النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١ =
٦٢ - (نَوْعٌ آخَرُ ) - حديث رقم ١٣٠٥
رَوَى عن سعد، وعليّ، وعمّار، والمغيرة بن شعبة، وعبدالله بن عمرو بن العاص،
وغيرهم. وعنه ابنه عطاء، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو البَخْتَريّ.
قال ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))،
وجزم بأنه ابن زيد، ورجّح بأن كنيته أبو عطاء. وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): إن
السائب والد عطاء ليست له صحبة.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٧) أحاديث.
٥- (عمّار بن ياسر) بن عامر بن مالك العَنْسيّ، أبو الْيَقْطَان، مولى بني مخزوم
الصحابي ابن الصحابي رَوَّهَا، تقدم ٣١٢/١٩٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف وتَقّْلهُ، وأن رجاله كلهم موثقون، وفيه رواية
الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن السائب بن مالك رَّلهُ أنه (قال: صلّى بنا) أي صار إمامًا لنا في صلاة (عمار بن
ياسر) رَ له (صلاةَ، فأوجز فيها) وفي الرواية التالية: ((فأخفّها)»، أي صلّى صلاةً خفيفة
(فقال له بعض القوم: لقد خفَّفت، أو أوجزت الصلاة) شكّ من الراوي، وفي الرواية
التالية: ((فكأنهم أنكروها، فقال: ألم أتمّ الركوع والسجود؟ قالوا: بلى ... )). وفي
رواية لأحمد عن أسود بن عامر، عن شريك: ((صلّى عمّار صلاةً، فجَوَّز فيها، فسُئل،
أو فقيل له، فقال: ما خَرَمتُ من صلاة رسول اللّه وَلَ)).
(فقال) أي عمار رَّه (أمّا) بتشديد الميم (على ذلك فقد دعوت فيها) أي أمّا مع
التخفيف والإيجاز، فقد دعوت الخ، أو أمّا على تقدير اعتراضكم بالتخفيف، فأقول:
قد دعوت الخ.
والظاهر أن ((أمّا)) هذه لمجرد التأكيد، وليس لها عديل في الكلام، كـ ((أما)) الواقعة
في أوائل الخطب في الكتب بعد ذكر الحمد والصلاة والسلام على النبي ◌َّ من
قولهم: ((أمّا بعد فكذا وكذا)). أفاده السندي رحمه الله تعالى.
(بدعوات سمعتهنّ من رسول اللّه وَّة) وفي ((الهنديّة)) ((دعوات)) بإسقاط الباء. وجملة
((سمعتهن)) في محلّ جرّ صفة لـ ((دعوات)).
قال السنديّ رحمه الله تعالى: وجمع الدعوات باعتبار أنّ كلّ كلمة دَعْوة - بفتح الدّال
- أي مرّةٌ من الدعاء، فإن الدَّغْوَةَ للمرّة، كالْجَلْسة انتهى.

٢٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
وفي الرواية التالية: ((قال: أمّا إني دعوت فيها بدعاء، كان النبي وَلّ يدعو به ... )).
والظاهر أنه سمع رسول اللَّه وَ لّر يدعو به في الصلاة، فلذا دعا به في الصلاة، وبهذا
يتجه إيراد المصنف تَّهُ الحديثَ في جملة أنوع الدعوات التي يُدْعَى بها في الصلاة
بعد التشهد. والله تعالى أعلم.
(فلمّا قام) أي قام عمّار تَظّمه عن ذلك المجلس (تبعه رجل من القوم) أي ليسأله عن
تلك الدعوات. قال عطاء بن السائب (هو أبي) مبتدأ وخبره، أي الرجل الذي قام ليسأل
عمّارًا عن تلك الدعوات هو السائب والد عطاء (غير أنه گنی عن نفسه) بتخفيف النون،
ويجوز تشديدها، أي لم يُصرّح باسمه، بل قال: ((تبعه رجل من القوم)) (فسأله عن
الدعاء) أي سأل الرجل عمّارًا عن ذلك الدعاء؟ (ثم جاء) معطوف على مقدّر، أي
فأخبره به عمّار، ثم جاء (فأخبر به القوم) أي الذين كانوا مع عمّار ◌َّه حين ذَكَرَ أنه
سمع رسول اللّه وَ له يدعو بتلك الدعوات.
(اللَّهمّ بعلمك الغيب) هذه الجملة مستأنفة، وقعت جوابا لسؤال مقدر، فكأنه قيل:
ما هو الدعاء الذي أخبر به القوم، فقال: ((اللّهم بعلمك الخ)). والجارّ والمجرور متعلّق
بمقدر، أي أسأَلُكَ بعلمك الخ.
وقال المناوي رحمه الله تعالى: الباء للاستعطاف، والتذلّل، أي أنشدك بحقّ علمك
ما خفي على خلقك، مما استأثرت به(١) (وقدرتك على الخلق) أي جميع المخلوقات،
من إنس، وجنّ، وملك، وغيرهم (أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي وتوفّني إذا علمت
الوفاة خيرًا لي) عبر بـ ((ما)) في الحياة، لاتصافه بالحياة حالاً، وبـ ((إذا)) الشرطيّة في الوفاة
لانعدامها حال الدعاء. أي إذا كانت الوفاة بهذا الوصف، فتوفني.
(اللَّهمّ وأسألك خشيتك) عطف على المقدر السابق، و ((اللَّهمّ)) معترضة، ذُكرت
تأكيدًا للأول (في الغيب والشهادة) أي في السرّ والعلانية، أو المشهد والمغيب، فإن
خشية الله تعالى رأس كلّ خير. وفي نسخة ((يعني في الغيب والشهادة)) بزيادة ((يعني)).
(وأسألك كلمة الحقّ) وفي نسخة ((كلمة الْحِكَم))، وفي الرواية التالية: ((وكلمة
الإخلاص في الرضا والغضب))، والمعنى متقارب، أي أسألك النطق بالحقّ (في الرضا
والغضب) أي في حالتي رضا الخلق منّي، وغضبهم عليّ فيما أقوله، فلا أُداهن، ولا
أُنافق، أو في حالتي رضاي وغضبي، بحيث لا تلجئني شدّة الغضب إلى النطق بخلاف
الحقّ، ككثير من الناس إذا اشتدّ غضبهم أخرجهم من الحقّ إلى الباطل، وذلك من
(١) ((فيض القدير)) جـ ٢ ص ١٤٦.

