النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
١- (إِيجَابُ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٦٧
المسألة هو الحق الذي لا مرية فيه.
وحاصله أن الجمعة فرض عين على الرجال الأحرار البالغين الذين لا عذر لهم،
لوضوح أدلته المذكورة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في العدد الذي تنعقد به الجمعة:
(اعلم): أن جملة ما للعلماء من الأقوال في هذه المسألة - على ما ذكره في ((الفتح))-
خمسة عشر قولًا :
(١) تصحّ من الواحد. نقله ابن حزم، وحكاه الدارمي عن القاشاني، وحكي عن
الحسن بن صالح. (٢) اثنان كالجماعة، وهو قول النخعيّ، وأهل الظاهر. (٣) اثنان مع
الإمام، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وحُكي عن الأوزاعي، وأبي ثور (٤)
ثلاثة معه، وهو قول أبي حنيفة، وروي عن الأوزاعي، وأبي ثور أيضًا، واختاره المزني،
والسيوطي، وحكاه عن الثوري، والليث. (٥) سبعة، وحكي عن عكرمة. (٦) تسعة.
وحكي عن ربيعة. (٧) اثنا عشر. وحكي عن ربيعة في رواية، ونقل عن الزهري،
والأوزاعي، ومحمد بن الحسن. (٨) مثله غير الإمام. نقل عن إسحاق. (٩) عشرون.
وهو رواية ابن حبيب عن مالك. (١٠) ثلاثون، في روايته أيضا عن مالك. (١١)
أربعون، وهو قول الشافعي، وطائفة. (١٢) أربعون غير الإمام، روي عن الشافعي
أيضًا، وبه قال عمر بن عبدالعزيز، وطائفة. (١٣) خمسون. روي عن أحمد، وفي رواية
عن عمر بن عبدالعزيز (١٤) ثمانون. حكاه المازريّ. (١٥) جمع كثير بغير قيد، حكي
عن مالك. قال الحافظ: ولعلّ هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل انتهى.
وقال العلامة الشوكاني ◌َخْذَهُ بعد ذكر هذه الأقوال: إنه لا مستند لاشتراط ثمانين،
أو ثلاثين، أو عشرين، أو تسعة، أو سبعة، كما أنه لا مستند لصحتها من الواحد
المنفرد.
وأما من قال: إنها تصحّ باثنين، فاستدلّ بأن العدد واجب بالحديث، والإجماع،
ورأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت الجماعة في سائر
الصلوات باثنين، ولا فرق بينها وبين الجماعة، ولم يأت نصّ من رسول اللّه وَالتّر بأن
الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، وهذا القول هو الراجح عندي.
وقال في موضع آخر: وقد انعقدت سائر الصلوات باثنين بالإجماع، والجمعة صلاة،
فلا تختصّ بحكم يُخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على
المعتبر في غيرها. وقد قال عبدالحقّ: إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث. وكذلك
قال السيوطيّ: لم يثبت في شيء من الأحاديث تعيين عدد مخصوص انتهى كلام

٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
الشوكاني رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكاني ◌َخْدُثُهُ حسن جدًّا.
وحاصله أن الجمعة تنعقد باثنين، فما فوق، لحديث طارق بن شهاب رَّم
مرفوعًا: ((الجمعة حقّ واجب على كلّ مسلم في جماعة ... )) الحديث، وقد تقدم أنه
حديث صحيح، وقد أجمعوا على أن أقل الجماعة في سائر الصلوات اثنان، فوجب كون
أقل عدد الجماعة في الجمعة اثنين أيضًا، إذ لا فرق بينها وبين غيرها من الصلوات في
هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في الأماكن التي تجب الجمعة على أهلها:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: اختلف أهل العلم في الأمصار
والقرى التي يجب على أهلها الجمعة:
فقال طائفة: كل قرية فيها جماعة أن يصلّوا الجمعة، روينا عن ابن عباس رَّا أنه
قال: ((إن أول جمعة جمعت بعد جمعة بالمدينة، لَجُمعة جمعت بجُوَاثَى من البحرين)).
وروينا عن ابن عمر تَوِيّهَا أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمّعون، ولا
يعيب ذلك عليهم.
وروينا عن عمر بن عبدالعزيز أنه كتب إلى أهل المياه بين مكة والمدينة أن يُجمّعوا.
وقال طائفة: كلّ قرية عليهم أمير يُجمّع فيها، وروينا عن عمر بن عبدالعزيز أنه كتب
أيما قرية فيها أمير، يقضي، ويقيم الحدود، فإنه يُجمّع فيها. وقال الأوزاعي: كل
مدينة، أو قرية عليها أمير، أَمرُوا بالجمعة، فليجمّع بهم أميرهم. وقال الليث بن سعد:
كل مدينة، أو قرية فيها جماعة، وعليهم أمير أمروا بالجمعة، فليُجمّع بهم.
وقالت طائفة: لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع، يُروى هذا القول عن علي ◌َّه.
وبه قال النخعي، وكان الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، يقولان: لا جمعة إلا
في مصر، أو قال: في الأمصار.
وقال الحسن: إن عمر مصّر سبعة أمصار، أو قال: مصر الأمصار سبعة: المدينة،
والبحرين، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام، ومصر.
وقال النعمان، وابن الحسن: لا تجب الجمعة، إلا على أهل الأمصار، والمدائن،
وحكي عن يعقوب أنه قال: تفسير المصر الجامع والمدينة: كلّ مصر، ومدينة فيها
منبر(١) وقاض يُنفّذ الأحكام، ويجوز حكمه، ويقيم الحدود، قال: فهذا مصر جامع،
(١) هكذا نسخة ((الأوسط)) ((منبر))، ولعل الصواب ((أمير)). والله أعلم.

