس فيها عن أحد منهم التصريح بذلك إلا نادرًا، وإنما
اعتمد في ذلك على أشياء محتملة، كقول سعد: ما كنت أظنّ مسلمًا يدع غسل يوم
الجمعة، وحكاه ابن المنذر، والخطابي عن مالك، وقال القاضي عياض وغيره: ليس
ذلك بمعروف في مذهبه.
قال ابن دقيق العيد: قد نص مالك على وجوبه، فحمله من لم يمارس مذهبه على
ظاهره، وأبى ذلك أصحابه انتهى.
والرواية عن مالك بذلك في ((التمهيد))، وفيه أيضًا من طريق أشهب عن مالك أنه
سئل عنه؟ فقال: حسن وليس بواجب.
وحكاه بعض المتأخرين عن ابن خُزيمة من أصحابنا، وهو غلط عليه، فقد صرّح في
(صحيحه)) بأنه على الاختيار، واحتجّ لكونه مندوبًا بعدة أحاديث في عدة تراجم.
وحكاه شارح ((الغنية)) لابن سُريج قولًا للشافعي، واستُغرب. وقد قال الشافعي في
(الرسالة)) بعد أن أورد حديثي ابن عمر، وأبي سعيد: احتمل قوله: ((واجب)) معنيين،
الظاهر منهما أنه واجب، فلا تُجزىء الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، واحتمل أنه
واجب في الاختيار، وكرم الأخلاق والنظافة، ثم استدلّ للاحتمال الثاني بقصة عثمان
مع عمر، قال: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل دلّ
ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار انتهى.
وعلى هذا الجواب عوّل أكثر المصنفين في هذه المسألة، كابن خُزيمة، والطبري،
والطحاويّ، وابن حبان، وابن عبدالبرّ، وهَلُمَّ جَرّا.
وزاد بعضهم فيه أن من حضر من الصحابة وافقوهما على ذلك، فكان إجماعًا منهم
على أن الغسل ليس شرطًا في صحة الصلاة، وهو استدلال قويّ.
(١) جـ ٤ /٣٩ - ٤٣ .

١١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة، لكن
حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا بوجوبه، ولم يقولوا: إنه شرط، بل هو واجب
مستقلّ، تصحّ الصلاة بدونه، كأن أصله قصد التنظيف، وإزالة الرائحة الكريهة التي
يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس، وهو موافق لقول من قال: يَحرُم أكل الثوم
على من قصد الصلاة في الجماعة، ويَردّ عليهم أنه يلزم من ذلك تأثيم عثمان.
والجواب(١) أنه كان معذورًا، لأنه إنما تركه ذاهلاً عن الوقت، مع أنه يحتمل أن
يكون قد اغتسل في أول النهار، لما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن حُمران أن عثمان لم
يكن يمضي عليه يوم حتى يُفيض عليه الماء، وإنما لم يعتذر بذلك لعمر كما اعتذر عن
التأخّر لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة، كما هو الأفضل.
وعن بعض الحنابلة التفصيل بين ذي النظافة وغيره، فيجب على الثاني دون الأول،
نظرًا إلى العلة، حكاه صاحب ((الهدي)).
وحكى ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قصة عمر وعثمان تدلّ على وجوب
الغسل، لا على عدم وجوبه من جهة ترك عمر الخطبة، واشتغاله لمعاتبة عثمان وتوبيخ
مثله على رؤوس الناس، فلو كان ترك الغسل مباحًا لما فعل عمر ذلك، وإنما لم يرجع
عثمان للغسل لضيق الوقت، إذ لو فعل لفاتته الجمعة، أو لكونه كان اغتسل كما تقدّم.
قال ابن دقيق العيد: ذهب الأكثرون إلى استحباب غسل الجمعة، وهم محتاجون
إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر، وقد أولوا صيغة الأمر على الندب، وصيغة
الوجوب على التأكيد، كما يُقال: إكرامك عليّ واجب، وهو تأويل ضعيف، إنما يُصار
إليه إذا كان المعارض راجحًا على هذا الظاهر.
وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديثُ: ((من توضأ يوم الجمعة، فبها، ونعمت،
ومن اغتسل فالغسل أفضل))، ولا يعارض سنده سند هذه الأحاديث، قال: وربما تأولوه
تأويلاً مستكرهًا، كمن حمل لفظ الوجوب على السقوط انتهى.
فأما الحديث، فعَوَّل على المعارضة به كثير من المصنفين، ووجه الدلالة منه قوله:
((فالغسل أفضل))، فإنه يقتضى اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء
الوضوء، ولهذ الحديث طرق، أشهرها، وأقواها رواية الحسن، عن سمرة، أخرجها
أصحاب السنن الثلاثة، وابن خُزيمة، وابن حبان، وله علتان:
إحداهما أنه من عنعنة الحسن، والأخرى أنه اختُلف عليه فيه.
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعل الأوضح في العبارة: ((ويجاب عنه بأنه كان معذورًا إلخ)).
1

١١٣
٧- (بَ بُ الأَمْرِ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٦
وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس، والطبراني من حديث عبدالرحمن بن سمرة،
والبزار من حديث أبي سعيد، وابن عديّ من حديث جابر، وكلها ضعيفة.
وعارضوا أيضًا بأحاديث:
منها: الحديث: ((وأن يستنّ، وأن يمسّ طيبًا)). قال القرطبي: ظاهره وجوب
الاستنان والطيب لذكرهما بالعاطف، فالتقدير الغسل واجب والاستنان والطيب كذلك،
قال: وليسا بواجبين اتفاقًا، فدلّ على أن الغسل ليس بواجب، إذ لا يصحّ تشريك ما
ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد انتهى.
وقد سبق إلى ذلك الطبريّ والطحاويّ، وتعقبه ابن الجوزيّ بأنه لا يمتنع عطف ما
ليس بواجب على الواجب، لا سيما، ولم يقع التصريح بحكم المعطوف.
وقال ابن المنيّر في الحاشية: إن سُلّم أن المراد بالواجب الفرض لم ينفع دفعه بعطف
ما ليس بواجب عليه، لأن للقائل أن يقول: أُخرج بدليل، فَيَبْقَي ما عداه على الأصل،
وعلى أن دعوى الإجماع في الطيب مردودة، فقد روى سفيان بن عُيينة في ((جامعه)) عن
أبي هريرة ◌َ ◌ّه أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة، وإسناده صحيح، وكذا قال بوجوبه
بعض أهل الظاهر.
ومنها حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة،
فاستمع، وأنصت غفر له)). أخرجه مسلم.
قال القرطبي: ذَكَرَ الوضوء وما معه مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحّة، فدل على
أن الوضوء كاف.
وأجيب: بأنه ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في ((الصحيحين)) بلفظ :
((من اغتسل))، فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدّم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى
إعادة الوضوء.
قال الجامع: وفيه نظر، بل ما قاله القرطبي هو الظاهر. والله تعالى أعلم.
ومنها: حديث ابن عباس رَويه أنه سئل عن غسل يوم الجمعة، أواجب هو؟ فقال:
لا، ولكنه أطهر لمن اغتسل، ومن لم يغتسل، فليس بواجب عليه، وسأخبركم عن بدء
الغسل، كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون، وكان مسجدهم ضيقًا،
فلما آذى بعضهم بعضًا، قال النبي وَلّر: ((أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا))، قال
ابن عباس: ثم جاء اللَّه بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووُسّع المسجد.
أخرجه أبو داود، والطحاوي، وإسناده حسن.
لكن الثابت عن ابن عباس خلافه، وعلى تقدير الصحة فالمرفوع منه ورد بصيغة

١١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
الأمر الدالة على الوجوب، وأما نفي الوجوب، فهو موقوف، لأنه من استنباط ابن
عباس.
وفيه نظر، إذ لا يلزم من زوال السبب زوال المسبب، كما في الرمل والجمار،
وعلى تقدير تسليمه، فلمن قصر الوجوب على من به رائحة كريهة أن يتمسك به.