٢٤٣
٦٢ - (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٣٠٥
أخلاق أهل النفاق، كما ثبت في «الصحيحين)) من حديث عبدالله بن عمرو وتشويهتا
مرفوعا: ((أربع من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه
خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف،
وإذا خاصم فجر)). فالفجور عند المخاصمة هو الميل عن الحق، والتكلم بالباطل. والله
تعالى أعلم.
(وأسألك القصد) أي التوسّط (في الفقر والغنى) أي في حال قلّة المال، وكثرته،
ومعنى التوسط فيه: أن لا يكون فيه إسراف، ولا تقتير، فإن الغنَى يبسط اليد ويطغي
النفس، ويحمل على التبذير الذي نهى اللَّه عنه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ
إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ الآية [الإسراء: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوَاْ فِى
اُلْأَرْضِ﴾ الآية [الشورى: ٢٧]،.
والفقر يحمل على التسخط بقضاء الله تعالى، وربّما يحمل على فعل الحرام،
كالغصب، والسرقة، وغير ذلك، فالمطلوب من العبد أن يتوسط في الحالتين، فلا
يتجاوز الحد فيهما.
(وأسألك نعيمًا لا ينفد) وفي نسخة: ((لا يَبيد)) وهو بفتح الموحّدة، من باد يَبيد،
كباع يبيع: إذا ذهب، وانقطع، أي أسألك نعيما لا ينقطع، ولا يَفنَى، وليس ذلك إلّا
نعيم الآخرة، فكأنه سأل الله تعالى الجنّة.
(وأسألك قُرّةَ عين) اختلف في معناها: فقال بعضهم: بَرَدَتْ وانقطع بُكاؤها،
واستحرارها بالدمع، فإن للسرور دَمعَةً باردةً، وللحُزْن دمعةً حارّةً، وقيل: هو من
القَرَار، أي رأت ما كانت مُتَشَوِّفَةً إليه، فقَرَّت ونامت، وقيل: أعطاه حتى تَقَرَّ عينه، فلا
تطمح إلى من فوقه. وقيل: أقرّ اللَّهُ عينَهُ: أنام اللَّهُ عينَهُ، والمعنى صادف سُرُورًا يُذهبُ
سهَرَه، فينام(١) .
ثم إنه يحتمل أن يكون المراد أن تقرّ عينه بتلذذه بطاعة مولاه سبحانه وتعالى، ودوام
ذكره، وكمال محبّته، والأنس به، كما في الحديث الصحيح: ((وجعلت قرّة عيني في
الصلاة)).
ويحتمل أن يكون المراد أن تقَرَّ عينه بأولاده وذرّيته حيث يراهم مطيعين للَّه سبحانه
وتعالى .
(لا تنقطع) بل تستمرّ حتى تتصل بنعيم الجنّة، وأعلاها النظر إلى وجهه الكريم، كما
(١) راجع ((لسان العرب)) جـ ٥ ص ٣٥٨٠ .

٢٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
يأتي قريبًا .
(وأسألك الرضا بعد القضاء) أي بما قدّرته عليّ في سابق علمك، حتى أتلقّاه بوجه
منبسط، وقلب منشرح، وأعلَمَ أن كلّ قضاء قضيته عليّ، فهو نافذ، لا مَحالة، فأتأدب
مع قضائك، ولا أقلق، ولا أتسخّط (وأسألك برد العيش بعد الموت) برفع الروح إلى
منازل السعداء، ودرجات المقرّبين، وفَسْح القبر، وجعله روضةً من رياض الجنّة.
وفيه إشارة إلى أن العيش في هذه الدار لا يبرُد لأحد، بل هو مشوب بالنكد،
والكدر، وممزوج بالآلام الباطنة، والأسقام الظاهرة.
(وأسألك لَذَّةَ النظر إلى وجهك) أي الفوز بمشاهدة وجهك الكريم.
وفيه إشارة إلى أن المؤمن ينظر إلى وجهه الكريم في دار النعيم، كما قال تعالى:
إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣].
٢٢
﴿وُجُوهٌ يَؤْمِذٍ نَاضِرَةً
وقد جاء تفسير (الحسنى)) في قوله تعالى: ﴿لَّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الآية
[يونس: ٢٦] بالنظر إلى وجهه الكريم، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن صهيب
رَّهِ، أنّ رسول اللّه وَ لَه تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقال: ((إذا
دخل أهل الجنّة الجنّة، وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنّة إن لكم عند الله
موعدًا، يُريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يُثقّل موازيننا؟ ألم يبيّض وجوهنا،
ويُدخلنا الجنّة، ويجيرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما
أعطاهم اللَّه شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقرّ لأعينهم)).
وأخرج ابن جرير بسنده عن أبي موسى الأشعري ◌َظمثله، عن رسول اللَّه وَليقول: ((إن
الله يبعث يوم القيامة مناديًا يُنادي يا أهل الجنّة - بصوت يسمع أوّلهم وآخرهم - إن الله
وعدكم الحُسنى وزيادةً، فالحسنى الجنّة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن عزّ وجلّ)).
قال المناويّ ◌َخّْتُهُ: قيّد النظر باللذّة، لأن النظر إلى اللَّه تعالى إما نظر هيبة وجلال
في عرصات القيامة، أو نظر لطف وجمال في الجنّة، إيذانًا بأن المسؤول هذا انتهى(١).
(والشوق إلى لقائك) قال المجد اللغوي نَخّْلهُ: ((الشوق)): نزاع النفس، وحركة
الْهَوَى، جمعه: أشواق، وقد شاقني حُبُّها: هاجني انتهى.
قال العلامة ابن القيّم ◌َخّْلهُ: جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا، وهو
الشوق إلى لقائه، وأطيب ما في الآخرة، وهو النظر إليه.
ولمّا كان كلامه موقوفًا على عدم ما يضرّ في الدنيا، ويفتن في الآخرة قال (في غير
(١) ((فيض القدير)) جـ ٢ ص ١٤٦.

