النص المفهرس

صفحات 381-400

٩٠- (بَأَبُ التَّعَوُّدِ فِي دُبُرُ الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٣٤٧
٣٨١=
شرح الحديث
(عن مسلم بن أبي بكرة) الثقفي، أنه (قال: كان أبي) أي أبو بكرة نفيع بن الحارث
الثقفي رَّه (يقول في دبر الصلاة) وفي نسخة ((في دبر كل صلاة)» (اللَّهم) أي يا الله
(إني أعوذ بك من الكفر والفقر) الظاهر - والله أعلم - أراد الفقر الْمُذْقِع الذي لا يصحبه
خير، ولا ورع حتى يتورط بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة، ولا يبالي بسبب
فاقته على أيّ حرام وَثَب، ولا في أيّ حالة تورّط. وقيل: المراد به فقر النفس الذي لا
يردّه مُلك الدنيا بحذافيرها (١) (وعذاب القبر) تقدم الكلام عليه قريبًا.
قال مسلم بن أبي بكرة (فكنت أقولهنّ) أي هؤلاء الكلمات، والظاهر أنه كان يقولهن
في دبر الصلوات، كما سمع أباه (فقال أبي: أي بُنيّ) ((أَيْ)) حرف لنداء القريب، و
(بُني)) تصغير ((ابن)) (عمن أخذت هذا) الدعاء (قلت: عنك) متعلق بـ ((أخذت)) محذوفًا
لدلالة السؤال عليه، والجملة مقول القول، أي قلت له: أخذته عنك (قال) أبو بكرة
رَّهِ (إن رسول اللّه وَله) بكسر همزة ((إنّ)) لكونها محكيّة بالقول (كان يقولهن في دبر
الصلاة) أي عقبها .
وهذا محل استدلال المصنف رحمه الله تعالى على ما ترجم له، لأنه يدلّ على
استحباب هذا الدعاء عقب الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بكرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا- ٩٠/ ١٣٤٧ - وفي ((الكبرى)) - ١٢٧٠/١٢٤- عن عمرو الفلاس، عن
يحيى القطان، عن عثمان الشخّام، عن مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه، وفي -١٦/
٥٤٦٥- عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عديّ، عن عثمان الشحّام به. وفي
((الكبرى))، و ((عمل اليوم والليلة)) عن محمد بن عبدالله المقرىء، عن أبيه، عن سعيد
ابن أبي أيوب، عن عبدالرحمن بن مرزوق، عن أبي سلمة البصري -وهو عثمان
الشحّام- به(٢). والله تعالى أعلم.
(١) راجع ((الفتح)) جـ ١٢ ص ٤٧٠.
(٢) هكذا ذكر الأخير الحافظ المزّيّ في ((تحفة الأشراف)) جـ ٩ ص ٥٧ ولم أجد موضعه من
(الكبرى))، ولا من ((عمل اليوم والليلة)). فلينظر. والله تعالى أعلم.

٣٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
المسألة الثالثة: في مشروعيّة الدعاء عقب الصلاة:
(اعلم): أنه عقد المصنف رحمه الله تعالى أبوابًا كثيرة، من رقم -٧٩/ ١٣٣٥ - إلى
٩٠/ ١٣٤٧ - لبيان الأحاديث التي تدلّ على مشروعية الدعاء دبر الصلاة، وأورد فيها
أحاديث كثيرة مشتملة على دعوات كثيرة تقرأ عقب الصلاة، وإن كان بعضها مكررًا،
وهذه الدعوات، وإن كانت محتملة لأن تكون قبل السلام، إلا أن الظاهر كونها بعد
السلام، كما هو رأي المصنف رحمه اللَّه تعالى، فإنه أوردها لذلك.
بعد أن ذكر أبوابا كثيرة للدعوات قبل السلام من رقم ١٢٩٩/٥٧ - إلى - ٦٥/
١٣١١ - .
وقد تبع في هذا الإمامَ البخاريَّ رحمه اللّه تعالى، حيث إنه عقد في (صحيحه)) في
((كتاب الدعوات)) بابًا للدعاء في الصلاة، وبابًا للدعاء بعد الصلاة.
قال الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى بعد ذكره بعض الأذكار عقب الصلوات: ما
نصه :
وفي الذكر عقب الصلوات المكتوبات أحاديث أخر.
وجمهور أهل العلم على استحبابه، وقد روي عن على، وابن عباس، وابن الزبير،
وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وهو قول عطاء، والثوريّ، والشافعي، وأحمد،
وإسحاق، وغيرهم، وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين.
وقد تقدّم عن عبيدة السلْمَاني أنه عدّ التكبير عقب الصلاة من البدع، ولعله أراد
بإنكاره على مصعب أنه كان يقوله مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ويجهر. كذلك هو في
كتاب عبدالرزاق(١) .
وإذا صحت السنّةُ، وعمل بها الصحابة، فلا نعدل عنها.
قال: واستحبّ أيضًا أصحابنا، وأصحاب الشافعيّ الدعاء عقب الصلوات، وذكر
بعض الشافعية اتفاقًا .
واستدلوا بحديث أبي أمامة رَبّه، قال: قيل لرسول اللَّه ◌َليل: أيّ الدعاء أسمع؟،
قال: ((جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات)). خرّجه الإمام أحمد،
والترمذيّ، وحسّنه(٢).
واستدلّوا أيضًا بحديث معاذ المتقدم ((لا تَدَعنّ في دبر كلّ صلاة أن تقول: اللَّهم
أعني على ذكرك ... )) الحديث.
(١) راجع)) المصنف)) جـ٢ ص ٢٤٥ .
(٢) ((الترمذي)) رقم ٣٩٩.