ومنها: حديث طاوس، قلت لابن عباس: زعموا أن رسول اللَّه وَل قال: ((اغتسلوا
يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، إلا أن تكونوا جنبًا ... )) الحديث. قال ابن حبان بعد
أن أخرجه: فيه أن غسل الجمعة يُجزىء عنه غسل الجنابة، وأن غسل الجمعة ليس
بفرض، إذ لو كان فرضًا لم يُجز عنه غيره انتهى.
وهذه الزيادة ((إلا أن تكونوا جنبا)) تفرّد بها ابن إسحاق عن الزهري، وقد رواه شعيب
عن الزهري بلفظ: ((وإن لم تكونوا جنبًا))، وهذا هو المحفوظ عن الزهريّ.
ومنها: حديث عائشة تَّها، بلفظ: ((لو اغتسلتم))، ففيه عرض وتنبيه، لا حتم
ووجوب. وأجيب بأنه ليس فيه نفي الوجوب، وبأنه سابق على الأمر به، والإعلام
بوجوبه .
ونقل الزين ابن المنيّر بعد قول الطحاويّ لمّا ذكر حديث عائشة: فدلّ على أن الأمر
بالغسل لم يكن للوجوب، وإنما كان لعلة، ثم ذهبت تلك العلّة، فذهب الغسل: وهذا
من الطحاوي يقتضي سقوط الغسل أصلًا، فلا يُعدّ فرضًا، ولا مندوبًا، لقوله: زالت
العلة الخ، فيكون ثالثا في المسألة انتهى.
ولا يلزم من زوال العلة سقوط الندب تعبّدًا، ولا سيما مع احتمال وجود العلة
المذكورة.
ثم إن هذه الأحاديث كلها لو سُلّمت لما دلّت إلا على نفي اشتراط الغسل، لا على
الوجوب المجرد، كما تقدّم.
وأما ما أشار إليه ابن دقيق العيد من أن بعضهم أوّله بتأويل مُستَكره، فقد نقله ابن
دحية عن القدوريّ من الحنفية، وأنه قال: قوله: ((واجب)): أي ساقط، وقوله: ((على))
بمعنى ((عن))، فيكون المعنى أنه غير لازم. ولا يَخفَى ما فيه من التكلّف.
وقال الزين ابن المنير: أصل الوجوب في اللغة: السقوط، فلما كان في الخطاب
على المكلف عبء ثقيل كان كلُّ ما أَكّد طلبه منه يُسمّى واجبًا، كأنه سقط عليه، وهو
أعمّ من كونه فرضًا أو ندبًا.
وهذا سبقه ابن بزيزة إليه، ثم تعقبه بأن اللفظ الشرعيّ خاصّ بمقتضاه شرعًا، لا وضعًا،
وكأن الزين استشعر هذا الجواب، فزاد أن تخصيص الواجب بالفرض اصطلاح حادث.

٧- (بَ بُ الأَمْرِ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٦
١١٥ =
وأجيب بأن ((وجب)) في اللغة لم ينحصر في السقوط، بل ورد بمعنى ((مات))،
وبمعنى ((اضطرب))، وبمعنى ((لزم))، وغير ذلك، والذي يتبادر إلى الفهم منها في
الأحاديث أنها بمعنى ((لزم))، لا سيما إذا سيقت لبيان الحكم.
وقد تقدّم في بعض طرق حديث ابن عمر ((الجمعة واجبة على كلّ محتلم))، وهو
بمعنى اللزوم قطعًا، ويؤيده أن في بعض طرق حديث الباب ((واجب كغسل الجنابة)).
أخرجه ابن حبان من طريق الدراورديّ عن صفوان بن سُليم، وظاهره اللزوم.
وأجاب عنه بعض القائلين بالندبية بأن التشبيه في الكيفية، لا في الحكم.
وقال ابن الجوزي: يحتمل أن تكون لفظة ((الوجوب)) مغيّرة من بعض الرواة، أو
ثابتة، ونسخ الوجوب .
وردّ بأن الطعن في الروايات الثابتة بالظن الذي لا مستند له لا يُقبل، والنسخ لا يُصار
إلیه إلا بدلیل.