٦٢- (نَوْعٌ آخَرُ ) - حديث رقم ١٣٠٥
٢٤٥ ==
ضرّاء مضرّة) أي في غير مشقّة مُؤلمة. فـ ((الضرّاء)) فَعْلاء من الضّرّ. قال الفيّومي:
الضّرّ: الفاقة، والفقر، بضم الضاد اسم، وبفتحها مصدر، وضَرَّه يضُرُّه، من باب قتل:
إذا فعل به مكروهًا، وأضرّ به يتعدّى بنفسه ثلاثياً، وبالباء رباعيًّا، قال الأزهريّ: كلّ ما
كان سُوءَ حال، وفقر، وشدّة في بدن فهو ضُرِّ بالضم، وما كان ضدّ النفع، فهو
بفتحها، وفي التنزيل: ﴿مسّني الضرّ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٨]. قال: و ((الضرّاء)): نقيض
السّرّاء، ولهذا أطلقت على المشقّة انتهى.
قال الطيبي تَخّتُهُ: متعلَّقُ الظرف مشكل، ولعله يتصل بالفقرة الأخيرة، وهي
(الشوق إلى لقائك))، سأل شوقًا إليه في الدنيا بحيث يكون في ضرّاء غير مُضرّة، أي
شوقًا لا يؤثّر في سلوكي، وإن ضرّني مضرّةً ما، قال [من الطويل]:
إِذَا قُلْتُ أَهْدَى الْهَجْرُ لِي حُلَلَ الْبَلَا تَقُولِينَ لَوْلَا الْهَجْرُ لَمْ يَطِبِ الْحُبُّ
وَإِنْ قُلْتُ كَرْبِي دَائِمٌ قُلْتِ إِنَّمَا يُعَدُّ مُحِبًا مَنْ يَدُومُ لَهُ الْكَرْبُ
ويجوز اتصاله بقوله: ((أحيني)) إلخ، ومعنى ((ضرّاء مضرّة)) الضرّ الذي لا يُصَبَرُ
عليه .
وفي الرواية التالية: ((وأعوذ بك من ضرّاء مُضرّة)).
(ولا فتنة مُضّة) أي موقعة في الحَيرة، مُفضية إلى الهلاك (اللَّهمّ زيّنًا بزينة الإيمان)
هي زينة الباطن، إذ لا مُعوّل إلّا عليها، لأن الزينة زينتان، زينة البدن، وزينة القلب،
وهي أعظمها قدرًا، وإذا حصلت حصلت زينة البدن على أكمل وجه في العُقبى.
ولمّا كان كمال العبد في كونه عالمًا بالحقّ، متّبعًا له، معلّمًا لغيره قال (واجعلنا هُدَاةً
مُهتدين) وصف الهداة بالمهتدين، لأن الهادي إذا لم يكن مهتديًا في نفسه لم يصلح
هاديًا لغيره، لأنه يوقع الناس في الضلال من حيث لا يشعر.
وهذا الحديث أفرده بعضهم بالشرح، كما قال المناوي رحمه الله تعالى(١). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث عمّار بن ياسر رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
هذا الحديث من أفراد المصنف، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه
(١) ((فيض القدير)) جـ ٢ ص ١٤٧.

٢٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
هنا - ٦٢ /١٣٠٥ - وفي ((الكبرى)) - ١٢٢٨/٩٦ - بالسند المذكور. وفي ٦٢ / ١٣٠٦ -
وفي ((الكبرى)) -١٢٢٩/٩٦ - بالسند الآتي. وأخرجه (أحمد) ٢٦٤/٤. والله تعالى
أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٠٦- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ:
حَدَّثَنَا شَرِيكُ، عَنْ أَبِي هَاشِمِ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَّزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالُ: صَلَّى
عَمَّارُ بْنُ يَاسِرِ بَالْقَوْمِ صَلََّةَ، أَخَفَّهَا، فَكَأَنَهُمْ أَنْكِّرُوهَا، فَقَّالَ: أَلَمْ أُتِمَّ الرُّكُوعَ
والسُّجُودَ؟، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَمَّا إِنِّي دَعَوْتُ فِيهَا بِدُعَاءٍ، كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يَدْعُو بِهِ،
((اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفْنِي
إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الإِخْلَاصِ فِي
الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَقُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ،
وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ
ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَفِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيْنَا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ))).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (عبيدالله بن سعد بن إبراهيم بن سعد) الزهري، أبو الفضل البغدادي، قاضي
أصبهان، ثقة [١١] تقدم ١٧ /٤٨٠.
٢- (عمه) يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الزهري،
أبو يوسف المدني نزيل بغداد، ثقة فاضل من صغار [٩] تقدم ١٩٦/ ٣١٤ .
٣- (شريك) بن عبدالله النخعي القاضي الكوفي، صدوق يخطىء كثيرا، وتغير
حفظه منذ ولي القضاء [٨] تقدّم ٢٩/٢٥.
٤- (أبو هاشم الواسطي) الزّمّاني يحيى بن دينار، وقيل: ابن الأسود، وقيل: ابن
نافع، ثقة [٦] تقدّم ٢٩٦/١٨٨.
٥- (أبو مجلّز) لاحق بن حُميد السدوسي البصري، ثقة من كبار [٣] تقدّم ١٨٨/
٢٩٦ .
٦ - (قيس بن عُبَاد)(١) الضُّبَعِيّ(٢) أبو عبدالله البصريّ، ثقة مخضرم [٢] تقدم ٢٣/
٨٠٨ .
٧- (عمار بن ياسر) رَّه المذكور في السند الماضي.
(١) بضم العين المهملة، وتخفيف الموحدة.
(٢) بصم الضاد المعجمة، وفتح الموحدّة.

٢٤٧
٦٣ - (بَابُ التَّعَوُّدِ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٣٠٧
وشرح الحديث، ومتعلّقاته سبقت في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٦٣ - (بَابُ التَّعَوُّذِ فِي الصَّلَاةِ)
١٣٠٧- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَاجَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ
بِسَافٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: حَدِّثِيْنِي بِشَيْءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَدْعُو
بِهِ فِي صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: نَعَّمْ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرْ مَا
عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ))).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهوية الإمام الثبت الحجة النيسابوري [١٠] تقدم ٢/
٢ ٠
٢- (جرير) بن عبدالحميد الضبي الكوفي نزيل الرّيّ وقاضيها، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢/
٢ .
٣- (منصور) بن المعتمر، أبو عَتَّاب الكوفي الإمام الثبت الحجة [٦] تقدّم ٢/٢.
٤- (هلال بن يساف) -بكسر التحتانية- وقد تفتح، ويقال: ابن إساف الأشجعي
مولاهم الكوفي، ثقة [٣] تقدم ٤٣/٣٩ .
٥- (فَزْوة بن نوفل) الأشجعي الكوفي، ثقة [٣].
روى عن النبي وَ ل مرسلاً، وعن أبيه، وعلي بن أبي طالب، وعائشة، وغيرهم.
وعنه هلال بن يساف، وأبو إسحاق السبيعيّ، وشريك بن طارق، وغيرهم.
ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، وقال: قد قيل: إن له صحبة. وذكره أيضًا في
الصحابة، وساق له من رواية عبدالعزيز بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن فروة بن
نوفل، قال: أتيت المدينة، فقال لي رسول اللَّه وَلّر: ((ما جاء بك؟))، قلت: جئت
لتعلّمني كلمات ... الحديث، قال ابن حبّان: القلب يميل إلى أن هذه اللفظة ليست
بمحفوظة، لأن عبدالعزيز بن مسلم ربما وهم، فأفحش انتهى.