٣٨٣ =
٩٠- (بابُ التَّعَوُّدِ فِي دُبُرُ الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٣٤٧
وقالت طائفة من أصحابنا، ومن الشافعية: يدعو الإمام للمأمومين عقب صلاة الفجر
والعصر، لأنه لا يُتنفّل بعدهما.
وظاهر كلامهم أنه يجهر به، ويؤمّنون عليه، وفي ذلك نظر، وقد ذكرنا فيما تقدّم
حديث دعاء النبي ◌َّ عقب الصلاة جهرًا، وأنه لا يصحّ، ولم يصحّ في ذلك شيء عن
السلف .
والمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة، ثم يسرّ بالباقي،
ويعقد التسبيح والتكبير والتحميد سرّا، ويدعو سرّا.
ومن الفقهاء من يَستَحبّ للإمام الدعاء للمأمومين عقب كلّ صلاة، وليس في ذلك
سنّة، ولا أثر يُتّبع. والله تعالى أعلم انتهى كلام ابن رجب رحمه اللّه تعالى(١).
وقال الحافظ رحمه اللّه تعالى في ((الفتح)): عندقول البخاري تَخّْلهُ: ((باب الدعاء
بعد الصلاة)): ما نصه :
وفي هذه الترجمة ردّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع، متمسكًا بالحديث
الذي أخرجه مسلم من رواية عبدالله بن الحارث، عن عائشة رَعَّها: ((كان النبي ◌َّ إذا
سلّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: اللَّهمّ أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال
والإكرام)).
والجواب أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالسًا على هيئته قبل السلام إلا
بقدر ما ذُكر، فقد ثبت أنه كان إذا صلّى أقبل على أصحابه. فيحمل ما ورد من الدعاء
بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل على أصحابه.
قال ابن القيّم في ((الهدي النبويّ)): وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة،
سواء الإمام، والمنفرد، والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي وَلّر أصلاً، ولا روي
عنه بإسناد صحيح، ولا حسن، وخصّ بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم
يفعله النبي ◌َّ، ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما استحسان رآه من رآه
عوضًا من السنّة بعدهما، قال: وعامّة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها
فيها، قال: وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربّه مناجيه، فإذا سلّم منها
انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته، والقرب
منه، وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟، ثم قال : : لكن الأذكار الواردة بعد
المكتوبة يستحبّ لمن أتى بها أن يصلي على النبي ◌ُّ بعد أن يفرغ منها، ويدعو بما
(١) ((شرح البخاري)) جـ ٧ ص ٤٢٠ - ٤٢١ .

٣٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر، لا لكونه دبر المكتوبة انتهى
كلام ابن القيّم.
قال الحافظ ◌َّلهُ: وما ادعاه من النفي مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل
رَيه أن النبيِ وَّ قال له: ((يا معاذ إني والله لأحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول:
اللَّهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك)). أخرجه أبو داود، والنسائي،
وصححه ابن حبّان، والحاكم.
وحديث أبي بكرة رَّ في قول: «اللَّهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب
القبر كان النبي (َّ يدعو بهنّ دبر كلّ صلاة)). أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي،
وصححه الحاكم .
وحديث سعد بن أبي وقّاص ◌َّه كان يعلّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلّم المكَتِّبُ
الغلمان، ويقول: إنّ رسول اللَّه ◌َ لّه كان يتعوّذ بهنّ دبر الصلاة: ((اللَّهمّ إني أعوذ بك
من الجُبْن، وأعوذ بك من البُخْل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة
الدنيا، وعذاب القبر)) أخرجه البخاري، والنسائي(١).
وحديث زيد بن أرقم رَّه: سمعت رسول اللّه وَ ل يدعو في دبر كلّ صلاة: ((اللَّهمّ
ربّنا، وربّ كلّ شيء ... )) الحديث. أخرجه أبو داود، والنسائي(٢).
وحديث صهيب رَظنّه رفعه: ((كان يقول إذا انصرف من الصلاة: اللَّهم أصلح لي
ديني ... )) الحديث. أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان. وغير ذلك.
فإن قيل: المراد بدبر كلّ صلاة قرب آخرها، وهو التشهد.
قلنا: قد ورد الأمر بالذكر دبر كلّ صلاة، والمراد به بعد السلام إجماعًا، فكذا هذا،
حتی یثبت ما يخالفه.
وقد أخرج الترمذيّ من حديث أبي أمامة رَظنّه: قيل: يا رسول الله أيّ الدعاء
أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات)). وقال: حسن.
وأخرج الطبري من رواية جعفر بن محمد الصادق، قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل
من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة.
وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيّم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا،
وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده
بعد السلام، وأما إذا انتقل بوجهه، أو قدّم الأذكار المشرعة، فلا يمتنع عنده الإتيان
(١) سيأتي للمصنف برقم ٦/ ٥٤٤٧ في ((كتاب الاستعاذة)).
(٢) أخرجه أبو داود رقم ١٠٥٨ والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) ١٠١ وأحمد ٤/ ٣٦٩ .

٩٠- (بَأَبُ التَّعَوُّدِ فِي دُبُرُ الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٣٤٧
٣٨٥
بالدعاء حينئذ انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى(١). وهو تحقيق نفيس جدًّا.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكر من الأدلّة أن الدعاء عقب الصلاة
ثابت عن النبي وب لير قولاً، وفعلاً، فلا يسع أحدًا إنكاره.
وأمّا تأويل قوله: ((دبر كلّ صلاة)) بأنه قبل السلام، لأن دبر الحيوان منه، فغير
مسلّم، لأنه ◌َّرَ علّمهم تلك الأذكار والدعوات، وأمرهم أن يجعلوها دبر كل صلاة،
فلا يصحّ حمل بعضها على ما قبل السلام، كالدعوات، وبعضها على بعده، كالتسبيح،
وقراءة أية الكرسيّ، إذ لا دليل على التفريق، ولا سيما وبعضها فيه التصريح بأنه بعد
السلام .
فقد أخرج ابن خزيمة في (صحيحه))-رقم ٧٤٣ - عن عليّ رَّه، عن رسول الله
وَّلة، أنه كان إذا فرغ من صلاته، فسلّم قال: ((اللَّهم اغفر لي ما قدّمت، وما أخّرت،
وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم، وأنت
المؤخّر، لا إله إلا أنت)).
والحاصل أن الذكر والدعاء بعد السلام من الصلاة مشروع، كما هو مذهب
البخاريّ، والنسائي، وقد تقدّم في كلام الحافظ ابن رجب، أنه مذهب الإمام أحمد،
بل نقل أن أصحاب أحمد، وأصحاب الشافعي استحبوا الدعاء عقب الصلوات، وذكره
بعض الشافعية اتفاقًا انتهى.
فإذا ثبتت الأحاديث بذلك، وعمل بها أهل العلم، أو بعضهم، فلا وجه للإنكار.
وأما ما اعتاده الناس الآن في كثير من البلدان، من الدعاء الجماعي بعد الصلاة بأن
يدعو الإمام، أو غيره، ويُؤمّن القوم فلم، يصحّ له دليل، ولا هو منقول عن السلف،
كما تقدّم عن الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى، فالحذر كلّ الحذر من إحداث ما لم
يكن في عهد السلف، فإن ذلك بلا ريب سبب التلف. اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا
اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه برحمتك يا أرحم الراحمين. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في حکم رفع اليدين عند الدعاء:
(اعلم): أنه لم يذكر المصنف رحمه الله تعالى أحاديث رفع اليدين في الدعاء، وقد
عقد الإمام البخاري رحمه الله تعالى بابًا في ((صحيحه)). فقال في ((كتاب الدعوات)):
(باب رفع الأيدي في الدعاء)»: وقال أبو موسى الأشعريّ: دعا النبي ◌َّ، ثم رفع
(١) ((فتح)) جـ ١٢ ص ٤١٩.

