النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
٢- (بَبُ التَّشْدِيدِ فِي التَّخَلِفُِّ عَنِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٠
عليهم الغفلة، ونَسُوا اللهَ، فنسيهم.
وفي ((الكبرى))، و((صحيح مسلم)) ((ثم ليكوننّ من الغافلين))، أي ثمّ يُترقىّ بهم في
الشرّ إلى هذه المرتبة .
قال الطيبي ◌َّتُهُ: ((ثمّ)) لتراخي الرتبة، فإن كونهم من جملة الغافلين المشهود عليهم
بالغفلة أدعى لشقائهم، وأنطق لخسرانهم من مطلق كونهم مختومًا عليهم. وقيل:
المراد: من الدائمين في الغفلة.
قال القاض ◌َخّْلهُ: والمعنى: أن أحد الأمرين كائن لا مَحَالةَ، إما الانتهاء عن ترك
الجمعات، أو ختم الله تعالى على قلوبهم، فإن اعتياد ترك الجمعة يُغَلِّب الرّينَ على
القلب، ويُزَهِّد النفوس في الطاعة، وذلك يؤدي بهم إلى أن يكونوا من الغافلين، أي
عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال، وعن ترك ما يضرّهم منها.
والحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة، والتساهل فيها، ومن أدلّة أنها من
فروض الأعيان(١).
وهذا كله فيمن تركها تهاونا وتكاسلًا من غير عذر، لما تقدم من الأدلة التي قيدته
بعدم العذر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس، وابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ١٣٧٠- وفي ((الكبرى)) - ١٦٥٨/٤- عن محمد بن معمر، عن
حَبّان بن هلال، عن أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن
لاحق، عن زيد بن سلّام، عن جده أبي سلّام، عن الحكم بن ميناء، عنهما. وفي
(الكبرى)) -١٦٥٩/٤- عن إبراهيم بن يعقوب، عن سعيد بن الربيع، عن علي بن
المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام به.
ثم قال: قال علي: ثم كتب به إليّ عن ابن عمر، وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول
اللَّهِ وَليّ يقول - على أعواد منبره -: ((لينتهينّ أقوام ... )) الحديث.
وأخرجه (م) من حديث ابن عمر، وأبي هريرة رَوليت ٣/ ١٠ - و(ق) (٧٩٤) (أحمد
(١) ((المرعاة)) جـ ٤ ص ٤٤٥ .

٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
٢٣٩/١ و٢٥٤/١ (الدارمي) ١٥٧٨ (ابن خزيمة) ١٨٥٥ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رَخّْلهُ تعالى، وهو التشديد في التخلّف عن الجمعة.
ومنها: أن ترك الجمعة تكاسلًا يكون سببا لختم القلوب، فلا تعرف معروفًا، ولا
تنكر منكرًا، بل تكون من الغافلين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا
مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَكَ
كَالْأَنْغَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
ومنها: أنه ينبغي للواعظ والمذكر أن يُبهم الأشخاص الذين يريد أن يعظهم،
ويذكّرهم، ولا يسميهم بأسمائهم، لئلا تعود النصيحة عليهم فضيحة، فلا يقبلوها، فقد
كان من هدي النبي وَّر في مواعظه، وخطبه أن يقول: ((ما بال أقوام))، ((ما بال رجال))،
ولا يسميهم بأسمائهم، وذلك أدعى لقبول النصح، وامتثال الأوامر. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٧١ - (أَخْبَرَنِي(١) مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي
الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنَ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، عَنْ حَقْصَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ وَِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((رَوَاحُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ
مُخْتَلِم))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزي نزيل بغداد، ثقة [١٠]
تقدم ٣٣/ ٣٧ .
[تنبيه]: كون شيخ المصنف هو ((محمودَ بنَ غيلان)) في هذا الحديث هو الذي وقع
في نسخ ((المجتبى))، والذي في ((الكبرى)) أنه ((محمود بن خالد))، وقال الحافظ أبو
الحجّاج المزيّ ◌َخّْثهُ في ((تحفة الأشراف)) جـ١١/ ص٢٨٨ -: ما نصه: (س) فيه، -
يعني أخرجه النسائي في كتاب الصلاة-(٢) عن محمود بن خالد- قال أبو القاسم -يعني
ابن عساكر -: وفي كتابي ((عن محمود بن غيلان))- عن الوليد بن مسلم، عن المفضل
ابن فَضالة انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لعل المصنف رواه عنهما جميعا، فإنهما من شيوخه،
(١) وفي نسخة ((أخبرنا)).
(٢) وقع (تحفة الأشراف)) بلفظ ((في كتاب الطهارة))، وهو خطأ، بل هو ((في كتاب الصلاة)). فتنبه.

٨٣
٢- (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي التَّخَلِفُِّ عَنِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧١
وكلاهما يرويان عن الوليد بن مسلم.
ومحود بن خالد، هو السلميّ، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، من صغار [١٠] تقدم ٤٥/
٥٦٥ . والله تعالى أعلم.
٢- (الوليد بن مسلم) أبو العبّاس الدمشقي، ثقة، كثير التدليس والتسوية [٨] تقدم٥/
٤٥٤ .
٣- (الْمُفضّل بن فَضَالة) بن عُبيد بن ثُمامة القِتبانيّ، أبو معاوية القاضي المصريّ،
ثقة فاضل عابد [٨] تقدم ٤٢ / ٥٨٦ .
٤- (عيّاش بن عبّاس) القتبانيّ الحميريّ، أبو عبدالرحيم، ويقال: أبو عبدالرحمن
المصريّ، ثقة [٥](١) .
رأى عبدالله بن الحارث بن جَزْء، وروى عن جُنادة بن أبي أميّة، والصحيح أن
بينهما رجلًا، وشُيَيم بن بيتان، وبُكير بن الأشجّ، وسالم أبي النضر، وعيسى بن هلال،
وغيرهم. وعنه ابناه عمر، وعبدالله، والمفضّل بن فضالة، وابن لهيعة، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به
بأس. وقال أبو بكر البزار: مشهور. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال ابن يونس:
يقال: توفي سنة (١٣٣).
روى له البخاري في ((جزء القراءة»، والباقون. وله في هذا الكتاب (٦) أحاديث.
٥- (بُكير بن الأشجّ) هو ابن عبدالله بن الأشجّ، نُسب لجدّه، المخزومي مولاهم
المدني، نزيل مصر، ثقة [٥] تقدم ١٣٥ / ٢١١ .
٦- (نافع) العدوي مولى ابن عمر، أبو عبدالله المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١٢ /
١٢ ٠
٧- (ابن عمر) رَّه تقدم في السند الماضي.
٨- (حفصة) بنت عمر بن الخطاب زوج النبي ◌َّر، وشقيقة ابن عمر رضي الله
تعالى عنهم، تقدمت ٥٨٣/٣٩ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وأن
فيه رواية صحابي عن صحابية هي أخته، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن
(١) جعله في (ت)) من السادسة، وفيه نظر؛ لأنه رأى الصحابي عبد الله بن الحارث بن جَزْء، فيكون
من الخامسة مثل الأعمش رأى أنسا، ولم يرو عنه، فجُعل من الخامسة، فتنبّه.

٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
بعض: عياش عن بكيرو عن نافع. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَفْصَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِّ) بالجر بدل من ((حفصة))، أو
عطف بيان، ويحتمل القطع إلى الرفع، والنصب (أَنَّ الشَِّيَّ وَ ◌ّ قَالَ: ((رَوَاحُ الْجُمُعَة)
بفتح الراء، وتحفيف الواو، كالذهاب وزنًا ومعنى. أي الذهاب إليها أي وقت كان،
وقيل: يختصّ بما بعد الزوال، وسيأتي تحقيق القول في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى،
فقوله: ((رواح)) مبتدأ خبره قوله (وَاجبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلم) وفي نسخة ((على كلّ مسلم)).
و ((المحتلم)»: اسم فاعل، من احتلم، يقال: حَلَمَ الصبيُّ من باب قَتَلَ، واحتلَمَ :
أدرك، وبلغ مَبلَغَ الرجال، فهو حالم، ومُحتلم. قاله الفيومي(١).
ولفظ أبي داود: ((على كلّ محتلم رَوَاحُ الجمعة، وعلى كلّ مَن راحَ إلى الجمعة
الغسلُ)) .
وخصّ المحتلم بالذكر، لأن الاحتلام أكثر ما يبلغ به الرجال، كقوله: ((لا يقبل الله
صلاة حائض إلا بخمار))، لأن الحيض أغلب ما يبلغ به النساء. ، قاله الزركشيّ رحمه
الله تعالى.
وقال الإمام ابن خزيمة رحمه اللّه تعالى: هذه اللفظة :: ((على كلّ محتلم رواح
الجمعة)) من اللفظ الذي نقول: إن الأمر إذا كان لعلة فالتمثيل، والتشبيه به جائز، متى
كانت العلّة قائمة، فالأمر واجب، لأن النبي وَ لّ إنما علَّم أن على المحتلم رواحَ
الجمعة، لأن الاحتلام بلوغٌ، فمتى كان البلوغ، وإن لم يكن احتلامٌ، وكان البلوغ بغير
احتلام، ففرض الجمعة واجب على كلّ بالغ، وإن كان بلوغه بغير احتلام، ولو كان
على غير أصلنا، وكان على أصل من خالفنا في التشبيه والتمثيل، وزعم أن الأمر لا
يكون لعلة، ولا يكون إلا تعبّدًا، لكان من بلغ عشرين سنة، وثلاثين سنة، وهو حرّ
عاقل، فسمع الأذان للجمعة في المصر، أو على باب المسجد لم يجب عليه رواح
الجمعة، إن لم يكن احتلم، لأن النبي ◌ّالّر أعلم أن رواح الجمعة على المحتلم، وقد
يَعيش كثير من الناس السنين الكثيرة، فلا يحتلم أبدًا، وهذا كقوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ
الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْخُلُ فَلْيَسْتَنْذِنُواْ كَمَا أَسْتَشْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الآية [النور: ٥٩]. ولو لم
يجز الحكم بالتشبيه والنظير (٢) كان من بلغ ثلاثين سنة، ولم يحتلم لم يجب عليه
(١) ((المصباح)) جـ ١ ص ١٤٨ .
(٢) هكذا نسخة (صحيح ابن خزيمة)) بلفظ ((والنظير)) ولعله ((والتنظير)). فتأمل.

٢- (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي التَّخَلُِّ عَنِ الْجُمُعةِ) - حديث رقم ١٣٧١
٨٥
الاستئذان، وهذا كخبر النبي وَل: (رفع القلم عن ثلاثة))، قال في الخبر: ((وعن الصبيّ
حتى يحتلم))، ومن لم يحتلم، وبلغ من السنّ ما يكون إدراكًا من غير احتلام، فالقلم
عنه غير مرفوع، إذ النبي ◌َّ إنما أراد بقوله: ((حتى يحتلم)) أن الاحتلام بلوغ، فمتى
كان البلوغ، وإن كان بغير احتلام، فالحكم عليه، والقلم جار عليه، كما يكون بعد
الاحتلام انتهى كلام ابن خزيمة رحمه الله تعالى(١).
والحديث يدلّ على وجوب الذهاب إلى صلاة الجمعة على كلّ بالغ.
واستدلال المصنف به على الترجمة من حيث كونه نص على وجوب الرواح إلى
الجمعة على كل محتلم، فمن تخلف عنها، فقد خالف الأمر، ودخل تحت الوعيد الذي
بينه الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ
يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيِرُ﴾ [النور: ٦٣].
لكن عموم الحديث مخصوص بغير المريض، والمسافر (٢)، والمرأة،
والمملوك، فإن صلاة الجمعة لا تجب عليهم، وإن كانوا بالغين؛ لما أخرجه أبو داود
من حديث طارق بن شهاب رَّه، عن النبي ◌َّر، قال: ((الجمعة حقّ واجب على كل
مسلم في جماعة، إلا أربعة، عبد مملوك، أو امرأة، أو صبيّ، أو مريض)). وهو حديث
صحيح، كما تقدّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث حفصة رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٣٧١/٢ - وفي ((الكبرى)) - ١٦٦٠/٤ - بالإسناد المذكور.
وأخرجه (د) ٣٤٢ (ابن خزيمة) ١٧٢١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) ((صحيح ابن خزيمة)) جـ ٣ ص ١١٠ - ١١١.
(٢) دليل عدم الوجوب على المسافر أنه وَل مع كثرة أسفاره لم يصل الجمعة فيها، وقد صح عنه أنه
صلى الظهر بعرفة، فدلّ على أنه لا تجب الجمعة على المسافر. والله تعالى أعلم.

٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
٣- (بَابُ كَفَّارةٍ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةً مِنْ
غَيْرِ عُذْرٍ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: استدلال المصنف رحمه الله تعالى بحديث الباب
على الترجمة فيه نظر لا يخفى؛ لأنه ضعيف، كما ستقف عليه، فلا يُستفاد منه ثُبُوت
الكفّارة لمن ترك الجمعة بغير عذر، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٧٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّمٌ،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ وَبَرَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَى: ((مَنْ
تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، فَإِنْ لُمْ يَجِدْ، فَبِنِصْفِ دِينَارٍ))).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (أحمد بن سليمان) الرُّهاوي، ثقة حافظ [١١] تقدم ٤٢/٣٨ .
٢- (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد [٩] تقدم ٢٤٤/١٥٣.
٣- (همام) بن يحيى بن دينار العَوْذي، البصري، ثقة ربّما وهم [٧] تقدم ٥/ ٤٦٥.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، من كبار [٤] تقدم
٣٠ / ٣٤ .
٥- (قُدَامة بن وَبَرَة) - بموحّدة، وفتحات- العُجَيليّ(١) البصريّ، مجهول [٤].
روى عن سمرة بن جُندب حديث الباب، وعنه قتادة. قال أبو حاتم، عن أحمد: لا
يُعرف. وقال مسلم بن الحجاج: قيل لأحمد بن حنبل: يصحّ حديث سمرة، عن النبي
وَالر: ((من ترك الجمعة عليه نصف دينار))؟، فقال: قُدَامة يرويه، لا نعرفه، رواه أيوب
أبو العلاء، فلم يصل إسناده، كما وصل هَمّام، قال: نصف درهم، أو درهم، خالفه
في الحكم، وقصر من الإسناد. وقال عثمان الدارمي، قلت ليحيى بن معين: قُدَامة بن
وَبَرَة ما حاله؟، فقال: ثقة. وقال البخاري: لم يصحّ سماعه من سمرة. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات)). وقال ابن خزيمة في (صحيحه)): لا أقف على سماع قتادة من
قُدامة، ولست أعرف قُدامة بن وَبَرَةَ بعدالة ولا جرحٍ. وقال الذهبي: لا يعرف. روى له
أبو داود، والنسائي.
٦- (سمرة بن جُندب) بن هلال الفزاري، حليف الأنصار الصحابي المشهور، مات
(١) في ((ت)) ((العجلي))، وفي ((تت)) و(تهذيب الكمال)) ((العجيلي)) مصغرًا. فليحرر.

٨٧
٤- (بَأَبُ ذِكْرِ فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٣
رضي اللَّه تعالى عنه بالبصرة سنة (٥٨) وتقدم ٣٩٣/٢٥ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: شرح الحديث واضح، وهو حديث ضعيف؛ لجهالة
قُدامة بن وَبَرَة، وعدم صحة سماعه من سَمُرة، وعنعنعة قتادة، وهو مدلس، كما أشار
إليه ابن خزيمة، ووقوع الاضطراب فيه، كما أشار إليه الإمام أحمد.
والحديث أخرجه المصنف هنا -١٣٧٢/٣ - وفي ((الكبرى)) -١٦٦١/٥- بالسند
المذكور .
وأخرجه (د) ١٠٥٣ (أحمد) ٨/٥ (ابن خزيمة) ١٨٦١، وقال: إن صحّ الخبر، فإني
لا أقف على سماع قتادة، عن قُدامة بن وبَرَة، ولست أعرف قُدامة بعدالة، ولا جرح
انتھی .
وأخرجه في ((الكبرى)) -١٦٦٢/٥ - عن نصر بن عليّ، عن نوح بن قيس، عن أخيه
خالد بن قيس، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ◌َّ، قال: ((من ترك
الجمعة متعمّدًا، فعليه دينار، فإن لم يجد، فنصف دينار))، وفي موضع آخر ليس فيه
((متعمّدًا)) انتهى.
وأخرجه (ق) ١١٢٨ .
وهو ضعيف أيضا، لأن فيه عنعنةَ قتادة، والحسن، وأيضًا قيل: الحسن لم يسمع
من سمرة سوى حديث العقيقة. والله تعالى أعلم.
وقد أشار بعضهم إلى أن هذا الحديث من رواية الحسن، عن سمرة يوجد في هامش
بعض نسخ ((المجتبى)). والله تعالى أعلم.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٤- (بَابُ ذِكْرِ فَضْلٍ يَوْم الْجُمُعَةِ)
١٣٧٣ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيٌّ،
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِّ: ((خَيْرُ
يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ مَّالِ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ
مِنْهًا»).
(١) وفي ((الهندية)): ((حدثنا)).

٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (سويد بن نصر) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٥ .
٢- (عبدالله) بن المبارك الإمام الحجة المشهور [٨] تقدم ٣٦/٣٢.
٣- (يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩.
٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم١/ ١ .
٥- (عبدالرحمن الأعرج) بن هُرمز المدني ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧ .
٦- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه، تقدم ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف ◌َّ هُ تعالي، وأن رجاله رجال الصحيح، سوى
شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ، وأنه مسلسل بالمدنيين من الزهري، ويونس أيلي،
والباقيان مروزيان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه
من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: خَيْرُ يَوْم) مبتدأ،
وخبره ((يوم الجمعة)).
وصيغة ((خير)) ومثله ((شرّ)) يستعملان للمفاضلة، ولغيرها، فإذا كانا للمفاضلة،
فأصلهما: ((أخير)) و((أشرّ))، على وزن أفعل، كما قال في ((الكافية)):
وَغَالِيَا أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرُّ عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرْ
وأما إذا لم يكونا للمفاضلة فلا حذف فيهما، ووزنهما فَعْلٌ، نحو قوله تعالى: ﴿إِن
تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]، وقوله: ﴿وَيَجْعَلَ اَللَّهُ فِيهِ خَيْرً كَثِيرًا﴾
[النساء: ١٩].
و ((خير)) في هذا الحديث للمفاضلة، ومعناه أن يوم الجمعة أفضل من كلّ يوم طلعت
(١)
فيه الشمس(١) .
(طَلَعَتْ فيه الشَّمْسُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ ((يوم))، جيء بها للتنصيص على
التعميم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِحَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فإن الشيء إذا
وُصف بصفة تعمّ جنسه يكون تنصيصًا على اعتبار استغراقه أفراد الجنس(٢).
(١) ((نيل الأوطار)) جـ ٣ ص ٢٨٦ .
(٢) ((المرعاة)) جـ ٤ ص ٤٢٢ .