٦٣
١- (إِيجَابُ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٦٧
فيه الجمعة .
وقالت طائفة: كل قرية فيها أربعون رجلًا، والقرية: البناء بالحجارة، واللبن،
والجريد، والشجر، وتكون بيوتها مجتمعة، ويكون أهلها لا يطعنون شتاءً، ولا صيفًا،
إلا ظعن حاجة، فإذا كانوا أربعين رجلاً أحرارا بالغين رأيت -والله أعلم - أن عليهم
الجمعةَ، فإذا صلّوا الجمعة أجزأت.
هذا قول الشافعي، ومال إلى هذا أحمد بن حنبل، وإسحاق، ولم يشترطا الشروط
التي اشترطها الشافعي.
وقد روينا عن عمر بن عبدالعزيز قولًا ثالثًا، أنه قال: أيما قرية فيها أربعون،
فصاعدًا، عليهم إمام يقضي بينهم، فليخطب، وليصلّ ركعتين، ففي هذه الرواية عن
عمر أنه ذكر إمامًا يقضي بينهم، ولم يشترط ذلك الشافعي، وأحمد، وإسحاق،
واشترط الشافعيّ شروطًا لم يذكرها عمر بن عبدالعزيز، وأحمد، وإسحاق.
وفيه قول خامس: وهي الرواية الرابعة عن عمر بن عبدالعزيز، كتب عمر أيما قرية
اجتمع فيها خمسون رجلًا، فليؤمّهم رجل منهم، وليخطب عليهم، وليصلّ بهم
الجمعة .
وفيه قول سادس: وهو إذا لم يحضر الإمامَ إلا ثلاثة صلى الإمام الجمعة. قال
الوليد: سألت الأوزاعيّ عن إمام الجمعة لم يحضره جماعة؟ قال: فليُجمّع بهم، قلّوا أو
كثروا، قيل له: وإن لم يكن إلا ثالث ثلاثة؟ قال: نعم. وحكى غير الوليد عن
الأوزاعيّ أنه قال: إذا كانوا ثلاثة. فليُجمّعوا، إذا كان فيهم أميرهم.
وكان أبو ثور يقول: الجمعة كسائر الصلوات، إلا أن فيها خطبة، وقصرًا من
الأربع، فمتى كان إمام، وخطب بهم صلى الجمعة.
واحتجّ بحديث أبي هريرة رَانّه ، أنه كتب إلى عمر بن الخطاب، يسأله عن الجمعة
بالبحرين، فكتب إليه أن جمعوا حيثما كنتم.
وقد روينا عن مكحول أنه قال: إذا كانت القرية فيها الجماعة صلّوا الجمعة ركعتين.
وسئل مالك عن القرية التي تكون فيها جماعة المسلمين؟ قال مالك: إنا نقول: إذا
كان فيها مسجد، يقيمون الصلاة يجمّعون فيه، وأسواقها قائمة، وبيوتها متصلة، ليس
كبيوت أهل البادية، فأرى أن يجمّعوا، وقال مالك في القرية التي اتصل دُورها: فأرى
أن يجمّعوا الجمعة، كان عليهم وال، أو لم يكن.
قال ابن المنذر: ورأيت في حكاية الميموني، عن أحمد أنه قال: كان عكرمة يقول:
إذا كانوا سبعة جمعوا، قال: ورأيته كأنه يعجبه.

٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
وحكاية أحمد قولَ عكرمة قولٌ سابع.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أوجب اللَّه تعالى على الخلق اتباع كتابه، وسنن
نبيه بَّه، قال الله جلّ ذكره: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن نَعْثُمْ فِ شَىْءٍ
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرّسُولِ ... ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، وقال الله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩] فاتباع ظاهر
كتاب اللَّه عزّ وجلّ يجب، ولا يجوز أن يُستثنى من ظاهر الكتاب جماعة، دون عدد
جماعة بغير حُجّة، ولو كان للَّه في عدد دون عدد مراد لبيّن ذلك في كتابه، أو على لسان
نبيه وَّرَ، فلما عمّ، ولم يخصّ كانت الجمعة على كلّ جماعة في دار إقامة على ظاهر
الكتاب، وليس لأحد مع عموم الكتاب أن يُخرج قومًا من جملته بغير حجة يُفْزَعُ إليها،
وهذا يلزم مَن مذهبُهُ القول بعموم الكتاب، وأن لا يُحال ظاهر منه إلى باطن، ولا عامّ
إلى خاصّ، إلا بكتاب، أو سنة، أو اتفاق.
وقد اختلفت الروايات عن عمر بن عبدالعزيز، وقد ذكرناها، ولو لم تختلف الروايات
عنه ما وجب الاستثناء من ظاهر الكتاب بقوله.
وليس لاحتجاج من احتجّ بقصة أسعد(١) في أن لا تجزىء جمعة بأقلّ من أربعين
حجةٌ، إذ ليس في شيء من الأخبار أن النبي ◌َّر أمرهم إذا كان عددهم كذا أن يُصلّوا،
وإن نقصوا من ذلك العدد لم يُصلّوا، إنما كتب أن يصلى بمن معه، ولو ورد كتاب
النبي ◌ِّ، وعددهم أقلّ من أربعين، فترك أن يصلي بهم لكان تاركًا لما أمره به.
ودفع بعض أهل العلم قول من زعم أن الجمعة إنما تُصَلّى في مصر، أو مدينة يكون
فيها قاض ينَفّذ الأحكام، ويقيم الحدود بأن بعض أصحابه قد صلى بالمدينة الجمعة،
وليس فيها منبر، ولا قاض، ولا كانت الحدود تُقام بها في ذلك الوقت.
وقد صلى رسول اللّه ◌َليل أول ما قدم المدينة، وليس فيها منبر، وليس المنبر،
والقاضي، والحدود من أمر الصلاة بسبيل.
وقال أحمد بن حنبل في قول علي رَظنّه: ((لا جمعة، ولا تشريق، إلا في مصر
جامع)): الأعمش لم يسمعه من سعد انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى
مختصرًا(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي رجحه الإمام ابن المنذر من وجوب
الجمعة على كل جماعة في مكان، سواء كان مدينة، أو قرية بدون عدد معين، هو
(١) في نسخة (الأوسط)) ((سعد))، والصواب ((أسعد))، وهو ابن زرارة، وقد تقدم حديثه.
(٢) ((الأوسط)) جـ ٤ ص ٢٦ - ٣٠.

=
٦٥
١ - (إِيجَابُ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٦٨
المذهب الراجح لوضوح أدلته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة: في اختلاف أهل العلم فيمن يجب عليه شهود الجمعة:
ذهبت طائفة إلى أنه تجب الجمعة على من آواه الليل إلى أهله. روي ذلك عن ابن
عمر، وأبي هريرة، وأنس، والحسن، وعطاء، ونافع، وعكرمة، والحكم،
والأوزاعي. واحتجوا بحديث ((الجمعةُ على من آواه الليل إلى أهله)). وهو حديث
ضعيف، فيه مُعارك بن عبّاد ضعيف، وعبدالله بن سعيد المقبري، متروك، فلا يصح
الاحتجاج به، كما قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى.
وذهبت طائفة إلى أنها تجب على من سمع النداء، وبه قال الشافعي، وأحمد،
وإسحاق، حكاه عنهم الترمذيّ، وحكي عن عبدالله بن عمرو، ومالك. واحتجوا
بحديث: ((الجمعةُ على من سمع النداء)). رواه أبو داود، وهو حديث ضعيف، فيه
عنعنة الوليد بن مسلم، وهو مدلس، قاله العراقي.
وروي عن مالك أنها تلزم من سمع النداء بصوت الصيّت من سور البلد. وعن عطاء
تلزم مَن على عشرة أميال، وقال الزهريّ: مَن على ستة أميال، وقال ربيعة: مَن على
أربعة أميال، وروي عن مالك ثلاثة، وروي عن الشافعي فرسخ، وكذا روي عن
أحمد (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي القول بوجوبها على من سمع النداء، أو
كان في قوّة من يسمع، لكونه داخل المدينة، لعموم قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن
يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. ولحديث أبي هريرة رَظّه عند مسلم وغيره،
قال: أتى النبي بَ لهر رجل أعمى، فقال: يا رسول اللَّه ليس لي قائد يقودني إلى
المسجد، فسأل رسولَ اللَّه ◌َ لهو أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخّص له، فلما ولى
دعاه، فقال: ((هل تسمع النداء بالصلاة؟))، قال: نعم، قال: ((فأجب)). ورَوَى نحوه أبو
داود بإسناد حسن عن ابن أم مكتوم، قال الحافظ العراقي ◌َخَّهُ: فإذا كان هذا في
مطلق الجماعة، فالقول به في خصوصية الجمعة أولى انتهى (٢).
وأما من لا يسمع النداء لبعد مكانه، أو لكونه خارج المدينة، فلا يجب عليه إتيانها،
لعدم السماع، بل يجب عليهم إقامتها في محلهم، لكونهم من أهل وجوب الجمعة.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٦٨- (أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكِ
(١) راجع ((نيل الأوطار)) جـ ٣ ص ٢٦٨ - ٢٦٩ .
(٢) المصدر المذكور جـ ٣/ ٢٦٨ .