٢٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
وقد روى هذا الحديث أبو داود الحَفَريّ، عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن فروة
ابن نوفل، عن أبيه، وكذا أخرجه أصحاب السنن الثلاثة من طريق زُهير بن مُعاوية،
وإسرائيل، عن أبي إسحاق، وهو الصواب، واختلف فيه على أبي إسحاق اختلافًا
كثيرًا. وقال ابن عبدالبرّ في الصحابة: حديثه مضطرب، وفروة بن نوفل الأشجعيّ من
الخوارج، خرج على المغيرة بن شعبة في صدر خلافة معاوية، فبعث إليهم المغيرة،
فقُتلوا سنة (٤٥) وليس لفروة بن نوفل صحبة، ولا رؤية، وإنّما يروي عن أبيه،
وعائشة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن فروة بن نوفل له صحبة؟ فقال: ليست له
صحبة، ولأبيه صحبة.
أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا
الحديث، وأعاده برقم (٥٥٢٥) و(٥٥٢٦) و(٥٥٢٧) و(٥٥٢٨).
٦- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها، تقدمت ٥/٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن فَزْوة بن نوفل) الأشجعي رحمه الله تعالى، أنه (قال: قلت لعائشة) أمّ المؤمنين
رضي اللَّه تعالى عنها (حدثيني بشيء كان رسول اللَّه وَّيه يدعو به في صلاته) يعمّ كلّ
أجزاء الصلاة، لكن خصّ بأدلة أخرى أن المراد مواضع الدعاء منها، كحال السجود،
وبعد التشهد، والصلاة على النبي وَه .
وفي الرواية الآتية -٥٥٢٣/٥٨- من رواية عبدة بن أبي لبابة، عن هلال بن
يساف، أنه سأل عائشة رعايتها ما كان أكثر ما يدعو به رسول اللَّه وَل قبل موته؟ قالت:
كان أكثر ما كان يدعو به: ((اللَّهم إني أعوذ بك ... )) (قالت) وفي نسخة: ((فقالت))
(نعم) كلمة معناها التصديقُ إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد، والوعدُ إن وقعت
بعد المستقبل، نحو هل تقوم، ومنه هذا الحديث، فعائشة رضي اللَّه تَعِدُه بأن تحدّثه بما
سأل عنه، فـ ((نعم)) تُبقي الكلام على ما هو عليه من إيجاب، أو نفي، بخلاف ((بلى))،
فإنها للإيجاب بعد النفي، وقد تقدم بسط الكلام عليهما في أكثر من موضع.
(كان رسول اللَّه بِّهِ يقول: اللَّهمَ إني أعوذ بك من شرّ ما عملت) أي من شرّ ما

٢٤٩=
٦٣ - (بَابُ التَّعَوُّدِ فِي الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١٣٠٧
اكتسبته مما يقتضي العقوبة في الدنيا والآخرة (ومن شرّ ما لم أعمل) أي أتحصّن بك من
أن أعمل في المستقبل ما يتسبب في إيصال العقوبة إليّ.
واستعادتُهُ وَ ◌ّر من هذا تعليم للأمة، ولبيان أنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
وقيل: استعاذ من أن يصيبه شر عمل غيره، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةُ لَّا
تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَّةٌ﴾ الآية [الأنفال: ٢٥](١).
وقال السندي رحمه اللّه تعالى: قوله: ((من شرّ ما عملت الخ)): أي من شرّ ما
فعلت، من السيئات، وما تركت من الحسنات، أو من شرّ كلّ شيء مما يتعلّق به
كسبي، أو لا. والله تعالى أعلم انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٣٠٧/٦٣ - وفي ((الكبرى)) -١٢٣٠/٩٧- عن إسحاق بن إبراهيم،
عن جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن فروة بن نوفل، عنها. وفي ٥٨/
٥٥٢٥- عن محمد بن قدامة، عن جرير به. وفي -٥٥٢٦/٥٨- عن هناد بن السريّ،
عن أبي الأحوص، عن حُصين، عن هلال به. وفي ٥٥٢٧/٥٩ - عن محمد بن
عبدالأعلى، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حصين به. و٥٥٢٨/٥٩- عن
محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، عن حُصين به.
وفي -٥٥٢٣/٥٨- عن يونس بن عبدالأعلى، عن ابن وهب، عن موسى بن شيبة،
عن الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن هلال بن يساف، أنه سأل عائشة زوج النبي
رَيّر ما كان أكثر ما يدعو به رسول اللّه وَل قبل موته؟، فذكرته. وفي ٥٥٢٤/٥٨- عن
عمران بن بكّار، عن أبي المغيرة، عن الأوزاعيُّ به، بلفظ: ((سُئلت عائشة ما كان أكثر
ما يدعو به النبي وَ طير؟ ... )).
وأخرجه(م) ٧٩/٨، و٨٠ (د) ١٥٥٠ (ت) ٣٨٣٩ (وأحمد) ٣١/٦، و١٠٠/٦،
و٢١٣/٦، و٢٧٨/٦، و١٣٩/٦، و٢٥٧/٦. (وعبد ابن حميد) ١٥٢٩ . والله
(١) ((المنهل العذب المورود)) جـ ٨ ص ٨١٠.
(٢) ((شرح السندي)) جـ ٣ ص ٥٦ .

