النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١ =
٥٤- (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٢٩٤
((التفسير)) ١١١٦٨- عن محمد بن سلمة، ثلاثتهم عن ابن القاسم، عن مالك، عن
عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن عمرو بن سُلَيم، عنه.
وأخرجه (خ) ١٧٨/٤، و٩٦/٨ (م) ١٦/٢ (د) ٩٧٩ (ق) - ٩٠٥ (مالك في
((الموطا))) ١٢٠ (أحمد) ٤٢٤/٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في قوله: ((وأزواجه)):
وهو جمع زوج، وقد يقال: زوجة، والأول أفصح، وبها جاء القرآن، قال تعالى:
﴿يَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾
[الأنبياء: ٩٠].
ومن الثاني قول ابن عباس رَّ في عائشة ◌َّها: ((إنها زوجة نبيكم في الدنيا
والآخرة)). وقال الفرزدق: [من الطويل]
كَسَاعِ إِلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا(١)
وَإِنَّ الَّذِي يَبْغِي لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي
وقد يُجمَع ((زوجة)) على زوجات.
وجملة أزوج النبي وَّ اللاتي دخل بهنّ إحدى عشرة:
أولاهنّ: خديجة بنت خُويلد بن أسد بن عبدالعُزَّى بن قُصَيّ بن كلاب.
تزوجها وَ﴾ بمكة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله
برسالته، فآمنت به ونصرته، فكانت له وزير صدق، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين في
الأصحّ، وقيل: بأربع، وقيل: بخمس.
الثانية: سودة بنت زَمْعة بن قيس بن عبدشمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حِسل
ابن عامر بن لؤيّ، تزوجها وَ لهار بعد وفاة خديجة رَويّ، ولما كبرت، وهبت يومها
لعائشة رَّها إرضاء لرسول اللّه وَ ل حيث كانت حِبّه، فكان يقسم لنسائه ولا يَقسم لها،
وهي راضية بذلك. توفيت في آخر خلافة عمر نظراته.
الثالثة: الصدّيقة بنت الصّدّيق عائشة بنت أبي بكر ◌َّ، تزوجها النبيِ رَّ، وهي
بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وبنى بها بالمدينة، أوّل مَقْدَمه في
السنة الأولى، وهي بنت تسع سنين، ومات عنها، وهي بنت ثماني عشرة سنة، وتوفيت
بالمدينة، ودفنت بالبقيع، وأوصت أن يصلي عليها أبو هريرة رَّه ، سنة ثمان
و خمسين .
الرابعة: حفصة بنت عمر بن الخطاب رَوِّها، وكانت قبله عند خُنَيس بن حُذَافة
(١) ((يستبيلها)): أي يأخذ بولها في يده.

١٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
السَّهْميّ، وكان صحابيا شهد بدرًا، توفيت سنة سبع، وقيل: ثمان وعشرين.
الخامسة: أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رَمْلة بنت صخر بن حرب بن أمية بن
عبدشمس بن عبدمناف، هاجرت مع زوجها عُبَيداللَّه بن جحش إلى الحبشة، فتنصّر
هناك ومات، فتزوجها النبي وَ لهير وهي هناك، وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار،
وبعث رسول اللّه وَ الهر عمرو بن أميّة الضَّمْريّ إلى النجاشيّ يخطبها، وولي نكاحها
عثمان بن عفّان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص.
السادسة: أم سلمة هند بنت أبي أميّة بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم بن
يقظة بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبدالأسد،
ومات بالمدينة من جرح أصابه بأحد تهوشه .
توفيت سنة (٦٢) ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج النبي وَّر موتًا، وقيل: بل ميمونة
السابعة: زينب بنت جحش من بني خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهي بنت
عمته أميمة بنت عبدالمطّلب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة رَؤليثبتا، وطلقها،
فزوجه اللَّه تعالى إياها، وأنزل عليه قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّحْتَكَهَا﴾
[الأحزاب: ٣٧] فقام فدخل عليها بلا استئذان، وكانت تَفْخَر بذلك على سائر أزواجه
وَّر، وتقول: زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوجني الله من فوق سبع سماواته.
توفيت بالمدينة سنة عشرين، ودفنت بالبقيع تعطلها .
الثامنة: زينب بنت خُزيمة الهلالية، وكانت تحت عبدالله بن جحش، استُشهد يوم
أحد، فتزوّجها رسول اللّه ◌َله سنة ثلاث من الهجرة، وكانت تسمى أم المساكين،
لكثرة إطعامها المساكين، ولم تلبث عنده وَّ إلا يسيرًا شهرين أو ثلاثة، فتوفيت
رَض انتها.
التاسعة: جُويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وكانت سُبيت في غزوة بني
المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى النبي وَّ كتابتها،
وتزوجها سنة ست من الهجرة، وتوفيت سنة (٥٦) رطو ◌ّتها.
العاشرة: صفية بنت حُييّ من ولد هارون ◌َالَّله، سبيت من خيبر، وكانت تحت كنانة
بن أبي الْحُقيق، فقتله رسول اللّه وَ ل ير عام خيبر، فأعتقها، وتزوجها، وجعل عتقها
صداقها، وتوفيت سنة (٣٦)، وقيل: (٥٠) رصَّتها.
الحادية عشرة: ميمونة بنت الحارث الهلالية، تَّهَا، تزوجها النبي وَلَهُ بِسَرِفَ،
وبنى بها فيها، وماتت فيها، وهي على سبعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوّجها من

١٨٣
٥٤- (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٢٩٤
أمهات المؤمنين، توفيت سنة (٦٣) تَط لتها.
فهؤلاء جملة من دخل بهن من النساء.
قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره: وعقد على سبع، ولم يدخل بهنّ.
فالصلاة على أزواجه وَلّ تابعة لاحترامهنّ، وتحريمهن على الأمّة، وأنهنّ نساؤه وَله
في الدنيا والآخرة، فمن فارقها في حياتها، ولم يدخل بها لا يثبت لها أحكام زوجاته
اللاتي دخل بهنّ، ومات عنهنّ صلى الله عليه، وعلى أزواجه، وذرّيّته وسلّم
تسليما(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم الكلام على أزواجه وتطوير نظمًا من كلام
الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في ((أبواب الغسل)) رقم - ٢٦٤/١٧٠-، وتقدم هناك
فوائد كثيرة، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة :
في قوله ((وذرّيّته))، وفيه بحثان:
البحث الأول: في اشتقاقها، وفيه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها من ذَرَأَ اللَّهُ الخلقَ: أي نشرَهم، وأظهرهم، إلا أنهم تركوا همزها
استثقالاً، فأصلها ذُرِّيئَةٌ بالهمز فُعِيلَةٌ من الذّزْء. وهذا اختيار صاحب ((الصَّحَاح)) وغيره.
القول الثاني: أن أصلها من الذّرّ، وهو النمل الصغار، وكان قياس هذه النسبة ((ذَرّيّة))
بفتح الذال، وبالياء، لكنهم ضموا أوّلها، وهمّزوا آخرها، وهذا من باب تغيير النسب.
وهذا القول ضعيف من وجوه :
منها: مخالفة باب النسب.
ومنها: إبدال الراء ياء، وهو غير مقيس.
ومنها: أنه لا اشتراك بين الذّرّيّة والذّرّ إلا في الذال والراء، وأما في المعنى فليس
مفهوم أحدهما مفهوم الآخر.
ومنها: أنّ الذرّ من المضاعف، والذُّرّيّة من المعتلّ، أو المهموز، فأحدهما غير
الآخر .
القول الثالث: أنها من ذَرا يذرُو: إذا فرّق، من قوله تعالى: ﴿نَذْرُوهُ الرَّحُ﴾
[الكهف: ٤٥] وأصلها على هذا ذَرْيَوَة فَعْلَيَة من الذّزو، ثم قلبت الواو ياء لسبق
إحداهما بالسكون.
-
(١) راجع ((جلاء الأفهام)) ص ١٧٣ - ٢٠١ .

١٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْو
والقول الأول أصح، لأن الاشتقاق والمعنى يشهدان له، فإن أصل هذه المادة من
(الذرء»، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجَّا يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ﴾
[الشورى: ١١] وفي الحديث: ((أعوذ بكلمات اللَّه التامّات التي لا يُجاوزهن بَرّ، ولا
فاجر من شرّ ما خلق، وذَرَأَ، وبَرَأَ)) (١) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ
وَاُلْإِنسِّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَنْهٌ﴾
[النحل: ١٣]. فالذُّرّيّة فُعْلية منه بمعنى مفعولة، أي مذروءة، ثم أبدلوا همزها، فقالوا:
ذُرّيّة.
البحث الثاني: في معناها :
(اعلم): أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الذرية تقال على الأولاد الصغار والكبار
أيضًا، وإنما الخلاف، هل تقال على الآباء، أم لا؟، ففيه قولان:
(أحدهما): أنهم يُسَمَّون ذرّيّة أيضًا، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَُّمْ أَنَّاً
حَلْنَا ذُرِيَّتَهُمْ فِ اَلْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١].
(الثاني): أنه أنكر ذلك جماعة من أهل اللغة، وقالوا: لا يجوز هذا في اللغة، والذرّيّة
كالنسل والعقب، لا تكون إلا للعمود الأسفل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَابَبِهِمْ وَذُرِّيَِّهِمْ
وَإِخْوَنِهِمْ﴾ [الأنعام: ٨٧]، فذكر جهات النسب الثلاث من فوق، ومن أسفل، ومن
الأطراف.
قالوا: وأما الآية التي استشهد بها، فلا دليل فيها، لأن الذرية فيها لم تضف إليهم
إضافة نسل وإيلاد، وإنما أضيفت إليهم بوجه ما، والإضافة تكون بأدنى ملابسة،
واختصاص، كما في قول الشاعر: [من الطويل]
إِذَا كَوْكَبُ الْخَرْقَاءِ لَاحَ بِسُخْرَةٍ(٢) سُهَيْلٌ أَذَاعَتْ غَزْلَهَا فِي الْقَرَائِبِ
فأضاف إليها الكوكب، لأنها كانت تغزل إذا لاح وظهر، وقيل في الآية: غير ذلك.
إذا ثبت هذا فالذرّيّة الأولاد وأولادهم، وهل يدخل فيها أولاد البنات؟ فيه قولان
للعلماء، هما روايتان عن أحمد:
(إحداهما) يدخلون، وهو مذهب الشافعي.
(والثانية): لا يدخلون، وهو مذهب أبي حنيفة.
واحتجّ من قال بدخولهم بأن المسلمين مجمعون على دخول أولاد فاطمة تعيّها في
ذرية النبي ◌َّ المطلوب لهم من اللَّه الصلاة، لأن أحدًا من بناته لم يُعقب غيرُها، فمن
(١) أخرجه أحمد ٤١٩/٣ بسند رجاله ثقات، وأخرجه مالك في ((الموطإ)) ٢/ ٩٥٠ مرسلًا.
(٢) ((السُّخْرَةُ)) بضم، فسكون: السَّحَرُ.

١٨٥
٥٤- (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٢٩٤
انتسب إليه وَل﴾ من أولاد ابنته، فإنما هو من جهة فاطمة خاصّةً، ولهذا قال النبيّ وَّ في
الحسن ابن ابنته: ((إن ابني هذا سيد))(١) فسماه ابنه، ولما أنزل اللَّه سبحانه آية المباهَلَة:
﴿فَمَنْ حَاَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ﴾ الآية [آل
عمران: ٦١] دعا النبي ◌َّ فاطمة، وحسنًا، وحسينًا، وخرج للمباهلة.
قالوا: وأيضًا، فقد قال الله تعالى في حق إبراهيمَالتَّلِمُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ
وَزَكَرِتَا وَيَحْبَى وَعِيسَى
وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
وَإِلْيَاسِ﴾ [الأنعام: ٨٤- ٨٥] ومعلوم أن عيسى لم ينتسب إلى إبراهيم إلا من جهة أمه
مريم عليهما السلام.
وأما من قال بعدم دخولهم، فحجته أن ولد البنات إنما ينتسبون إلى آبائهم حقيقةً،
ولهذا إذا وَلَّدَ الهذليُّ، أو التيميُّ، أو العدويُّ هاشميةً لم يكن ولدها هاشميّا، فإن الولد
في النسب يتبع أباه، وفي الحرية والرّقّ أمه، وفي الدين خير الأبوين دينًا، ولهذا قال
الشاعر [من الطويل]:
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ
ولو أوصى، أو وقف على قبيلة لم يدخل فيها أولاد بناتها من غيرها.
قالوا: وأما دخول أولاد فاطمة ◌َّها في ذرّيّة النبي وَّر، فلشرف هذا الأصل
العظيم، والوالد الكريم الذي لا يُدَانيه أحد من العالمين سَرَى، ونَفَذَ إلى أولاد البنات،
لقوّته، وجلالته، وعظم قدره، ونحن نرى من لا نسبة له إلى هذا الجناب العظيم من
العظماء والملوك وغيرهم تسري حرمة إيلادهم وأبوّتهم إلى أولاد بناتهم، فتلحظهم
العيون بلحظ أبنائهم، ويكادون يُضربون عن ذكر آبائهم صفحًا، فما الظنّ بهذا الإيلاد
العظيم قدرُهُ، الجليل خَطَره.
قالوا: وأما تمسككم بدخول المسيح في ذرّيّة إبراهيم فلا حجة لكم فيه، فإن
المسيح لم يكن له أب، فنسبه من جهة الأب مستحيل، فقامت أمه مقام أبيه، ولهذا
ينسبه الله سبحانه إلى أمه، كما ينسب غيره من ذوي الآباء إلى أبيه، وهكذا كلّ من
انقطع نسبه من جهة الأب، إما بلعان، أوغيره، فأمه في النسب تقوم مقام أبيه وأمه،
ولهذا تكون في هذه الحال عصبته في أصحّ الأقوال، وهو إحدى الروايات عن الإمام
أحمد زَخْذُلُهُ، وهو مقتضى النصوص، وقول ابن مسعود رَّه وغيره، والقياس يشهد
له بالصحّة، لأن النسب في الأصل للأب، فإذا انقطع من جهته عاد إلى الأم، فلو قُدّر
(١) أخرجه البخاري، وأصحاب السنن.

١٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
عوده من جهة الأب رجع من الأمّ إليه. انتهى مختصرًا من كلام الإمام ابن القيم رحمه
الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة :
استدلّ الإمام البخاري رحمه اللّه تعالى بحديث الباب على جواز الصلاة على غير
الأنبياء، فقال في ((صحیحه) :
(«باب هل يُصَلَّى على غير النبي ◌ِّ. وقوله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ
◌َهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
ثم أسند عن ابن أبي أوفى رَمّه، قال: كان إذا أتى رجلٌ النبيَّ نَّه بصدقته، قال:
((اللَّهم صل عليه))، فأتاه أبي بصدقته، فقال: ((اللَّهم صلّ على آل أبي أوفى)).
ثم ذكر حديث أبي حميد رَظّه المذكور في الباب.
قال في ((الفتح)): قوله: ((بابٌ هل يُصَلّى على غير النبيِ وَّ)). أي استقلالاً، أو
تبعًا، ويدخل في الغير الأنبياءُ والملائكة والمؤمنون.
فأما مسألة الأنبياء، فورد فيها أحاديث:
(فمنها): حديث علي رَّه في الدعاء بحفظ القرآن، ففيه: ((وصلّ عليّ، وعلى
سائر النبيين)). أخرجه الترمذي، والحاكم.
وحديث بُرَيدة رَّه رفعه: ((لا تتركن في التشهد الصلاة عليّ وعلى أنبياء الله))
الحديث، أخرجه البيهقي بسند واه.
وحديث أبي هريرة ◌َظمفيه رفعه: ((صلّوا على أنبياء الله)) الحديث، أخرجه إسماعيل
القاضي بسند ضعيف .
وحديث ابن عباس رَويّما رفعه: ((إذا صلّيتم علي، فصلُّوا على أنبياء الله، فإن الله
بعثهم كما بعثني)). أخرجه الطبراني، وسنده ضعيف أيضًا.
وقد ثبت عن ابن عباس رؤيتها اختصاص ذلك بالنبي وَّر. أخرجه ابن أبي شيبة من
طريق عثمان بن حكيم، عن عكرمة، عنه، قال: ((ما أعلمُ الصلاةَ تنبغي على أحد من
أحد إلا على النبي ◌َل﴾))، وهذا سند صحيح.
وحُكي القول به عن مالك، وقال: ما تُعُبِّدْنا به. وجاء نحوه عن عمر بن عبدالعزيز،
وعن مالك يكره.
وقال عياض: عامة أهل العلم على الجواز. وقال سفيان: يكره أن يصلى إلا على
(١) ((جلاء الأفهام)) ص ٢٠٢ - ٢٠٨.

٥٤- (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٢٩٤
١٨٧ ==
نبيّ، ووجدت بخط بعض شيوخي مذهب مالك: لا يجوز أن يُصلَّى إلا على محمد،
وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا
أن نتعدّی ما أُمرنا به.
وخالفه يحيى بن يحيى، فقال(١): واحتج بأن الصلاة دعاء بالرحمة، فلا يُمنع إلا
بنصّ، أو إجماع .
قال عياض: والذي أميل إليه قول مالك، وسفيان، وهو قول المحققين من
المتكلمين، والفقهاء قالوا: يُذكَرُ غير الأنبياء بالرضا والغفران، والصلاةُ على غير
الأنبياء- يعني استقلالا- لم يكن من الأمر المعروف، وإنما أَحدثت في دوله بني
هاشم .
وأما الملائكة، فلا أعرف فيه حديثًا نصًا، وإنما يؤخذ ذلك من الذي قبله إن ثبت،
لأن الله تعالى سمّاهم رُسُلاً.
وأما المؤمنون، فاختلف فيهم، فقيل: لا تجوز إلا على النبي ◌َّ خاصّةً، وحكي عن
مالك كما تقدّم.
وقالت طائفة: لا تجوز مطلقًا، استقلالا، وتجوز تَّبَعًا فيما ورد به النصّ، أو ألحق به،
لقوله تعالى: ﴿لَ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ الآية
[النور: ٦٣]، ولأنه لما علمهم السلام، قال: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين))،
ولما علّمهم الصلاة قصر ذلك عليه، وعلى أهل بيته.
وهذا القول اختاره القرطبي في ((المفهم))، وأبو المعالي من الحنابلة،، وهو اختيار
ابن تيمية من المتأخرين .
وقالت طائفة: تجوز تبعًا مطلقًا، ولا تجوز استقلالا. وهذا قول أبي حنيفة وجماعة.
وقالت طائفة: تكره استقلالا، لا تبعًا، وهي رواية عن أحمد. وقال النووي: هو
خلاف الأولى.
وقالت طائفة: تجوز مطلقًا، وهو مقتضى صنيع البخاريّ تَخّْتُهُ، فإنه صدّر بالآية،
وهي قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ثم عقبه بالحديث الدالّ على الجواز مطلقا،، وعقّبه
بالحديث الدّالّ على الجواز تبعًا.
فأما الأول، فسيأتي شرحه في ((كتاب الزكاة)) - ٢٤٥٩/١٣ - إن شاء الله تعالى. ووقع
مثله عن قيس بن سعد بن عُبَادة رَّهَا: أن النبي وَّ رفع يديه، وهو يقول: ((اللَّهم اجعل
(١) هكذا عبارة ((الفتح))، ولعله سقط منه ((يجوز))، أو نحوه، فليحرر.

سـ
١٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
صلواتك، ورحمتك، على آل سعد بن عبادة)). أخرجه أبو داود، والنسائي بسند جيد.
وفي حديث جابر نَّه: ((أن امرأته، قالت للنبي وَلِهِ: صلِّ عليّ وعلى زوجي،
ففعل)). أخرجه أحمد مطوّلاً ومختصرًا، وصححه ابن حبّان.
وهذا القول جاء عن الحسن، ومجاهد، ونصّ عليه أحمد في رواية أبي داود، وبه
قال إسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبريّ.
واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾، وفي ((صحيح مسلم))
من حديث أبي هريرة تَظُّه مرفوعًا: ((إن الملائكة تقول لروح المؤمن: صلى الله
عليك، وعلى جسدك)).
وأجاب المانعون عن ذلك كله بأن ذلك صدر من اللَّه تعالى، ورسوله وَلّر، ولهما أن
يخصّا من شاءا بما شاءا، وليس ذلك لأحد غيرهما.
وقال البيهقي تَّلهُ: يحتمل قول ابن عباس رَضِيّهتا بالمنع إذا كان على وجه التعظيم،
لا ما كان إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة والبركة انتهى ما في ((الفتح)) ببعض
تصرّف(١).
ولقد حقق الموضوع الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى، وناقش الأدلّة، وأجاد وأفاد،
ثم قال في آخر البحث: ما نصه:
وفصل الخطاب في هذه المسألة أن الصلاة على غير النبي ◌َّ إما أن يكون آله
وأزواجه وذريته، أوغيرهم، فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة، مع الصلاة على
النبي ◌َّل، وجائزة مفردة.
وأما الثاني: فإن الملائكة، وأهل الطاعة عمومًا الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم
جاز ذلك أيضًا، فيقال: اللَّهم صلّ على ملائكتك المقرّبين، وأهل طاعتك أجمعين، وإن
كان شخصًا معينًا، أو طائفة معيّنةً كُره أن يتخذ الصلاة عليه شعارًا، لا يُخلّ به، ولو قيل
بتحریمہ لکان له وجه، ولا سيما إذا جعلها شعارًا له، ومنع منها نظیره، أو من هو خير
منه، وهذا كما تفعل الرافضة بعلي رَّه ، فإنهم حيث ذكروه قالوا: عليه الصلاة
والسلام، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع، لا سيما إذا المُخُذ شعارًا، لا
يُخَلّ به، فتركه حينئذ متعيّن، وأما إن صلى عليه أحيانًا بحيث لا يجعل ذلك شعارًا كما
يصلي على دافع الزكاة، وكما قال ابن عمر للميت: صلى اللّه عليه، (٢) وكما صلى
(١) (فتح)) جـ ١٢ ص ٤٦١ - ٤٦٢ .
(٢) أخرجه إسماعيل القاضي في ((فضل الصلاة)) بسند صحيح، ولفظه: ((عن نافع، عن ابن عمر أنه
كان يكبر على الجنازة، ويصلي على النبي ◌َّ، ثم يقول: اللهم بارك فيه، وصل عليه، واغفر
له، وأورده حوض نبيك)».

