النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١= ٤٩- (بَأَبُ الأَمَرِ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّيِّ ◌َلُّو) - حديث رقم ١٢٨٥ قيل: فَعَلَ آل فلان كذا دخل هو فيهم إلا بقرينة، ومن شواهده قوله مّ للحسن بن عليّ رَِّهَا: ((إنّا آل محمد، لا تَحَلّ لنا الصدقة))، وإن ذكرا معًا فلا، وهو كالفقير والمسكين، وكالإيمان والإسلام، والفسوق والعصيان. ولمّا اختلَفَتْ ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معًا، وفي إفراد أحدهما كان أَوْلَى المحامل أن يُحمَل على أنه وَّ قال ذلك كلّه، ويكون بعض الزّواة حفظ ما لم يحفظه الآخر، وأمّا التعدد فبعيد، لأن غالب الطرق تُصرّح بأنه وقع جوابًا عن قولهم: ((كيف نصلّي عليك؟)). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الحمل على التعدد أقرب، لأن السائلين كثيرون، فحمل سؤالهم على محل واحد بعيد جدًّا، فتأمل. فالأولى أن نقول إنه وَلير علّمهم في أوقات مختلفة بألفاظ مختلفة، في بعضها طول، وفي بعضها اختصار، توسعةً عليهم، فتكون كألفاظ التشهد المختلف تعليمه وَالد للصحابة رضي اللّه تعالى عنهم إيّاها، وكصيغ الاستفتاح، وأذكار الركوع، والسجود، والدعوات . والحاصل أن في الأمر سعةً، فيختار مريد الصلاة أيّ صيغة صحت عن رسول الله وَّل، فيصلي بها، والأولى أن يصلي في وقت بصيغة، وفي آخر بأخرى، وهكذا حتى يستعمل الصيغ التي صحت عن النبي بَّر. والله تعالى أعلم. قال في ((الفتح)): ويحتمل أن يكون بعض من اقتصر على آل إبراهيم بدون ذكر إبراهيم رواه بالمعنى، بناءً على دخول إبراهيم في قوله: ((آل إبراهيم))، كما تقدّم انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الاحتمال بعيد جدًّا، فإن الرواية بالمعنى في الألفاظ التعبدية غير جائز، كما هو مقرر في محله من ((مصطلح الحديث))، انظر ((التدريب)) للحافظ السيوطي رحمه في ((النوع السادس والعشرين)) جـ٢ ◌َلي- ١٠٢، ولفظه في بحث الخلاف في الرواية بالمعنى: ((ولا شكّ في اشتراط أن لا يكون مما تُعُبِّدَ بلفظه)) انتهى. والله تعالى أعلم. وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في المراد بالآل هنا في المسائل إن شاء الله تعالى. (كما صلّيت على آل إبراهيم) صفة لمصدر محذوف، تقديره: صلاةٌ مثلَ صلاتك على آل إبراهيم، وسيأتي الكلام على وجه تشبيه الصلاة على النبي وَالر بالصلاة على آل إبراهيم، في المسائل أيضًا، إن شاء اللّه تعالى. وآل إبراهيم: هم ذرّيّته من إسماعيل، وإسحاق، كما جزم به جماعة من الشُّرّاح، وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر فهم داخلون لا محالة، ثمّ إن المراد شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ المسلمون منهم، بل المتقون، فيدخل فيهم الأنبياء والصدّيقون والشهداء والصالحون، دون من عداهم، وفيه ما يأتي في آل محمد. قاله في (الفتح)). (وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم) أي أثبت له، وأدم ما أعطيته من الشرف والكرامة، وزده من الكمالات ما يليق بك وبه. قال في ((الفتح)): المراد بالبركة هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: التطهير من العيوب والتزكية، وقيل: المراد إثبات ذلك، واستمراره، من قولهم: بركت الإبل: أي ثبتت على الأرض، وبه سمّيت بِرْكَة الماء -بكسر أوله، وسكون ثانيه- لإقامة الماء فيها . والحاصل أن المطلوب أن يُعْطَوْا من الخير أَوْفَاه، وأن يثبت ذلك، ويستمرّ دائمًا. وسيأتي مزيد بسط في تحقيق معنى البركة في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى. (في العالمين) متعلّق بـ((صلّ))، أو ب((بارك)) على سبيل التنازع. قال الحافظ السخاوي ◌َّلهُ: وأشار بقوله: ((في العالمين)) إلى اشتهار الصلاة والبركة على إبراهيم