٣٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
یدیه، حتی رأیت بياض إبطيه.
وقال ابن عمر: رفع النبي ◌ِّ لّ يديه، وقال: ((اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)).
قال أبو عبداللَّه: وقال الأويسيّ: حدّثني محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد،
وشريك، سمعا أنسًا، عن النبي ◌َّ رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه.
قال في ((الفتح)): وفي الحديث الأول ردّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في
الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير
الاستسقاء أصلاً، وتمسك بحديث أنس رَزّه: ((لم يكن النبي ◌َّ يرفع يديه في شيء
من دعائه إلّا في الاستسقاء)). وهو صحيح، لكن جُمع بينه وبين أحاديث الباب، وما في
معناها بأن المنفيّ صفة خاصّة، لا أصل الرفع.
وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في
حذو الوجه مثلاً، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه ثبت في كلّ
منهما ((حتى يُرى بياض إبطيه))، بل يُجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ
منها في غيره.
وإما بأن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء.
قال المنذريّ ◌َخْذَّلهُ: وبتقدير تعذّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح.
قال الحافظ: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كيرة،
أفردها المنذريّ في جزء سَرَد منها النووي في ((الأذكار))، وفي ((شرح المهذب)) جملة،
وعقد لها البخاريّ أيضًا في ((الأدب المفرد)) بابًا ذكر فيه حديث أبي هريرة ◌َّه: قَدِمَ
الطَّفَيل بن عمرو على النبي ◌َّ، فقال: إن دَوْسًا عصت، فادع الله عليها، فاستقبل
القبلة، ورفع يديه، فقال: ((اللَّهم اهد دوسًا))، وهو في ((الصحيحين))، دون قوله:
(ورفع یدیه)).
وحديث جابر: ((أن الطفيل بن عمرو هاجر))، فذكر قصّة الرجل الذي هاجر معه،
وفيه: فقال النبي ◌َّ: ((اللَّهم وليديه فاغفر، ورفع يديه)). وسنده صحيح، وأخرجه
مسلم .
وحديث عائشة رَيتها أنها ((رأت النبي وَّ يدعو رافعًا يديه، يقول: اللَّهم إنما أنا
بشر ... )) الحديث، وهو صحيح الإسناد.
ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك: ما أخرجه البخاري في ((جزء رفع اليدين)):
((رأيت النبي ◌َّلهر رافعًا يديه، يدعو لعثمان)).
ولمسلم من حديث عبدالرحمن بن سمرة رَّه في قصّة الكسوف ((فانتهيت إلى

٣٨٧
٩٠- (بَأَبُ التَّعَوُّدِ فِي دُبُرُ الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٣٤٧
النبي گۆ، وهو رافع یدیە يدعو)).
وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضًا: ((ثم رفع يديه يدعو)).
وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع: ((فرفع يديه ثلاث مرّات ... )) الحديث.
ومن حديث أبي هريرة رَمّه الطويل في فتح مكة: ((فرفع يديه، وجعل يدعو)).
وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي حميد رَ ◌ّه في قصة ابن اللَّتَبِيَّة ((ثم رفع يديه حتى
رأيت ◌ُفرة إبطه يقول: اللَّهم هل بلّغت)).
ومن حديث عبدالله بن عمرو رَويّها: ((أن النبي وَّل ذكر قول إبراهيم وعيسى، فرفع
يديه، وقال: اللَّهم أمتي)).
وفي حديث عمر رَّه: ((كان رسول اللَّه ◌َ لّ إذا نزل عليه الوحي يُسمَعُ عند وجهه
كدَوِيّ النَّخْل، فأنزل اللَّه عليه يومًا، ثم سُرّي عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه،
ودعا ... )) الحديث. أخرجه الترمذي، واللفظ له، والنسائي، والحاكم.
وفي حديث أسامة رَّم: «كنت رِذْفَ النبي ◌َّر بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت
به ناقته، فسقط خطامها، فتناوله بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى)). أخرجه النسائي
بسند جيّد (١).
وفي حديث قيس بن سعد رَّه عند أبي داود: ((ثم رفع رسول اللَّه ◌َلّ يديه،
وهو يقول: اللَّهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة ... )) الحديث،
وسنده جيّد.
والأحاديث في ذلك كثيرة.
وأما ما أخرجه مسلم من حديث عُمارة بن رُوَيبة - براء، وموحدة، مصغرًا- ((أنه رأى
بشر بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك، وقال: لقد رأيت رسول اللَّه وَلخير، وما يزيد على
هذا، يشير بالسبّابة)).
فقد حكى الطبري عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنّة أن الداعي يشير
بإصبع واحدة، وردّه بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق
الحديث، فلا معنى للتمسّك به في منع رفع اليدين في الدعاء، مع ثبوت الأخبار -
الصحيحة- بمشروعيتها.
وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وغيرهما من حديث سلمان رَّه،
رفعه: ((إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صِفْرًا)).
(١) سيأتي في (كتاب الحجّ)) برقم ٢٠٢ / ٣٠١١.

٣٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
بكسر المهملة، وسكون الفاء- أي خالية، وسنده جيّد.
قال الطبريّ: وكره رفعَ اليدين في الدعاء ابنُ عمر، وجُبير بن مطعم، ورأى شُرَيح
رجلاً يرفع يديه داعيًا، فقال: من تتناول بهما، لا أَمّ لك؟، وساق الطبري ذلك بأسانيده
عنهم.
وذكر ابن التين عن عبدالله بن عمر بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في
الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في ((المدوّنة)): ويختصّ الرفع بالاستسقاء،
ويجعل بطونهما إلى الأرض.
وأما ما نقله الطبريّ عن ابن عمر، فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال:
ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبري عنه أيضًا.
وعن ابن عباس روايت أن هذه صفة الدعاء.
وأخرج أبو داود، والحاكم عنه من وجه آخر، قال: ((المسألة أن ترفع يديك حذو
منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعًا)).
وأخرج الطبريّ من وجه آخر عنه، قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه.
وقد صحّ عن ابن عمر تَوّ خلاف ما تقدّم، أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)»
من طريق القاسم بن محمد: ((رأيت ابن عمر يدعو عند القاصّ، يرفع يديه حتى يُحاذي
بهما منكبيه باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه)) انتهى كلام الحافظ ◌َّهُ في
» (١)
((الفتح))(١) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأحاديث أن رفع اليدين في
الدعاء مشروع، بل هو من أسباب إجابة الدعاء، كما بيّن ذلك في حديث سلمان رضي
الله تعالى عنه: ((إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما
صفرًا)). فلا ينبغي للداعي أن يهمل رفع يديه في دعائه رجاءَ القبول.
وأما القائلون بكراهة رفع اليدين في الدعاء، فيُعتذر عنهم بأنه لم تَصِل إليهم هذه
الأحاديث الصحاح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي، إلا باللّه، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) (فتح) جـ ١٢ ص ٤٢٨ - ٤٣٠ .