١٨٩ =
٥٤- (نَوْعٌ آخَرٌ) - حديث رقم ١٢٩٤
النبي وَلّر على المرأة وزوجها (١)، وكما روي عن علي من صلاته على عمر رَّ، فهذا
لا بأس به.
وبهذا التفصيل تتفق الأدلّة، وينكشف وجه الصواب. والله تعالى ولي التوفيق انتهى
كلام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى(٢)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي حققه العلامة ابن القيم تَخْذَهُ حسنٌ جدًّا،
فالحق جواز الصلاة على غير الأنبياء من المؤمنين استقلالّ ما لم يمنع منه مانع، كما بينه
ابن القيم في كلامه المذكور. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: اختلفوا في ((السلام))، هل هو في معنى ((الصلاة))، فيكره أن يقال: السلام
على فلان، أو قال فلان غِالَّله؟ فكرهه طائفة، منهم: أبو محمد الْجُوَيني، ومنع أن
يقال: عن علي ◌َلِّلُ.
وفرّق آخرون بينه وبين الصلاة، فقالوا: السلام يشرع في حقّ كل مؤمن حيّ ومیت،
وحاضر وغائب، فإنك تقول: بلّغ فلانًا مني السلام، وهو تحية أهل الإسلام، بخلاف
الصلاة، فإنها من حقوق الرسول وَل#، ولهذا يقول المصلي: ((السلام علينا، وعلى عباد
الله الصالحين))، ولا يقول: الصلاة علينا، وعلى عباد الله الصالحين، فعلم الفرق.
انتھی(٣).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه مثل الصلاة، فإن كان شعارًا
لبعض الناس، كقول الشيعة: عليَّ لِّلُ، فيكره، وإلا فلا، كما تقدم التفصيل في
كلام ابن القيّم في الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة :
أورد المصنف رحمه اللّه تعالى في هذا الباب - ((بابٌ كيف الصلاة على النبيِ وَّ) -
أنواعا من الصلاة على النبي وَ لّ عن خمسة من الصحابة * *، هم: أبو مسعود
البدري، وكعب بن عُجْرة، وطلحة بن عبيدالله، وزيد بن خارجة، وأبو سعيد الخدريّ
رضي الله تعالى عنهم.
وذكر ممن رُويت عنه فيما مضي ١٢٨٣/٤٦ ابنَ مسعود، و١٢٨٣/٤٧ - طلحةَ بنَ
عبيدالله، و١٢٨٤/٤٨ - فَضَالةَ بن عُبيد.
وسيأتي له في ١٢٩٦/٥٥ - أبو هريرة، وفي - ١٢٩٧/٥٥- أنس بن مالك رضي
(١) أخرجه أحمد، وأبو داود بسند قويّ كما تقدم من حديث جابر رضيه.
(٢) ((جلاء الأفهام)) ص ٣٧٩ .
(٣) ((جلاء الأفهام)) ص ٣٧٩ .

١٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
الله تعالى عنهم.
فجملة مَن رُوي عنه أحاديثُ الصلاة على النبي ◌َّر عند المصنف عشرة أنفس.
وقد ورد عن عدة من الصحابة ، غير هؤلاء، وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله
تعالى في كتابه ((جَلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام)) هؤلاء، وزاد عليهم
غیرهم، فممن زاده:
على بن أبي طالب، وأبو هريرة، وبُرَيدة بن الحصيب، وسهل بن سعد الساعديّ،
وعمر بن الخطاب، وعامر بن ربيعة، وعبدالرحمن بن عوف، وأبي بن كعب،، وأوس
ابن أوس، والحسن، والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وفاطمة بنت رسول اللَّه وَةِ،
والبراء بن عازب، ورُوَيفع بن ثابت الأنصاريّ، وجابر بن عبدالله، وأبو رافع مولى
رسول اللّه وَله، وعبدالله بن أبي أوفى، وأبو أمامة الباهلي، وعبدالرحمن بن بشر بن
مسعود(١)، وأبو بردة بن نيار، وعمار بن ياسر، وجابر بن سمرة، وأبو أمامة بن سهل
ابن حُنيف، عن رجل من الصحابة، ومالك بن الْحُويرث، وعبدالله بن الحارث بن جَزْء
الزُّبَيديّ، وعبدالله بن عباس، وأبو ذرّ، وواثلة بن الأسقع، وأبو بكر الصدّيق،
وعائشة، وعبدالله بن عمرو، وأبو الدرداء، وسعيد بن عمير الأنصاريّ، عن أبيه عُمير،
وهو من البدريين، وحَبّان بن منقذ رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين.
وذكر ابن القيم يخّْهُ ما لهؤلاء من الأحاديث بأسانيدها، وتكلم عليها بما يكفي
ويشفي، فلْيُرَاجع كتابه المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة :
في ذكر قاعدة في هذه الصلوات التي اختلفت ألفاظها، ومثلُها الأذكار، والأدعيةُ
التي رُويت بأنواع مختلفة، كأنواع الاستفتاحات، وأنواع التشهدات في الصلاة، وأنواع
الأذكار، والأدعية التي في الركوع، والسجود، وفي الرفع منهما:
قد سلك بعض المتأخرين (٢) في ذلك مسلك الجمع بينها، فقال: يستحب له أن
يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى أن ذلك أفضل ما يُقال فيها، فرأى أنه يستحبّ
للمصلي على النبي وَلّ أن يقول: ((اللَّهم صل على محمد النبي الأميّ، وعلى آل
محمد، وأزواجه، وذرّيّته، وارحم محمدًا، وآل محمد، وأزواجه، وذرّيّته، كما
(١) لكن هذا تابعي كما تقدم، وهو الراوي عن أبي مسعود عند المصنف رقم ١٢٨٦/٥٠ فلا يعدّ
حديثه مستقلاً مثل أحاديثهم، فتنبه .
(٢) هو النووي ◌َّلهُ ذكر نحو هذا في ((شرح المهذّب))، وكذا في ((التحقيق))، و((الفتاوى))، كما قاله
في ((الفتح)) جـ ١٢ ص ٤٤٦ - ٤٤٧ .