في العالمين، وانتشار شرفه، وتعظيمه، وأن المطلوب لنبيّا وَل صلاة تشبه تلك الصلاة، وبركة تشبه تلك البركة في انتشارها في الخلق، وشهرتها، وقد قال الله تعالى: ﴿وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩]. والمراد بـ((العالمين)) فيما رواه ابن مسعود(١) رَظّه، وغيره: أصناف الخلق، وفيه أقوال أُخرى: قيل: ما حواه بطن الْفَلَك، وقيل: ما فيه روح، وقيل: كلّ مُخْدَث، وقيل: بقيد العقلاء، وهذان القولان في ((المشارق))، وقيل: الإنس والجنّ فقط، حكاه المنذريّ، وحَكَى قولاً آخر: إنه الجنّ والإنس، والملائكة، والشياطين، قال في (الصَّحَاح)): العالم: الخلق، والجمع العوالم، والعالمون أصناف الخلق، وقال في (المُحكَم)): العالمِ الخلق كلّه، وقيل: هو ما احتواه بطن الْفَلَك، ولا واحد له من لفظه، لأنّ عالما جَمعَ أشياءَ مُختلفةً، فإن جُعل اسمًا لواحد منها صار جمعًا لأشياء متفقة، والجمع عالمون، ولا يجمع شيء على فاعل بالواو والنون إلا هذا انتهى(٢). (إنك حميد مجيد) أما ((الحميد)) فهو فعيل من الحمد بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو مَن حصل له من صفات الحمد أكملها، وقيل: هو بمعنى الحامد، أي يَحمَد أفعالَ عباده. وأما ((المجيد)) فهو فعيل من المجد، وهو صفةُ مَن كمل في الشرف، وهو مستلزم (١) هكذا في ((القول البديع)) ((ابن مسعود)»، والذي في ((الفتح)) ((أبو مسعود))، فليحرّر. (٢) راجع ((القول البديع)) للسخاويّ ص ١٠٣ . ١٢٣ ٤٩- (بَبُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ(8) - حديث رقم ١٢٨٥ للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدلّ على صفة الإكرام. ومناسبة ختم الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله تعالى لنبيه وَ ل، وثناؤه عليه، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل المطلوب، أو هو كالتذييل له، والمعنى: إنك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة، كريمٌ بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك. قاله في (الفتح))(١). وسيأتي مزيد بسط في تحقيق معنى هذين الاسمين، ومناسبتهما لختم الصلاة بهما في المسألة السابعة، إن شاء اللّه تعالى. (والسلام كما علمتم) جملة من مبتدأ وخبره. قال النووي رحمه اللّه تعالى: معناه قد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليّ، فأما الصلاة فهذه صفتها، وأما السلام فكما علمتم في التشهد، وهو قولهم: ((السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته)). و((علمتم)) بفتح العين المهملة، وكسر اللام المخفّفة- مبنيًّا للفاعل: أي كما علمتموه في التشهد. ومنهم من رواه - بضم العين، وتشديد اللام- مبنيًّا للمفعول: أي عَلَّمتكموه. قال النووي ◌َّثهُ: وكلاهما صحيح. وقال السندي رحمه اللّه تعالى: ((علمتم)) على بناء الفاعل، من العلم، أي كما علمتم في التشهد، أو بما جرى على الألسنة في كيفية سلام بعضهم على بعض، أو على بناء المفعول، من التعليم، أي كما علمتم في التشهد انتهى ((شرح السندي)) ٤٦/٣. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((أو بما جرى على الألسنة)) الخ، فيه نظر، فإنه احتمال بعيد، لا ينبغي التعويل عليه، فالصواب المعنى الأوّل، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث : المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي مسعود رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٢٨٥/٤٩ - وفي ((الكبرى)) - ١٢٠٨/٨٤ - وفي ((عمل اليوم والليلة)) (١) راجع ((الفتح)) جـ ١٢ ص ٤٥٣ . ١٢٤ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ ٤٨- عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن عبدالرحمن بن القاسم، عن مالك، عن نعيم بن عبدالله المجمر، عن