۔
٩١- (عَدَدُ التَّسْبِيحِ بَعْدَ التَّسْلِيم) - حديث رقم ١٣٤٨
٣٨٩=
٩١- (عَدَدُ التَّسْبِيحِ بَعْدَ الَّسْلِيم)
١٣٤٨ - (أَخْبَرَنَا يَخْيَى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((خَلَتَانِ لََّ
يُخْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمْ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ))، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، يُسَبِّحُ أَحَدُكُمْ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُ
عَشْرًا، وَيُكَبِّرُ عَشْرًا، فَهِيَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ فِي اللِّسَانِ، وَأَلْفُ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ))،
وَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ يَعْقِدُهُنَّ بِيَدِهِ، ((وَإِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ))، أَوْ ((مَضْجَعِهِ
سَبِّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهِيَ مِائَةٌ عَلَى اللْسَانِ،
وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانٍ))، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةِ أَلْفَيْنٍ
وَخَمْسَمِائَةِ سَيْئَةٍ؟))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ لَا نُخْصِيهِمَا؟، فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ
يَأْتِي أَحَدَكُمْ، وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، وَيَأْتِيهِ عِنْدَ مَنَامِهِ،
فَيُنِیمُهُ))).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (يحيى بن حبيب بن عربي) البصري، ثقة [١٠] تقدّم ٧٥/٦٠.
٢- (حماد) بن زيد بن درهم الحافظ الحجة الثبت [٨] تقدم ٣/٣.
٣- (عطاء بن السائب) الثقفي الكوفي، صدوق اختلط، لكن رواية حماد بن زيد عنه
قبل الاختلاط [٥] تقدّم ٢٤٣/١٥٢ .
٤- (أبوه) هو السائب بن مالك، أو ابن يزيد، أو ابن زيد، الثقفي الكوفي، ثقة [٢]
تقدّم ١٣٠٥/٦٢ .
٥- (عبدالله بن عمرو) بن العاص الصحابي ابن الصحابي، تَط الت، تقدّم ٨٩/ ١١١.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، ولا
يقال: إن عطاء بن السائب ممن اختلط؛ لأنا نقول: إن حماد بن زيد ممن روى عنه قبل
الاختلاط، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.

٣٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھوِ
شرح الحديث
(عن عبدالله بن عمرو) بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما (قال: قال رسول اللَّه ◌َليّةٍ:
خَلَّتان) هما المفسّران بقوله: ((الصلوات الخمس الخ))، وبقوله: ((وإذا أوى أحدكم إلى
فراشه)).
وهما: تثنية ((خَلَّة)) بفتح المعجمة، وتشديد اللام، كالخَصْلَة وزنًا ومعنى، وفي
نسخة ((خصلتان)) (لا يُحصيهما) من الإحصاء، أي لا يُحافظ، ولا يداوم عليهما (رجل
مسلم) إنما خص المسلم لأنه الذي ينتفع، بالأعمال الصالحات، وأما غيره، وإن عملها
فلا ينتفع بها، لأنَّ شركه يُحبط عمله، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمُنَّا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنشُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] والله تعالى أعلم.
(إلا دخل الجنة) وفي رواية لأحمد من طريق جرير، عن عطاء بن السائب: ((خلّتان
من حافظ عليهما أدخلتاه الجنة)) (وهما يسير) أفرد الخبر مع كون المبتدإ مثنى، لأن
((فعيلاً)) بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد، والمثنّى، والجمع،
كالجريح، والقتيل (ومن يعمل بهما قليل) يعنى أن الموفق للعمل بهما قليل، لتسلط
الشيطان على كثير من الناس، وصَدّه لهم عن الخيرات.
(قال) عبدالله بن عمرو (قال رسول اللَّه وَّهِ) مفسرًا إحدى الخَلَّتَين (الصلوات
الخمس) مبتدأ، خبره الجملة التي بعده، والرابط محذوف، والتقدير: الصلوات
الخمس يُسبّح أحدكم في دبر كل صلاة منها. وفي نسخة ((الصلاة))، والمراد الجنس.
(يُسبح أحدكم في دبر كل صلاة) وفي رواية أحمد المذكورة: ((في دبر كل صلاة
مكتوبة)) (عشرًا) أي عشر مرّات (ويحمد) بفتح الياء، والميم المخففة، من باب فَرح،
من الحَمْد (عشرًا، ويكبّر عشرًا، فهي خمسون ومائة) مبتدأ وخبره، أي هذه الأعداد
مائة وخمسون، لأن الصلاة الواحدة بعدها عشر تسبيحات، وعشر تحميدات، وعشر
تكبيرات، فتلك ثلاثون، فإذا ضربت في خمس صلوات، صارت مائة وخمسين، وقد
صُرّح بهذا عند المصنّف في ((عمل اليوم والليلة)) من حديث سعد بن أبي وقّاص ◌َّه ،
بلفظ: ((ما يمنع أحدكم أن يسبّح دبر كلّ صلاة عشرًا، ويكبّر عشرًا، ويَحْمَدَ عشرًا،
فذاك في خمس صلوات خمسون ومائة))، ثم ساق الحديث بنحو حديث عبدالله بن
عمرو رَ﴾(١) (في) وفي نسخة ((على)) (اللسان، وألف وخمسمائة في الميزان) وذلك
لأن كلّ حسنة بعشر أمثالها، فيحصل من تضعيف المائة والخمسين عشر مرّات ألف
(١) راجع ((نيل الأوطار)) جـ ٢ ص ٣٥٦.