٢٥٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ السَّھْوِ
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيبٍ)).
٦٤- (نَوْعٌ آخَرُ)
١٣٠٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَِّهَا، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؟،
فَقَالَ: (نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يُصَلْي صَلَاةَ بَعْدُ
إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (محمد بن بشّار) بُندار أبو بكر العبدي البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم٢٤/ ٢٧ .
٢- (محمد) بن جعفر غُندر البصري، ثقة حافظ [٩] تقدّم ٢٢/٢١ .
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصري[٧] تقدم ٢٦/٢٤ .
٤- (أشعث) بن أبي الشعثاء المحاربي الكوفي، ثقة [٦] تقدّم ٩٠/ ١١٢.
٥- (أبوه) سُليم بن الأسود بن حنظلة، أبو الشعثاء المحاربي الكوفي، ثقة من كبار
[٣] تقدّم ١١٢/٩٠.
٦- (مسروق) بن الأجدع الهمداني، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم [٢]
تقدم ٩٠ / ١١٢ .
٧- (عائشة) رَّتها تقدمت ٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن
رجال الجماعة، وأن شيخه أحد التسعة الذين اتفق بالرواية عنهم الأئمة الستة أصحاب
الأصول دون واسطة، وفيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعيّ عن تابعي، وفيه عائشة
من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة رَالَّتها) أنها (قالت: سألت رسول اللّه وا له عن عذاب القبر؟) سيأتي
للمصنف ◌َخْذَ هُ ٢١/ ١٤٧٦ - سبب سؤال عائشة تطلّها عن ذلك من رواية عمرة عنها،

٢٥١ ==
٦٤ - (نَوْعٌ آخَرٌ) - حديث رقم ١٣٠٨
قالت: سمعت عائشة تقول: جاءتني يهوديّة، تسألني، فقالت: أعاذك الله من عذاب
القبر، فلمّا جاء رسول اللَّه وَلّ قلت: يا رسول اللَّه أيعذب الناس في القبور؟ فقال:
((عائذا بالله ... )) الحديث.
(فقال: نعم عذاب القبر حقّ) ظاهره أن هذا الجواب كان عقب سؤالها رَّها، لكن
سيأتي أن جوابه وَلّ كان بعد أن أنكر ذلك على يهودية، ثمّ أوحي إليه، ففي الرواية
الآتية في ((كتاب الجنائز)) ٢٠٦٤/١١٥ - من رواية عروة عن عائشة رصّها قالت: دخل
عليّ رسول اللّه وَّل، وعندي امرأة من اليهود، وهي تقول: إنكم تفتنون في القبور،
فارتاع رسول اللَّه وَلَّ، وقال: إنما تُفتن يهودُ، وقالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال
رسول اللّه وَالر: ((إنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور))، قالت عائشة: فسمعت رسول
اللَّهِ وَلَّهِ بعدُ يستعيذ من عذاب القبر.
وأخرج مسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رَّتها، قالت: دخلت
عليّ امرأة من اليهود، وهي تقول: هل شَعَرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع
رسول اللَّهِ وَّر، وقال: ((إنما يُفتَن يهود))، قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثمّ قال رسول الله
وَالله: ((هل شعرت أنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور))، قالت عائشة: فسمعت رسول
اللَّه وَلّل يستعيذ من عذاب القبر.
وأخرج أحمد بإسناد على شرط البخاريّ، عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأمويّ،
عن عائشة رَّها : أن يهوديّة كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة لها شيئًا من المعروف إلّا
قالت لها اليهوديّة: وقاك الله عذاب القبر، قالت: فقلت: يا رسول الله هل للقبر
عذاب؟، قال: كذبت يهود، لا عذاب دون يوم القيامة، ثمّ مكث بعد ذلك ما شاء الله
أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، وهو ينادي بأعلى صوته: أيها الناس استعيذوا
بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حقّ)).
(قالت عائشة) رَّه (فما رأيت رسول اللَّه ◌َ له يصلي صلاةً) وفي نسخة ((صلى
صلاةٌ)) (بعدُ) بالبناء على الضم، لأنه من الظروف التي تبنى على الضم لقطعها عن
الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد أن سألته عائشة تعرّها عن عذاب القبر؟، فأعلمه الله
بالوحي أنه حقّ، وأجابها بذلك (إلا تعوّذ من عذاب القبر) هو ضرب من لم يُوفَّق
للجواب عند السؤال بمقامع من حديد، وغيره من أنواع العذاب، كشدة الضغطة،
ووحشة الوحدة، والمراد بالقبر البرزخ، والتعبير به للغالب، أو كلّ ما استقرّ فيه أجزاؤه
فهو قبره .
وفيه إثبات عذاب القبر، والرّّ على المنكر لذلك من المعتزلة، وسيأتي الكلام عليه

٢٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھو
مستوفّى في ((كتاب الجنائز))، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث :
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٣٠٨/٦٤- وفي ((الكبرى))-١٢٣١/٩٨- بالإسناد المذكور.
وأخرجه (خ) في ((الجنائز)) ١٢٣/٣ و(م) في ((الصلاة)) - ٢ ص٩٢. واللَّه تعالى
أعلم .
المسألة الثالثة: في فوائده :
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية التعوذ في الصلاة.
ومنها: إثبات عذاب القبر.
ومنها: ما كان عليه النبي ◌َّر من خوفه من عذاب الله تعالى، مع أنه سبحانه وتعالى
قد غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٠٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) أَبِي، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ كَانَ يَدْعُو فِي
الصَّلَاةِ: (اللَّهُمَّ إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْتَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْتَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمَ)، فَقَالَ لَهُ
قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَم؟، فَقَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ، فَكَذَبَ،
وَوَعَدَ، فَأَخَلَفَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن عثمان) بن سعيد القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوق
[١٠] تقدم ٥٣٥/٢١ .
٢- (أبوه) عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو عمرو الحمصيّ،
ثقة عابد [٩] تقدّم ٨٥/٦٩.
٣- (شعيب) بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد، من أثبت الناس في
(١) وفي نسخة ((حدّثني)).

٦٤ - (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٣٠٩
=
٢٥٣
الزهري [٧] تقدّم ٨٥/٦٩ .
٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام المدني الشهير الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١.
٥- (عروة بن الزبير) بن العوّام أبو عبدالله المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] تقدم ٤٠/
٤٤ .
٦- (عائشة) رَضَّتها تقدمت ٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيّات المصنف رحمه اللّه تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن
النصف الأول منه حمصيون، والثاني مدنيون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية
الراوي عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة .
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن الزهري)، (قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة) رضي اللّه تعالى عنها
(أخبرته أن رسول اللّه ◌َ له كان يدعو في الصلاة) هذا مطلق لا يخصّ محلّاً من الصلاة،
لكن يعين أنه بعد التشهد ما أخرجه أحمد -٦/ ٢٠٠- وصححه ابن خزيمة - واللفظ
له- من رواية ابن جُريج، أخبرني عبدالله بن طاوس، عن أبيه، أنه كان يقول بعد
التشهد كلمات، يعظّمهنّ جدًّا، قلت: في المثنى كليهما؟، قال: بل في المثنّى الأخير
بعد التشهد،، قلت: ما هو؟، قال: ((أعوذ بالله من عذاب القبر، وأعوذ بالله من عذاب
جهنّم، وأعوذ بالله من شرّ المسيح الدّجّال، وأعوذ بالله من عذاب القبر، وأعوذ بالله
من فتنة المحيا والممات))، قال: كان يعظّمهنّ.
قال ابن جريج: أخبرنيه عن أبيه، عن عائشة عن النبي ◌َّر.
ولمسلم من طريق محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة تَظّمه، مرفوعًا: ((إذا تشهّد
أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ... ))
الحديث، هذه رواية وكيع عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عنه، ورواه الوليد بن
مسلم، عن الأوزاعي،، بلفظ: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليتعوذ بالله من
أربع ... )) فذكره.
فهذا - كما قال في ((الفتح)) (١)- فيه تعيين هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهّد،
فيكون سابقًا على غيره من الأدعية، وما ورد الإذن فيه أن المصلي يتخيّر من الدعاء ما
(١) (فتح) جـ ٢ ص ٥٨٣ .