محمد بن عبدالله بن زيد الأنصاري، عنه. وفي ((عمل اليوم والليلة)) - ٤٩- عن أحمد بن بكّار، عن محمد بن سلمة(١)، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبدالله الأنصاري به. وأخرجه (مسلم) ١٦/٢. (أبو داود) رقم، ٩٨٠ و٩٨١. (الترمذي) ٣٢٢٠. (مالك) في ((الموطإ)) ص ١٢٠ (أحمد) ٣/،١١٨ و١١٩/٤ و٢٧٣/٥. (الدارمي) رقم ١٣٤٩ (عبد بن حُميد) ٢٣٤ (ابن خزيمة) ٧١١ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الأمر بالصلاة على النبي وَله . ومنها: ما كان عليه النبي ◌َّر من التواضع، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الشِّيَم، حيث كان يزور أصحابه في مجالسهم إكرامًا وتأنيسًا لهم. ومنها: أنه ينبغي للإمام أن يخصّ رؤساء القوم وسادتهم بالزيارة في مجالسهم تأنيسًا لهم، واستجلابًا لمودتهم، وتنويهًا بشرفهم لدى أتباعهم حتى يزدادوا لهم تعظيما وطاعة. ومنها: ما كان عليه الصحابة من العناية بالسؤال عن مهمّات الدين، ومُعضِلات المسائل الشرعية، حتى يعملوا بمقتضى ما يُجيبهم به رسول اللّه وَله، ولا يتشرّعوا من عند أنفسهم، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِ﴾ الآية [الحجرات: ١]. ومنها: ما كان عليه النبي ◌َّ ل من التأدب مع مولاه، عند توجيه السؤال الديني إليه، فلا يبتدىء بجواب سؤال السائل من عند نفسه، بل ينتظر الوحي، فكان كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوجَى﴾ [النجم: ٣-٤]. ومنها: بيان أن الأمر بالتشهد كان متقدّما على الأمر بالصلاة على النبي وََّ، لقوله: ((والسلام كما قد علمتم)). ومنها: أنه استُدلّ به على تعيّن هذا اللفظ الذي علّمه النبي ◌َّ لأصحابه في امتثال الأمر، سواء قلنا بالوجوب مطلقًا، أو مقيّدًا بالصلاة، وأما تعيّنه فى الصلاة فعن أحمد في رواية، والأصحّ عند أتباعه لا تجب. واختلف في الأفضل: فعن أحمد أكمل ما ورد، وعنه يتخيّر، وأما الشافعية فقالوا: يكفي أن يقول: ((اللَّهم صل على محمد))، واختلفوا هل يكفي الإتيان بما يدلّ على ذلك، كأن يقوله بلفظ الخبر، فيقول: صلى الله على محمد، مثلاً، والأصح إجزاؤه، ١ (١) محمد بن سلمة هو الحرّاني من الطبقة التاسعة من شيوخ شيوخ المصنف بخلاف ما تقدم في سند ((المجتبى))، فإنه المرادي المصري شيخ المصنف من الطبقة العاشرة. فتنبه. ٤٩- (بَأَبُ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ بَلِ﴾) - حديث رقم ١٢٨٥ ١٢٥= وذلك أن الدعاء بلفظ الخبر آكد، فيكون جائزًا بطريق الأولى. ومَنْ مَنَعَ وقف عند التعبّد، وهو الذي رجّحه ابن العربي، بل كلامه يدلّ على أن الثواب الوارد لمن صلى على النبي ◌َّ إنما يحصل لمن صلى عليه بالكيفية المذكورة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن العربي رحمه اللَّه تعالى هو الذي يترجّح عندي، لأن النبي ◌َّ لما سئل عن الصيغة التي يُمتَثَل بها أمرُ اللَّه تعالى بالصلاة عليه، فقيل له: فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ أجابهم بقوله : ((قولوا: اللَّهم صلّ على محمد)) الخ، فكيف يمكن الخروج عن العهدة، ويحصل الامتثال بصيغة مخالفة لهذا الجواب، فهيهات هيهات !! والله تعالى أعلم. قال في ((الفتح)): واتفق أصحابنا - يعني الشافعية- على أنه لا يجزىء أن يقتصر على الخبر، كأن يقول: الصلاة على محمد، إذ ليس فيه إسناد الصلاة إلى اللّه تعالى، اختلفوا في تعيين لفظ ((محمد))، لكن جوّزوا الاكتفاء بالوصف دون الاسم، كالنبي، ورسول اللّه، لأن لفظ ((محمد)) وقع التعبّد به، فلا يجزىء عنه إلا ما كان أعلى منه، ولهذا قالوا: لا يجزىء الإتيان بالضمير، ولا بأحمد مثلاً في الأصحّ فيهما، مع تقدّم ذكره في التشهد بقوله ((النبي))، وبقوله ((محمد)). وذهب الجمهور إلى الاجتزاء بكلّ لفظ أدّى المراد بالصلاة عليه