٦٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
الأَشْجَعِيّ، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ رِبْعِيٌّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَا:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَضْلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ
السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِنَا، فَهَدَانَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ
الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ، وَالأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ لَنَا تَبَعْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ اَلْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ
الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُون يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ))).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (واصل بن عبدالأعلى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمد الكوفي،
ثقة [١٠] تقدم ٨٣١/٣٩.
٢- (ابن فُضَيل) محمد، أبو عبدالرحمن الكوفي، صدوق رمي بالتشيع [٩] تقدم
٧٩٩/١٨ .
٣- (أبو مالك الأشجعي) سعد بن طارق الكوفي، ثقة [٤] تقدم ١٤٩/١١٠.
٤- (أبو حازم) سلمان الأشجعي الكوفي، ثقة [٣] تقدم ١٧٣ / ٢٧٠.
٥- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه المذكور في السند الماضي.
٦- (ربعي بن حراش(١)) أبو مريم العَبْسي الكوفي، ثقة عابد مخضرم [٢] تقدم ٨/
٥٠٨ .
٧- (حُذيفة) بن اليمان الصحابي المشهور ابن الصحابي رضي اللّه تعالى عنهما،
تقدم ٢/ ٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال
الصحيح، وأنه مسلسل بالكوفيين، وفيه رواية تابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي حَازم) سلمان الأشجعي (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (وَعَنْ رِبْعِيٍّ
ابْنِ حرَاشٍ) عطفَ على ((أبي حازم))، فُأبو مالك الأشجعي له طريقان لهذا الحديث:
إحداهما: عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه.
والثانية: عن ربعي بن حراش، عن حذيفة رضي اللَّه تعالى عنه.
(عَنْ حُذَيْفَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (قَالًا) أي أبو هريرة، وحذيفة رضي اللّه تعالى
(١) قوله: ((زبعيّ)) بكسر الراء، وسكون الموحدة، آخره ياء مشدّدة، وقوله: ((حِرَاش)) بكسر الحاء
المهملة، وتخفيف الراء المهملة، آخره شين معجمة .

٦٧
١- (إِيجَابُ الْجُمُعةِ) - حديث رقم ١٣٦٨
عنهما (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لهِ: أَضَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) أي خلق فيهم الضلال، وهو ضدّ
الهداية، وفيه نسبة الإضلال إلى الله تعالى، فالهداية والضلال من الله سبحانه وتعالى،
وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، كما نطق به الكتاب في غير ما آية: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ
وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [النحل: ٩٣]، ولبعضهم:
أِضَلُّ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ هَدَى مَا بِيَدِ الْعَبْدِ ضَلَالٌ وَهُدَى
(عَنِ الْجُمُعَة) أي عن تعظيمها، وعبادة اللَّه تعالى فيها (مَنْ كَانَ قَبْلَنَا) المراد
اليهود، والنصارى، بدليل قوله (فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْت) أي بدلًا عن الجمعة، وقد
تقدّم الكلام على اختيارهم السبت (وَكَانَ للَّصَارَى يَوْمُ الأَحَد) أي بدلًا من الجمعة أيضا
(فَجَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِنَا) أي خلقنا، وأوجدنا بعد هؤلاء (فَهَدَانَا لِيَوْمِ الْجُمُعَة) أي دلنا
على تعظيمه، وعبادته فيه، ووفقنا لذلك (فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ، وَالأَحَدَ) هذا فيه
دلالة أن أوّل الأسبوع الشرعيّ يوم الجمعة، وقد تقدم ذلك في شرح الحديث السابق
(وَكَذَلِكَ هُمْ لَنَا تَبَعٌ يَوْمَ الْقِيَامَة) أي كما أنهم تبع في هذه الأيام المذكورة، هم تبع لهذه
الأمة يوم القيامة، بحيث يكونون بعدها في الحساب، والميزان، والقضاء، ودخول
الجنة، وغير ذلك مما يقع في ذلك اليوم (وَنَحْنُ الآخرُونَ) بكسر الخاء المعجمة، أي
المتأخرون وجودًا (منْ أَهْل الدُّنْيَا) الجار والمجرور حال من ((المتأخرون))، أي حال
كوننا من جملة أهل الدنيا (وَالأَوَّلُون يَوْمَ الْقِيَامَة) أي المتقدّمون على جميع الأمم في
الفضل الذي يكون هناك، وأهمه الإراحة من هول الموقف، كما بينه بقوله (الْمَقْضيُّ
لَهُمْ) صفة لـ ((الأوّلون)) (قَبْلَ الْخَلَائِقِ) متعلق بـ (المقضيّ))، أي الذين يُقْضَى لهم قبل
الناس ليدخلوا الجنّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث :
المسألة الأولى: في درجته:
هذا الحديث أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٣٦٨/١ - وفي ((الكبرى)) - ١٦٥٢/١- بالسند المذكور.
وأخرجه (م) ٧/٣ - (ق) ١٠٨٣ . وفوائده تقدمت في الحديث الماضي. وبالله
تعالى التوفيق .
[تنبيه]: كتب في هامش ((النسخة الهندية)): ما نصّه: وُجد في هامش الأصل: ما
نصه :

٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
١٣٦٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
طَهْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((إِنَّ أَوَّلَ لُمعَةٍ، ◌ُمعَتْ، بَعْدَ جُمعَةٍ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ بِمَكَّةَ، ◌ُمعَةٌ بِجُوَاثَا بِالْبَحْرَيْنِ، قَرْيَةٌ لِعَبْدِ الْقَيْسِ» .
وهذا الحديث في ((الكبرى)) برقم -١٦٥٥/٣- وترجم له بـ ((باب بدء الجمعة)).
فحيث لم أطمئنّ أنه من ((المجتبى)) لم أجعل له رقما مستقلًا، بل جعلت له رقم
سابقه، وشرحته احتياطًا.
فرجاله : خمسة :
١- (محمد بن عبدالله بن عمّار) الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر، نزيل الْمَوْصل، ثقة حافظ
[١٠]، تقدم ٢٠/،١٢٢٠ من أفراد المصنف.
٢- (الْمُعَافَى) بن عمران، أبو مسعود الموصلي، ثقة عابد فقيه، من كبار [٩] تقدم
٣٦ / ١٢٧١ .
٣- (إبراهيم بن طَهْمَان) الْخُرَاساني، أبو الحسن سكن نيسابور، ثم مكة، ثقة
يُغْرب، وتكلم فيه بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] تقدم ٤٠٩/٧.
٤- (محمد بن زياد) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدني، نزيل البصرة، ثقة
ثبت، ربما أرسل [٣] تقدم ٨٩/ ١١٠.
٥- (أبو هريرة) رَّ المذكور قبله. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح غير
شيخه، فمن أفراده، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه رَأْسُ المكثرين من الرواية.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، كذا قال المعافى بن عمران، فأخطأ فيه، فقد
خالف الحفاظ من أصحاب إبراهيم بن طهمان، كوكيع، وأبي عامر العقَدي، وغيرهما،
فقالوا: ((عن ابن عباس رَضِيّا))، وهو الذي أخرجه البخاري، وغيره، قال الحافظ: وهو
خطأ من المعافى، ومن ثَمّ تَكلّم محمد بن عبدالله بن عمّار في إبراهيم بن طهمان، ولا
ذنب له فيه، كما قاله صالح جَزَرَة، وإنما الخطأ في إسناده من المعافَى.
ويحتمل أن يكون لإبراهيم فيه إسنادان انتهى (١)
(١) ((فتح)) جـ ٣ ص ٣٧ .

٦٩
١- (إِيجَابُ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٦٨
قَالَ: (إِنَّ أَوَّلَ جُمعَة، ◌ُمعَتْ) بالبناء للمفعول، أي اجتمع الناس لأدائها. زاد وكيع
في روايته عن ابن طهمان: ((في الإسلام))، أخرجه أبو داود (بَعْدَ جُمعَة مَعَ رَسُول اللَّهِلّه
بِمَكَّةَ) هذا خطأ بلا شكّ، والصواب ما في رواية وكيع ((بالمدينة)) (جُمعَةٌ بِجُوَاثًا) بضم
الجيم، وتخفيف الواو، وقد تُمز، ثم مثلثة خفيفة (بالْبَحْرَيْن) الجارّ والمجرور بدل مما
قبله، أو متعلق بحال محذوف من ((جواثى)"، وفي رواية البخاري: ((من البحرين))، وفي
رواية وكيع: ((قرية من قُرَى البحرين)) (قَرْيَةٌ لعَبْدِ الْقَيْس) يحتمل الجرّ بدلاً من
(البحرين))، ويحتمل أن يكون بالرفع خبرًا لمحذوف، أي هي قرية لعبد القيس، و
((عبدالقيس)) اسم قبيلة.
وفيه إشعار بتقدم إسلام عبدالقيس على غيرهم، من أهل القُرى.
وقد استدلّ البخاريّ بهذا الحديث على مشروعية الجمعة في القرى والمدن، فقال:
في ((صحيحه)): ((باب الجمعة في القرى والمدن)).
قال في ((الفتح)): ووجه الدلالة أن الظاهر أن عبدالقيس لم يُجَمّعوا إلا بأمر النبي
وَخيره، لما عُرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول
الوحي، ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدلّ جابر، وأبو سعيد رَّهنا
على جواز العزل بأنهم فعلوه، والقرآن ينزل، فلم يُنهوا عنه.
وحكى الجوهريّ، والزمخشريّ، وابن الأثير: أن جُوَاثى اسم حصن بالبحرين،
وهذا لا يُنافي كونها قرية، وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي، أنها مدينة، وما
ثبت في نفس الحديث من كونها قرية أصح، مع احتمال أن تكون في الأول قرية، ثم
صارت مدينة انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
هذا الحديث خطأ من رواية أبي هريرة ◌َّه ، وإنما الصواب أنه من رواية ابن عباس
رَّهَا، كما أخرجه البخاري، وغيره من روايته، والخطأ من المعافى بن عمران، وأيضًا
قوله: ((بمكة)) منكر، فإن المعروف أنه بالمدينة، وقد تقدم الكلام عليه في المسألة الثالثة
في (كتاب الجمعة)). والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: أن هذا الحديث بهذا السياق من أفراد المصنف رحمه اللّه تعالى،
(١) (فتح)) جـ ٣ ص ٣٦ - ٣٧ .

٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
وقد أخرجه (خ) ٥/٢ و٢١٤/٥ (د) ١٠٦٨ (ابن خزيمة) ١٧٢٥ - كلهم من حديث ابن
عباس رضي الله تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلّ الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
٢- (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي التَّخَلْفِ عَنِ
الْجُمُعَةِ)
١٣٦٩ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَمْرٍو، عَنْ عَبِيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-
عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جَمَع تَّاوُنَّا بِهَا، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (يعقوبن إبراهيم) الدَّوْرقيّ البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٢١/ ٢٢.
٢- (يحيى بن سعيد) القَطّان البصري الحجة المشهور[٩] تقدم٢/ ٢.
٣- (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقّاص الليثي المدني، صدوق له أوهام [٦]
تقدم ١٦ / ١٧ .
٤- (عَبيدة بن سُفيان) -بفتح العين المهملة، وكسر الموحدة- (١) ابن الحارث بن
الحضرمي، واسمه عبدالله بن عماد بن أكبر، الحضرمي المدني، ثقة [٣].
روى عن أبي هريرة، وأبي الجعد الضمري، وزيد بن خالد الْجُهني. وعنه ابنه
عمرو، ويقال: عُمر، وبُسر بن سعيد، وإسماعيل بن أبي خالد، ومحمد بن عمرو بن
علقمة .
قال العجليّ: مدني تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان شيخًا قليل الحديث. وذكره ابن
حبان في ((الثقات)). روى له الجماعة، سوى البخاريّ، له في مسلم حديث: ((يحرم كل
ذي ناب من السباع))، وله في هذا الكتاب، هذا الحديث، و(٤٣٢٤) حديث: ((كل ذي
ناب من السباع، فأکله حرام».
(١) وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)): ((عبيدة)) بضم العين، وفتح الباء الموحدة بضبط القلم،
وهو غلط، فإنه بفتح فكسر، كما ضبطناه هنا. فتنبّه.