٣٩١=
٩١- (عَدَدُ التَّسْبِيحِ بَعْدَ التَّسْلِيم) - حديث رقم ١٣٤٨
وخمسائة .
والحديث يدلّ على مشروعيّة التسبيح والتكبير، والتحميد بعد الفراغ من الصلاة
المكتوبة، وتكريره عشر مرّات. وسيأتي ما يدلّ على أعداد مخالفة لهذا، ويأتي وجه
الجمع بين الاختلاف في ذلك في الباب التالي إن شاء الله تعالى.
قال عبد الله بن عمرو (وأنا رأيت رسول اللَّه ◌َ له يعقدهنّ بيده) أي يضبطهن، ويحفظ
عددهن بيده .
وفي رواية أبي داود من طريق محمد بن قُدامة، عن عَثّام، عن الأعمش، عن عطاء:
(بیمینه))، وإسنادها صحيح.
وفيه استحباب عقد التسبيح باليد اليُمْنَى، وسيأتي للمصنف إن شاء الله تعالى: ((باب
عقد التسبيح)) - ١٣٥٥/٩٧ .
ثم ذكر تفسير الخَلَّة الثانية، بقوله :
(وإذا أوى أحدكم إلى فراشه أو) قال (مضجعه) فـ((أو)) للشك من بعض الرواة.
و ((المضجع)) بفتح الميم، والجيم، كمَقْعَد: موضع الضُّجوع، وهو وضع الجنب
في الأرض (سبّح) وفي نسخة ((يسبّح)) (ثلاثًا وثلاثين وحمد) وفي نسخة ((ويحمد)) (ثلاثًا
وثلاثين، وكبّر أربعًا وثلاثين، فهي مائة على اللسان، وألف في الميزان، قال) عبدالله
(قال رسول اللَّه ◌َليل: فأيكم) اسم استفهام في محلّ الرفع مبتدأ، خبره جملة قوله (يعمل
في كلّ يوم وليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟) أي حتى تُساويَ هذه الحسنات، ولا يَبْقَى
منها شيء، أي بل السيئات في العادة أقلّ من هذا، فتغلب عليها الحسنات الحاصلة بهذا
الذكر المبارك.
وهذا فيه استبعاد لوقوع السيّئآت الكثيرة من المسلم، فلا ينبغي له أن يتجاسر على
السيّئآت الكثيرة، حتى تتجاوز هذه الحسنات، التي تكفّر ما قابلته من السيّئآت، كما قال
اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّبِّئَاتِ﴾ الآية [هود: ١١٤]، بل يجتهد في البعد
عنها، وإن وقعت منه، فليجتهد في تقليلها .
(قيل: يا رسول الله، وكيف لا نحصيهما؟) أي كيف لا نُحافظ عليهما، وقد أخبرتنا
بفضلهما .
والمعنى: أنه لا مانع لدينا من المحافظة على هاتين الخلّين. وفي نسخة: ((لا
يحصيهما)) بالياء، وفي رواية أحمد: ((قالوا: كيف من يعمل بهما قليل؟)) (فقال: إن
الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته) أي في داخل صلاته قبل أن يسلّم منها، وإنما يأتيه
قبل السلام ليسرع الخروج منها، ولا يجلسَ بعدها ولو قليلا (فيقول: اذكر كذا، اذكر

٣٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
كذا) زاد أحمد في رواية له: ((فلا يقولها)).
يعني أنه يذكّره الأشياء التي تشغل باله، وتأخذ فكره، وتحمله على الانصراف
مسرعا، ولا يذكر الله تعالى عقب الصلاة، لا كثيرًا، ولا قليلاً.
(ويأتيه عند منامه) بفتح الميم يحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا، أي عند نومه، ويحتمل
أن يكون ظرف مكان، أي عند وقت نومه، أو محله (فينيمه) بضم حرف المضارعة،
من أنامه: إذا حمله على النوم، وفي بعض الروايات: ((فينوّمه)) من التنويم، زاد أحمد
في روايةٍ: ((فلا يقولها)). أي يحمله على أن ينام دون أن يذكر الله تعالى.
وكأن النبي ◌ََّ أراد - والله أعلم- بهذا التنبيهَ لهم، حيث رآهم مُتَحَمْسِين لاغتنام
هذه الفضيلة على أن ثَمّ مانعًا قويًا، وهو الشيطان، فإنه لا يقدر على التغلب عليه إلا مَن
أعانه الله تعالى، وكان من عباده الذين قال تعالى في حقهم: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانُّ﴾ الآية [الحجر: ٤٢]
وهو العدوّ المبين الذي أمر اللَّه تعالى باتخاذه عدوًا، فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ
فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
وهو العدوّ اللَّدُود الذي يصعب الحذر منه، حيث إنه يرانا من حيث لا نراه، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيْلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمَّ﴾ الآية [الأعراف: ٢٧]،.
ومن المعلوم أن العدو الذي لا يُرَى يَصعُبُ التخلّص منه، فليس هناك إلا الالتجاء
إلى من بيده ناصية كل شيء، والتوكل عليه، وهو الله تعالى، فإن من توكل عليه كفاه،
ومن تحصّن به وقاه، كما أخبر بذلك في محكم كتابه، فقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَرُّ عَلَى
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَنَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]، وقال تعالى: ﴿أَلَسَ اللَّهُ بِكَافٍ
عَبْدَهُ﴾ الآية: [الزمر: ٣٦]، وقال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ الآية:
[الطلاق : ٣].
فينبغي للعبد أن يكون دائم التوكل عليه، ورافعًا أكفّ الضراعة إليه، إنه سميع
عليم، وهو بعباده رؤوف رحيم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبدالله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح، ولا يضرّ وجود عطاء
ابن السائب في سنده -وهو مختلط- لأن حماد بن زيد ممن روى عنه قبل الاختلاط،
كما تقدم بيانه في ٢٤٣/١٥٢ .
وقد حقق الحافظ رحمه الله تعالى الكلام في هذا الحديث في ((نتائج الأفكار)»: فقال:

