النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ ١٠٥ - (بَأَبِّ إِذَاَ قِيلَ لِلرَّجُلِ: هَلْ ... - حديث رقم ١٣٦٦ الفوائت، والأكثرون على وجوبه مع الذكر، لا مع النسيان، وقال الشافعي تَخّْلهُ: لا يجب الترتيب فيها، وقد تقدّم الخلاف في ذلك مُستوفّى في باب «كيف يُقضَى الفائت من الصلاة؟)) رقم - ٦٢١/٥٥- فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٣٦٦/١٠٥ - وفي ((الكبرى))-١٢٨٩/١٣٩ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ١٥٤/١ و١٦٤/١ و١٥٥/١ و١٨/٢ و١٤١/٥ (م) ١١٣/٢ (ت) ١٨٠ (ابن خزيمة) ٩٩٥. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو أنه إذا سئل الرجل هل صليت، جاز أن يقول: ما صلّيت. ومنها: جواز اليمين من غير استحلاف، إذا اقتضت مصلحة ذلك، من زيادة طمأنينة، أو نفي توهّم. ومنها: بيان ما كان عليه النبي ◌َّ من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه، وتألفهم، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك. ومنها: مشروعية قضاء الفوائت في الجماعة، لما تقدّم من رواية الإسماعيلي، وبه قال أكثر أهل العلم، إلا الليث، مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة، إذا فاتت. ومنها: أنه استَدَلّ به من قال: لا يُشرع الأذان للفائتة، وأجاب من قال به بأن المغرب كانت حاضرة، ولم يذكر الراوي الأذان لها، وقد عُرف من عادته ◌َّ الأذان للحاضرة، فدلّ على أن الراوي ترك ذكر ذلك، لا أنه لم يقع في نفس الأمر، وتعقّب باحتمال أن تكون المغرب لم يتهيأ إيقاعها إلا بعد خروج وقتها على رأي من يذهب إلى القول بتضييقه، وعكس ذلك بعضهم، فاستدلّ بالحديث على أن وقت المغرب متسع، لأنه قدّم العصر عليها، فلو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب، ولا سيما على قول الشافعي في قوله بتقديم الحاضرة، وهو الذي قال بأن وقت المغرب ضيّق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث. وهذا في حديث جابر تَظّه، وأما حديث أبي سعيد تَظفيه ، فلا يتأتى فيه ٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ هذا، لما تقدّم أن فيه أنه وَلَّ صلى بعد مضيّ هُويّ من الليل(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٣- (كِتَابُ الْجُمُعَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذه الترجمة مسائل: المسألة الأولى: في ضبط لفظ ((الجمعة))، وفي سبب تسمية اليوم به، وبيان أوّل من سماه به : قال ابن منظور تَخّْلهُ في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]: خفّفها الأعمش، وثقلها عاصم، وأهل الحجاز، والأصل فيها التخفيف ((جُمْعَة))، فمن ثقّل أتبع الضمّة الضمّة، ومن خفّف فعلى الأصل، والقرّاء قرؤوها بالتثقيل، ويقال: يوم الْجُمْعَة - أي بالتسكين- لغة بني عُقَيل، ولو قرىء بها كان صوابًا، قال: والذين قالوا: الجُمُعَة - أي بالضم - ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يَجْمَعُ الناسَ، كما يقال: رجل هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ ضُحَكَةٌ، وهو الْجُمْعَة - بسكون الميم - والْجُمُعَة- بضمها- والْجُمَعَة - بفتحها- وهو يوم الْعَرُوبة، سُمّ بذلك لاجتماع الناس فيه، ويُجمَعُ على ◌ُمعات وجُمع، وقيل: الجُمْعَة على تخفيف الجُمُعة والجُمْعَة لأنها تجمع الناس كثيرًا، كما قالوا: رجل لُعَنَة يُكثرُ لَغْن الناس، ورجل ضُحَكَة يُكثر الضحك. وزعم ثَعْلب أنّ أوّل من سمّاه به كعب بن لؤيّ جدّ النبي ◌َّ، وكان يقال له: العَرُوبة. وذكر السُّهَيلي في ((الرَّوْض الأَنَّف)) أن كعب بن لؤيّ أوّل من جمعَ يوم العَرُوبة، ولم تُسَمَّ العروبة الجمعةَ إلا مذ جاء الإسلام، وهو أول من سمّاها الجمعة، فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم، ويُذكّرهم بمبعث النبي ◌َِّ، ويُعْلِمهم أنه من ولده، ويأمرهم باتباعه وَّر، والإيمان به، وينشد في ذلك أبياتًا، منها: [من البسيط] يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فَحْوَاءَ دَعْوَتِهِ إِذَا قُرَيْشٌ تُبَغِي الْحَقَّ خِذْلَانَا انتهى المقصود من كلام ابن منظور رحمه اللّه تعالى(٢). (١) ((فتح)) جـ ٢ ص ٢٦٨ . (٢) ((لسان العرب)) جـ ١ ص ٦٨١. ٤٣ ١٣ - (كِتَابُ الْجُمُعَةِ) وقال في ((الفتح)): و ((الجمعة بضمّ الميم على المشهور، وقد تسكّن، وقرأ بها الأعمش، وحكى الواحديّ عن الفرّاء فتحها. وحكى الزّجّاج الكسر أيضًا. واختلف في تسمية اليوم بذلك، مع الاتفاق على أنه كان يُسمّى في الجاهليّة العَرُوبةَ - بفتح العين المهملة، وضم الراء، وبالموحّدة- فقيل: سمي بذلك لأن كمال الخلائق جُمع فيه. ذكره أبو حُذيفة النجّاريّ في ((المبتد!)) عن ابن عباس رًَّا، وإسناده ضعيف. وقيل: لأن خلق آدم جُمع فيه، ورد ذلك من حديث سلمان رَّ ، أخرجه أحمد، وابن خُزيمة، وغيرهما في أثناء حديث، وله شاهد عن أبي هُريرة رَّه ، ذكره ابن أبي حاتم، موقوفًا بإسناد قويّ، وأحمد مرفوعًا بإسناد ضعيف. وهذا أصحّ الأقوال، ويليه ما أخرجه عبد بن حُميد عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصّة تجمّع الأنصار مع أسعد بن زُرَارة، وكانوا يُسمّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة، فصلّى بهم، وذكّرهم، فسمّوه الجمعة حين اجتمعوا إليه. ذكره ابن أبي حاتم موقوفًا . وقيل: لأن كعب بن لؤيّ كان يَجمَع قومه فيه، فيُذكّرهم، ويأمرهم بتعظيم الحرم، ويُخبرهم بأنه سيُبعث منه نبيّ. رَوَى ذلك الزبير في ((كتاب النسب)) عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف مقطوعًا، وبه جزم الفرّاء وغيره. وقيل: إن قُصَيّا هو الذي كان يجمعهم. ذكره ثعلب في ((أماليه)). وقيل: سُمّي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم، فقال: إنه اسم إسلاميّ، لم يكن في الجاهلية، وإنما كان يُسمّى العَرُوبة انتهى. وفيه نظر، فقد قال أهل اللغة: إن العروبة اسم قديم كان للجاهليّة، وقالوا في الجمعة: هو يوم العروبة، فالظاهر أنهم غيّروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تُسمّى : أوّل، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شبار. وقال الجوهري: كانت العرب تُسمي يوم الاثنين أهون في أسمائهم القديمة، وهذا يُشعر بأنهم أحدثوا لها أسماء، وهي هذه المتعارفة الآن، كالسبت، والأحد، إلى آخرها. وقيل: إنّ أوّل من سمّى الجمعة العروبة كعب بن لؤيّ، وبه جزم الفرّاء وغيره، فيحتاج من قال: إنهم غيّروها إلا الجمعة، فأبقوه على تسمية العروبة إلى نقل خاصّ(١). (١) ((فتح)) جـ ٣ ص ٣ - ٤. ٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ وقال ولي الدين ◌َّلهُ بعد ذكر نحو ما تقدّم: وقيل: لاجتماع آدم علَّلِ مع حواء في الأرض، رواه الحاكم في ((مستدركه)) من حديث سلمان الفارسي ◌َّه، قال: قال لي رسول اللَّه وَ ل: ((يا سلمان ما يوم الجمعة؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((ياسلمان يوم الجمعة جمع فيه أبوكم وأمكم)). قال: فهذه خمسة أقوال في سبب تسميتها بذلك انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في أسماء الجمعة: قال ولي الدين ◌َّلهُ: (اعلم) أن يوم الجمعة هو الاسم الذي سماه اللّه تعالى به، وله أسماء أخر: (الأول): يوم العروبة-بفتح العين المهملة، وكان هو اسمه في الجاهلية، قال أبو جعفر النحاس في كتابه ((صناعة الكتاب)) لا يعرفه أهل اللغة إلا بالألف واللام، إلا شاذا، قال: ومعناه اليوم البيّن المعظم، من أعرب: إذا بيّن، قال: ولم يزل يوم الجمعة معظمًا عند أهل كل ملّة. ثم اعترضه ولى الدين بأنه لم تعرفه الأمم المتقدّمة، وأوّل من هُدي له هذه الأمة، كما في حديث الباب. وقال أبو موسى المديني في ذيله على ((الغريبين)): والأفصح أن لا يدخلها الألف واللام، قال: وكأنه ليس بعربي. (الثاني): من أسمائه حَرْبة، حكاه أبو جعفر النحاس، أي مرتفع عال كالحربة، قال: وقيل: ومن هذا اشتقّ المحراب. (الثالث): يوم المزيد، وروى الطبراني في ((معجمه الأوسط)» بإسناد ضعيف عن أنس رَّ، عن النبي وَّر، عن جبريلُالخَلُ أنه قال: ((ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد))، ذكره في أثناء حديث طويل. (الرابع): حج المساكين، سماه بعضهم بذلك، قال الحافظ أبو الفضل العراقي في ((شرح الترمذيّ)): وكأنه أخذه من الحديث الذي رواه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) من رواية الضحاك بن مُزاحم، عن ابن عباس رَؤُها مرفوعًا، والحديث ضعيف، وكان شعبة ينكر أن يكون الضخّاك سمع من ابن عباس، وقال ابن حبان: لم يشافه أحدًا من الصحابة، زعم أنه لقي ابن عباس، وقد وُهُّمَ انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، (١) ((طرح التثريب)) جـ ٣ ص ١٥٨ - ١٥٩. ٤٥ ١٣- (كِتَابُ الْجُمُعَةِ) وإليه المرجع والمآب. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم متى شُرعت الجمعة؟ : ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجمعة إنما فرضت بالمدينة واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرٍ اللَّهِ﴾ الآية، لأن هذه السورة مدنيّة، وأنه لم يثبت أن النبي ◌ُّر كان يصلي الجمعة بمكة قبل الهجرة . قال الحافظ ابن رجبِ تَخّْلهُ: ونصّ الإمام أحمد رَخّْلهُ على أن أول جمعة جمعت في الإسلام هي التي جُمعت بالمدينة مع مصعب بن عمير تَّه ، وكذا قال عطاء، والأوزاعيّ، وغيرهما. وزعمت طائفة من الفقهاء أن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة، وأن النبي ◌َّ كان يُصليها بمكة قبل أن يهاجر. واستدلّوا لذلك بما أخرجه النسائيّ في ((الكبرى)) -١٦٥٥/٣- وسيأتي أيضًا هنا ملحقًا برقم - ١٣٦٨ - من حديث مُعافَى بن عمران، عن إبراهيم بن طهمان، عن محمد ابن زياد، عن أبي هريرة تَّه، قال: ((إن أول جمعة جُمعت بعد جمعة مع رسول اللّه وَل بمكة بجُواثا بالبحرين، قرية لعبد القيس)). وقد أخرجه البخاريّ في (صحيحه)) من طريق أبي عامر العَقَديّ، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي جمرة، عن ابن عباس رَنِيهَا: ((إن أوّل جمعة جُمعت بعد جمعة في مسجد رسول اللّه وَلَّ في مسجد عبدالقيس بجُوَاثَى من البحرين)). وكذا رواه وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، ولفظه: ((إن أوّل جمعة جُمعت في الإسلام بعد جمعة جُمعت في مسجد رسول اللّهِ وَ لّ بالمدينة لَجُمعة جُمعت بجُوَاثا، قرية من قُرى البحرين)). أخرجه أبو داود. وكذلك رواه ابن المبارك، وغيره، عن إبراهيم بن طهمان. فتبيّن بذلك أن المعافى وَهِم في إسناد الحديث ومتنه، والصواب رواية الجماعة عن إبراهيم بن طهمان. ومعنى الحديث أن أول مسجد جُمع فيه بعد مسجد المدينة مسجد جُوَاثا، وليس معناه أن الجمعة التي جُمعت بجواثا كانت في الجمعة الثانية من الجمعة التي جُمعت بالمدينة، كما قد يُفهم من بعض ألفاظ الروايات، فإن عبدالقيس إنما وفَدُوا على رسول الله وَيهل عام الفتح، كما ذكره ابن سعد، عن عروة بن الزبير، وغيره، وليس المراد به - أيضًا- أن أوّل جمعة جُمعت في الإسلام في مسجد المدينة، فإن أوّل جمعة جُمعت بالمدينة في = ٤٦ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ نَقيعِ الْخَضِمَاتِ(١) قبل أن يقدَمَ النبي ◌َّ المدينة، وقبل أن يَبني مسجدَهُ. يدلّ على ذلك حديث كعب بن مالك رضيّه أنه كان كلما سمع أذان الجمعة استغفر لأسعد بن زرارة، فسأله ابنه عن ذلك؟ فقال: كان أوّل من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم رسول اللّه ◌َلّ من مكة في نقيع الخضمات في هَزْم النَّبِيت من حَرَّة بني بياضة. قيل له: كم كنتم يومئذ؟ قال :: أربعين رجلًا. أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه مطوّلا . وروى أبو إسحاق الفَزَاريّ في كتاب ((السير)) له عن الأوزاعيّ، عمن حدّثه، قال: بَعَثَ رسولُ اللَّه وَ لّ مصعب بن عُمير القُرشيّ إلى المدينة قبل أن يهاجر النبيّ وَّل، فقال: ((اجمع مَنْ بها من المسلمين، ثم انظر اليوم الذي تُجمّر فيه اليهود لسبتها، فإذا مال النهار عن شطره، فقم فيهم، ثمّ تزلّفوا إلى اللَّه بركعتين)). قال: وقال الزهريّ، فجمّع بهم مُصعب بن عُمير في دار من دور الأنصار، فجمّع بهم، وهم بضعة عشر. قال الأوزاعيّ: وهو أول من جمع بالناس. قال ابن رجب: وقد أخرج الدارقطني -أظنه في ((أفراده))- من رواية أحمد بن محمد ابن غالب الباهلي، نا محمد بن عبدالله، أبو زيد المدني، نا المغيرة بن عبدالرحمن، نا مالك، عن الزهريّ، عن عُبيد الله بن عبدالله، عن ابن عباس رَّهَا، قال: أذن رسول اللَّهِ وَ لّ بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع رسول اللَّه ◌َ ◌ّ أن يُجمّع بمكة، ولا يُبيِّنَ لهم، وكتب إلى مصعب بن عمير: ((أما بعد، فانظر اليوم الذي تُجمّر فيه اليهود لسبتهم. فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقرّبوا إلى اللَّه بركعتين)). قال: فأوّل من جمع مصعب بن عمير حتى قدم رسول اللَّه وَّر المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك. قال ابن رجب تَخْذَلهُ: وهذا إسناد موضوع، والباهلي هو غلام خليل كذّاب مشهور بالكذب، وإنما هذا من أصله من مراسيل الزهريّ، وفي هذا السياق ألفاظ منكرة. وأخرج البيهقيّ من رواية يونس، عن الزهريّ، قال: بلغنا أن أول ما جُمعت الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول اللَّه وَّرَ، فجمّع بالمسلمين مصعب بن عمير. وروى عبدالرزاق في ((كتابه))، عن معمر، عن الزهريّ، قال: بعث رسول اللَّه وَالـ مصعب بن عُمير إلى أهل المدينة ليُقرأهم القرآن، فاستأذن رسولَ اللَّه ◌ِّ أن يُجمّع (١) بفتح الخاء، وكسر الضاد المعجمتين: موضع حماه عمر لخيل المسلمين، وهو من أودية الحجاز قاله في ((معجم البلدان)) جـ ٥ ص ٣٤٨ . ٤٧ ١٣ - (كِتَابُ الْجُمُعَةِ) بهم، فأذن له رسول اللّه وَله، وليس يومئذ بأمير، ولكنه انطلق يُعلّم أهل المدينة. وذكر عبدالرزّاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: مَن أوّلُ من جمع؟ قال: رجل من بني عبدالدار، زعموا، قلت: أفبأمر النبي وَ لّ؟ قال: فمَهْ؟ !. وأخرجه الأثرم من رواية ابن عُيينة، عن ابن جُريج، وعنده: قال: نعم، فمَنْ؟ قال ابن عُيينة: سمعت من يقول: هو مصعب بن عُمير. ولذلك نص الإمام أحمد في رواية أبي طالب على أن النبي ◌َّ هو أَمَرَ مصعب بن عمير أن يجمّع بهم بالمدينة، ونص أحمد أيضًا على أن أوّل جمعة جُمعت في الإسلام هي الجمعة التي جُمعت بالمدينة مع مصعب بن عمير. وقد تقدّم مثله عن عطاء، والأوزاعيّ. فتبيّن بهذا أن النبي وَلّ أمر بإقامة الجمعة بالمدينة، ولم يُقمها بمكة، وهذا يدلّ على أنه كان قد فُرضت عليه الجمعة بمكة. وممن قال: إن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة أبو حامد الإسفرايينيّ من الشافعية، والقاضي أبو يعلى في ((خلافه الكبير))، وابن عَقيل في ((عُمدة الأدلّة)) وهما من الحنابلة، وكذلك ذكره طائفة من المالكية، منهم السُّهَيليّ، وغيره. وأما كونه لم يفعله بمكة، فيُحمَل على أنه إنما أُمِرَ بها أن يُقيمها في دار الهجرة، لا في دار الحرب، وكانت مكة إذ ذاك دار حرب. ولم يكن المسلمون يتمكنون فيها من إظهار دينهم، وكانوا خائفين على أنفسهم، ولذلك هاجروا منها إلى المدينة. وقد رُوي عن ابن سيرين أنّ تجميع الأنصار بالمدينة إنما كان عن رأيهم من غير أمر النبي وَله بالكلّيّة، وأن ذلك كان قبل فرض الجمعة. قال عبدالله بن أحمد في ((مسائله)) :: نا أبي، نا إسماعيل -هو ابن عُليّة - نا أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: نُبَئت أن الأنصار قبل قُدوم رسول اللَّه ◌َّر عليهم المدينة قالوا: لو نظرنا يومًا، فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله علينا به، فقالوا: يوم السبت، ثم قالوا: لا نُجامع اليهود في يومهم، قالوا: يوم الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العَرُوبة -قال: وكانوا يُسَمُّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة- فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زُرَارة، فذُبحت لهم شاة، فكَفَتهم. وروى عبدالرزّاق في ((مُصَنَّفه)) عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: جمع أهلُ المدينة قبل أن يقدم رسول اللّه ◌َّر، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سمَّوها الجمعة، فقالت الأنصار: لليهود يومٌ يجتمعون فيه كلّ ستة أيام، وللنصارى أيضًا مثل ذلك، فهلُمّ، فلنجعلْ يومًا نجمتع فيه، ونذكر الله عز وجلّ، ونصلي، ونشكره، أو ٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ كما قالوا، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصاري، فاجعلوا يوم العروبة، - وكان يُسمُّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة- فاجتمعوا إلى أسعد بن زُرَارة، فصلى بهم، وذكّرهم، فسمَّوه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح أسعد بن زرارة لهم شاة، فتغذَّوا، وتعَشَّوا من شاة واحدة ليلتهم، فأنزل اللَّه بعد: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]. فوقع في كلام الإمام أحمد أن هذه هي الجمعة التي جمعها مصعب بن عمير، وهي التي ذكرها كعب بن مالك في حديثه أنهم كانوا أربعين رجلاً. قال الحافظ ابن رجب: وفي هذا نظر، ويحتمل أن يكون هذا الاجتماع من الأنصار كان باجتهاد هم قبل قدوم مصعب إليهم، ثم لما قدم مصعب عليهم جمع بهم بأمر النبي وَلّ، وكان الإسلام حينئذ قد ظهر، وفشا، وكان يمكن إقامة شعار الإسلام في المدينة. وأما اجتماع الأنصار قبل ذلك، فكان في بيت أسعد بن زرارة قبل ظهور الإسلام بالمدينة وفُشُوّه، وكان باجتهاد منهم، لا بأمر النبي وَّر. والله سبحانه وتعالى أعلم انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى باختصار(١). وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في خواص يوم الجمعة: ذكر الإمام ابن قيم الجوزية رحمه اللَّه تعالى للجمعة ثلاثا وثلاثين خصوصية مفصلة، ودونك ملخّصها: ١- قراءة سورة السجدة في فجره. ٢- استحباب كثرة الصلاة والسلام على النبي وَّ فيه، وفي ليلته. ٣- صلاة الجمعة ٤,- الأمر بالاغتسال في يومها. ٥- التطيب فيه. ٦ - السواك فيه. ٧- التبكير للصلاة. ٨- أن يشتغل بالصلاة، والذكر، والقرءة حتى يخرج الإمام. ٩- الإنصات للخطبة وجوبا لمن يسمعها على الأصحّ. ١٠- قراءة سورة الكهف في يومها، وفيه حديث صحيح. ١١- عدم كراهة الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي، ومن وافقه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. ١٢ - قراءة (سورة الجمعة))، و ((المنافقين))، أو ((سبح))، و ((الغاشية)) في صلاة الجمعة. ١٣ - أنه يوم عيد متكرر في الأسبوع. ١٤ - استحباب لبس أحسن الثياب فيه. ١٥ - استحباب تجمير المسجد فيه. ١٦ - أنه لا يجوز السفر في يومه لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها، وأما - (١) ((شرح صحيح البخاري)) جـ ٨ ص ٦٢ - ٧٠ . ١٣ - (كِتَبُ الْجُمُعَةِ) ٤٩ قبله، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والثالث يجوز للجهاد فقط. ١٧ - أن للماشي إلى الجمعة بكلّ خطوة أجر سنة، صيامها وقيامها، وفيه حديث صححه ابن خزيمة . ١٨ - أنه يوم تكفير السيئات. ١٩ - أن جهنم تُسجر كلّ يوم إلا يوم الجمعة ٢٠,- فيه ساعة الإجابة. ٢١- فيه صلاة الجمعة التي خُصّت بخصائص لا توجد في غيرها، من الاجتماع، والعدد المخصوص، وتقديم الخطبة، وغير ذلك. ٢٢- أن فيه الخطبة التي يُقصد بها الثناء على الله تعالى، وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله وَّل بالرسالة، وتذكير العباد بأيام الله، وتحذيرهم من بأسه، ونقمته، ووصيتهم بما يُقرّبهم إليه، وإلى جنانه، ونهيم عما يقربهم من سخطه، وناره، فهذا هو مقصود الخطبة، والاجتماع لها. ٢٣- أنه اليوم الذي يُستحب أن يُتَفَرَّغ فيه للعبادة. ٢٤- أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملًا على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل الله تعالى التعجيل فيه إلى المسجد بدلًا من القربان، وقائمًا مقامه. ٢٥-أن للصدقة فيه مزيّة على سائر الأيام. ٢٦- أنه يوم يتجلّى اللَّه عز وجلّ فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة، وزيارتهم له، فيكون أقربهم إلى الإمام أقربهم إلى الجنة. ٢٧ - أنه قد فُسّر الشاهد الذي أقسم اللَّه به في كتابه بيوم الجمعة. ٢٨- أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض، والجبال، والبحار، والخلائق كلها، إلا الإنس والجنّ، من أجل أن القيامة تقوم فيه. ٢٩- أنه اليوم الذي ادخره اللَّه لهذه الأمة، وأضلّ عنه أهل الكتاب قبلهم. ٣٠- أنه خِيرَة اللَّه من أيّام الأسبوع، كما أن شهر رمضان خيرته من شهور العام، وليلة القدر خيرته من الليالي، ومكة خيرته من الأرض، ومحمد وَ لّ خيرته من خلقه. ٣١- أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم، وتوافيها في يوم الجمعة، فيعرفون زُوّارهم، ومن يمرّ بهم، ويُسلّم عليهم(١). ٣٢- أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم. ٣٣- أنه يوم اجتماع الناس، وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد. انتهى ما قاله ابن القيم رحمه (١) هذه الخاصية أكثر ما لها من الأدلة هي المنامات، فتحتاج لثبوتها إلى دليل مرفوع قويّ، فليُتَأَمَّل. شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ اللَّه تعالى باختصار، وقد توسع رحمه الله تعالى في هذا الموضوع، وذكر الأدلّة على هذه الخصائص، فمن شاء التوسع في ذلك فليراجعه(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١- (إِيجَابُ الْجُمُعَةِ) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على إيجاب الجمعة. ومحل استدلال المصنف رَّْتُهُ قوله: ((كتب الله عزّ وجلّ عليهم)»، وهو واضح، لأن الكتابة معناها الإيجاب، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اُلِصِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣]. وقال السندي رحمه اللَّه تعالى: والظاهر أن الحكم بالنظر إلى الكلّ واحد، فحيث إن ذلك الحكم هو الوجوب بالنسبة إلى قوم، تعيّن أنه الوجوب بالنظر إلى الآخرين، والله تعالى أعلم انتهى(٢) . وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى: ((باب فرض الجمعة)) لقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. قال في ((الفتح)): واستدلال المصنف بهذه الآية على فرضيّة الجمعة سبقه إليه الشافعيّ ◌َخْلُهُ في ((الأم))، وكذا حديث أبي هريرة ◌َّه، ثم قال: فالتنزيل، ثمّ السنّة، يدلان على إيجابها، قال: وعُلم بالإجماع أن يوم الجمعة هو الذي بين الخميس والسبت . وقال الشيخ الموفّق تَخّْلهُ: الأمر بالسعي يدلّ على الوجوب، إذ لا يجب السعي إلا إلى واجب. واختلف في وقت فرضيتها، فالأكثر على أنها بالمدينة، وهو مقتضى ما تقدّم أن فرضيتها بالآية المذكورة، وهي مدنية، وقال الشيخ أبو حامد: فُرضت بمكة، وهو (١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) جـ ١ ص ٣٧٥ - ٤٢٥ بتحقيق الأرنؤوطين. (٢) ((شرح السندي)) جـ ٣ ص ٨٧ . ٥١ E ١- (إِيجَابُ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٦٧ غريب. وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة من الباب الماضي، وبالله تعالى التوفيق . وقال الزين ابن المنيّر رحمه الله تعالى: وجه الدلالة من الآية الكريمة مشروعية النداء لها، إذ الأذان من خواصّ الفرائض، وكذا النهي عن البيع، لأنه لا يُنهى عن المباح -يعني نهي تحريم - إلا إذا أفضى إلى ترك واجب، ويُضاف إلى ذلك التوبيخ على قطعها . قال: وأما وجه الدلالة من الحديث، فهو من التعبير بالفرض، لأنه للإلزام، وإن أطلق على غير الإلزام كالتقدير، لكنه متعيّن له لاشتماله على ذلك الصرف لأهل الكتاب عن اختياره، وتعيينه لهذه الأمة، سواء كان ذلك وقع لهم بالتنصيص، أم بالاجتهاد. وفي سياق القصّة إشعار بأن فرضيتها على الأعيان، لا على الكفاية، وهو من جهة إطلاق الفرضية، ومن التعميم في قوله: ((فهدانا اللَّه له، والناس لنا فيه تبع)). انتهى (١) . والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٦٧- (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنٍ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: («نَّحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ - يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ - فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعْ، الْيَهُودُ غَدَا، وَالنَّصَارَى بَعْدَغَدٍ))). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (سعيد بن عبدالرحمن المخزُوميّ) أبو عبدالله المكّيّ، ثقة، من صغار [١٠] تقدّم ٤١ / ١٢٧٧ . ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المشهور[٨] تقدم ١/١. ٣- (أبو الزناد) عبدالله بن ذكوان المدني، ثقة فقيه [٥] تقدم ٧/ ٧ . ٤- (الأعرج) عبدالرحمن بن هُرمُز المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧ . ٥- (ابن طاوس) عبدالله، أبو محمد اليمانيّ، ثقة فاضل عابد [٦] تقدم ٩٥٨/٤٩. ٦ - (طاوس) بن كيسان الحميري مولاهم، أبو عبدالرحمن اليماني، ثقة فقيه فاضل [٣] تقدّم ٣١/٢٧ ٧- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه، تقدم١/١. والله تعالى أعلم. (١) ((فتح)) جـ ٣ ص ٤ - ٥ . = ٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذي، ومنها: أن قوله: ((وابن طاوس الخ)) بالجرّ عطف على ((أبي الزناد»، فسفيان له في هذا الحديث شيخان: أبو الزناد، وعبد الله بن طاوس. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه قال (قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ وََّ: نَحْنُ الآخرُونَ السَّابِقُونَ) زاد في رواية الشخين: ((يوم القيامة)). وفي رواية لمسلم: «نحن الآخرون، ونحن السابقون)). و ((الآخرون))- بكسر الخاء المعجمة، والمعنى نحن المتأخرون زمانًا، والأولون منزلةٌ . والمراد أن هذه الأمة، وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يُحشر، وأول من يُحاسب، وأول من يُقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة. وفي حديث حذيفة رَّه عند مسلم: «نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم قبل الخلائق(١)، وسيأتي للمصنف في الحديث التالي. وقال الحافظ ولي الدين العراقي ◌َّهُ: والتقييد بيوم القيامة يردّ قولَ من قال: إن المراد سبقهم بيوم الجمعة على الأيام بعده التي هي تبع له، وقولَ من قال: إن المراد سبقهم بالقبول والطاعة التي حُرمُوها، وقالوا: سمعنا وعصينا. وصحّ وصف هذه الأمّة بالآخرية، والسبق باعتبارين، فلما اختلف الاعتبار لم يكن في ذلك تناف. فإن قلت: كون هذه الأمة آخر الأمم أمر واضح، فما فائدة الإخبار به؟. قلت: يحتمل أنه ذُكر توطئة لوصفهم بالسبق يوم القيامة، وأنه لا يُتخيّل من تأخرهم في الزمن تأخّرهم في الحظوظ الأُخرويّة، بل سابقون فيها. ويحتمل أن يُراد بذلك الدلالة على أنهم آخر الأمم، وأن شريعتهم باقية إلى آخر (١) (فتح)) جـ ٣ ص ٥ . ٥٣ ١ - (إِيجَابُ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٦٧ الدهر، مادام التكليف موجودًا، فسائر الأمم، وإن سبقوا، لكن انقطعت شرائعهم، ونُسخت، بخلاف هذه الأمة، فإن شريعتها باقية مستمرّة، وهذا الاحتمال أمكن من الأوّل، لأنه يكون حينئذ في وصفهم بالآخريّة شرف، كما أن في وصفهم بالسبق شرفًا، وعلى الأول يكون ذكره مجرّد توطئة. والله تعالى أعلم انتهى(١) (بَيْدَ أَنُهُمْ) بموحّدة، ثم تحتانيّة ساكنة، مثل ((غير)) وزنًا ومعنّى، وبه جزم الخليل والكسائيّ، ورجحه ابن سيده. وروى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعيّ، عن الربيع، عنه أن معنى ((بيد)) ((من أجل)). وكذا ذكره ابن حبّان، والبغويّ، عن المزني، عن الشافعيّ. وقد استبعده عياض، ولا بعد فيه، بل معناه إنا سبقنا بالفضل، إذ هُدينا للجمعة، مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلّوا عنها مع تقدّمهم، ويشهد له ما في ((فوائد ابن المقري)) من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة ◌َزيه، بلفظ: ((نحن الآخرون في الدنيا، ونحن السابقون، أول من يدخل الجنة، لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)). وفي ((موطأ)) سعيد بن عُفير، عن مالك، عن أبي الزناد، بلفظ: ((ذلك بأنهم أوتوا الكتاب)). وقال الداوديّ: هي بمعنى ((على))، أو ((مع)). قال القرطبيّ: إن كانت بمعنى (غير))، فنصب على الاستثناء، وإن كانت بمعنى ((مع))، فنصب على الظرفية . وقال الطيبيّ: هي للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذّمّ، والمعنى نحن السابقون للفضل، غير أنهم أوتو الكتاب من قبلنا، ووجه التأكيد فيه ما أُدمج فيه من معنى النسخ، لأن الناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان متأخرًا في الوجود، وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: ((نحن الآخرون)) مع كونه أمرًا واضحًا. قاله في ((الفتح)). وقال الحافظ وليّ الدين رَخْلُ: ((بيد)) بفتح الباء الموحدة، وإسكان الياء المثناة من تحتُ، وفتح الدال المهملة، وحكى بعضهم أنه يقال فيها (ميد)) بالميم، والمشهور أنها بمعنى ((غير))، وقد جزم بذلك في ((الصحاح))، وقال: يقال: هو كثير المال بيد أنه بخيل، وذكر في ((المحكم)) مثل ذلك عن حكاية ابن السِّكّيت، ثم قال: وقيل: هي بمعنى ((على))، حكاه أبو عُبيد، والأول أعلى، وحكى في ((المشارق)) قولًا آخر