٤- (بابُ ذِکر فَضْل یوم الجمعةِ) - حدیث رقم ١٣٧٣
٨٩
وظاهر قوله: ((طلعت فيه الشمس)) أن يوم الجمعة لا يكون أفضل من أيام الجنة.
ويمكن أن لا يُعتبر هذا القيد، ويكون يوم الجمعة أفضل أيام الجنة، كما أنه أفضل أيام
الدنيا، لما ورد من أنّ أهل الجنة يزورون ربهم فيه.
ويجاب بأنا لا نعلم أنه يسمّى في الجنة يو الجمعة، والذي ورد أنهم يزورون ربهم
بعد مضيّ جمعة (١)، كما في حديث أبي هريرة رَظّه عند الترمذيّ، وابن ماجه، قال:
أخبرني رسول اللَّه ◌َ # أن أهل الجنة إذا دخلوها، نزلوا فيها بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم
في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون ... )) الحديث(٢).
(يَوْمُ الْجُمُعَة) فيه أن أفضل الأيام يوم الجمعة، فيكون أفضل من يوم عرفة، وبه جزم
ابن العربي .
ويشكل على ذلك ما أخرجه ابن حبّان في (صحيحه)) عن جابر رَظُنَّه، مرفوعًا: ((ما
من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ... )) الحديث.
وقد جمع الحافظ العراقي، فقال: المراد بتفضيل الجمعة بالنسبة إلى أيام الجمعة، أي
الأسبوع، وتفضيل يوم عرفة بالنسبة إلى إيام السنة. وصرّح بأن حديث أفضلية الجمعة
أصحّ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: ويؤيد تفضيلَ الجمعة على الإطلاق ما أخرجه أحمد في
((مسنده)) جـ٣/ ص٤٣٠- وابن ماجه في (سننه)) رقم - ١٠٨٤ - بإسناد حسن - كما قال
الحافظ العراقي - عن أبي لبابة البدري رَزاليه: أن رسول اللّهِ وَلّه قال: ((سيّدُ الأيام يومُ
الجمعة، وأعظمُها عند اللَّه تعالى، وأعظمُ عند اللَّه تعالى من يوم الفطر، ويوم
الأضحى، وفيه خمسُ خلال: خلق الله عز وجلّ فيه آدمفعاليَّةُ، وأهبط اللّه تعالى فيه
آدم إلى الأرض، وفيه تَوَفَّى اللَّهُ تعالى آدمَ، وفيه ساعةٌ، لا يَسأل العبدُ فيها ربّه شيئًا إلا
آتاه الله تعالى إياه، ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مُقَرَّب، ولا
سماء، ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر، إلا هنّ يُشفقن من يوم الجمعة)).
(فيه خُلقَ آدَمُ عَلَلَهُ) أي في آخر ساعة منه، كما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من
حديث أبي هُريرة رَّه، قال: أخذ رسول اللَّه وَ له بيدي، فقال: ((خلق اللَّه التربة يوم
السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه
(١) هكذا في ((نيل الأوطار)): ((بعد مضيّ جمعة))، والذي في الحديث أنه يؤذن لهم ((في مقدار يوم
الجمعة)» فليتأمل .
(٢) ((نيل الأوطار)) جـ ٣ ص ٢٨٦ - ٢٨٧ لكن الحديث ضعيف.
(٣) ((نيل الأوطار)) جـ ٣ ص ٢٨٦ .

٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد
العصر يوم الجمعة من آخر ساعة، من ساعات يوم الجمعة، فيما بين العصر إلى
الليل)»(١) .
(وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ) فيه دليل على أن آدم ◌َلَُّ لم يُخلق في الجنّة، بل خلق
خارجها، ثم أدخل فيها.
قيل: إن خلقه، وإدخاله كانا في يوم واحد، ويحتمل أنه خلق يوم الجمعة، ثمّ أمهل
إلى جمعة أخرى، فأدخل فيها الجنّة، وكذا الاحتمال في يوم الإخراج.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا كله مما لا دليل عليه. والله تعالى أعلم.
(وَفِيه أُخْرِجَ مِنْهَا) قال ابن كثير ◌َخْذَتْهُ: إن كان يومُ خلقه يومَ إخراجه، وقلنا: الأيام
الستة كهذه الأيام، فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا، وفيه نظر، وإن كان
إخراجه في غيراليوم الذي خُلق فيه، وقلنا: إن كل يوم بألف سنة، كما قال ابن عباس،
والضحاك، واختاره ابن جرير، فقد لبث هناك مدة طويلة انتهى.
وقيل: كان إخراجه في اليوم الذي خُلق فيه، لكن المراد من اليوم الإطلاق الثاني،
أي ما مقداره كألف سنة، فيكون مكثه فيها زمانًا طويلًا(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مثل هذا الخلاف مما لا فائدة فيه، حیث لم يستند
إلى نص صحيح، فلا ينبغي الاشتغال به. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: زاد مسلم تَخّْلهُ في آخر هذا الحديث: ((ولا تقوم الساعة إلا في يوم
الجمعة)) .
قيل: هذه القضايا ليست لذكر فضيلة يوم الجمعة، لأن إخراج آدم، وقيام الساعة،
لا يعدان فضيلة، وإنما هو لبيان ما وقع فيه من الأمور العظام.
وقيل: بل جميعها فضائل، وخروج آدم ◌ّالََّلُ ليس طردًا، كخروج إبليس، وإنما كان
خروجه منها مسافرًا لقضاء أوطار، من وجود الذرّيّة الطيبة، من الرسل، والأنبياء،
والصالحين، والعود إلى تلك الدار، وموته سبب لنيل ما أُعدّ له، ولذرّيّته الصالحين،
من الكرامات. وقيام الساعة أعظم سبب لظهور رحمة اللّه تعالى، وإنجاز وعده لعباده
الصالحين وتعجيل جزائهم.
(١) هذا الحديث أخرجه مسلم في ((صحيحه))، وتكلم فيه علي بن المديني والبخاري، وجعلوه من
كلام كعب الأحبار، وسمعه أبو هريرة منه، فاشتبه على بعض الرواة، فجعلوه مرفوعًا. انظر
((تفسير ابن كثير)" في ((سورة البقرة)) جـ ١ ص ٧٢ .
(٢) راجع ((المرعاة)) جـ ٤ ص ٤٢٢ - ٤٢٣ .

٩١
=
٤- (بابُ ذِکر فَضْل یوم الجمعةِ) - حديث رقم ١٣٧٣
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: كون يوم الجمعة أفضل الأيام لا يرجع ذلك إلى
عين اليوم، لأن الأيام متساوية في أنفسها(١)، وإنما يَفضُلُ بعضُها بعضًا بما يُخَصّ به من
أمر زائد على نفسه، ويوم الجمعة قد خُصّ من جنس العبادات بهذه الصلاة المعهودة
التي يجتمع لها الناس، وتتفق هممهم، ودواعيهم، ودعواتهم فيها، ويكون حالهم فيها
كحالهم يوم عرفة، ليُستجاب لبعضهم في بعضهم، ويُغفر لبعضهم ببعض، ولذلك قال
النبي وَلخير: ((الجمعة حج المساكين))(٢). أي يحصل لهم فيها ما يحصل لأهل عرفة، ثم
إن الملائكة يَشهدونهم، ويكتبون ثوابهم، ولذلك سُمي هذا اليومُ اليومَ المشهودَ، ثم
يحصل لقلوب العارفين من الألطاف، والزيادات حسبما يدركونه من ذلك، ولذلك
سُمي يوم المزيد، ثم إن اللّه تعالى قد خصه بالساعة التي فيه، وبأن أوقع فيه هذه الأمور
العظيمة التي هي خلق آدم ◌ٌلِّلُ الذي هو أصل البشر، ومن ولده الأنبياءُ، والأولياءُ،
والصالحون، ومنها إخراجه من الجنة التي حصَلَ عنده إظهار معرفة اللَّه تعالى، وعبادته
في هذا النوع الآدمي، مع إجرامه، ومخالفته، ومنها موته الذي بعده وُفّي به أجره،
ووصل إلى مأمنه، ورجع إلى المستقرّ الذي خرج منه، ومن فَهمَ هذه المعاني فَهمَ
فضيلة هذا اليوم، وخصوصيّته بذلك، فحافظ عليه، وبادر إليه. انتهى(٣). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٣٧٣/٤ - وفي ((الكبرى)) - ١٦٦٣/٦- عن سُويد بن نصر، عن ابن
المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن عبدالرحمن الأعرج، عنه، وفي ((الكبرى)) ٦/
١٦٦٤ - عن هارون بن موسى، عن أبي ضمرة، عن يونس به.
وأخرجه (م) ٦/٣ رقم ٨٥٤ - (ت) ٤٨٨ (أحمد) ٢/ ٤٠١ و١٨/٢ و٥١٢/٢ ٢/
٥٤٠ (ابن خزيمة) ١٧٢٩ . والله تعالى أعلم.
(١) قال الجامع: كلام القرطبي هذا فيه نظر لا يخفى؛ لأن ظاهر النص يدل على أن فضله في نفسه
وذلك بتفضيل من الله تعالى، ولكون فضله في نفسه حصلت فيه هذه الأمور العظام. والله تعالى
أعلم.
(٢) حديث ضعيف أخرجه ابن زنجويه في ((ترغيبه))، والقضاعي من حديث ابن عباس تَطَهّا. راجع
(ضعيف الجامع الصغير)) للشيخ الألباني تَخْذَتمُ ص ٣٩٤ .
(٣) ((المفهم)) جـ ٢ ص ٤٩٠ - ٤٩١ .

٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل يوم الجمعة.
قال النووي تَخْذَلهُ: في هذا الحديث فضيلة يوم الجمعة، ومزيّته على سائر الأيام،
وفيه دليل لمسألة غريبة حسنة، وهي لو قال لزوجته: أنت طالق في أفضل الأيام، وفيها
وجهان لأصحابنا - يعني الشافعية- أصحهما تطلق يوم عرفة، والثاني يوم الجمعة لهذا
الحديث، وهذا إذا لم يكن له نية، فأما إن أراد أفضل أيام السنة، فيتعين يوم عرفة، وإن
أراد أفضل أيام الأسبوع، فيتعين الجمعة، ولوقال أفضل ليلة تعيّنت ليلة القدر، وهي
عند أصحابنا، والجمهور منحصرة في العشر الأواخر من رمضان، فإن كان هذا القول
قبل مضيّ أول ليلة من العشر طلقت في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر، وإن كان
بعد مضيّ ليلة من العشر، أو أكثر لم تطلق إلا في أول جزء من مثل تلك في السنة
الثانية، وعلى قول من يقول: هي منتقلة، لا تطلق إلا في أول جزء من الليلة الأخيرة
من الشهر. والله أعلم انتهى (١).
ومنها: أن هذه الأشياء، من خلق آدم، وإدخاله الجنة، وإخراجه منها، وكذا قيام
الساعة فضائل عظيمة، كما ذكرنا وجهه سابقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
醬
٥- (إِكْثَارُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيُّ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
١٣٧٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، عَنِ النَِّيِّ نَِّ قَالَ:
((إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَ لَِّ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ
الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ؟ - أَنْ يَقُولُونَ: قَدْ بَلِيتَ- قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ
(١) ((شرح صحيح مسلم)) جـ ٦ ص ١٤٢ .

٩٣
٥- (إِكْثَرُ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ لَِّ يَوْمَ ... - حديث رقم ١٣٧٤
وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ))).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (إسحاق بن منصور) الكَوْسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١] تقدم ٧٢ /
٨٨ .
٢- (حسين) بن علي بن الوليد الجعفي المقرىء الكوفي، ثقة عابد [٩] تقدم ٧٤ / ٩١.
٣- (عبدالرحمن بن يزيد بن جابر) الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدّارانيّ، ثقة [٧]
تقدم ٤٥/ ٥٩٥
٤- (أبو الأشعث الصنعاني) شَرَاحيل بن آدة - بالمدّ، وتخفيف الدال- ويقال:
شراحيل بن شُرَخبيل بن كُليب بن آدة، ويقال: شَراحيل بن كُليب، ويقال: شَرَاحيل بن
شَراحيل، ويُقال: شُرَحْبيل بن شُرَحبيل، وهو من صنعاء الشام، وقيل: من صنعاء
اليمن، ثقة [٢].
روى عن شدّاد بن أوس، وثوبان، وأوس بن أوس الثقفي، وعُبَادة بن الصامت،
وغيرهم. وعنه أبو قلابة، وعبدالرحمن بن يزيد بن جابر، ومسلم بن يسار المكي،
وغيرهم .
قال العجلي: شاميّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل اليمن،
وقال: كان ينزل دمشق، قال: وتُوفي زمن معاوية. وقال دُخَيم: شهد فتح دمشق.
وقال ابن معين: كان من الأبناء سكن دمشق. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال:
شراحيل بن شُرَخبيل بن كُليب بن آدة، قال: ومن قال: شَرَاحيل بن آدة، فقد نسبه إلى
جدّه. وقال ابن الجوزيّ: روايته عن ثوبان منقطعة، كذا قال.
روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والباقون. وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٥- (أوس بن أوس) الصحابي الثقفي، سكن دمشق، ومات بها. رَوَى عن النبي
وَلـ
في فضل الاغتسال يوم الجمعة. وعنه أبو الأشعث الصنعانيّ، وعُبَادة بن نُسَيّ،
وغيرهما .
قال الدُّوري، عن يحيى بن معين: أوس بن أوس، وأوس بن أبي أوس واحد،
وقيل: إن ابن معين أخطأ في ذلك، لأن أوس بن أبي أوس، هو أوس بن حُذيفة .
قال الحافظ: تابع ابنَ معين على ذلك جماعةٌ، والتحقيق أنهما اثنان، وإنما قيل في
أوس بن أوس هذا أوس بن أبي أوس، وقيل في أوس بن أبي أوس: أوس بن أوس
غلطًا. أخرج له الأربعة، وله عندهم هذا الحديث فقط، كرره المصنف أربع مرات.
والله تعالى أعلم.

٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال
الصحيح، وأنه مسلسل بالشاميين من عبد الرحمن، وشيخه مروزي، وحسین کوفي،
وأن صحابيه من المقلين، فليس له إلا هذا الحديث عند أصحاب السنن. واللّه تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَوْسِ بْن أَوْس) رضي اللَّه تعالى عنه، (عَن النّبِيِّ وَّة) ولفظ أبي داود: ((قال:
قال رسول اللّهِ وَِّ)) (قَالَ: إِنَّ مِنْ أَفْضَل أَيَّامُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَة) بنصب ((يوم)) على أنه اسم
((إنّ)) مؤخرًا. قيل: فيه إشارة إلى أن يوم عرفة أفضل، أو مساو، لأن زيادة ((من)) تدلّ
على أن يوم الجمعة من جملة الأفاضل من الأيام، وليس هو أفضل الأيام مطلقًا انتهى.
وفيه ما تقدم.
ولفظ البيهقي في ((السنن الكبرى)) جـ٣ ص ٢٤٨: ((أفضلُ أيامكم يوم الجمعة ... ))
بدون ((من)) .
(فيه خُلقَ آدَمُنَالَِّرُ، وَفيه قُبضَ) أي مات، تقدم الكلام على خلقه، وموته في
الباب الماضي (وَفيه النَّفْخَةُ) قال الطيبيّ ◌َّتُهُ: أي النفخة الأولى، فإنها مبدأ قيام
الساعة، ومقدّم النشأة الثانية (وَفيه الصَّغْقَةُ) أي الصيحة، والمراد بها الصوت الهائل
الذي يموت الإنسان من هوله، وهي النفخة الأولى، قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُورِ
فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللّهُ﴾ الآية [الزمر: ٦٨] فالتكرار باعتبار
تغاير الوصفين. وقال القاري: المراد بالنفخة النفخةُ الثانية، وبالصعقة النفخةُ الأولى،
قال: وهذا أولى، لما فيه من التغاير الحقيقي، وإنما سميت النفخة الأولى بالصعقة،
لأنها تترتب عليها، وبهذا الوصف تتميّز عن الثانية. وقيل: إشارة إلى صعقة موسى
عَلَّلامُ انتهى.
(فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ) تفريع على كون الجمعة من أفضل الأيام (فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ
مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ) يعني على وجه القبول فيه، وإلّا فهي دائمًا تُعرض عليه بواسطة
الملائكة. قاله القاري رحمه الله تعالى.
وقال السندي رحمه الله تعالى: هذا تعليل للتفريع، أي هي معروضة عليّ كعرض
الهدايا على من أهديت إليه، فهي من الأعمال الفاضلة، ومقرّبة لكم إليّ، كما تقرّب
الهديّة المهديَ إلى المهدى إليه، وإذا كانت بهذه المثابة، فينبغي إكثارها في الأوقات
الفاضلة، فإن العمل الصالح يزيد فضلًا بواسطة فضل الوقت، وعلى هذا لا حاجة إلى

٩٥
٥- (إِكْثَرُ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ لَِّ يَوْمَ ... - حديث رقم ١٣٧٤
تقييد العرض بيوم الجمعة، كما قيل انتهى.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى في ((تحفة الذاكرين)) بعد ذكر إبلاغ السلام إليه وَل
وعرض الصلاة عليه: ما لفظه: وظاهر الجميع أن كلّ صلاة وسلام تبلغه وَّطاهر، وسواء
كان ذلك يوم الجمعة، أو في غيره من الأيام والليالي، فلعلّ في العرض عليه زيادة على
مجرد الإبلاغ إليه، ويكون ذلك من خصائص الصلاة عليه وَ طير في يوم الجمعة
انتھی(١).
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ؟) جملة حالية من
الضمير المجرور. و ((أرمت)) بفتح الراء، وسكون الميم، وفتح التاء على الخطاب،
على وزن ضَرَبتَ. يقال: أَرَمَ ما على المائدة يَأْرمه، من باب ضرب: أَكَلَهُ. ويُروَى
((أَرِمْتَ)) بكسر الراء: أي بليتَ. وقيل: ((أَرمْت)) بضم الهمزة على البناء للمفعول، من
الأَزْم، وهو الأَكْل، أي صرت مأكولا للأرض. وقيل: )) أَرَمَّتْ)) - بالميم المشددة،
والتاء الساكنة، أي أرَمَّت العظامُ، أي صارت رَميمًا، من رَمَّ الميتُ، وأرمَّ: إذا بلي.
ويروى ((أَرْمَمْتَ)) بالميمين، أي صرت رميمًا، فعلى هذا يجوز أن يكون أرمتَ بحذف
أحد الميمين، كما قالوا في ظللت، وأحسست ظلت، وأحست، كما قال ابن مالك
تَخْذَلَهُ :
ظِلْتُ وَظَلْتُ فِي ظَلِلْتُ اسْتُعْمِلَا وَقِرْنَ فِي اقْرِزْنَ وَقَرْنَ نُقِلَا
ثم كُسرت الراء لالتقاء الساكنين، أو فُتحت تخفيفًا بنقل حركة الميم الأولى إليها.
وقال السندي رحمه الله تعالى في ((شرحه)): لا بد ههنا أوّلًا من تحقيق لفظ ((أرمت))،
ثم النظر في السؤال والجواب، وبيان انطباقهما .
فأما (أرمت))، فبفتح الراء، كضربت، أصله أَزْممتَ، من أَرَمَّ بتشديد الميم: إذا صار
رميمًا، فحذفوا إحدى الميمين، كما في ((ظلت))، ولفظه إما على الخطاب، أو الغيبة،
على أنه مسنَدٌ إلى العظام.
وقيل: من ((أرم)) بتخفيف الميم: أي فني، وكثيرًا ما يُروَى بتشديد الميم،
والخطاب، فقيل: هي لغة ناس من العرب. وقيل: بل خطأ، والصواب سكون التاء،
التأنيث العظام، أو أرممت بفك الإدغام.
وأما تحقيق السؤال، فوجهه أنهم فهموا عموم الخطاب في قوله: ((فإن صلاتكم
معروضة)) للحاضرين، ولمن يأتي بعده بَ لّ، ورأوا أن الموت في الظاهر مانع عن
(١) ((تحفة الذاكرين)) ص ٣١ .

٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
السماع والعَزْض، فسألوا عن كيفية عرض صلاة من يُصلي عليه بعد الموت، وعلى هذا
فقولهم: ((وقد أرمت)) كناية عن الموت، والجواب بقوله وَّليقول: ((إن اللَّه حرم الخ)) كناية
عن كون الأنبياء أحياءً في قبورهم، أو بيان لما هو خرق للعادة المستمرّة بطريق
التمثيل، أي ليجعلوه مقيسًا عليه للعرض بعد الموت الذي هو خلاف العادة المستمرّة.
ويحتمل أن المانع من العرض عندهم فناء البدن، لا مجرّد الموت، ومفارقة الروح
البدنَ، لجواز عود الروح إلى البدن ما دام سالما عن التغيّر الكثير، فأشار بَّهِ إلى بقاء
بدن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا ظاهر السؤال والجواب.
بقي أن السؤال منهم على هذا الوجه يُشعر بأنهم ما علموا أن العرض على الروح
المجرّد ممكن، فينبغي أن يُبيّن لهم النبي ◌َّ أنه يمكن العرض على الروح المجرّد،
ليعلموا ذلك.
ويمكن الجواب عن ذلك بأن سؤالهم يقتضي أمرين: مساواة الأنبياء عليهم السلام
لغيرهم بعد الموت، وأن العرض لا يمكن على الروح المجرد، والاعتقاد الأول أسوأ،
فأرشدهم ◌َّ بالجواب إلى ما يُزيله، وأَخْر ما يزيل الثاني إلى وقت يُناسبه تدريجًا في
التعليم(١). والله تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ رحمه اللَّه تعالى(٢).
(- أَني يَقُولُونَ: قَدْ بَليتَ-) ((أي)) تفسيرية، ولفظ أبي داود: ((قال: يقولون: بليت))،
بدون))أي)). والظاهر أن التفسير من أوس رَمّيه، ويحتمل أن يكون من غيره، أي
يقصدُ الصحابة ث بقولهم: ((أرمت)) بليت - بفتح الباء الموحّدة، وكسر اللام- أي
فَنيتَ، يقال: بلي الثوبُ يبلَى، من باب تَعبَ بلِّ بالكسر والقصر، وبَلاءً، بالفتح
والمدّ: خَلُقَ، فهو بال، وبلي الميتُ: أفنته الأرض. قاله الفيّومي(٣).
(قَالَ) أي النبي ◌ََّ (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ
عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) أي منعها من أن تعتدي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأكل
أجسادهم، كما تأكل أجسادَ سائر الناس، لكونهم أحياء في قبورهم، تكريمًا لهم،
وتفضيلًا على غيرهم. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال صاحب ((المنهل العذب المورود)): ألحق بعضهم شُهداءَ المعركة الذين
قاتلوا لإعلاء كلمة اللَّه عزّ وجلّ، بالأنبياء في ذلك - يعني عدم أكل الأرض أجسادهم-
(١) قال الجامع: قوله: ((وأخر ما يزيل إلخ)) فيه نظر؛ لا يخفى؛ إذ هو مجرد احتمال لا مستند له،
﴿قل هاتو برهانكم إن كنتم صادقين﴾. والله تعالى أعلم.
(٢) ((شرح السندي)) جـ ٣ ص ٩١ - ٩٢ .
(٣) ((المصباح المنير)) جـ ١ ص ٦٢ .

٩٧
٥- (إِكْثَرُ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ يَوْمَ ... - حديث رقم ١٣٧٤
لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل
عمران: ١٦٩]، ولما ذكره بعض المفسرين من أن معاوية رَظنّه لمّا أراد أن يُجري العين
على قبور الشهداء أمر بأن يُنادى من كان له قتيل، فليُخرجه من هذا الموضع، قال
جابر، فخرجنا إليهم، فأخرجناهم، رطاب الأبدان، فأصابت المسحاة -الفأس- أصبع
رجل منهم، فقطرت دمًا.
وفيه أن مثل هذا لا يثبت بالقياس، إذ فرق كبير بين الأنبياء وغيرهم، والآية ليست
نصًا في أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء. وأكثر المحققين على أن حياة الشهداء
بالروح والجسد بحالة لا ندركها في هذه الدار.
وقال بعضهم المراد بحياة الشهداء أن الله تعالى يجعل أرواحهم في حواصل طير
خُضْر في الجنة، لما أخرجه أبو داود في ((كتاب الجهاد)) من حديث ابن عباس رضي
اللَّه تعالى عنهما، قال: قال رسول اللّه وَّر: ((لمّا أُصيب إخوانكم بأحد، جعل الله
أرواحهم في جوف طير خُضر، تَرد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من
ذهب معلّقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم، قالوا:
من يبلغ عنّا أنّا أحياء في الجنة، نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن العدوّ
عند الحرب، فقال الله سبحانه وتعالى: أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
وما ذكره جابر من أنهم أخرجوا أجساد الشهداء رطابًا، وأن أحدهم أصابته المسحاة،
فقطر دمًا، فعلى فرض صحته لا يستلزم اطراد عدم أكل الأرض لجسد كل شهيد، بل لا
يستلزم عدم أكلها لأجساد أولئك الشهداء أنفسهم على ممرّ المئات والآلاف من
السنين .
وبالجملة فلم نقف على دليل صريح صحيح يفيد أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء
انتهى كلام صاحب ((المنهل)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أوس بن أوس رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح، وسيأتي اختلاف العلماء فيه
في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(١) ((المنهل العذب المورود)) جـ ٦ ص ١٨٧ - ١٨٨ .

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
المسألة الثانية: في اختلاف الحُفّاظ في هذا الحديث:
ذهب جمع من الحفّاظ: إلى أن هذا الحديث ضعيف، لأن حسينًا الجعفي لم يسمع
من عبدالرحمن بن يزيد بن جابر الثقة، وإنما سمع من عبدالرحمن بن يزيد بن تميم
الشاميّ الضعيف، وروى عنه أحاديث منكرة، فغلط في نسبته.
وممن ذكر ذلك البخاريّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، وابن حبّان،
وغيرهم.
وأنكر ذلك آخرون، وقالوا: الذي سمعه منه حسين هو ابن جابر. قال العجليّ:
سمع من ابن جابر حديثين في الجمعة. وكذا أنكر الدارقطني على من قال: إن حسينًا
سمع من ابن تميم، وقال: إنما سمع من ابن تميم، هو أبو أسامة، وغلط في اسم
جدّه، فقال: ابن جابر، وهو ابن تميم. ذكر هذا الكلام الحافظ ابن رجب رحمه الله
تعالى في ((شرح علل الترمذي)»(١) .
وقال الإمام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى في كتابه ((جَلاء الأفهام)) بعد أن أورد
الحديث: ما نصه:
وقد أعله بعض الحفاظ بأن حسینًا الجعفي إنما حدث به عن عبدالرحمن بن یزید بن
جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، قال: ومن تأمل هذا الإسناد لم
يشكّ في صحته، لثقة رُواته، وشهرتهم، وقبول الأئمة أحاديثهم.
وعلته أن حُسينًا الجعفي لم يسمع من عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، ، وإنما سمع من
عبدالرحمن بن يزيد بن تميم، وعبدالرحمن بن يزيد بن تميم لا يُحتجّ به، فلما حدث به
حسين الجعفيّ غلط في اسم الجدّ، فقال: ابن جابر.
وقد بَيَّنَ ذلك الحُفّاظ، ونبّهوا عليه، فقال البخاريّ في ((التاريخ الكبير)): عبدالرحمن
ابن يزيد بن تميم السلمي الشاميّ، عن مكحول سمع منه الوليد بن مسلم عنده مناکیر،
ويقال: هو الذي روى عنه أبو أسامة، وحسين الجعفي، وقالا: هو ابن يزيد بن جابر،
وغلطا في نسبه، ويزيد ابن تميم أصحّ، وهو ضعيف الحديث.
وقال الخطيب: روى الكوفيّون أحاديث عبدالرحمن بن يزيد بن تميم، عن
عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، ووهموا في ذلك، والحمل عليهم في تلك الأحاديث.
وقال موسى بن هارون الحافظ: روى أبو أسامة عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر،
وكان ذلك وَهما منه، هو لم يلق عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما لقي عبدالرحمن
(١) ((شرح علل الترمذيّ)) جـ ٢ ص ٨١٨ - ٨١٩.