٩١- (عَدَدُ التَّسْبِيحِ بَعْدَ التَّسْلِيم) - حديث رقم ١٣٤٨
٣٩٣
هذا حديث صحيح، أخرجه أحمد عن عبدالرزاق، عن الثوريّ- وأبوداود من رواية
شعبة- والترمذي من رواية ابن علية- والنسائي، وابن حبان في (صحيحه)) جميعًا من
رواية حماد بن زيد- أربعتهم عن عطاء بن السائب.
وقول الشيخ -يعني النووي -: إن عطاء بن السائب مختلف فيه من أجل اختلاطه. لا
أثر لذلك، لأن شعبة، والثوريّ، وحماد بن زيد سمعوا منه قبل اختلاطه، وقد اتفقوا
على أن الثقة إذا تميّز ما حدث به قبل اختلاطه مما بعده قُبِلَ، وهذا من ذلك.
قال: يؤيد ذلك ما نُقل عن أيوب -يعني السختياني-، ثم أورد بسنده عن حماد بن
زيد، قال: قَدِمَ عطاءُ بن السائب البصرةَ، فقال لنا أيوب: اذهبوا إليه، فاسألوه عن
حديث التسبيح - يعني هذا الحديث -.
ثم أخرج بسنده عن حماد ما هو أصرحُ من هذا، قال: كان أيوب حدثنا بهذا
الحديث عن عطاء بن السائب، فذكره بطوله، قال: فلما قدم عطاء بن السائب البصرة،
قال لنا أيوب: اذهبوا، فاسمعوا من عطاء.
قال: فدلّ هذا علی أن عطاء حدّث به قدیمًا، بحیث حدث به عنه أيوب في حیاته،
وهو من أقرانه، أو أكبر منه، لكن في كون هذا حُكْمًا من أيوب بصحة هذا الحديث
نظر؛ لأن الظاهر أنه قصد لهم علوّ الإسناد. ووالد عطاء الذي تفرّد بهذا الحديث لم
يخرج له الشيخان، لكنّه ثقة، ولحديثه شاهد قويّ، فلذلك صححتُه، والله أعلم.
ثم أورد الشاهد الذي أشار إليه بسنده عن الحسن بن عَرَفة، عن المبارك بن سعيد -
أخي سفيان الثوري-، عن موسى الْجُهَنيّ، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي
وقّاص رَّه، قال: قال رسول اللَّه وَله: ((أيَمنَعُ أحَدَكم أن يكبّر في دبر كل صلاة
عشرًا، ويسبّح عشرًا، ويحمد عشرًا، فذلك في خمس صلوات خمسون ومائة باللسان،
وألف وخمسمائة في الميزان، فإذا أوى إلى فراشه يكبر اللَّه عز وجلّ أربعًا وثلاثين،
ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويُسبّحه ثلاثا وثلاثين، فذلك مآئة باللسان، وألف في الميزان))،
قال: ثم قال: ((وأيكم يعمل في يومه ألفين وخمسين سيئة؟)).
هذا حديث حسن من هذا الوجه.
أخرجه النسائي في ((اليوم والليلة)) عن زكريا بن يحيى، عن الحسن بن عرفة. قال
النسائي: خالفه شعبة، وغيره في لفظه (١) .
ثم أخرج بسنده عن عبد بن حُمَيد، عن جعفر بن عوف، عن موسى الجهني (٢)، عن
(١) ((عمل اليوم والليلة)) رقم (١٥٣).
(٢) وقع في ((النتائج)) ((الذهلي)) بدل ((الجهني))، والظاهر أنه تصحيف.

٣٩٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه رَّه، قال: قال رسول اللّه وَله: ((أيعجز
أحدكم أن يكسب في اليوم ألف حسنة، يسبّح اللَّه مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة،
وعفا عنه بها ألف خطيئة)).
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم من طريق عبدالله بن نمير، وعلي بن مسهر،
ومروان بن معاوية.
وأخرجه الترمذي، والنسائي من طريق يحيى القطان، كلهم عن موسى الجهني.
وأخرجه أحمد عن عبدالله بن نمير، عن موسى.
وأبو عوانة في ((صحيحه)) عن أبي بكر بن إسحاق، عن جعفر بن عون، كما سبق.
قال: وتفرّدَ المباركُ بنُ سعيد باللفظ الأول، وهو ثقة عند ابن معين وغيره، فاحتمل
أن يكون عند موسى الجهني بالإسناد المذكور حديثان. والله أعلم انتهى كلام الحافظ
رحمه الله تعالى ملخصًا (١). والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٣٤٨/٩١ - وفي («الكبرى» - ١٢٧١/١٢٥ - عن يحيى بن حبيب بن
عربيّ، عن حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عنه. وفي ٩٧ / ١٣٥٥ -
و((الكبرى)) - ١٢٧٨/١٣١- عن محمد بن عبدالأعلى الصنعاني، والحسين بن محمد
الذارع، كلاهما عن عَثَّم بن علي، عن الأعمش، عن عطاء بن السائب به مختصرًا
بلفظ: ((رأيت رسول اللّه وَ ل﴿ يعقد التسبيح)). وفي ((عمل اليوم والليلة)) رقم -٨١٣ - عن
محمد بن عبدالله بن عبدالرحيم، عن أسد بن موسى، عن سليمان بن حيّان، عن
إسماعيل بن أبي خالد، عن عطاء به. وفي -٨١٩ - عن محمد بن عبدالله بن يزيد، عن
سفيان، عن عطاء به. وفي - ٨٢٠ - عن أحمد بن سليمان، عن يزيد، عن العوَّام، عن
عطاء به .
وأخرجه (د) رقم ١٥٠٢ (ت) ٣٤١٠ و٣٤١١ و٣٤٨٦ (ق) ٩٢٦ (الحميدي) ٥٨٣
(أحمد) ٢/ ١٦٠ و٢٠٤/٢ (عبدبن حُميد) ٣٥٦ (البخاري في الأدب المفرد) ١٢١٦ .
قال الحميدي: قال سفيان: هذا أول شيء سألنا عطاء عنه، وكان أيوب أمر الناس
حين قدم عطاء البصرة أن يأتوه، فيسألوه عن هذا الحديث.
وقال عبدالله بن أحمد عقب رواية شعبة: سمعت عُبيدالله القواريريّ، قال: سمعت
حماد بن زيد يقول: قدم علينا عطاء بن السائب البصرة، فقال لنا أيوب: ائتوه. فاسألوه
(١) ((نتائج الأفكار)) جـ ٢ ص ٢٦٦ - ٢٧٢ .

٩٢- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبيح) - حديث رقم ١٣٤٩
٣٩٥=
عن حديث التسبيح -يعني هذا الحديث-انتهى. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف ◌َخَّلهُ، وهو بيان عدد التسبيح الذي يقال عقب الصلاة.
ومنها: بيان فضل هذه الأذكار، وبيان فضل الله تعالى على هذه الأمة، حيث جعل
لها على الأعمال القليلة الأجر الجزيل.
ومنها: الترغيب على ملازمة هذه الأذكار، وعدم التكاسل، والتشاغل عنها، لأنه
حرمان عظيم عن الثواب الجسيم.
ومنها: استحباب عقد التسبيح باليد، ولا ينبغي أن يستعمل المسبحة ولا غيرها فيه،
لأنه وَّ لم يعدّها بغير اليد،، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ
حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١].
ومنها: الحث على تكثير الحسنات حتى تذهب السيئات.
ومنها: بيان حرص الشيطان على تثبيط الإنسان عن اكتساب الخيرات، والصدّ عن
ذكر الله تعالى، والحمل على الغفلة حتى تستولي الغفلة عليه، ويكون من الخاسرين،
كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. واللَّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٩٢- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيحِ)
١٣٤٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَسْبَاطِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ
قَيْسٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِيَ لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَِّ: ((مُعَقْبَتْ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنََّ، يُسَبْحُ اللَّهَ فِي دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ،
وَيَحْمَدُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِرُهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ))).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (محمد بن إسماعيل بن سَمُرَة) الأحمسيّ - بمهملتين- أبو جعفر الكوفي
السرّاج، ثقة [١٠].