ومجموع الأحاديث يدلّ على استمرار الحكم، فإن حديث عائشة أن ذلك كان في أول
الحال، حيث كانوا مجهودين، وأبو هريرة، وابن عباس إنما صحبا النبي وَل بعد أن حصل
التوسع بالنسبة إلى ما كانوا فيه أوّلًا، ومع ذلك، فقد سمع كلّ منهما منه ◌َّ الأمر بالغسل،
والحثّ عليه، والترغيب فيه، فكيف يُدَّعَى النسخ بعد ذلك؟. انتهى ما في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى أنه يميل إلى
ترجيح القول بوجوب غسل الجمعة، وهو الواضح من الأدلّة المتقدّمة، لكن لمّا قامت
الأدلة الصارفة عن الوجوب- كما تقدم تفصيلها، في كلام الحافظ رحمه الله تعالى-
تعيّن القول بالاستحباب الأكيد.
وتلك الأدلّة وإن كان في بعضها مقال، إلا أن مجموعها صالح لصرف الوجوب إلى
الاستحباب، كما لا يخفى على من تأمل ذلك، ولا سيما حديث أبي هريرة رَيّه عند
مسلم، مرفوعًا: ((من توضأ يوم الجمعة، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة ... ))
الحديث، فإنه صريح في الاجتزاء بالوضوء عن الغسل، وكقصة عمر مع عثمان رضي
الله تعالى عنهما بمحضر جم غفير من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، وغير ذلك من
الأدلة المتقدم ذكرها في كلام الحافظ رحمه الله تعالى.
ولقد أجاد القول في هذه المسألة العلامة الشوكاني في كتابه ((السيل الجزّار))(٢) فقال:
(١) جـ ٣ ص ١٣ - ١٦ .
(٢) هذا خلاف ما رجحه في ((نيل الأوطار))، فقد مال فيه إلى ترجيح القول بالوجوب، فراجعه جـ ١
ص ٣٤٩ - ٣٥١ .

١١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
الأحاديثُ الصحيحة في ((الصحيحين)) وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة قاضيةٌ
بالوجوب، كحديث ((غسلُ الجمعة واجب على كل محتلم))، وحديث ((إذا جاء أحدكم
إلى الجمعة فليغتسل))، ونحوهما، كحديث أبي هريرة في ((الصحيحين)) وغيرهما
مرفوعًا: ((حقّ على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام)).
ولكنه ورد ما يدلّ على عدم الوجوب، وهو ما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن،
وابن ماجه(١) وابن خزيمة، من حديث الحسن البصريّ، عن سمرة مرفوعًا: ((من توضأ
يوم الجمعة فبها، ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)).
فإن دلالة الحديث على عدم الوجوب ظاهرة واضحة، وقد أَعلّ بما وقع من الخلاف
في سماع الحسن من سمرة، ولكنه قد حسنه الترمذيّ.
ويُقوّي هذا الحديث أنه قد رُوي من حديث أبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد، وابن
عباس، وجابر ثه ، كما حكى ذلك الدار قطني.
قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة، وأنس.
وأخرجه البيهقيّ من حديث ابن عباس، وأنس، وأبي سعيد، وجابر.
ويقوّيه أيضًا ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من توضأ يوم الجمعة،
فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت، غُفِرَ له ما بين الجمعة إلى الجمعة
وزيادة ثلاثة أيام)) .
فإن اقتصاره وَلّر على الوضوء في هذا الحديث يدلّ على عدم وجوب الغسل،
فوجب تأويل حديث ((غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) بحمله على أن المراد
بالوجوب تأكيد المشروعيّة، جمعًا بين الأحاديث، وإن كان لفظ الوجوب لا يُصرَف عن
معناه، إلا إذا ورد ما يدلّ على صرفه كما نحن بصدده، لكن الجمع مقدّم على
الترجيح، ولو كان بوجه بعيد انتهى كلام الشوكاني رحمه اللّه تعالى(٢).
قال الجامع: هذا الذي حققه الشوكاني رحمه الله تعالى هو التحقيق الحقيق
بالقبول، فإنه حسن جدًّا، لأن الجمع بين الأحاديث المختلفة مهما أمكن هو المتعيّن،
ولا سيما إذا كان طريق الجمع واضحًا، كما نحن فيه.