٢٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
شاء يكون بعد هذه الاستعاذة، وقبل السلام.
(اللَّهمّ إني أعوذ بك من عذاب القبر) تقدّم الكلام فيه في الذي قبله (وأعوذ بك من
فتنة المسيح الدّجّال) قال أهل اللغة: الفتنة: الامتحان والاختبار. قال عياض:
واستعمالها في العرف لكشف ما يكره انتهى. وتطلق على القتل، والإحراق، والنميمة،
وغير ذلك.
والمسيح -بفتح الميم، وتخفيف المهملة المكسورة، وآخره حاء مهملة- يطلق على
الدجّال، وعلى عيسى ابن مريم ◌ُلِّلُ، ولكن إذا أريد الدجّال قُيّد به.
وقال أبو داود في ((السنن)): المسيح مثقّل الدجّال، ومخفف عيسى، والمشهور
الأول. وأما ما نقل الفربري في رواية المستملي وحده عنه، عن خلف بن عامر، وهو
الهمداني أحد الحُفّاظ أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، يقال للدجّال، ويقال
لعيسى، وأنه لا فرق بينهما بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين، فهو رأي ثالث.
وقال الجوهريّ: من قال بالتخفيف فلمسحه الأرض، ومن قاله بالتشديد فلكونه
ممسوح العين. وحكى بعضهم أنه قال بالخاء المعجمة في الدّجّال، ونسب قائله إلى
التصحيف .
واختلف في تلقيب الدجّال بذلك، فقيل: لأنه ممسوح العين، وقيل: لأن أحد شقي
وجهه خلق ممسوحًا، لا عين فيه، ولا حاجب، وقيل: لأنه يمسح الأرض إذا خرج.
وأما عيسىّالَّلامُ، فقيل: سُمّي بذلك لأنه خرج من بطن أمّه ممسوحًا بالدهن،
وقيل: لأن زكريّا مسحه، وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلّا برىء، وقيل: لأنه كان
يمسح الأرض بسياحته، وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: للبسه
المسوح، وقيل: هو بالعبرانية ما شيخا، فعرب المسيح، وقيل: المسيح الصدّيق.
وذكر صاحب ((القاموس)) أنه جمع في سبب تسمية عيسى بذلك خمسين قولاً، أوردها
في ((شرح المشارق))(١) .
و ((الدّجّال)): الخَدّاعِ الكَذَاب. فَعّال، من الدَّجل، وهو الخدع، والكذب،
والتغطية، والمراد به هنا الكذّاب المعهود الذي سيظهر في آخر الزمان، وفي معناه كلّ
مفسد مضلّ.
والمراد بفتنة المسيح الدجّال هي ما يظهر على يديه من الخوارق للعادة التي يضلّ بها
من ضعف إيمانه، كما اشتملت عليه الأحاديث الكثيرة التي بيّنت خروجه في آخر
(١) المصدر السابق جـ ٢ ص ٥٨٤ .

٢٥٥
٦٤ - (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٣٠٩
الزمان، وما يظهر معه من تلك الأمور، أعاذنا اللَّه تعالى من شر فتنته، بمنّه وكرمه
آمین .
(وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) ((المحيا)) بالقصر مَفْعَل من الحياة، كالممات
من الموت، والمراد الحياة والموت، ويحتمل أن يريد زمان ذلك، ويريد بذلك محنة
الدنيا وما بعدها، ويحتمل أن يريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر،
وكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما. قاله القرطبي.
وقال ابن دقيق العيد تَخْذَلهُ: فتنة المحيا ما يَعرض للإنسان مدّة حياته من الافتتان
بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها -والعياذ بالله- أمر الخاتمة عند الموت.
وفتنة الممات يجوز أن يُراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون
المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن بها فتنة القبر، وقد صحّ -يعني في
حديث أسماء الآتي في الجنائز- ((إنكم تفتنون في قبوركم مثل، أو قريبًا من فتنة
الدجّال))، ولا يكون مع هذا الوجه متكرّرًا مع قوله: ((عذاب القبر))، لأن العذاب مترتب
عن الفتنة، والسبب غير المسبب.
وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في القبر مع
الحيرة، وهذا من العامّ بعد الخاصّ، لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة
الدجال داخلة تحت فتنة المحيا.
وأخرج الحكيم الترمذيّ في ((نوادر الأصول)) عن سفيان الثوريّ أن الميت إذا سئل
((من ربّك)) تراءى له الشيطان، فيشير إلى نفسه إنّي أنا ربّك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له
حين يسأل، ثمّ أخرج بسند جيّد إلى عمرو بن مرّة: ((كانوا يستحبّون إذا وُضع الميت في
القبر أن يقولوا: اللَّهمّ أعذه من الشيطان)). قاله في ((الفتح)).
(اللَّهمَ إني أعوذ بك من المأثم) أي مما يأثم به الإنسان، أو مما فيه إثم، أو مما
يوجب الإثم، أو الإثم نفسه، مصدر وُضع موضع الاسم.
(والمَغْرَم) قال الجزري: هو مصدر وُضع موضع الاسم، يريد به مغرم الذنوب
والمعاصي. وقيل : : المغرم كالغرم، وهو الدين، ويريد به ما استُدين فيما يكرهه الله،
أو فيما يجوز، ثمّ عجز عن أدائه، فأما دين احتاج إليه، وهو قادر على أدائه، فلا يُستعاذ
منه انتهى(١) .
وقال الحافظ: المغرم الدين، يقال: غرم - بكسر الراء- أي ادَّانَ، قيل: المراد به ما
(١) ((المرعاة)) جل ٣ ص ٢٩٢ .