=
٩٩
... - حديث رقم ١٣٧٤
٥- (إِكْثَرُ الصَّلَةِ عَلَى النَّبِيِّ بَِّ يَوْمَ
ابن يزيد بن تميم، فظنّ أنه ابن جابر نفسه، وأبن تميم ضعيف، وقد أشار غير واحد من
الحفاظ إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة.
وجواب هذا التعليل من وجوه:
أحدها: أن حسين بن علي الجعفي قد صرّح بسماعه له من عبدالرحمن بن يزيد بن
جابر، قال ابن حبّان في ((صحيحه)): حدثنا ابن خزيمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا حسين
ابن عليّ، حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، فصرح بالسماع منه.
وقولهم: إنه ظنّ أنه ابن جابر، وإنما هو ابن تميم، فغلط في اسم جدّه بعيد، فإنه لم
يكن يشتبه على حسين هذا بهذا، مع نقده، وعلمه بهما، وسماعه منهما.
فإن قيل: فقد قال عبدالرحمن بن أبي حاتم في كتاب ((العلل)): سمعت أبي يقول:
عبدالرحمن بن يزيد بن جابر لا أعلم أحدًا من أهل العراق يحدّث عنه، والذي عندي أن
الذي يروي عنه أبو أسامة وحسين الجعفيّ واحد، وهو عبدالرحمن بن يزيد بن تميم،
لأن أبا أسامة روى عن عبدالرحمن بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة خمسة
أحاديث، أو ستة أحاديث منكرة، لا يحتمل أن يُحدث عبدالرحمن بن يزيد بن جابر
مثله، ولا أعلم أحدًا من أهل الشام روى عن ابن جابر من هذه الأحاديث شيئًا .
وأما حسين الجعفيّ، فإنه روى عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي
الأشعث، عن أوس بن أوس، عن النبي ◌َّر في يوم الجمعة أنه قال: ((أفضل الأيام يوم
الجمعة، فيه الصيحة، وفيه النفخة، وفيه كذا)). وهو حديث منكر، لا أعلم أحدًا رواه
غيرُ حسين الجعفي، وأما عبدالرحمن بن يزيد بن تميم، فهو ضعيف الحديث،
وعبدالرحمن بن يزيد بن جابر ثقة. تم كلامه.
قيل: قد تُكُلّم في سماعٍ حسين الجعفي، وأبي أسامة من ابن جابر، فأكثر أهل
الحديث أنكروا سماع أبي أسامة منه.
قال شيخنا في ((التهذيب))(١): قال ابن نمير- وذكر أبا أسامة- فقال: الذي يروي عن
عبدالرحمن بن يزيد بن جابر نرى أنه ليس بابن جابر المعروف، وذُكر لي أنه رجل
يُسمّى باسم ابن جابر، قال يعقوب: صدق، هو عبدالرحمن بن فلان بن تميم، فدخل
عليه أبو أسامة، فكتب عنه هذه الأحاديث، فروى عنه، وإنما هو إنسان يُسمى باسم ابن
جابر، قال يعقوب: وكأني رأيت ابن نُمير يتّهم أبا أسامة أنه علم ذلك، وعرف، ولكن
تغافل عن ذلك، قال: وقال لي ابن نمير: أما ترى روايته لا تشبه سائر حديثه الصحاح
-
(١) هو الحافظ أبو الحجاج المزيّ نَخّْثمُ صاحب ((تهذيب الكمال)). المتوفى سنة (٧٤٢هـ).

١٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
الذي روى عنه أهل الشام وأصحابه.
وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم: سألت محمد بن عبدالرحمن ابن أخي حسين
الجعفي عن عبدالرحمن بن يزيد ؟ فقال: قدم الكوفة عبدالرحمن ابن يزيد بن تميم،
وعبدالرحمن بن يزيد بن جابر، ثم قدم عبدالرحمن بن يزيد بن جابر بعد ذلك بدهر،
والذي يحدث عنه أبو أسامة ليس هو ابن جابر، هو ابن تميم.
وقال ابن أبي داود: سمع أبو أسامة من ابن المبارك، عن ابن جابر، وجميعًا يُحدثان عن
مكحول، وابن جابر أيضًا دمشقيّ، فلما قدم هذا، قال: أنا عبدالرحمن بن يزيد الدمشقيّ،
وحدث عن مكحول، فظنّ أبو أسامة أنه ابن جابر الذي روى عنه ابن المبارك، وابن جابر
ثقة مأمون يُجمع حديثه، وابن تمیم ضعيف. وقال أبو داود: متروك الحديث حدث عنه أبو
أسامة، وغلط في اسمه، قال: حدثنا عبدالرحمن بن يزيد ابن جابر الشامي، وكلّ ما جاء
عن أبي أسامة، عن عبدالرحمن بن يزيد، فإنما هو ابن تميم.
وأما رواية حسين الجعفيّ عن ابن جابر، فقد ذكره شيخنا في ((التهذيب))، وقال:
روى عنه حسين بن عليّ الجعفيّ، وأبو أسامة حماد بن أسامة، إن كان محفوظًا. فجزم
برواية حسين عن ابن جابر، وشك في رواية حماد.
ثم بعد أن كتبت ذلك رأيت الدار قطنيّ قد ذكر ذلك أيضًا، فقال في كلامه على كتاب
أبي حاتم في ((الضعفاء)) قوله: حسين الجعفي روى عن عبدالرحمن بن يزيد بن تميم.
خطأ، الذي يروي عنه حسين هو عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو أسامة يروي عن
عبدالرحمن بن يزيد ابن تميم، فيغلَطُ في اسم جدّه. تم كلامه.
وللحديث علّة أخرى، وهي أن عبدالرحمن بن يزيد لم يذكر سماعه من أبي
الأشعث، قال علي بن المديني: حدثنا حسين بن علي الجعفيّ، حدثنا عبدالرحمن بن
يزيد بن جابر، سمعته يذكر عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس ...
فذكره .
وقال إسماعيل بن إسحاق في كتابه: حدثنا علي بن عبدالله ... فذكره.
وليست هذه بعلة قادحة، فإن للحديث شواهد من حديث أبي هريرة، وأبي الدرداء،
وأبي أمامة، وأبي مسعود الأنصاريّ، وأنس بن مالك، والحسن، عن النبي ◌َّ، مرسلاً.
ثم ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى أحاديث هؤلاء الصحابة
ے ،
واستقصاها، فراجع ((جلاء الأفهام)) ص٤٦-٥٤ تستفد(١).
(١) ((جلاء الأفهام)) ص ٤٦ - ٥٤ .