٣٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
روى عن أبي معاوية، وابن عيينة، وأسباط، وغيرهم. وعنه الترمذي، والنسائي،
وابن ماجه، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سُئل عنه أبي؟ فقال: صدوق، وسمعت منه مع أبي، وهو
صدوق ثقة. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال أبو القاسم: مات
سنة (٢٦٠) في جمادى الأولى، ويقال: سنة (٥٨). تفرّد به الترمذي، والمصنف، وابن
ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، و(٢٢٢٤) ((الصوم جنّة)).
٢- (أسباط) بن محمد بن عبدالرحمن بن خالد بن ميسرة القُرشيّ مولاهم، أبو
محمد، ثقة ضُعّف في الثوريّ [٩].
روى عن الأعمش، ومطرّف بن طَريف، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. وعنه أحمد
ابن حنبل، وابنه عُبيد، وابن أبي شيبة، وابن نمير، وغيرهم.
قال محمد بن عبدالله بن عمّار الموصليّ: قال لنا وكيع: اسمعوا منه، فسمعنا منه،
وكان حديثه ثلاثة آلاف. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّوري عن ابن
معين: ليس به بأس، وكان يُخطىء عن سفيان. وقال أحمد: إنه أحبّ إليّ من
الخفّاف. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الغَلَابي عنه:
ثقة، والكوفيون يُضعفونه. وقال البَرْقيّ عنه: الكوفيون يُضعّفونه، وهو عندنا ثبتٌ فيما
يروي عن مطرّف، والشيبانيّ، وقد سمعت أنا منه. وقال العقيليّ: ربّما وهم في
الشيء. وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، إلا أن فيه بعض
الضعف. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال يعقوب بن شيبة: كوفي ثقة صدوق، توفّي بالكوفة في المحرّم سنة (٢٠٠).
وقال هارون بن حاتم في ((تاريخه)): حدثني أنه وُلد سنة (١٠٥) ومات في أيّام أبي
السرايا سنة (١٩٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث.
٣- (عَمْرو بن قيس) الْمُلائيّ -بضم الميم، وتخفيف اللام، والمدّ- أبو عبدالله
الكوفي، ثقة متقن عابد [٦] ١٢٨/٩٩.
٤- (الحكم) بن عُتيبة الكنديّ، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٥] تقدم ٨٦/
١٠٤ .
٥- (عبدالرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدنيّ، ثم الكوفي، ثقة [٢] تقدم ٨٦/
١٠٤ .
٦- (كعب بن عُجرة) الأنصاري المدني، أبو محمد الصحابي المشهور رَملته ، تقدم
١٠٤/٨٦ . والله تعالى أعلم.

٩٢- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيح) - حديث رقم ١٣٤٩
٣٩٧ ==
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير
شيخه، وأنه مسلسل بالكوفيين، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن كعب بن عُجرة) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول اللّهُ وَّهِ: مُعَقِّبات)
بضم الميم، وفتح المهملة، وكسر القاف المشددة، اسم فاعل من التعقيب، أي أذكار
يَعقُب بعضها بعضًا، أو تُعْقب لصاحبها عاقبةً محمودة.
وقال الهَرَويّ: قال شمر: معناه: تسبيحات تُفعل أعقاب الصلاة، وقال أبو الهيثم:
سميت معقّبات لأنها تُفعل مرّة بعد أخرى، وقوله تعالى: ﴿له معقّبات ﴾ أي ملائكة
يعقب بعضهم بعضًا انتهى.
وقال في ((النهاية)): سميت مُعَقّبات لأنها عادت مرّةً بعد أخرى، أو لأنها تقال عقب
الصلاة، والمعقّب من كلّ شيء ما جاء عقب ما قبله انتهى.
و ((هي)) إما صفة مبتدإ، أقيمت مقام الموصوف، أي كلمات، أو أذكار معقبات،
و((لا يخيب)) خبره، وإما مبتدأ، و ((لايخيب)) صفته، وخبره ((يسبّح اللَّه)) (لا يَخيب
قائلهنّ) بفتح الياء من الخيبة، وهي الحرمان، أي لا يُحرَم من أجرهنّ، أي كيفما كان،
ولو عن غفلة، هذا هو ظاهر هذا اللفظ، وقد ذكر بعضهم أنه لا أجر في الأذكار إذا
كانت عن غفلة، سوى القراءة. وفيه نظر لا يخفى، والله تعالى أعلم.
(يسبّح اللَّه في دبر كلّ صلاة) قال النووي: هو بضم الدال، هذا هو المشهور في
اللغة، والمعروف في الروايات، قال أبو عمر المطرّزيّ في كتابه ((اليواقيت)): دَبْر كلّ
شيء بفتح الدال آخر أوقاته من الصلاة وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، وأما
الجارحة، فبالضمّ. وقال الداودي، عن ابن الأعرابي: دُبُر الشيء، ودَبره بالضم والفتح
آخر أوقاته، والصحيح الضمّ، ولم يذكر الجوهريّ، وآخرون غيره انتهى(١).
(ثلاثا وثلاثين) مفعول مطلق على النيابة، أي تسبيحًا ثلاثًا وثلاثين، كما قال في
(الخلاصة)):
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلْ كَجِدَّ كُلَّ الْجِدْ وَاقْرَحِ الْجَذَلْ
(ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويكبّره أربعًا وثلاثين) وورد في التكبير أيضًا ((ثلاثًا
وثلاثين))، ويأتي وجه الجمع في المسألة الثالثة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
(١) ((شرح مسلم)) جـ ٥ ص ٩٥ - ٩٦ .

٣٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھو
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذ الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث كعب بن عُجرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
[تنبيه]: هذا الحديث ذكره الدارقطني ◌َّلُهُ في ((استدراكاته على مسلم))، وقال:
الصواب أنه موقوف على كعب، لأن من رفعه لا يقاومون من وقفه في الحفظ .
قال النووي رحمه الله تعالى: وهذا الذي قاله الدارقطنيّ مردود، لأن مسلمًا رواه من
طرق كلها مرفوعة، وذكره الدارقطني أيضًا من طرق أخرى مرفوعة، وإنما روي موقوفًا
من جهة منصور وشعبة، وقد اختلفوا عليهما أيضًا في رفعه ووقفه، وبيّن الدارقطنيّ
ذلك.
والمذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون، والفقهاء، والمحققون من المحدّثين،
ومنهم البخاريّ، وآخرون أنه إذا رُوي الحدیث موقوفًا ومرفوعًا یحکم بأنه مرفوع، ولو
كان الواقفون أكثر من الرافعين، كيف، والأمر هنا بالعكس؟ وذلك لأن هذه زيادة ثقة،
فوجب قبولها، ولا تُردّ لنسيان، أو تقصير حصل بمن وقفه. والله أعلم انتهى كلام
النووي تَخْذَثُ ببعض تصرّف(١). والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٣٤٩/٩٢ - وفي ((الكبرى)) -١٢٧٢/١٢٦ - وفي ((عمل اليوم والليلة))
رقم ١٥٥ - عن محمد بن إسماعيل بن سَمُرة، عن أسباط بن محمد، عن عمرو بن قيس
الملائي، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عنه. وفي ((الكبرى)) عن محمود
بن غيلان، عن قبيصة، عن سفيان، عن منصور، عن الحكم به. وفي ((عمل اليوم
والليلة)) ١٥٦ - عن قتيبة بن سعيد، عن أبي الأحوص، عن منصور به.
وأخرجه (م) في الصلاة ٩٨/٢ (ت) ٣٤١٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف الروايات في عدد الأذكار التي تُقال عقب الصلوات:
(اعلم): أن الأحاديث وردت بأعداد مختلفة في التسبيح، والتكبير، والتحميد:
أما التسبيح فورد كونه عشرًا، كما في حديث الباب الماضي، وحديث أنس عند
الترمذي، والنسائيّ، وحديث سعد بن أبي وقّاص عند النسائي، وعلي بن أبي طالب
عند أحمد، وأمّ مالك الأنصارية عند الطبراني.
(١) ((شرح مسلم)) جـ ٥ ص ٩٥ .