٢٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھو
يُستدان فيما لا يجوز، أو فيما يجوز، ثم يعجز عن أدائه، ويحتمل أن يراد به ما هو أعمّ
من ذلك، وقد استعاذ ◌َل من غلبة الدين. وقال القرطبي: المغرم الغرم، وقد نبّه في
الحديث على الضرر اللاحق من المغرم انتهى(١).
وقال السنديّ: بعد ذكر الأقوال السابقة: قلت: والظاهر أن المراد ما يُفضي إلى
المعصية بسبب ما انتهى (٢).
(فقال له قائل) هي عائشة راثها، كما بينته رواية المصنف -٥٤٥٤/٩ - من طريق
معمر، عن الزهري، ولفظها: كان رسول اللَّه ◌َليل أكثر ما يتعوّذ من المغرم والمأثم،
قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تتعوذ من المغرم؟، قال: ((إنه من غرم حدّث، فكذب،
ووعد فأخلف)).
(ما أكثر ما تستعيذ من المغرم) ((ما)) الأولى تعجبية، و((أكثر)) -بفتح الراء- فعل
تعجب، و ((ما)) الثانية مصدريّة، والمصدر المؤوّل منصوب على أنه مفعول فعل
التعجّب. كأن هذا القائل رأى أن الدين إنما يتعلق بضيق الحال، ومثله لا يحترز عنه
أصحاب الكمال. قاله السندي رحمه الله تعالى.
(فقال: إن الرجل) المراد الجنس، وغالب حاله (إذا غرم) - بكسر الراء - أي لزمه
دین، والمراد استدان، واتخذ ذلك دأبه وعادته، كما يدلّ عليه السياق (حدّث) -بتشديد
الدّال - أي أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد عذره في التقصير (فكذب) لأنه إذا تقاضاه
ربّ الدين، ولم يحضر ما يؤدي به دينه يكذب ليتخلص من يده، ويقول: لي مال غائب
إذا حضر أؤدي دينك (ووعد) أي في المستقبل بأن يقول: أعطيك غدا، أو في المدّة
الفلانية (فأخلف) في وعده.
وبما تقرّر عُلم أن ((غرم)) شرط، و((حدّث)) جزاء، و((كذب)) عطف على الجزاء
مرتب عليه، و((وعد)) عطف على ((حدّث))، لا على ((غرم))، و((أخلف)) مرتب عليه.
وحاصل الجواب أن الدين يؤدي إلى خلل بالدين، فلذلك وقعت العناية بالمسألة.
واستُشكل دعاؤه صلى الله عليه ورسلم بما ذكر مع أنه معصوم مغفور له ما تقدّم من
ذنبه وما تأخر.
وأجيب بأجوبة:
(أحدها): أنه قصد التعليم لأمته.
(ثانيها): أن المراد السؤال منه لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي.
(١) ((فتح)) جـ ٢ ص ٥٨٤ - ٥٨٥ .
(٢) ((شرح السندي)) جـ ٣ ص ٥٧ .

٢٥٧ ==
٦٤- (نَوْعٌ آخَرٌ) - حديث رقم ١٣٠٩
(ثالثها): سلوك طريق التواضع، وإظهار العبوديّة، ولزوم خوف اللَّه، وإعظامه،
والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقق الإجابة،
لأن ذلك يُحصّل الحسنات، ويرفع الدرجات، وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك،
لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة له لا يترك التضرّع، فمن لم يتحقّق له ذلك أحرى
بالملازمة .
وأما الاستعاذة من فتنة الدجّال مع تحققه أنه لا يدركه، فلا إشكال فيه على الوجهين
الأولين. وقيل على الثالث يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقق عدم إدراكه، ويدلّ عليه قوله
في الحديث الآخر عند مسلم: ((إن يَخرُج، وأنا فيكم، فأنا حجيجه ... )) الحديث.
أفاده في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٦٤ /١٣٠٩ - وفي ((الكبرى)) - ١٢٣٢/٩٨ - عن عمرو بن عثمان، عن
أبيه، عن شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عنها. وفي -٩/
٥٤٥٤- عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان، عن سلمة بن سعيد بن عطية، وكان خير
أهل زمانه، عن معمر، عن الزهريّ به. وفي -٢٢/ ٥٤٧٢ - عن إسحاق بن إبراهيم،
عن بقيّة، عن سليمان سُليم الحمصيّ، عن الزهريّ به.
وأخرجه (خ- ٢١١/١-، و١٥٤/٣، و٧٥/٩ (م) - ٩٢/٢، و٩٣/٢ (د) رقم
٨٨٠ (ابن خزيمة) ٨٥٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: مشروعية الدعاء بهذا الدعاء في الصلاة.
ومنها: إثبات عذاب القبر، خلافا لمن نفاه من المعتزلة، والتعوذ منه.
ومنها: التعوذ من فتنة الأشياء المذكورة فيه.
ومنها: تعظيم شأن الدين، وأنه سبب للوقوع في الإثم.
ومنها: تحريم الكذب، وخلف الوعد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
(١) (فتح)) جـ ٢ ص ٥٨٥ .

=
٢٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣١٠- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارِ الْمَوْصِلِيُّ، عَنِ الْمُعَافَى (١)، عَنِ
الأَوْزَاعِيِّ ح وَأَنْبَأَنَا (٢) عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ الأَوْزَاعِيّ،
عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بَّنِ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمَّ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ(٣) مِنْ أَرْبَعِ، مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ،
وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا
بَدَالَهُ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (محمد بن عبدالله بن عمّار الموصليّ) أبو جعفر، الْمُخَرِّمي، نزيل الموصل، ثقة
حافظ [١٠] تقدم ١٢٢٠/٢٠.
٢- (عليّ بن خشرم) المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠] تقدّم ٨/٨.
٣- (المُعافى) بن عمران الأزديّ الفهمي، أبو مسعود الموصليّ، ثقة عابد فقيه، من
كبار [٩] تقدّم ١٢٧١/٣٦.
٤- (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ، أبو إسرائيل الكوفي، ثقة مأمون [٨]
تقدّم ٨/٨.
٥- (الأوزاعي) عبدالرحمن بن عمرو الدمشقي الإمام الفقيه الحجة [٧] تقدم ٤٥/
٥٦ .
٦- (حسّان بن عطية) المحاربي مولاهم، أبو بكر الدمشقيّ، ثقة فقيه عابد [٤].
رَوَى عن أبي أمامة، وعنبسة بن أبي سفيان، وخالد بن معدان، ومحمد بن أبي
عائشة، وغيرهم. وعنه الأوزاعيّ، وأبو غسّان المدني، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
قال حنبل عن أحمد، وعثمانُ الدارميُّ عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي خيثمة عن
ابن معين: كان قدريًا. وقال سعيد بن عبدالعزيز: هو قدريّ، فبلغ ذلك الأوزاعيّ،
فقال: ما أغرّ سعيدًا بالله، ما أدركت أحدًا أشدّ اجتهادًا، ولا أعمل منه. وقال
الجوزجانيّ: كان ممن يتوهم عليه القدر. وقال العجلي: شامي ثقة. وقال الأوزاعيّ:
كان حسّان يتنحى إذا صلّى العصر في ناحية المسجد، فيذكر الله حتى تغيب الشمس.
(١) وفي نسخة ((عن مُعَافَى)).
(٢) وفي نسخة ((وأخبرني)).
(٣) وفي نسخة ((فليتعوذ من أربع)).