٥٤- (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٢٩٤
=
١٩١
صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم))، وكذلك في البركة والرحمة.
وكذا الداعي بدعاء الصدّيق رَظّه يقول: ((اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا
كبيرًا ... الخ)).
ويقول في دعاء الاستخارة: ((اللَّهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني،
ومعاشي، وعاقبة أمري، وعاجل أمري، وآجله))، ونحو ذلك.
قال: ليصيب ألفاظ النبي وَّل يقينًا فيما شكّ فيه الراوي، ولتجتمع له الأدعية فيما
اختلفت ألفاظها .
ونازعه في ذلك آخرون(١) وقالوا: هذا ضعيف من وجوه:
(أحدها): أن هذه طريقة مُحدَثة، لم يَسبقْ إليها أحد من الأئمة المعروفين.
(الثاني): أن صاحبها إن طَرَدها لزمه أن يَستَحبّ للمصلي بجميع أنواع
الاستفتاحات، وأن يتشهد بجميع أنواع التشهدات، وأن يقول في ركوعه وسجوده
جميع الأذكار الواردة فيه، وهذا باطل قطعًا، فإنه خلاف عمل الناس، ولم يستحبّه أحد
من أهل العلم، وهو بدعة، وإن لم يطردها تناقض، وفرّق بين متماثلين.
(الثالث): أن صاحبها ينبغي له أن يستحب للمصلي والتالي أن يجمع بين القرءات
المتنوّعة في التلاوة في الصلاة وخارجها، قالوا: ومعلوم أن المسلمين متفقون على أنه
لا يستحبّ ذلك للقارىء في الصلاة، ولا في خارجها، إذا قرأ قراءة عبادة وتدبّر، وإنما
يَفْعَلُ ذلك القُرّاءُ أحيانًا ليمتحنوا بذلك حفظ القارىء لأنواع القراءات، وإحاطته بها،
واستحضاره إيّاها، والتمكّن من استحضارها عند طلبها، فذلك تمرين، وتدريب، لا
تعبّد يُستحبّ لكلّ تال وقارىء، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه.
بل المشروع في حقّ التالي أن يقرأ بأيّ حرف شاء، وإن شاء أن يقرأ بهذا مرّةً وبهذا
مرّة جاز ذلك
وكذلك المصلي إذا صلى على النبي 9َ﴿ إن شاء يصلي بلفظ كعب بن عُجرة، وإن
شاء بلفظ أبي حُميد الساعديّ، وإن شاء بلفظ أبي سعيد الخدري، وإن شاء بلفظ أبي
(١) قال في ((الفتح)): وقال الأذرعي: لم يُسْبَق إلى ما قال، والذي يظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتي
بأكمل الروايات، ويقول كل ما ثبت، هذا مرّة، وهذا مرة، وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة
في التشهد لم ترد مجموعة في حديث واحد. انتهى.
قال الحافظ: وكأنه أخذه من كلام ابن القيم، ثم ذكر معنى كلام ابن القيم ◌َخْذَلهُ. راجع ((الفتح))
جـ ١٢ ص ٤٤٦ - ٤٤٨ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تبين من كلام الأذرعي أن النووي هو أول من قال بهذا الجمع.
والله تعالى أعلم.

١٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
طلحة رضي اللّه تعالى عنهم، وإن شاء صلى بهذا مرة، وبهذا مرةً، وهكذا، ولا يجمع
بين ألفاظها المختلفة .
وكذلك إذا تشهد، فإن شاء تشهد بتشهد ابن مسعود، وإن شاء تشهد بتشهد ابن
عباس، وإن شاء بتشهد ابن عمر، وإن شاء بتشهد عائشة * ** أجمعين.
وكذلك في الاستفتاح إن شاء استفتح بحديث علي، وإن شاء بحديث أبي هريرة،
له أجمعين، وإن شاء فعل هذا مرةً، وفعل هذا مرةً.
وإن شاء باستفتاح عمر
وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع، إن شاء قال: ((اللَّهم ربنا لك الحمد))، وإن شاء
قال: ((ربنا لك الحمد))، وإن شاء قال: ((ربنا ولك الحمد))، ولا يستحبّ له أن يجمع
بین ذلك .
وكذلك الداعي بدعاء الصديق رَظَلّه يقول مرةً: ((ظلمت نفسي ظلما كثيرًا))، ومرّةً
يقول: ((كبيرًا))، ولا يجمع بين اللفظتين.
وقد احتجّ غير واحد من الأئمة، منهم الشافعي تَّلهُ على جواز الأنواع المأثورة في
التشهدات، ونحوها بالحديث الذي رواه أصحاب الصحيح، والسنن، وغيرهم عن
النبي وَلخير، أنه قال: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف))، فجَوّز النبيُّ بَله، القراءة بكلّ
حرف من تلك الأحرف، وأخبر أنه ((شاف كاف))، ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ
بتلك الأحرف على سبيل البدل، لا على سبيل الجمع، كما كان الصحابة يفعلونه.
(الرابع): أن النبي وَّ لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة في آن واحد، بل إما أن
يكون قال هذا مرة، وهذا مرة، كألفاظ الاستفتاح، والتشهد، وأذكار الركوع،
والسجود، وغيرها، فاتباعه وَّلهم يقتضي أن لا يجمع بينها، بل يقال هذا مرة، وهذا
مرة، وإما أن يكون الراوي قد شكّ في أيّ الألفاظ قال، فإن ترجّح عند الداعي بعضها
صار إليه، وإن لم يترجّح عنده بعضها كان مخيّرًا بينها، ولم يشرع له الجمع، فإن هذا
نوع ثالث لم يُروَ عن النبي ◌ََّ، فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على
مقصود الداعي بالإبطال، لأنه قصد متابعة الرسول وَلّر، ففعل ما لم يفعله قطعًا.
(الخامس): أن المقصود إنما هو المعنى، والتعبير عنه بعبارة مؤدية له، فإذا عبّر عنه
بإحدى العبارتين حصل المقصود، فلا يَجمع بين العبارات المتعددة.
(السادس): أن أحد اللفظين بدل عن الآخر، فلا يُستحبّ الجمع بين البدل والمبدل
معًا، كما لا يستحبّ ذلك في المبدلات التي لها أبدال. والله تعالى أعلم. أفاده العلامة
ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وهو بحث نَفِيس، وتحقيق أَنِيس والله تعالى أعلم(١).
(١) ((جلاء الأفهام)) ص ٢٥٨ - ٢٦٢.