٩٢- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيح) - حديث رقم ١٣٤٩
٣٩٩ =
وورد ثلاثا وثلاثين، كما في حديث كعب بن عُجرة المذكور في الباب، وهو عند
مسلم، والترمذي، وحديث أبي هريرة عند الشيخين، وحديث أبي الدرداء عند
النسائي .
وورد خمسًا وعشرين، كما في حديث زيد بن ثابت عند النسائي، وعبدالله بن عمر
عند النسائي أيضًا .
وورد إحدى عشرة، كما في بعض طرق حديث ابن عمر عند البزّار.
وورد ستّا، كما في بعض طرق أنس. وورد مرّة، كما في بعض طرق حديث أنس
أيضًا عند البزّار. وورد سبعين، كما في حديث أبي زُمَيل عند الطبراني في ((الكبير))،
وفي إسناده جهالة. وورد مائة، كما في بعض طرق حديث أبي هريرة عند النسائيّ،
وفيه يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، وهو ضعيف.
وأما التكبير، فورد كونه أربعًا وثلاثين، كما في حديث ابن عبّاس عند الترمذي،
والنسائي، وحديث كعب بن عُجرة عند مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبي الدرداء عند
النسائيّ، وأبي هريرة عند مسلم في بعض الروايات، وأبي ذرّ عند ابن ماجه، وابن عمر عند
النسائيّ، ، وزيد بن ثابت عند النسائيّ، وعن عبدالله بن عمرو عند الترمذيّ والنسائيّ.
وورد ثلاثًا وثلاثين من حديث أبي هريرة عند الشيخين، وعن رجل من الصحابة عند
النسائي في ((عمل اليوم والليلة)).
وورد خمسًا وعشرين، كما في حديث زيد بن ثابت، وعبدالله بن عمر عند من تقدّم
في التسبيح خمسا وعشرين.
وورد إحدى عشرة، كما في بعض طرق حديث ابن عمر عند البزّار، كما تقدّم في
التسبيح .
وعشرًا، كما في حديث الباب المتقدّم، وعن أنس، وسعد بن أبي وقّاص، وعليّ،
وأم مالك عند من تقدّم في تسبيح هذا المقدار.
ومائة، كما في حديث من ذكرنا في تسبيح هذا المقدار عند من تقدّم.
وأما التحميد، فورد كونه ثلاثا وثلاثين، وخمسا وعشرين، وإحدى عشرة، وعشرًا،
ومائة، كما في الأحاديث المذكورة في أعداد التسبيح، عند من رواها.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى بعد ما ذكر ما تقدّم: ما نصّه: وكلّ ما ورد من
هذه الأعداد، فحسن، إلا أنه ينبغي الأخذ بالزائد، فالزائد.
وقال الحافظ العراقي ◌ّْلُهُ في ((شرح الترمذي)): كان بعض مشايخنا يقول: إن هذه
الأعداد الواردة عقب الصلاة أو غيرها من الأذكار الواردة في الصباح والمساء، وغير

== ٤٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
ذلك إذا ورد لها عدد مخصوص مع ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها في أعدادها عمدًا
لا يحصل له ذلك الثواب الوارد على الإتيان بالعدد الناقص، فلعلّ لتلك الأعداد حكمة
وخاصيّةً، تفوت بمجاوزة تلك الأعداد وتعدّيها، ولذلك نهي عن الاعتداء في الدعاء.
قال: وفيما قاله نظر، لأنه قد أَتَى بالمقدار الذي رُتّب على الإتيان به ذلك الثوابُ،
فلا تكون الزيادة عليه مُزيلة له بعد الحصول بذلك العدد الوارد.
وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يدلّ على ذلك، ففي ((الصحيحين)) من حديث
أبي هريرة رَّه: أن رسول اللّه وَل قال: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
له الملك، وله الحمد، وهو علی کلّ شيء قدير، في يوم مائة مرّة، كانت له عدل عشر
رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومَهُ
ذلك حتى يُمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك ... ))
الحدیث .
ولمسلم من حديث أبي هريرة رَّه، قال: قال رسول اللَّه وَله: ((من قال حين
يصبح، وحين يُمسي: سبحان الله، وبحمده مائة مرّة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل
مما جاء به، إلا أحد قال مثلَ ما قال، أوزاد عليه)).
وقد يقال: إن هذا واضح في الذكر الواحد الوارد بعدد مخصوص، وأما الأذكار التي
يعقب كلّ عدد منها عدد مخصوص من نوع آخر، كالتسبيح، والتحميد، والتكبير عقب
الصلوات، فقد يقال: إن الزيادة في كلّ عدد زيادةً لم يرد بها نص يقطع التتابع بينه وبين
ما بعده من الأذكار، وربّما كان لتلك الأعداد المتوالية حكمة خاصة، فينبغي أن لا يزاد
فيها على المشروع.
قال العراقي تَخّْثهُ: وهذا محتمل لا تأباه النصوص الواردة في ذلك، وفي التعبّد
بالألفاظ الواردة في الأذكار والأدعية، كقوله رَ له للبراء ◌َميه: ((قل: ونبيك الذي
أرسلت)) انتهى.
قال الشوكاني ◌َخّْلهُ: وهذا مسلّم في التعبّد بالألفاظ، لأن العدول إلى لفظ آخر لا
يتحقق معه الامتثال، وأما الزيادة في العدد، فالامتثال متحقق، لأن المأمور به قد حصل
على الصفة التي وقع الأمر بها، وكون الزيادة مغيّرةً له غير معقول.
وقيل: إن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد أتى بالزيادة، فقد حصل الامتثال،
وإن زاد بغير نيّة لم يُعَدّ ممتثلا انتهى(١).
(١) راجع ((نيل الأوطار)) جـ ٢ ص ٣٥٥ - ٣٥٧ .