٢- (بَأَبُ التَّشَيْدِيدِ فِي التَّخَلِفُِّ عَنِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٦٩
=
٧١
٥- (أبو الْجَعْد الضمري) قيل: اسمه أدرع، وقيل: عمرو بن بكر، وقيل: جُنَادة.
قال الترمذيّ: سألت محمدا عنه، فلم يعرف اسمه، وقال: لا أعرف له عن النبي وَلـ
سوى هذا الحديث -يعني حديث الباب- ولا يُعرف إلا من حديث محمد بن عمرو.
وروى عن سلمان الفارسيّ، وعنه عَبيدة بن سفيان الحضرمي. وقال ابن سعد: بعثه
النبي ◌َّهِ يُجيّش قومه لغزوة الفتح، ولغزوة تبوك.
وقال الخزرجي في ((الخلاصة)): له أربعة أحاديث، وعند الأربعة حديث انتهى.
وفي ((الإصابة)): وقال ابن الْبَرْقَيّ: قُتل مع عائشة رَّها في وقعة الجَمَل، وقال
البغويّ: سكن المدينة، وكانت له دار في بني ضَمْرة، وعزاه لابن سعد، وزاد: أن
النبي ◌َّ بعثه يَحشُر قومه لغزوة الفتح، وبعثه أيضًا إلى قومه حين أراد الخروج إلى
تبوك، يَستنفر قومه، فخرج إليهم إلى الساحل، فنفروا معه إلى النبي ◌َّ
انتهى(١). أخرج له الأربعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير
أبي الجعد، فإنه من رجال الأربعة، وأن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له إلا
أربعة أحاديث، منها عند أصحاب السنن هذا الحديث فقط، كما تقدّم عن ((الخلاصة)).
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ -وَكَانَتْ لَهُ صُخْبَةٌ-) زاد الترمذي: ((فيما زعم محمد بن
عمرو))، يعني أن محمد بن عمرو قال: إن أبا الجعد كانت له صحبة (عَنِ النَّبِيِّ وََّ)
وللترمذي: ((قال: قال رسول اللَّه ◌َ) (قَالَ: ((مَنْ تَرَكَ) أي ممن تجب عليه (ثَلاثَ جُمع)
بضم، ففتح، جمع ◌ُمعة. ولفظ ابن خُزيمة في ((صحيحه)) - ١٨٥٧ - من طريق سفيان
الثوري، عن محمد بن عمرو ((من ترك الجمعة ثلاثًا، من غير عُذر -قال في خبر ابن
إدريس- طُبع على قلبه))، وفي خبر وكيع ((فهو منافق)).
قال الباجي تَخّْتُهُ: وأما اعتبار العدد في الحديث، فانتظار للفَيْئة، وإمهال منه تعالى
عبده للتوبة .
وقال الشوكاني تَّلهُ: يحتمل أن يراد حصول الترك مطلقًا، سواء توالت
الجمعات، أو تفرّقت، حتى لو ترك في كلّ سنة جمعة لَطَبَع اللَّه على قلبه بعد الثالثة،
(١) ((الإصابة)) جـ ١٢ ص ٦١ .

= ٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
وهو ظاهر الحديث.
ويحتمل أن يراد ثلاث جُمع متواليةٍ، كما في حديث أنس عند الديلميّ في ((مسند
الفردوس))، مرفوعا: ((من ترك ثلاث جُمع متواليات من غير عُذر، طبع اللَّه على قلبه)).
لأن موالاة الذنب، ومتابعته مُشعرة بقلّة المبالاة به.
ولأبي يعلى الموصلي عن ابن عباس رَائها: ((من ترك ثلاث جمع متواليات، فقد نَبَذَ
الإسلامَ وراء ظهره)). هكذا ذكره موقوفًا، وله حكم الرفع، لأن مثله لا يُقال من قبل
الرأي، كما قال العراقي.
وعن عبدالله بن أبي أوفى رَّه عند الطبراني في ((الكبير))، قال: قال رسول اللَّه
وقوله: ((من سمع النداء يوم الجمعة، ولم يأتها، ثم سمع النداء، ولم يأتها، ثلاثًا طُبع
على قلبه، فجُعل قلبَ منافق)). قال العراقي: إسناده جيّد انتهى(١).
(تَّهَاوُنّا بها) منصوب على أنه مفعول لأجله، أي لأجل تهاونه بحق الجمعة، ويحتمل
أن يكون منصوبا على الحال، لأن وقوع المصدر المنكّر حالًا كثيرٌ في الاستعمال، كما
قال ابن مالك :
وَمَضْدَرٌ مُنَكّرٌ حَالًا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةٌ زَيْدٌ طَلَغْ
أي حال کونه متھاونا بها.
قال الحافظ العراقي تَخْذَلَّهُ: المراد بالتهاون الترك عن غير عذر. فعلى هذا يكون
مفعولًا مطلقًا مبينًا للنوع.
وفي ((اللمعات)): الظاهر أن المراد بالتهاون التكاسل، وعدم الجدّ في أدائها، وقلّة
الاهتمام بها، لا الإهانة، والاستخفاف، فإن الاستخفاف بفرائض الله كفر.
وفيه أن الطبع المذكور إنما يكون على قلب من ترك ذلك تهاونًا، فينبغي أن تحمل
الأحاديث المطلقة على هذا الحديث المقيد بالتهاون، وكذلك تحمل الأحاديث المطلقة
على المقيدة بعدم العذر انتهى (٢).
(طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِه) أي ختم عليه، وغشّاه، ومنعه الألطاف، أو صيّر قبله قلبَ
منافق .
وفي (اللسان)): قال أبو إسحاق النحوي: معنى طَبَعَ في اللغة، وخَتَم واحد، وهو
التغطية على الشيء، والاستيثاق من أن يدخله شيء، كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ
(١) ((نيل الأوطار)) جـ ٣ ص ٢٦٤ .
(٢) ((المرعاة)) جـ ٤ ص ٤٤٦ .

٢- (بَأَبُ التَّشَيْدِيدِ فِي التَّخَلِفُِّ عَنِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٦٩
٧٣
أَقْفَالُهَا﴾، وقال عزّ وجلّ: ﴿كَلَّا بَلِّ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾، معناه غَطَّى على قلوبهم، وكذلك
﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ .
قال ابن الأثير: كانوا يَرون أن الطبع هو الرَّيْنُ، قال مجاهد: الرَّيْن أيسر من الطبع،
والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدّ من ذلك كله.
هذا تفسير الطبْع بإسكان الباء، وأما طَبَعُ القلب بتحريك الباء، فهو تلطيخه
بالأدناس، وأصل الطبع: الصدَأُ يكثُرُ على السيف وغيره.
وقال أيضًا: الطبع بالسكون: الختم، وبالتحريك: الدَّنَس، وأصله من الوَسَخ
والدَّنَس يغشَيَان السيف، ثم استعير فيما يُشبه ذلك من الأوزار والآثام وغيرهما من
المقابح انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي الجعد الضَّمْريّ رَّ هذا صحيح.
[تنبيه]: قال في ((التلخيص الحبير)): اختلف في حديث أبي الجعد على أبي سلمة،
فقيل: عنه هكذا، وهو الصحيح، وقيل: عن أبي هريرة، وهو وَهَم، قاله الدارقطني في
(العلل))، وهو في ((الأوسط)) من طريق أبي معشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة، وقال: تفرد به حسان بن إبراهيم، عن أبي معشر.
ورواه أحمد، والحاكم من حديث أبي قتادة، وإسناده حسن، إلا أنه اختلف فيه على
أَسيد بن أبي أَسيد راويه عن عبدالله بن أبي قتادة، فقيل: عنه، عن عبدالله، عن أبيه،
وقيل: عنه، عن عبدالله، عن جابر، وصحح الدارقطني طريق جابر، وعكس ابن
عبدالبرّ. وأبو نُعيم في ((المعرفة)) من حديث أبي عبس بن جبر، والطبراني من حديث
أسامة، وفيه جابر الجُغْفي، ومن حديث ابن أبي أوفى. ورواه أبو بكر بن علي المروزيّ
في ((كتاب الجمعة)) له من طريق محمد بن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة، عن عمه،
عن النبي ◌َّ، قال: ((من ترك الجمعة ثلاثًا طَبَع اللَّه على قلبه، وجعل قلبَهُ قلبَ
منافق)). وأخرجه أبو يعلى أيضًا، ورواته ثقات، وصححه ابن المنذر.
وفي ((الموطا)) عن صفوان بن سُليم، قال مالك: لا أدري عن النبي وَّل، أم لا؟
قال: ((من ترك ثلاث مرار من غير عذر، ولا علّة، طبع اللَّه على قلبه))، واستشهد له
(١) ((لسان العرب)) جـ ٤ ص ٢٦٣٥.

٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
الحاكم بما رواه من حديث أبي هريرة بلفظ: ((ألا هل عسى أن يتخذ أحدكم الصبّة (١)
من الغنم على رأس ميل، أو ميلين، فيرتفع، حتى تجيء الجمعة، فلا يشهدها، ثم يُطبع
على قلبه)). وفي إسناده معديّ بن سليمان، وفيه مقال. وعند أحمد، والطبراني من
حديث حارثة بن النعمان نحوه. وعند الطبراني في ((الأوسط)) من حديث ابن عمر نحوه
أيضًا. ورواه أبو يعلى عن ابن عباس: ((من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات، فقد نبذ
الإسلام وراء ظهره))، ورجاله ثقات.
وفي الباب حديث سعيد بن المسيب، عن جابر مرفوعًا: ((إن اللَّه افترض عليكم
الجمعة في شهركم هذا، فمن تركها استخفافًا بها، وتهاونًا، ألا فلا جَمعَ اللَّه شمله، ألا
لا بارك الله له، ألا ولا صلاة له)). أخرجه ابن ماجه، وفيه عبدالله البَلَويّ، وهو واهي
الحديث، وأخرجه البزار من وجه آخر، وفيه علي بن زيد بن جُدْعان، قال الدار قطني:
إن الطريقين كلاهما غير ثابت، وقال ابن عبدالبرّ: هذا الحديث واهي الإسناد انتهى ما
في ((التلخيص الحبير))(٢) .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٣٦٩/٢ - وفي ((الكبرى)) -١٦٥٦/٤- بالسند المذكور.
وأخرجه (د) ١٠٥٢ (ت) ٥٠٠ (ق) ١١٢٥ (أحمد) ٤٢٤/٣ (الدارمي) ١٥٧٩ (ابن
خزيمة) ١٨٥٧ و١٨٥٨ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده :
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو التشديد في التخلف عن الجمعة.
ومنها: أنه يفيد وجوب الجمعة، لأن الوعيد المذكور لا يكون إلا على ترك واجب.
ومنها: أن التهاون، والتكاسل عن أداء ما أوجب الله تعالى من الطاعة سبب للطبع على
القلب، كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلَّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، أعاذنا
الله تعالى بمنه وكرمه من الخذلان، وجنّنا أسباب السخط والحرمان، إنه ولي ذلك،
والقادر عليه، وإنه بعباده رَءُوفٌ رحيم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[تنبيه]: وقع في هامش ((النسخة الهندية)) هنا: ما نصه: وُجد بهامش الأصل: ما
نصُّهُ :
١٣٦٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ،
عَنْ أَسَيْدِ بْنِ أَبِي أَسَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَّهِ: أَنَّ رَسُولَ
(١) بالضم جماعة الغنم.
(٢) ((التلخيص الحبير)) جـ ٢ ص ٥٢ - ٥٣ .

٢- (بَأَبُ التَّشَّيْدِيدِ فِي التَّخَلِفُِّ عَنِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٠
٧٥
اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث في ((الكبرى)) برقم - ١٦٥٧/٤ - فحيث
لم أطمئنّ من كونه من أحاديث ((المجتبى)) لم أجعل له رقما مستقلًا، بل هو برقم ما
قبله، لأنه إنما ذُكر احتياطًا .
فرجاله : ستة :
١- (عمرو بن سواد) بتشديد الواو المصري، ثقة [١١] تقدم ٤٥ / ٥٩٤ .
٢- (ابن وهب) عبداللَّه المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم٩ /٩.
٣- (ابن أبي ذئب) محمد بن عبدالرحمن المدني، ثقة فقيه فاضل [٧] تقدم ٤١/
٦٨٥ .
٤- (أَسِيد بن أبي أسيد) بفتح الهمزة، وكسر السين المهملة- البرّاد، أبو سعيد
المديني، واسم أبيه: يزيد [٥].
روى عن أبيه، وأمه، ونافع مولى أبي قتادة، وعبدالله بن أبي قتادة، وغيرهم. وعنه
ابن أبي ذئب، وابن جُریج، والدّراوردي، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج حديثه ابن خُزيمة، وابن حبان، والحاكم،
وقال الدارقطني: يُعتَبَر به. أخرج ه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والأربعة.
٥- (عبدالله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة [٢] تقدم ٢٤/٢٣.
٦- (جابر بن عبدالله) رضي اللّه تعالى عنهما، تقدم ٣٥/٣١.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث صححه ابن خُزيمة، وابن حبان،
والحاكم، وقال الدارقطني: إنه أصحّ من حديث أبي الجعد.
وشرحه تقدم في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا
يَخْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنِ الْحَضْرَمِيِّ بْنِ لَاحِقٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ
مِينَاءَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَّرَ، يُحَدْثَانِ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِهِ قَالَ -وَهُوَ عَلَى
أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ -: (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتَمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ،
وَلَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ))).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١- (محمد بن معمر) الحضرميّ البصريّ، صدوق، من صغار [١١].
روى عن حَبّان بن هلال، وعنه أبو داود،، النسائي، وقال: صالح. وقال في

= ٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
((مشيخته)): صدوق كتبت عنه شيئًا يسيرًا، تفرد به أبو داود، والمصنف. وله في هذا
الكتاب ثمانية أحاديث
٢- (حَبّان) بن هلال، أبو حَبيب البصريّ، ثقة ثبت [٩] تقدم ٤٤ / ٥٩٠.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)) ((حبان)) بكسر الحاء بضبط القلم،
وهو خطأ، والصواب أنه بالفتح، وقلت في الفرق بين حَبّان بالفتح، وحِبّان بالكسر
بيتين (١) من [الرجز]:
حَبَّانُ بِالْفَتْحِ أَبْنُ مُنْقِذٍ وَمَنْ وَلَدَهُ وَأَبْنُ هِلَالٍ وَأَكْسِرَنْ
وَمَنْ رَمَى سَعْدًا فَنَالَ بُوسَا
أَبْنَ عَطِيَّةٍ مَعَ أَبْنِ مُوسَى
٣- (أبان) بن يزيد العطار، أبو يزيد البصري، ثقة له أفراد [٧] تقدم٩ / ٧٨٧ .
٤- (يحيى بن أبي كثير) اليمامي. ثقة ثبت يُدَلِّسُ، ويرسل [٥] تقدم ٢٤/٢٣.
٥- (الحَضْرَميّ بن لاحق) - بلفظ النسبة- التميمي السعديّ الأعرجيّ اليماميّ
القاصّ، لا بأس به [٦].
روى عن ابن عباس، وابن عمر مرسلًا. وعن القاسم بن محمد، وأبي صالح
السمّان، وزيد بن سلّام، وغيرهم. وعنه سليمان التيميّ، وسنان بن ربيعة، وعكرمة بن
عَمّار، ويحيى بن أبي كثير.
قال البخاري: وقال هشام الدستوائي: حضرميّ بن إسحاق، وهو وَهَم.
وقال عبدالله بن أحمد: سألت أبي عن الحضرميّ الذي حدّث عنه سليمان التيميّ؟
قال: كان قاصًّا، فزعم معتمر، قال: قد رأيته، قال: أحمد: لا أعلم يروي عنه غير
سليمان التيميّ، قال عبدالله: وسألت يحيى بن معين، فقال: ليس به بأس، وليس هو
بالحضرميّ بن لا حق. وقال أبو حاتم: حضرمي اليماميّ، وحضرمي بن لاحق هما
عندي واحد. وقال عكرمة بن عَمّار: كان فقيها، وخرجت معه إلى مكة سنة مائة.
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وفرق بين الحضرمي بن لاحق، وحضرمي الذي يروي
سليمان التيمي، فقال في الثاني: لا أدري من هو؟، ولا ابن من هو؟. وكذلك قال ابن
المديني: حضرمي شيخ بالبصرة، روى عنه التيميّ، مجهول. وكان قاصًا، وليس هو
بالحضرمي بن لاحق.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنهما اثنان انتهى. انفرد به أبو داود، والمصنّف وله في
هذا الكتاب هذا الحديث فقط .
(١) أصل البيتين للحافظ العراقي في ((ألفية المصطلح))، إلا أني أدخلت التغيير في البيت الأول، راجع
((ألفيته)) في (باب المؤتلف والمختلف)) ص ٥٠ بتحقيق أحمد محمد شاكر نَظّشْهُ.

٢- (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي التَّخَلِفُِّ عَنِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٠
٧٧
٦- (زيد) بن سلّام بن أبي سلّام الحَبَشيّ، ثقة [٦].
روى عن جدّه، وعديّ بن أرطاة، وعبدالله بن فَرُوخ، وعبدالله بن زيد بن الأزرق.
وعنه أخوه معاوية، ويحيى بن أبي كثير، والحَضْرمي بن لاحق.
قال النسائي، وأبو زرعة الدمشقي، والدارقطني: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة
صدوق. وقال يحيى بن حَسّان، عن معاوية بن سلام: أخذ مني يحيى بن أبي كثير كُتُب
أخي زيد بن سلّام. وقال ابن معين: لم يلقه يحيى. وقال الأثرم: قلت لأحمد: يحيى
سمع من زيد؟ قال: ما أشبهه؟. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال العجلي: شاميّ
لا بأس به. روى له البخاري في ((الأدب المفرد))، والباقون. وله في هذا الكتاب (٣)
أحاديث فقط .
٧- (أبو سلّام) مَمْطُور الأسود الحَبَشيّ الأعرج الدمشقيّ، ويقال: النُّوبي، وقيل:
إن الحَبَشيّ نسبة إلى حَيّ من حمير، ثقة يرسل [٣].
روى عن ثَوْبان، وعَمْرو بن عَبَسَة، وأبي مالك الأشعريّ، والحَكَم بن ميناء،
وغيرهم. وعنه حفيداه زيد، ومعاوية ابنا سلام، ومكحول الشامي، والأوزاعي،
وغيرهم .
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. وقال أبو مُسهر: قلت لمعاوية
ابن سلّام: ما اسم جدّك؟ قال: ممطور، قلت: فَمَن المولى عليك؟ فغضب، يعني أنه
عربي. وقال العجلي: شاميّ تابعي ثقة. وقال البَزْقانيّ: سمعت الدار قطنيّ يقول: زيد
ابن سلام بن أبي سلّام، عن جدّه ثقتان. وقال أبو نصر بن ماكولا: ليس هو من
الحبشة، إنما هو منسوب إلى بطن من حمير، ذكره ابن معين، وأبو عُبيد. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات)). وقال ابن معين، وابن المديني: لم يسمع من ثوبان. وقال أحمد:
ما أراه سمع منه. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: رَوَى ممطور عن ثوبان،
وعَمْرو بن عَبَسَة، والنعمان، وأبي أمامة مرسل، فسألت أبي: هل سمع من ثوبان؟
فقال: لا أدري. وقال الدارقطني: بينه وبين أبي مالك الأشعري عبدُ الرحمن بن غَنْم.
وقال أبو زرعة الدمشقي: أخبرني مروان، قال: قلت لمعاوية: سمع جدّك من كعب؟
قال: لا أدري. أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، والباقون. وله في هذا الكتاب
(٦) أحاديث فقط .
[تنبيه]: وقع في ((النسخة الهندية)) ((عن ابن أبي سلّام)) وهو غلط فاحشٌ، والصواب
ما في النسخ المطبوعة ((عن أبي سلّام)) بحذف ((ابن))، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٨- (الحكم بن ميناء) بكسر الميم، بعدها تحتانية، ثم نون، ومدُّ- الأنصاريّ

== ٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
مولاهم المدني، صدوق [٢].
رأى بلالًا يمسح على الخفّين. ورَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عُمر، وابن
عباس، وغيرهم. وعنه ابنه شُبيث، وأبو سلّام الأسود، وسعد بن إبراهيم، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: مدنيّ يُروَى عنه. وقال ابن سعد: شهد أبوه
ميناء تبوك مع النبي ◌ُّر، وعن أبي حاتم: شيخ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
أخرج له مسلم، وأبو داود في فضائل الأنصار، والمصنّف، وابن ماجه. له عندهم
حديث الباب فقط، وهو مختلف في إسناده، كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من (المجتبى)) ((الحكم بن أبي ميناء)) بزيادة ((أبي))،
وهو غلط فاحشّ، والصواب ما في ((الهندية))، و ((الكبرى)) ((الحكم بن ميناء)) بحذفها.
فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٩- (ابن عباس) عبدالله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٣١/٢٧.
(١٠) (ابن عمر) عبدالله رضي الله تعالى عنهما، تقدّم ١٢/١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من تساعيات المصنف رحمه الله تعالى فهو من أنزل الأسانيد، كما تقدم
بيان ذلك غير مرة. (ومنها): أن رجاله موثقون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن
تابعي، والابن عن أبيه، ورواية الكبير عن الصغير، فإن يحيى من الطبقة الخامسة،
والحضرمي بن لاحق من السادسة، وروايته عن زيد من رواية الأقران، وفيه ابن عباس،
وابن عمر رضي الله تعالى عنهم كل منهما من المكثرين السبعة، ومن العبادلة الأربعة .
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْحَكَمِ بْن مينَاءَ) الأنصاريّ (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاس، وَابْنَ عُمَرَ) ◌َ (يُحَدِّثَان)
جملة في محلّ نصب على الحال (أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌ِِّ قَالَ-وهو على أعواد منبره-) جملة
في محل نصب على الحال من فاعل ((قال)). والأعود جمع عُود بالضم: أي على درجات
منبره، وقال الصنعاني ◌َّلهُ: أي منبره الذي كان من عُود، لا على الذي كان من
الطين، ولا على الجذع الذي کان یستند إلیه انتھی.
وفائدة ذكره الدلالةُ على كمال التَّذَكْرِ، والإشارةُ إلى اشتهار هذا الحديث.
(لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ) اللام موطئة للقسم المقدر، والنون المشددة للتوكيد، والجملة
جواب القسم المقدر، أي واللَّه لينتهينّ أقوام. وإنما أبهمهم كراهية كسر قلوب من