والحاصل أن غسل يوم الجمعة مستحب استحبابًا أكيدًا بحيث يستحق تاركه
التعنيف، والإنكار الشديد عليه، كما تقدم من قصة عمر، وعمار بن ياسر، وغيرهما.
(١) هكذا نسخة ((السيل)): بلفظ ((وابن ماجه)) بالعطف، ولعل الصواب ((إلا ابن ماجه))، فإنه أخرجه
من حديث جابر بن سمرة، لا من حديث سمرة بن جندب، فتأمل.
(٢) ((السيل الجرار على حدائق الأزهار)) جـ ١ ص ١١٦ - ١١٧.

٧- (بَ بُ الأَمْرِ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٦
١١٧ =
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في اشتراط اتصال الغسل بالذهاب إلى
الجمعة، وعدمه:
ذهب الجمهور إلى أن ذلك مستحبّ، ولا يشترط اتصاله به، بل متى اغتسل بعد
الفجر أجزأه.
ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن مجاهد، والحسن البصريّ، والنخعيّ، وعطاء
ابن أبي رباح، وأبي جعفر الباقر، والحكم، والشعبيّ، وحكاه ابن المنذر عن الثوريّ،
والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وبه قال ابن وهب صاحب مالك(١).
وقال الأثرم: سمعت أحمد سُئل عمن اغتسل، ثم أحدث، هل يكفيه الوضوء؟
فقال: نعم، ولم أسمع فيه أعلى من حديث ابن أبزى. يُشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة
بإسناد صحيح، عن سعيد بن عبدالرحمن بن أبزى، عن أبيه، وله صحبة: ((أنه كان
يغتسل يوم الجمعة، ثم يُحدث، فيتوضأ، ولا يُعيد الغسل))(٢).
وذهب مالك إلى أنه يشترط أن يكون الغسل متصلًا بالذهاب إلى الجمعة.
وحكى ابن المنذر: عن الأوزاعي، أنه قال: يجزئه أن يغتسل قبل الفجر للجنابة
والجمعة، وحكى ابن حزم عن الأوزاعيّ أنه قال كقول مالك: لا يُجزىء غسل الجمعة
إلا متصلًا بالرواح، قال: إلا أن الأوزاعي قال: إن اغتسل قبل الفجر، ونهض إلى
الجمعة أجزأه، وحكى إمام الحرمين في ((النهاية)) وجهًا أنه يُجزىء قبل الفجر، كغسل
العيد، قال النووي: وهو شاذ منكر(٣).
واحتُجّ لمالك بحديث الباب ((إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل)).
قال ولي الدين رحمه الله تعالى: وجواب الجمهور عن هذا الحديث أنه تبين برواية
مسلم تعليق الأمر بالغسل على إرادة إتيان الجمعة، وليس يلزم أن يكون إتيان الجمعة
متصلًا بإرادة ذلك، فقد يريد عقب الفجر إتيانها، ويتأخر الإتيان إلى ما بعد الزوال، ولا
شكّ أن كلّ من تجب عليه الجمعة، وهو مواظب على الواجبات إذا خطر له عقب الفجر
أمر الجمعة أراد إتيانها، وإن تأخر الإتيان زمنًا طويلًا، وذلك يدلّ على أنه ليس المدار
على نفس الإتيان، بل على إرادته، ليحترز به عمن هو مسافر، أو معذور بغير ذلك من
الأعذار القاطعة عن الجمعة والله أعلم انتهى(٤).
(١) ((طرح التثريب)) ٣ / ١٦٧ - ١٦٨.
(٢) ((فتح)) ٩/٣.
(٣) ((طرح)) ١٦/٣.
(٤) ((طرح)) ٣/ ١٠.