أنها بمعنى ((إلّا))، ثم قال: وقد تأتي بمعنى ((من أجل))، ومنه قوله ◌َله: ((بيد أني من قريش))، وقد قيل ذلك في الحديث الأول، وهو بعيد انتهى. وأنشدوا على مجيئها بمعنى ((من أجل)) قولَ الشاعر [من الرجز]: عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي أَخَافُ إِنْ هَلَكْتُ لَمْ تُرِنّي (٢) (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) جـ ٣ ص ١٥٢ - ١٥٣ . (٢) في نسخة ((الطرح)) ((أن تزني))، وفي ((اللسان)) ((لم تُرِنِّي))، ولعله الصواب، ومعناه: لم تصيحي بالبكاء . ٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ وقد ذكر ابن مالك أن ((بيد)) في قوله وَليقول: ((بيد أني من قُريش)) بمعنى ((غير))، مثل قوله [من الطويل]: وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُونَهُمْ بِنَّ قُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ وسبقه إلى ذلك ابن الأثير في ((النهاية))، وإنما استبعد القاضي عياض كون (بيد)) في الحديث الذي نشرحه بمعنى ((من أجل))، لتعلّقه بأقرب مذكور، وهو ((السابقون))، فهو استثناء منه في المعنى، كأنه استثنى من سبقنا كون أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا، ويتحد(١) في المعنى كونها بمعنى ((غير))، وكونها بمعنى ((على))، وكونها بمعنى ((إلّا)). أما إذا جعلناه متعلّقًا بقوله: ((الآخرون)) اتجه كونها بمعنى ((من أجل))، أي نحن الآخرون من أجل أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وهو بعيد كما قال، لبعده في اللفظ، ولأنه لا يحتاج إلى توجيه كوننا الآخرين بهذا، فإنّ هذا أمر معلوم، إنما الذي يحتاج إلى توجيه كوننا السابقين، وقد بين وجهه، وهو السبق يوم القيامة إلى الحظوظ الأخروية من الإراحة من كرب الموقف، ودخول الجنة. وقد يقال: إذا كان السبق مقيدًا بكونه يوم القيامة، فلا حاجة إلى أن يُستثنى إيتاؤهم الكتاب قبلنا، لأن هذا ليس يوم القيامة، وإنما هو في الدنيا، فالمذكور أوّلًا، وهو سبقنا يوم القيامة، لا استثناء فيه، فإمّا أن يقال: إن هذا في معنى الاستثناء المنقطع، وإما أن يقال: إيتاؤهم الكتاب قبلنا في الدنيا يظهر له ثمرة يوم القيامة، فيكون هذا من سبقنا إلى الحظوظ الأخروية، أي إلا ثمرة إيتائهم قبلنا الكتاب يظهر فيه سبقهم يوم القيامة، وفيه بُعد، وهو محتاج إلى زيادة نظر. وذكر القاضي عياض أنه وقع عند بعض رواة مسلم ((بأيد)) بكسر الباء، بعدها همزة مفتوحة، كقوله تعالى: ﴿بَنِيَْهَا بِأَيْدٍ﴾، أي بقوة أعطاناها اللَّه، وفَضّلنا بها لقبول أمره وطاعته، قال: وعلى هذا تكون ((إنهم)) مكسورة لابتداء الكلام، واستئناف التفسير، قال: وقد صحّت، والصواب الأول عند أكثرهم انتهى. [واعلم]: أن الحديث في ((مسند الشافعي)) من طريق طاوس، عن أبي هريرة ◌َ ◌ّه بلفظ ((بَيْدَ)) كما هو الرواية المشهورة. ومن طريق أبي الزناد، عن الأعرج، وطريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة بلفظ ((بايد))، واختلفت النسخ في ضبطه، ففي بعضها مفتوح الآخر، مثل ((بيد))، إلا أنه زاد ألفًا بعد الباء، فكسر لذلك الياء لالتقاء الساكنين، وفي (١) هكذا نخسة ((الطرح)) ((ويتحد)) ولعل الصّواب ((ويَتَّجِهُ)) والله أعلم. ٥٥ ١ - (إِيجَابُ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٦٧ بعضها ((بأيد))، ومعناه بقوّة، كما حكاه القاضي عن بعض رواة مسلم، والأولُ هو الذي ذكره في ((النهاية))، فقال: وجاء في بعض الروايات ((بايد أنهم))، ولم أره في اللغة بهذا المعنى، ثم قال: وقال بعضهم: إنها ((بأيد)) أي بقوّة. ورواه البيهقيّ في ((سننه)) من غير وجه عن ابن عُيينة، عن أبي الزناد ((بايد))، وهو مضبوط في الأصل بفتح آخره، والشافعي لما رواه كذلك من طريق أبي الزناد رواه عن ابن عُيينة، عنه انتهى كلام ولي الدين رحمه اللّه تعالى(١). (أُوتُوا الْكِتَابَ منْ قَبْلِنَا) أي أعطوه. واللام للجنس، والمراد التوراة والإنجيل، والضمير في قوله: ((وأوتيناه)) للقرآن. وقال القرطبي: المراد بـ ((الكتاب)) التوراة. وفيه نظر، لقوله: ((وأوتيناه من بعدهم))، فأعاد الضمير على الكتاب، فلو كان المراد التوراة لما صحّ الإخبار، لأنا إنما أوتينا القرآن. قاله في ((الفتح)). (وَأَوْتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي الكتاب، والمراد القرآن (وَهَذَا الْيَوْمُ) المراد باليوم يوم الجمعة، وأُشير إليه بـ ((هذا)) لكونه ذُكر في أول الكلام، كما هو في الرواية التالية عن أبي هريرة، وحذيفة رَها، قال: قال رسول اللَّه وَلَهُ: ((أضلّ اللّه عزّ وجلّ عن الجمعة من كان قبلنا ... )) الحديث. (الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ) لابدّ من تقدير مضاف، لأنه لا يصحّ وصف اليوم بأنه كُتب عليهم، فيقدّر: إما افتراضَ تعظيمه، وإما افتراضَ عبادة فيه، إما هذه العبادة المخصوصة المشروعة، وإما غيرها. أفاده ولي الدين. وفي قوله: (كتب)) دليل لوجوب الجمعة، فإن ((كَتَب)) معناه أوجب، وكذا استدلّ البخاري ◌َّلهُ في ((صحيحه)) على فرض الجمعة، مع أن لفظه ((فُرض عليهم)). فإن قلت: إن أريد صلاة الجمعة على الوجه المخصوص، فكيف صحّ الاستدلال له بهذا الحديث، وليس فيه تعيين شيء؟. أجيب: بأنه لما ذكر في الحديث أن المكتوب علينا هُدينا له، والذي عرفنا من شرعنا هدايتنا له هو الصلاة على الوجه المخصوص، مع ما لذلك من سوابق ولواحق دلّ ذلك على أن هذا هو المكتوب عليهم. والله تعالى أعلم. أفاده ولي الدين رحمه الله تعالى(٢) . (فَاخْتَلَفُوا فيه) أي اختلف أهل الكتاب في شأن ذلك اليوم المكتوب عليهم، هل يلزم تعيينه، أم يجوز استبداله بغيره؟ . (١) ((طرح التثريب)) جـ ٣ ص ١٣١ - ١٥٤ . (٢) ((طرح)) جـ ٣ ص ١٥٦ . ٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ قال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فُرض عليهم بعينه، فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه، وهو مؤمن، وإنما يدلّ - والله أعلم - أنه فُرض عليهم يوم من الجمعة، ووُكل إلى اختيارهم، ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أيّ الأيام هو، ولم يهتدوا ليوم الجمعة. ومال عياض إلى هذا، ورجحه بأنه لو كان فرض عليهم بعينه لقيل: فـ ((خالفوا))، بدل ((فاختلفوا)). وقال النووي: يمكن أن يكونوا أمروا به صريحًا، فاختلفوا، هل يلزم تعيّنه، أم يسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك، فأخطؤوا انتهى. قال الحافظ: ويشهد له ما رواه الطبريّ بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيَةٍ﴾ [النحل: ١٢٤] قال: أرادوا الجمعة، فأخطؤوا، وأخذوا السبت مكانه. ويحتمل أن يُراد بالاختلاف اختلاف اليهود والنصارى في ذلك، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق السدّيّ التصريح بأنهم فُرض عليهم يوم الجمعة بعينه، فأبوا، ولفظه : : ((إن الله فرض على اليهود الجمعة، فأبوا، وقالوا: ياموسى إن اللَّه لم يخلق يوم السبت شيئًا، فاجعله لنا، فجُعل عليهم)). وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿وَآدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ﴾، وغير ذلك، وكيف لا، وهم القائلون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾؟. قاله في ((الفتح)). (فَهَدَانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ) أي بالثبات عليه حين شرع لنا العبادة فيه. وقال في ((الفتح)): قوله: ((فهدانا اللَّه له)): يحتمل أن يُراد بأن نصّ لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبدالرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، قال: جمعَ أهلُ المدينة قبل أن يقدمها رسول اللّه وَله، وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلُمّ، فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر الله تعالى، ونصلي، ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل اللَّه تعالى بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، وهذا، وإن كان مرسلًا، فله شاهد بإسناد حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وغير واحد من حديث كعب بن مالك، قال: ((كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مَقدَم رسول اللَّهِ وَلَه المدينة أسعد بن زرارة ... )) الحديث. فمرسل ابن سيرين يدلّ على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد. ولا يمنع ذلك أن يكون النبي ◌َّ علمه بالوحي، وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها = ٥٧ ١- (إِيجَابُ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٦٧ ثَمَّ، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس تَّها عند الدارقطني، ولذلك جمعَ بهم أولَ ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا، فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق. وقيل في الحكمة في اختيارهم الجمعة: وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خلق للعبادة، فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، ولأن اللَّه تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه انتهى. (- يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ -) كلام جيء به لبيان مرجع اسم الإشارة في قوله: ((وهذا اليوم الذي كتب الله عز وجلّ عليهم))، أي يقصد النبي ◌َّ بقوله: ((وهذا اليوم)) يومَ الجمعة. والعناية يحتمل أن تكون من أبي هريرة تظنّه ، أو ممن دونه. والله تعالى أعلم. (فَالنَّاسُ لَنَا فيه تَبَعٌ) بفتح التاء المثناة، والباء الموحدة، جمع تابع، كالخَدَم جمع خادم . قال الحافظ ولي الدين وَخّْلهُ: الظاهر أن معناه إنا أول من هداه اللَّه للجمعة، وأقام أمرها، وعظّم حرمتها، فمن فعل ذلك، فهو تبع لنا. وفي ((صحيح مسلم)) وغيره -وهو الحديث التالي عند المصنف- عن أبي هريرة وحذيفة رَّهَا، قالا: قال رسول اللّه وَله: ((أضلّ اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء اللَّه بنا، فهدانا اللَّه ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم))، وفي رواية: ((بينهم قبل الخلائق)). ورواه البزار في («مسنده)) بلفظ: ((المغفور لهم قبل الخلائق)). ويحتمل أن يُستدلّ به على أن الجمعة أول الأسبوع، ولا أعلم قائلا به، والله أعلم انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى. (الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَغَد) وفي رواية أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة تَظّه عند ابن خُزيمة: ((فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد)). والمعنى أنه لنا بهداية اللّه تعالى، ولهم باعتبار اختيارهم، وخطئهم في اجتهادهم. قال القرطبيّ ◌َخْذَلهُ: ((غدًا)) هنا منصوب على الظرف، وهو متعلّق بمحذوف، وتقديره: اليهود يُعظّمون غدًا، وكذا قوله: ((وبَعدَ غد))، ولا بدّ من هذا التقدير، لأن ظرف الزمان لا يكون خبرًا عن الْجُثّة انتهى. وقال ابن مالك: الأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني، كقولك غدًا التأهُّبُ، وبعد غد الرحيلُ، فيقدّر هنا مضافان، يكون ظرفا الزمان خبرين =٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ عنهما، أي تعييد اليهود غدًا، وتعيد النصارى بعد غد انتهى، وسبقه إلى نحو ذلك عياض، وهو أوجه من كلام القرطبي. قاله في ((الفتح)). واللّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضى الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٣٦٧/١ - وفي ((الكبرى)) -١٦٥٤/٢- بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٦٨/١ ٢/٢ و٦٠/٤ و٨/٩ و و١٧٥ (م)٦/٣ (الحميدي) ٩٤٥ (أحمد) ٢٤٣/٢ و ٢٤٩ (ابن خزيمة) ١٧٢٠ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو إيجاب الجمعة. ومنها: أن الهداية والإضلال من اللَّه تعالى، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. ومنها: أن سلامة الإجماع من الخطإ مخصوص بهذه الأمة. ومنها: أن استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطل. ومنها: أن القياس مع وجود النصّ فاسد. ومنها: أن الاجتهاد في زمن نزول الوحي جائز. ومنها: أن الجمعة أول الأسبوع شرعًا، ويدلّ على ذلك تسمية الأسبوع كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سَبتًا، وذلك أنهم كانوا مجاورين لليهود، فتبعوهم في ذلك. ومنها: أن فيه بيانًا واضحًا لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السابقة زادها اللَّه تعالى شَرَفًا وفضلًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الجمعة: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن الجمعة واجبة على الأحرار البالغين الذين لا عُذر لهم انتهى(١). وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: الجمعة فرض بإجماع الأمة. وقال ابن قُدامة تَخْتُهُ في ((المغني)): أجمع المسلمون على وجوب الجمعة. وقد حكى الخطابي (١) ((الأوسط)) جـ ٤ ص ١٧ . ٥٩ ١- (إِيجَابُ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٦٧ الخلاف في أنها من فُروض الأعيان، أو من فُروض الكفايات، وقال: قال أكثر الفقهاء: هي من فروض الكفايات، وذكر ما يدلّ على أن ذلك قول للشافعيّ، وقد حكاه المرعشيّ عن قوله القديم، قال الدارميّ: وغلّطوا حاكيه، وقال أبو إسحاق المروزيّ: لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي، وكذلك حكاه الروياني عن حكاية بعضهم، وغلّطه. قال العراقيّ: نعم هو وجه لبعض الأصحاب، قال: وأما ما ادعاه الخطّابي من أن أكثر الفقهاء قالو: إن الجمعة فرض على الكفاية، ففيه نظر، فإن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنها فرض عين، لكن بشروط يشترطها أهل كلّ مذهب. وقال ابن العربي: وحكى ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة. ثم قال: قلنا: له تأويلان : أحدهما: أن مالكًا يطلق السنة على الفرض. الثاني: أنه أراد سنة على صفتها، لا يشاركها فيه سائر الصلوات، حسب ما شرعه رسول اللَّهِ وَ ل) وفعله المسلمون، وقد روى ابن وهب عن مالك: عزيمةُ الجمعة على كلّ من سمع النداء انتهى. ومن جملة الأدلّة على أن الجمعة من فرائض الأعيان قول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. ومنها: حديث أبي هريرة المذكور في الباب. وقد استنبط منه البخاري في ((صحيحه)) فرضية صلاة الجمعة، وبوّب عليه ((باب فرض الجمعة))، وصرّح النووي، والحافظ بأنه يدلّ على الفرضية. ومنها حديث طارق بن شهاب رَّه، عن النبي وَّرَ، قال: ((الجمعة حقّ واجب على كلّ مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبدمملوك، أو امرأة، أو صبيّ، أو مريض)). رواه أبو داود. وصححه غير واحد. ومنها: حديث حفصة ◌َّها الآتي -١٣٧١/٢- عن النبي ◌َّ، قال: ((رواح الجمعة واجب على كلّ محتلم)). وهو حديث صحيح. ومنها: حديث ابن مسعود تَّه أن النبي ◌َّ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: ((لقد هَمَمت أن آمر رجلاً يُصلي بالناس، ثمّ أحرّق على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم)). رواه أحمد، ومسلم. ومنها: حديث أبي هريرة، وابن عمر ، أنهما سمعا رسول اللّه وَل يقول على أعواد منبره: ((لينتهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليَختمنّ اللَّه على قلوبهم، ثم ليكونُنّ من الغافلين)). رواه أحمد، ويأتي للمصنف -٢/ ١٣٧٠ - من حديث ابن عمر، ٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ ٥ . وابن عباس ومنها: حديث أبي الْجَعْد الضَّمْري -وله صحبة- أن رسول اللّه وَل قال: ((من ترك ثلاث جمع تهاونًا، طبع الله على قلبه)). رواه الخمسة، ويأتي للمصنف -١٣٦٩/٢. قال العلامة الشوكاني ◌َّلهُ: والحقّ أن الجمعة من فرائض الأعيان على سامع النداء، ولو لم يكن في الباب إلا حديث طارق، وحفصة الآتيين لكانا مما تقوم به الحجة على الخصم، والاعتذار عن حديث طارق بالإرسال قد رد بأنه إرسال صحابي، وبأنه يشهد له حديث حفصة المذكور. وكذلك الاعتذار بأن مسجد النبي بَ لّ كان صغيرًا لا يتسع هو ورحبته لكل المسلمين، وما كانت تقام الجمعة في عهده وَّ بأمره إلا في مسجده، وقبائلُ العرب كانوا مقيمين في نواحي المدينة مسلمين، ولم يُؤمروا بالحضور. مدفوع بأن تخلّف المتخلفين عن الحضور بعد أمر الله تعالى به، وأمر رسوله وَ طاهر، والتوعد الشديد لمن لم يحضر لا يكون حجة، إلا على فرض تقريره وَّ ه للمتخلفين على تخلفهم، واختصاص الأوامر بمن حضر جمعته وّل من المسلمين، وكلاهما باطل. أما الأول: فلا يصحّ نسبة التقرير إليه بعد همه بإحراق المتخلفين عن الجمعة، وإخباره بالطبع على قلوبهم، وجعلها كقلوب المنافقين. وأما الثاني: فمع كونه قصرًا للخطابات العامّة بدون برهان، تردّه أيضًا تلك التوعّدات، للقطع بأنه لا معنى لتوعّد الحاضرين، ولتصريحه وَليل بأن ذلك الوعيد للمتخلفين . وضيق مسجده وّ لا يدلّ على عدم الفرضيّة، إلا على أن الطلب مقصور على مقدار ما يتسع له من الناس، أو عدم إمكان إقامتها في البقاع التي خارجه، وفي سائر البقاع، وكلاهما باطل. أما الأول، فظاهر، وأما الثاني فكذلك أيضًا، لإمكان إقامتها في تلك البقاع عقلًا وشرعًا . لا يقال: عدم أمره وَّر بإقامتها في غير مسجده يدلّ على عدم الوجوب، لأنا نقول: الطلب العامّ يقتضي وجوب صلاة الجمعة على كلّ فرد من أفراد المسلمين، ومن لا يمكنه إقامتها في مسجده ◌َّر، لا يمكنه الوفاء بما طلبه الشارع إلا بإقامتها في غيره، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب كوجوبه، كما تقرر في الأصول انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما حققه العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في هذه