٢- (بَأَبُ التَّشْدِيدِ فِي التَّخَلِفُِّ عَنِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٠
٧٩
يُعَيِّنهم لو عَيَّن أشخاصًا، لأن النصيحة، في الملا فضيحة.
(عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَات) -بفتح الواو، وسكون الدال: مصدر وَدَعَ، أي عن تركهم
إياها، والتخلف عنها من غير عذر، من وَدَعَ الشيءَ يَدَعُهُ وَدْعًا: إذا تركه.
وقول النحاة: إن العرب أماتوا ماضيه ومصدره، واسم فاعله، استغناء بتَرَكَ تَركًا،
فهو تارك: محمول على أن الغالب عدم استعمال ذلك، استغناء بما هو أخفّ، لا أنهم
لم يستعملوا ذلك أصلًا.
وقيل: قولهم مردود، والحديث حجة عليهم، قال التوربشتي تَخّْلهُ: لا عبرة بما
قال النحاة، فإن قول الني ◌َّر هو الحجة القاضية على كلّ ذي فصاحة انتهى.
وقال الفيّوميّ ◌َّلهُ: وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمَّ حُذفت الواو، ثمّ فُتح لمكان
حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضيَ ((يَدَعُ))،
ومصدرَه، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد
النحويّ: ﴿ما وَدَعَكَ ربك﴾ بالتخفيف، وفي الحديث: ((لَيَنتَهينّ أقوام عن وَذْعهم
الجمعات))، أي عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من
طريق القُرّاء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذا سبيله،
فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فمما أنشدوا لاستعمال ماضيه - كما أورده ابن منظور
رحمه الله تعالى-(٢) قول الشاعر:
وَكَانَ مَا قَدَّمُوا لأَنْفُسِهِمْ أَكْثَرَ نَفْعًا مِنَ الَّذِي وَدَعُوا
وقول الآخر:
غَالَهُ
لَيْتَ شِغْرِي عَنْ خَلِيلِي مَا الَّذِي
وَدَعَهْ
حَتّى
وقول الآخر:
سَلْ أَمِيرِي مَا الَّذِي غَيَّرَهُ عَنْ وِصَالِي الْيَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ
وقول الآخر:
ثُمَّ لَمْ يُذْرِْ وَلَا عَجْزًا وَدَعْ
فَسَعَى مَسْعَاتَهُ فِي قَوْمِهِ
ومن استعمال اسم الفاعل له قوله:
حَزِينٌ عَلَى تَرْكِ الَّذِي أَنَا وَادِعُ
فَأَيُمَا مَا أَتْبَعَنَّ فَإِنَّنِي
(١) ((المصباح المنير)) جـ ١ ص ٦٥٣ .
(٢) راجع ((لسان العرب)) جـ ٦ ص ٤٧٩٧ .

٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
وقول الآخر :
عَلَيْهِ شَرِيبٌ لَيْنْ وَادِعُ الْعَصَا يُسَاجِلُهَا حَمَّاتُهُ وَتُسَاجِلُهُ
فقول السيوطي في شرحه: الظاهر أن استعماله هنا من الرواة المولدين الذين لا
يُحسنون العربية. غير صحيح، كيف يمكن أن يُغَلّط الرواة الثقات الذين يُعتمد على
حفظهم، مع أن أهل اللغة قد أثبتوا استعمال العرب الماضي منه، وقرأ به من قدمنا ذكره
من القرّاء، وكذا أثبتوا له اسم الفاعل، وثبت في هذا الحديث استعمال المصدر له؟، إن
هذا لشيء غريب !!.
وغاية ما يقال في مثل هذا: إن استعمال الماضي، والمصدر، واسم الفاعل منه
قليل، لا يكثر كثرة استعمال المضارع والأمر منه.
قال السندي ◌َخْدَثُ ردًا على كلام السيوطي المذكور: ما نصه: لا يخفى على من
تتبع كتب العربية أن قواعد العربية مبنية على الاستقراء الناقص، دون التامّ عادة، وهي
مع ذلك أكثريّات، لا كليّات، فلا يناسب تغليط الرواة. والله تعالى أعلم انتهى وهو
تَعَقُّبٌ جيّد. والله تعالى أعلم.
(أَوْ لَيَخْتَمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي يطبع عليها، ويُغطّيها بالرَّيْن، كناية عن إعدام
اللطف، وأسباب الخير، يعني ليمنعنهم لطفه وفضله. وقال القرطبي: الختم عبارة عما
يخلقه الله تعالى في قلوبهم من الجهل والجفاء، والقسوة(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الصواب حمل الختم على ظاهره، وأنه سبحانه وتعالى
يجعل على قلوبهم بسبب ذنوبهم شيئا يمنع قلوبهم عن اتباع الحق، ووصول الخیر إلیه،
لما أخرجه الترمذي في ((جامعه)) -٣٣٣٤-، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة))-٤١٨ -
وفي ((السنن الكبرى)) ج٦ ص ٥٠٩-، من حديث أبي هريرة ◌َظنيه، عن رسول اللّه وَّل،
قال: ((إنّ العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكتت في قلبه نُكتة سوداء، فإذا هو نزع، واستغفر، وتاب
صُقل قلبُهُ، وإن عاد زيد فيها، حتى تَعلُو قلبه، وهو الرَّانُ الذي ذكره الله: ﴿كَلَّا بَلٌّ رَانَ عَلَى
قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾)) [المطففين: ١٤]. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه
ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي. والله تعالى أعلم.
قيل: ومن خُتم على قلبه بالرين قد يتيقظ للخير في بعض الأوقات، بخلاف الغافل
عن مولاه، فلا يتفطن أصلًا، فلهذا ترقّى، فقال (وَلَيَكُونُنَّ) بضم النون الأولى، من
الكَوْن، ولفظ أحمد: ((ثم ليُكتَبُنّ)» من الكتابة (منَ الْغَافلينَ) أي من جملة من استولت
(١) ((المرعاة)) جـ ٤ ص ٤٤٤ - ٤٤٥.