١١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
وقال في ((الفتح)): ومقتضى النظر أن يقال: إذا عُرف أن الحكمة في الأمر بالغسل
يوم الجمعة والتنظيف رعاية الحاضرين من التأذي بالرائحة الكريهة، فمن خشي أن
يصيبه في أثناء النهار ما يُزيل تنظيفه، استُحبّ له أن يؤخّر الغسل لوقت ذهابه، ولعلّ
هذا هو الذي لحظه مالك، فشرط اتصال الذهاب بالغسل، ليحصل الأمن مما يُغاير
التنظيف. والله تعالى أعلم.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ولقد أبعد الظاهري إبعادًا يكاد أن يكون
مجزومًا ببطلانه، حيث لم يشترط تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة، حتى لو اغتسل
قبل الغروب كفى عنده، تعلقًا بإضافة الغسل إلى اليوم -يعني قوله: ((غسل يوم الجمعة
واجب على كل محتلم))- وقد تبيّن من بعض الروايات أن الغسل لإزالة الروائح
الكريهة .
قال: وفُهم منه أن المقصود عدم تأذي الحاضرين، وذلك لا يتأتى بعد إقامة
الجمعة .
وكذلك أقول لو قدمه بحيث لا يتحصّل هذا المقصود لم يُعتدّ به.
والمعنى إذا كان معلومًا كالنصّ قطعًا، أو ظنًّا مقارنًا للقطع، فاتباعه، وتعليق الحكم
به أولى من اتباع مجرد اللفظ.
وقد حكى ابن عبدالبرّ الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة، ولا
فَعَل ما أمر به.
وادعى ابن حزم أنه قول جماعة من الصحابة والتابعين، وأطال في تقرير ذلك بما هو
بصدد المنع، والرّدُّ يفضي إلى التطويل بما لا طائل تحته، ولم يورد عن أحد ممن ذُكر
التصريحَ بإجزاء الاغتسال بعد صلاة الجمعة، وإنما أورد عنهم ما يدلّ على أنه لا
يُشترط اتصال الغسل بالذهاب إلى الجمعة، فأخذ هو منه أنه لا فرق بين ما قبل الزوال،
أو بعده، والفرق بينهما ظاهر كالشمس. والله تعالى أعلم انتهى ما في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تحرر مما ذكر أن ما ذهب إليه الجمهور من جواز
الاغتسال بعد الفجر، وأن اتصاله بالذهاب غير لازم، وأنه لا يجزىء بعد صلاة الجمعة
هو المذهب الحقّ، لوضوح أدلته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في اغتسال من لا تجب عليه الجمعة،
كالمسافر، والنساء، والصبيان :
(١) ج/ ٣ ص ٩ - ١٠ .

٧- (بَأَ بُ الأَمَّرِ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٦
١١٩
قال ابن المنذر رَخْذَلهُ : اختلف أهل العلم في اغتسال المسافر يوم الجمعة، فقالت
طائفة: ليس على المسافر يوم الجمعة غسل، هكذا قال عطاء، وكان ابن عمر وعلقمة
لا يغتسلان في السفر يوم الجمعة.
وقالت طائفة: يغتسل، وإن كان مسافرًا، روينا عن طلحة بن عبيدالله أنه اغتسل في
السفر يوم الجمعة، وروي عن طاوس، ومجاهد، أنهما كانا يفعلان ذلك، وكان أبو ثور
يقول: ولا يجب(١) ترك الغسل يوم الجمعة في سفر، ولا حضر.
قال ابن المنذر تَخْذَلُهُ: ليس على المسافر الاغتسال يوم الجمعة، لأن المأمور
بالاغتسال من أتى الجمعة، وليس ذلك على من لا يأتيها .
وقال أيضًا: واختلفوا في اغتسال النساء، والصبيان، والعبيد إذا حضروا الصلاة،
فكان مالك يقول: من حضر الجمعة من النساء والعبيد، فليغتسل، وقال الشافعي في
النساء والعبيد، والمسافرين، وغير المحتلمين إن شهدوا الجمعة أجزأتهم، وليغتسلوا،
كما يفعل بهم إذا شهدوها(٢).
وقالت طائفة: إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة.
قال ابن المنذر: ظاهر قوله وَالر: ((من جاء منكم الجمعة، فليغتسل)) يدلّ على أن
الأمر بالاغتسال لمن أتى الجمعة، فلا معنى لاغتسال من لا يأتي الجمعة من
المسافرين، وسائر من رُخّص له في التخلف عن إتيان الجمعة.