١٩٣=
٥٤- (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٢٩٤
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر معنى كلام ابن القيم وَكَّلهُ المذكور: ما نصه:
والذي يظهر أن اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر سواءً، كما في ((أزواجه))، و((أمهات
المؤمنين)) فالأولى الاقتصار في كلّ مرة على أحدهما، وإن كان اللفظ يستقلّ بزيادة
معنى ليس في اللفظ الآخر البتة، فالأولى الإتيان به، ويحمل على أن بعض الرواة حفظ
ما لم يحفظه الآخر. وإن كان يزيد على الآخر في المعنى شيئًا ما، فلا بأس بالإتيان به،
احتیاطًا .
وقالت طائفة، منهم الطبريّ: إن ذلك الاختلاف مباح، فأيّ لفظ ذكره المرء أجزأ،
والأفضل أن يستعمل أكمله، وأبلغه، واستدلّ على ذلك باختلاف النقل عن الصحابة،
فذكر ما نُقل عن عليّ رَّه ، وهو حديث موقوف طويل، أخرجه سعيد بن منصور،
والطبري، والطبراني، وابن فارس، وأوله: ((اللَّهمّ داحي المدحُوّات)) إلى أن قال:
((اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحيتك على محمد عبدك،
ورسولك ... )) الحديث .
وعن ابن مسعود رَّه بلفظ: ((اللَّهم اجعل صلواتك، وبركاتك، ورحمتك على
سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبين، محمد عبدك ورسولك ... )) الحديث.
أخرجه ابن ماجه، والطبريّ(١). انتهى ما في (الفتح)) (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى من أولوية الإتيان
باللفظ فيما إذا اختلف المعنى عندي محلٌّ ذلك إذا كان من حديث صحابي واحد،
وذلك كأن يختلف الرواة على حديث أبي حميد الساعدي تَّه ، ونحوه.
وأما إذا كان الاختلاف في أكثر من صحابي واحد، فلا ينبغي الإتيان به، لأن ذلك
يُحمل على اختلاف التعليم النبوي، فإن النبي ◌َّر علّم صيغ الصلاة عليه بألفاظ
مختلفة، تسهيلاً على الأمة، كما اختلف تعليمه في صيغ التشهدات، وفي أحرف
القرآن، كل ذلك للتوسيع والتسهيل، فلا ينبغي أن يُتجاوز تعليمه بالجمع المذكور.
وخلاصة الأمر في ذلك أن هذا الاختلاف في صيغ الصلوات على النبي وَّ من
جنس الاختلاف في أحرف القرآن، فيكون من المباح الذي خُيّر فيه المصلي، فبأي
صيغة من الصيغ الواردة الصحيحة صَلَّى على النبي وَّر، فقد أتى بما أمره اللَّه تعالى به،
فينبغي له أن يأتي بهذه الصيغة تارةً، وبهذه الصيغة تارة أخرى، حتى يستعمل كلَّ ما صح
عن النبي ◌َّ منها، وأما الجمع بين تلك الصيغ، فهو خروج عن التعليم النبوي كُلّها،
(١) ضعيف لاختلاط أحد رواته، وهو المسعوديّ.
(٢) ((فتح)) جـ ١٢ ص ٤٤٨ .

=
١٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
فمن فعل ذلك لم يكن ممتثلاً للأمر جزمًا، ولم يخرج عن العهدة بيقين. فليُتَنَبَّه لهذا
الأمر الدقيق، فإنه من مزالّ الأقدام.
وقد تقدم نظير هذا البحث في ((كتاب الافتتاح)». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
المسألة السابعة :
ذكر العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى ما حاصله: إن أكثر الأحاديث الصحاح
والحسان، بل كلّها مصرّحة بذكر ((محمد، وآل محمد))، وبذكر ((آل إبراهيم))، فقط، أو
بذكر ((إبراهيم)) فقط، قال: ولم يجىء في حديث صحيح بلفظ ((إبراهيم، وآل إبراهيم))
معًا، وإنما أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن السَّبّاق، عن رجل من بني الحارث، عن
ابن مسعود، ويحيى مجهول، وشيخه مبهم، فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من
وجه آخر قويّ، لكنه موقوف على ابن مسعود، وأخرجه النسائي، والدارقطنيّ من
حديث طلحة .
وتعقبه الحافظ تَخّْتُهُ في ((الفتح)) بأنه وقع في ((صحيح البخاري)) في ((أحاديث
الأنبياء)) في ترجمة إبراهيمعليَلُ من طريق عبدالله بن عيسى بن عبدالرحمن بن أبي
ليلى، بلفظ: ((كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد))، وكذا
في قوله: ((كما باركت)). وكذا وقع في حديث أبي مسعود البدريّ من رواية محمد بن
إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبدالله بن زيد، عنه، أخرجه الطبريّ،
بل أخرجه الطبريّ أيضًا في رواية الحكم(١)، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، أخرجه من
طريق عمرو بن قيس، عن الحكم بن عُتيبة، فذكره بلفظ: ((على محمد، وآل محمد،
إنك حميد مجيد))، وبلفظ: ((على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد)).
وأخرجه أيضًا من طريق الأجلح، عن الحكم مثلَه سواءً، وأخرجه أيضًا من طريق
حنظلة بن عليّ، عن أبي هريرة رَزيه.
وأخرجه أبو العباس السرّاج من طريق داود بن قيس، عن نعيم المجمر، عن أبي
هريرة رَّي: أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟، قال: ((قولوا: ((اللَّهم صلّ
على محمد، وعلى آل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت،
وباركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد)) .
ومن حديث بُريدة رفعه: ((اللَّهم اجعل صلواتك، ورحمتك، وبركاتك على محمد،
(١) هكذا في ((الفتح)) ((في رواية الحكم))، ولعل الصواب ((من رواية الحكم)) بـ ((من)). والله أعلم

١٩٥ =
٥٤- (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٢٩٤
وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم»، وأصله عند أحمد.
انتھی .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: فتبيّن بهذا أن ماقاله ابن القيّم ◌َخُّْ من عدم صحة
الحديث بالجمع بين ((إبراهيم))، و(آل إبراهيم)) غير صحيح، فقد صح الجمع بينهما في
((صحيح البخاري)) وغيره. فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثامنة :
وقع في حديث ابن مسعود تَّه كما رواه البيهقي عنه مرفوعًا، زيادة ((وارحم))
ولفظه: ((إذا تشهد أحدكم في الصلاة، فليقل: اللهم صل على محمد، وعلى آل
محمد،، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، وارحم محمدًا، وآل محمد كما
صليت، وباركت، وترخّمت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)).
وأخرجه الحاكم، وصححه، واغترّ بتصحيحه قوم، فوهموا، فإنه من رواية يحيى بن
السباق، وهو مجهول، عن رجل مبهم.
نعم أخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود موقوفًا عليه، ولفظه: ((اللَّهم اجعل صلواتك،
ورحمتك، وبركاتك على محمد عبدك ورسولك ... )) الحديث. وفي سنده
المسعودي، وهو مختلط .
وقد بالغ ابن العربي في إنكار ذلك، فقال: حَذَارِ مما ذكره ابن أبي زيد من زيادة
((وترحّم))، فإنه قريب من البدعة، لأنه ◌َّر علّمهم كيفية الصلاة عليه بالوحي، ففي
الزيادة على ذلك استدراك عليه انتهى.
قال الحافظ: فإن كان إنكاره لكونه لم يصحّ فمسلّم، وإلا فدعوى من ادعى أنه لا
يقال: ((ارحم محمدًا)) مردودة، لثبوت ذلك في عدّة أحاديث، أصحها في التشهد:
(«السلام عليك أيها النبي، ورحمة اللَّه، وبركاته)).
قال: ثم وجدت لابن أبي زيد مستندًا، فأخرج الطبري في ((تهذيبه)) من طريق حنظلة
ابن عليّ، عن أبي هريرة رفعه: ((من قال: اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد كما
صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما
باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وترحّم على محمد، وعلى آل محمد كما
ترحمت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، شهدت له يوم القيامة، وشفعت له)). ورجال
سنده رجال الصحيح، إلا سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاص، الراوي له عن
حنظلة بن علي، فإنه مجهول
[تنبيه]: هذا كله فيما يُقال مضمومًا إلى السلام، أو الصلاة، وقد وافق ابنَ العربي

١٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
الصيدلانيُّ من الشافعية على المنع، وقال أبو القاسم الأنصاريّ شارح ((الإرشاد)): يجوز
ذلك مضافًا، ولا يجوز مفردًا، ونقل عياض عن الجمهور الجواز مطلقًا، وقال القرطبي
في ((المفهم)): إنه الصحيح، لورود الأحاديث به، وخالفه غيره، ففي ((الذخيرة)) من
كتب الحنفية عن محمد يكره ذلك، لإيهامه النقص، لأن الرحمة غالبًا إنما تكون عن
فعل ما يلام عليه، وجزم ابن عبدالبرّ، فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي وَّل أن يقول:
(رَخْلُهُ))، لأنه قال: ((من صلى عليّ))، ولم يقل: ((من ترحم علي))، ولا ((من دعالي))،
وإن كان معنى الصلاة الرحمة(١)، ولكنه خُصّ هذا اللفظ تعظيمًا له، فلا يُعدَل عنه إلى
غيره. ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُوْ دُعَلَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءٍ بَعْضِكُمْ بَعْضَّأَ﴾
[النور: ٦٣] انتهى.
قال الحافظ: وهو بحث حسنٌ، لكن في التعليل الأول نظر، والمعتمد الثاني. والله
(٢)
أعلم انتهى(٢) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يترجح عندي أنه لا يزاد في الصلاة الإبراهيمية
(وترحم)) لعدم ثبوت ذلك عن النبي ◌َّل.
والحاصل أنه لا يزاد إلا ما ثبت عن النبي ◌ُّ من طريق صحيح، لأن الزيادة على
تعليمه ◌َل يكون استدراكًا على الوحي.
وأما الترحم في غير ذلك كأن يقال عند سماع اسمه: ((رحمه الله)) كما يقال ذلك عند
ذكر اسم العلماء، فالأولى أن لا يفعل لعدم ثبوت دليل يُعتَمَد عليه، فتنبه. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة التاسعة: في زيادة لفظ ((سيدنا)) في الصلاة الإبراهيمية:
(اعلم): أن هذه المسألة مما شاع وذاع النزاع فيه بين المتأخرين، وليس فيها أثر
صحيح من المتقدمين، وقد سئل عنها الحافظ ابن حجر تَخْذَلهُ، فأجاب فيها بجواب
قاطع للنزاع، لمن كان قصده الاتباع، لا لمن شأنه الابتداع، ودونك نص الفتوى:
قال الحافظ محمد بن محمد بن محمد الغرابيلي (٧٩٠ - ٨٣٥) وكان ملازما للحافظ
رَحْ تُهُ :
سئل -أي الحافظ ابن حجر - أمتع الله بحياته عن صفة الصلاة على النبي وَّ في
الصلاة، أو خارج الصلاة، سواء قيل بوجوبها، أو ندبيتها، هل يشترط فيها أن يصفه
وَلَّه بالسيادة، كأن يقول مثلاً: اللَّهم صل على سيدنا محمد، أو على سيد الخلق، أو
(١) تقدم أن الصحيح أن صلاة اللَّه معناها: ثناؤه على عبده. فتنبّه.
(٢) ((فتح)) جـ ١٢ ص ٤٤٩.

١٩٧ =
٥٤- (نوعٌ آخرُ) - حدیث رقم ١٢٩٤
على سيد ولد آدم؟ أو يقتصر على قوله: اللَّهم صل على محمد؟، وأيهما أفضل،
الإتيان بلفظ السيادة، لكونها صفة ثابتة له وَّر، أو عدم الإتيان به لعدم ورود ذلك في
الآثار؟
فأجاب رَ ◌ّه :
نعم اتباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعًا منه وَطّ، كما لم
يكن يقول عند ذكره وَّر: (َّ)) وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذُكر، لأنا نقول:
لو كان ذلك راجحًا لجاء عن الصحابة، ثم عن التابعين، ولم نقف في شيء من الآثار
عن أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم قال ذلك، مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك.
وهذا الإمام الشافعي أعلى اللّه درجته، وهو من أكثر الناس تعظيمًا للنبي ◌َّ قال في
خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه: ((اللّهم صل على محمد)) إلى آخر ما أداه إليه
اجتهاده، وهو قوله: ((كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون»، وكأنه
استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه ((سبحان اللَّه عدد خلقه)) فقد ثبت أنه وَلَّ
قال لأم المؤمنين، ورآها قد أكثرت التسبيح وأطالته، ((لقد قلت بعدك كلمات، لو
وُزنت بما قلت لوزنتهنّ))، فذكر ذلك، وكان ◌َّر يعجبه الجوامع من الدعاء.
وقد عقد القاضي عياض بابًا في صفة الصلاة على النبي ◌َّ في كتاب ((الشفا)) ونقل
فيه آثارًا مرفوعة عن جماعة من الصحابة والتابعين ليس في شيء منها عن أحد من
الصحابة وغيرهم لفظ ((سيدنا)).
منها حديث علي ◌َّه أنه كان يعلمهم كيفية الصلاة على النبي وَّل، فيقول: ((اللَّهم
داحي المدحوّات، وبارىء المسموكات، اجعل سوابق صلواتك، ونوامي بركاتك،
وزوائد تحيتك على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق)).
وعن علي ◌َّه أيضًا أنه كان يقول: ((صلوات اللَّه البرّ الرّحيم، والملائكة المقرّبين،
والنبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين، وما سبح لك من شيء يا رب العالمين
على محمد بن عبدالله خاتم النبيين، وإمام المتقين ... )) الحديث.
وعن عبدالله بن مسعود رَليّه أنه كان يقول: ((اللَّهمّ اجعل صلواتك، وبركاتك،
ورحمتك على محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، ورسول رب العالمين ... ))
الحدیث .
وعن الحسن البصريّ أنه كان يقول: من أراد أن يشرب بالكأس الأروى من حوض
المصطفى، فليقل: ((اللَّهم صل على محمد، وعلى آله وأصحابه، وأزواجه، وأولاده،
وذرّيّته، وأهل بيته، وأصهاره، وأنصاره، وأشیاعه، ومحبيه).

١٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
فهذا ما أُوثره(١) من ((الشفا)) مما يتعلق بهيئة الصلاة عليه عن الصحابة، ومن بعدهم،
وذكر فيه غير ذلك.
نعم ورد في حديث ابن مسعود أنه كان يقول في صلاته على النبي ◌َّ: «اللَّهم اجعل
فضائل صلواتك ورحمتك، وبركاتك على سيد المرسلين ... )) الحديث. أخرجه ابن
ماجه، ولكن إسناده ضعيف.
وحديث علي المشار إليه أوّلاً أخرجه الطبراني بإسناد لا بأس به، وفيه ألفاظ غريبة
رويتها مشروحة في كتاب ((فضل النبي ◌َّ)) لأبي الحسن بن الفارس.
وقد ذكر الشافعية أن رجلاً لو حلف لَيُصلّينّ على النبي ◌َّ أفضل الصلاة، فطريق
الْبَرّ أن يصلي على النبي وَّ: ((اللَّهم صلّ على محمد كلما ذكره الذاكرون، وسها عن
ذكره الغافلون)).
وقال النووي: والصواب الذي ينبغي الجزم به أن يقال: ((اللَّهم صل على محمد،
وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم ... )) الحديث
وقد تعقّبه جماعة من المتأخرين بأنه ليس في الكيفيتين المذكورتين ما يدلّ على ثبوت
الأفضلية فيهما من حيث النقل، وأما من حيث المعنى فالأفضلية ظاهرة في الأول.
والمسألة مشهورة في كتب الفقه، والغرض منها أن كلّ من ذكر هذه المسألة من
الفقهاء قاطبة لم يقع في كلام أحد منهم ((سيدنا))، ولو كانت هذه الزيادة مندوبة ما
خفيت عليهم كُلّهم حتى أغفلوها، والخير كله في الاتباع، والله أعلم. انتهى فتوى
الحافظ رحمه الله تعالى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما قاله الحافظ تَخْدَهُ أن هذه الزيادة من
البدع المستحدثة في المتأخرين، فاستحسان بعض أهل العلم من المتأخرين لها مردود،
لأنه لا حجة له في ذلك، ولم يؤثر عن أحد من السلف، وإنما هو مجرد استحسان
بهوى، فيبطله قوله وقّير في الحديث المتفق عليه: ((من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه
فهو ردّ))، وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهورَدّ)).
ونحن نعلم، ونعتقد، وكذا كلّ مسلم، فضلاً عن أهل العلم أنه نَّر سيدنا، وسيد
ولد آدم أجمعين، وسيد البرية كلهم، لكن تعليمه لنا بدون ذكر لفظ السيادة يدلّ على أنه
(١) هكذا نسخة ما نقله الشيخ الألباني من مخطوطة الفتوى في كتابه ((صفة الصلاة)) بلفظ ((أوثره)) من
الإيثار، ولعل الصواب ((أَثَرْتُهُ)) أي نقلته. والله أعلم.
(٢) ذكر هذه الفتوى الشيخ الألباني وَّْلهُ في ((صفة صلاة النبي بَّه))، وذكر أنه نقلها من خط الحافظ
محمد بن محمد بن محمد الغرابيلي (٧٩٠ - ٨٣٥)، وهو من محفوظات المكتبة الظاهرية.

١٩٩
٥٥- (بابُ الفَضْلِ فِي الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ 98َّ) - حديث رقم ١٢٩٥
ليس من الأمور المطلوبة في صيغ الصلاة، فلا ينبغي لنا أن نتعدّى تعليمه صلى اللَّه
تعالی علیه وسلم.
ومعلوم أيضًا أن القرآن أفضل الأذكار، ومع ذلك فله محل يجوز فيه، ومحل یُنھَی
عنه فيه، فقد صح عن النبي وَلَّ قوله: ((نُهيتُ أن أقرأ راكعًا، أو ساجدًا ... )) الحديث،
وقد تقدّم في باب القراءة.
والحاصل أنه لا يزاد لفظ ((سيدنا)) في الصلاة الإبراهيمية، كما أنه لا يشرع ذلك في
قراءة القرآن، فلا يقول القارىء مثلاً عند قرءة آية ﴿تُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾: سيدنا ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ
اَّ﴾، وكذا في الآذان لا يقول: ((أشهد أن سيدنا محمدًا رسول اللَّه)).
ومن غريب ما اتفق لي أني سمعت في بعض البلدان بعضَ المؤذنين يقون ذلك، و
وهذا من غربة الإسلام، وظهور الجهل، وسيطرته على أرجاء المعمورة، كما أخبر به
الصادق المصدوق و 18 بقوله: ((بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى
للغرباء)). رواه مسلم.
فعليك أيها المسلم الحريص على دينه أن لا تتبع من أقوال من ينتسب إلى العلم إلا
ما استند إلى دليل صحيح، من كتاب أو سنة، أو إجماع، ولا تكن إمّعَةً يُجيب كل
ناعق، فتكونَ من الخاسرين. جعلنا الله تعالى ممن يتولاه، وجنبنا الابتداع والزيغ،
والانحراف في الاعتقاد، والقول، والعمل، إنه ولي ذلك، والقادر عليه. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٥٥- (بَابُ الْفَضْلِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى
النَّبِيِّ وَّةِ)
١٢٩٥- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ (١) قَالَ:
أَنْبَأَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ آَمِي
طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ لِهِ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَالْبِشْرُ(٢) يُرَى فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّ
(١) وفي بعض النسخ قوله: ((يعني ابن المبارك)) ساقط.
(٢) وفي ((الهندية)): ((والبشرى يُرَى في وجهه)).

٢٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
جَاءَنِي جِبْرِيلُ نَّهِ، فَقَالَ: أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدُ أَنْ لَا يُصَلَِّ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ، إِلَّا
صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرَا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ، إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم برقم -٤٧/ ١٢٨٣ -
رواه المصنف هناك عن إسحاق بن منصور الْكَوسج، عن عَفّان بن مسلم، عن حماد بن
سلمة به، أوره استدلالاً على فضل التسليم، وأورده هنا استدلالاً على فضل الصلاة
على النبي مَلل .
وقد تقدم الكلام عليه مستوفّى هناك.
[تنبيه]: فإن قيل: تقدم في رواية عفّان المذكورة أن البُشْرَى كانت من اللّه تعالى،
ولفظه: ((أتاني الملك، فقال: يا محمد إن ربّك يقول: أما يرضيك ... )) الحديث.
وهنا البُشْرى من جبريل، فكيف التوفيق بينهما؟
أجيب: بأنه لا تخالف بين الروايتين، لإمكان الجمع بينهما بأن صلاة جبريل تابعة
لصلاة اللَّه تعالى، فإذا صلى اللّه تعالى على المصلي صلَّى جبريل عليه، فهو نظير
الحديث المتفق عليه: ((إذا أحبّ اللَّه عبدًا نادى جبريلَ، إن الله يحبّ فلانًا، فأحبه،
فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء ... )) الحديث. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٩٦- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ،
عَنْ أَبَيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ، قَالَ: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
عَشْرًا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (علي بن حُجْر) المروزي، ثقة حافظ من صغار [٩] تقدم ١٣/١٣.
٢- (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزُّرقي المدني، ثقة ثبت (٨)
تقدم ١٦ / ١٧ .
٣- (العلاء بن عبدالرحمن) الْحُرَقي، أبو شِبْل المدني، صدوق ربما وهم [٥]
تقدم ١٠٧ / ١٤٣ .
٤- (أبوه) عبدالرحمن بن يعقوب الْجُهني المدني، مولى الْحُرَقَة، ثقة [٣] تقدّم
١٠٧/ ١٤٣ .
٥- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدّم ١/١ .
(١) وفي نسخة: ((ثنا)).