٢٥٩ ==
٦٤ - (نَوْعٌ آخَرٌ) - حديث رقم ١٣١٠
وقال خالد بن نزار: قلت للأوزاعيّ: حسّان بن عطية عمن قال؟ فقال لي: مثل حسّان
كنا نقوله عمن؟. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكره البخاريّ في ((الأوسط)) في
فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة، وقال: كان أفضل أهل زمانه. أخرج له
الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث فقط.
٧- (محمد بن أبي عائشة) المدني مولى بني أُميّة، سكن دمشق، خرج إليها مع بني
أميّة حين أخرجهم ابن الزبير، يقال: اسم أبيه عبدالرحمن(١)، حجازيّ ليس به بأس
[٤] .
رَوَى عن أبي هريرة، وجابر، وعمن صلى مع النبي ◌ََّ، وعن أبي سلمة بن
عبدالرحمن. وعنه حسّان بن عطية، وأبو قلابة، وعبدالرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو
إسحاق الحجازيّ، شيخ لبقيّة .
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن
حبّان في ((الثقات)). وذكر ابن أبي حاتم أنه أخو موسى بن أبي عائشة، وقال سألت أبي
عنه؟، فقال: ليس بمشهور، قليل الحديث انتهى.
قال الحافظ: وقع له -أي لابن أبي حاتم- وَهَمّ في ذكر الرواة عنه، وذلك أنه
صحّف أبا قلابة، فقال: روى عنه أبو عوانة، ثمّ ضمّ إليه شعبة، والثوريّ، وهؤلاء إنما
رووا عنه بواسطة، فسبحان من لا يسهو انتهى.
أخرج ه البخاري في ((جزء القراءة» حديثا واحدًا، والباقون إلا الترمذي، له عندهم
حديث الباب، وعند أبي داود حديث آخر: ((ذهب أصحاب الدثور بالأجور، يصلّون
كما نصلي ... )) في الذكر عقب الصلاة. والله تعالى أعلم.
٨- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه، تقدّم ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيّات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم موثقون، وأن
فيه كتابة (ح) إشارة إلى الانتقال إلى سند آخر، وقد أشبعت الكلام عليها في مواضع
كثيرة فيما مضى من هذا الشرح، فللمصنف رَخْذَهُ تعالى في هذا الحديث سندان إلى
الأوزاعي، أحدهما محمد بن عبدالله الموصلي، عن المعافى، عنه، والثاني علي بن
خشرم، عن عيسى بن يونس، عنه، وأن لفظ الحديث المذكور هنا هو لفظ عيسى بن
يونس، وأما المعافى فراه بمعناه، وفيه رواية تابعيّ عن تابعي، وفيه أبو هريرة أكثر من
(١) عبارة (تهذيب الكمال)) جـ ٢٥ ص ٤٣٠: ((ويقال: محمد بن عبد الرحمن بن أبي عائشة)).

٢٦٠
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن محمد بن أبي عائشة) أنه (قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه ◌َلت:
إذا تشهّد أحدكم) وفي رواية مسلم ((إذا فرغ أحدكم من التشهّد الآخر ... )) ومعناه آخر
الصلاة، فيشمل ما فيه تشهد واحد، كالصبح، وفيه تقييد لحديث عائشة تحديثها المذكور
قبله، حيث قالت: ((كان رسول اللَّه وَالر يدعو في الصلاة ... ))، فبين في هذا الحديث
أن التعوذ يكون بعد الأخير.
وفيه ردّ على ابن حزم فيما ذهب إليه من وجوب التعوذ أيضا في التشهد الأول.
قال النووي ◌َّلهُ: فيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارة إلى أنه لا
يستحبُّ في الأول، وهكذا الحكم، لأن الأوّل مبنيّ على التخفيف انتهى.
(فليتعوّذ بالله) ظاهره وجوب الاستعاذة من هذه الأربع، وإليه ذهب طاوس، حيث
أمر ابنه بإعادة الصلاة لتركها، وهو مذهب ابن حزم، وحمله الجمهور على الندب،
وادعى بعضهم الإجماع على الندب، وهو لا يتمّ مع مخالفة من ذكر.
قال العلامة الشوكاني ◌َخْذّلهُ: والحقّ الوجوب، إن علم تأخّر هذا الأمر عن حديث
المسيء صلاته، لما عرّفناك في شرحه . انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كونه للوجوب هو الظاهر. والله تعالى أعلم.
(من أربع) أي من أربع خصال (من عذاب جهنم) الجارّ والمجرور بدل من الجاز
والمجرور قبله بدل تفصيل من مجمل، وقدم التعوذ من عذاب جهنم لكونه أشدّ وأبقى
(وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات ومن شرّ المسح الدجال) قيل: أخره لأنه إنما يقع
في آخر الزمان قربَ الساعة.
قال القاري: قيل: له شرّ وخير، فخيره أن يزداد المؤمن إيمانًا، ويقرأ ما هو مكتوب
بين عينيه، من أنه كافر، فيزداد إيمانًا، وشرّه أن لا يقرأه الكافر، ولا يعلمه انتهى.
(ثمّ يدعو لنفسه بما بداله) هذا مما يؤكّد أن الأمر بالتعوذ من الأمور الأربعة للوجوب،
حيث خيّر المصلي أن يدعو بما يشاء هنا، بخلاف ما تقدّم، فقد أمره دون تخيير. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.