وفي حديث أبي سعيد الخدري رَّه، عن النبي وَّةُ: ((غسل يوم الجمعة واجب
على كل محتلم))، فظاهر هذا الحديث يوجب الاغتسال لليوم أتى، أو لم يأتها، وقول
من أمر المسافر بالاغتسال يوم الجمعة يوافق ظاهر هذا الحديث انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول من قال: إن الغسل لمن أراد الإتيان إلى الجمعة
هو الراجح عندي، لأن إطلاق حديث ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم))، مقيد
بمفهوم حديث ((من جاء منكم الجمعة فليغتسل)). وقد جاء مصرحًا به فيما رواه ابن
خزيمة في ((صحيحه))، والبيهقي في ((سننه)) من طريق عثمان بن واقد، عن نافع، عن
ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما: أن رسول اللّه ◌َ ل قال: ((من أتى الجمعة من الرجال
والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل، من الرجال والنساء)). قال ولي الدين
رَخْآتُهُ : وإسناده صحيح.
(١) هكذا نسخة ((الأوسط)) ((ولا يجب))، ولعل الصواب ((ولا يجوز)).
(٢) قوله: ((كما يفعل بهم إلخ)) هكذا في ((الأوسط)) وفيه ركاكة، فليتأمل.
(٣) ((الأوسط)) ٤/ ٤٧ - ٤٨.

١٢٫٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
فدل على أن الاغتسال لصلاة الجمعة، لا لليوم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
المسألة السابعة: في اختلاف أهل العلم هل الغسل للجنابة والجمعة واحد، أم لا؟
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: قال أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم: إن
المغتسل للجنابة والجمعة غُسلًا واحدًا يجزئه. وروينا هذا القول عن ابن عمر،
ومجاهد، ومكحول، ومالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وقال
أحمد بن حنبل: أرجو أن يجزئه.
وأخرج عن ابن عمر رَّت، أنه كان يغتسل من الجنابة والجمعة غُسلًّا واحدًا.
قال: وروينا أن بعض ولد أبي قتادة دخل عليه يوم الجمعة ينفض رأسه، مغتسلًا،
فقال: للجمعة اغتسلت؟ قال: لا، ولكن للجنابة، قال: فأعد غسلًا للجمعة انتهى كلام
ابن المنذر رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مذهب الجمهور في كون الغسل الواحد يكفي
للجنابة والجمعة إذا نواهما هو الحقّ، ويدلّ عليه ما رواه ابن حبان في (صحيحه)) من
طريق ابن إسحاق، قال حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن طاوس اليماني، قال:
قلت لابن عباس: زعموا أن رسول اللَّه ◌َله قال: ((اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا
رؤوسكم، إلا أن تكونوا جُنُبًا، ومسوا من الطيب)). قال: فقال ابن عباس: أما الطيب،
فلا أدري، وأما الغسل، فنعم انتهى.
وجاء في هامش ((الإحسان)): هذا رواه شعيب، عن الزهري بلفظ: ((وإن لم تكونوا
جنبًا))، وروايته أصح(٢).
وقال في ((الفتح)): معناه اغتسلوا يوم الجمعة إن كنتم جنبًا للجنابة، وإن لم تكونوا
جنبا للجمعة، وأخذ منه أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجزىء عن الجمعة، سواء
نواه أو لا، وفي الاستدلال على ذلك بُعْد.
نعم رَوَى ابنُ حبان من طريق ابن إسحاق، عن الزهري في هذا الحديث: ((اغتسلوا
يوم الجمعة، إلا أن تكونوا جنبًا))، وهذا أوضح في الدلالة على المطلوب، لكن رواية
شعيب عن الزهري أصح. انتهى.
والحاصل أن هذا الحديث يدل على أن الغسل الواحد يكفي للجنابة والجمعة، إذا
نواه عنهما .
(١) ((الأوسط)) ٤٣/٤ - ٤٤ .
(٢) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان)) ٧/ ٢١ بتحقيق شعيب الأرنؤط.