وَليّة، حتى قال بعضهم: لو قال في أثناء التشهد: الصلاة والسلام عليك أيها النبي أجزأ، وكذا لو قال: أشهد أنّ محمدا بوَّ عبده ورسوله، بخلاف ما إذا قدّم عبده ورسوله، وهذا ينبغي أن ينبني على أن ترتيب ألفاظ التشهد لا يشترط، وهو الأصحّ(١)، ولكن دليل مقابله قويّ، لقولهم ((كما يعلّمنا السورة))، وقول ابن مسعود رَّ: ((عَدّهنّ في يدي)) . وعمدة الجمهور في الاكتفاء بما ذكر أن الوجوب ثبت بنصّ القرآن بقوله تعالى: ﴿صلّوا عليه وسلّموا تسليما﴾، فلما سأل الصحابة عن الكيفية، وعلّمها لهم النبي وَّ، واختلف النقل لتلك الألفاظ اقتصر على ما اتفقت عليه الروايات، وترك ما زاد على ذلك، كما في التشهد، إذ لو كان المتروك واجبًا لما سكت عنه. انتهى. وقد استشكل ذلك ابن الفركاح (٢) في ((الإقليد))، فقال: جَعْلُهُم هذا هو الأقلَّ يحتاج (١) في كون هذا القول هو الأصحّ نظر لا يخفى، بل هو ضعيف كما يرشد إليه الكلام الذي بعده. فتأمل . (٢) هو الإمام تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بالفركاح الشافعي المتوفي سنة ٦٩٠ هـ وله كتاب ((الإقليد لدرء التقليد)) شرح للتنبيه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وقف قبل وصوله إلى (كتاب النكاح)) انتهى. ((كشف الظنون)) جـ ١ ص ٤٩٠ . = ١٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْو إلى دليل على الاكتفاء بمسمى الصلاة، فإن الأحاديث الصحيحة ليس فيها الاقتصار، والأحاديث التي فيها الأمر بمطلق الصلاة ليس فيها ما يشير إلى ما يجب من ذلك في الصلاة، وأقلّ ما وقع في الروايات: ((اللَّهم صلّ على محمد، كما صليت على إبراهيم))، ومن ثَمَّ حكى الفورانيّ عن صاحب الفروع في إيجاب ذكر إبراهيم وجهين، واحتجّ لمن لم يوجبه بأنه ورد بدون ذكره في حديث زيد بن خارجة (١) رَزيه عند النسائي بسند قويّ ولفظه: ((صلّوا عليّ، واجتهدوا في الدعاء، وقولوا: اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد))(٢). قال الحافظ: وفيه نظر، لأنه من اختصار بعض الرواة، فإن النسائيّ أخرجه من هذا الوجه بتمامه، وكذا الطحاوي(٣). ومنها: أنه استُدلّ بتعليم النبي ◌َّرَ لأصحابه الكيفية بعد سؤالهم عنها بأنها أفضل كيفيّات الصلاة عليه، لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل. ويترتب على ذلك لو حلف أن يصلّي عليه أفضل الصلاة، فطريق الْبَرّ أن يأتي بذلك، هكذا صوّبه النوويّ رحمه الله تعالى في ((الروضة)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول هو الصواب، وما ذكروه من صيغ الصلوات الأخرى غير صحيح، فلا يُلتفت إليه، لأنه مما لا مستند له، ولا أثارة عليه من علم. والله تعالى أعلم. ومنها: أنه استُدلّ به على جواز الصلاة على غير الأنبياء. وسيأتي تحقيق الخلاف فيه قريبًا، إن شاء اللّه تعالى. ومنها: ما قيل: إنّ الواو لا تقتضي الترتيب، لأن صيغة الأمر وردت بالصلاة والتسليم بالواو في قوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾، وقدّم تعليم السلام قبل الصلاة، كما قالوا: عَلِمْنَا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلّي عليك؟. ومنها: أنه يَرُدُّ على ما نقل عن النخعيّ أنه يُجزىء في امتثال الأمر بالصلاة قولُهُ: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) في التشهد، لأنه لو كان كما قال لأرشد (١) زيد بن خارجة بن أبي زهير الأنصاري الخزرجي صحابي بدري، توفي في خلافة عثمان رَاليه ، وهو الذي تكلم بعد الموت. قاله في ((ت)) ص ١١٢ . (٢) ((السنن الكبرى)) رقم ٨٧/ ١٢١٥ . (٣) قلت: في دعوى الاختصار نظر، بل الظاهر أنه ليس مختصرًا، بل لفظ مستقلّ، وما قاله: إن النسائي أخرجه بتمامه من هذا الوجه غير صحيح، بل هو من وجه آخر، كما يظهر من رقم ٨٧/ ١٢١٣، و١٢١٤ من ((الكبرى))، فالذي يظهر لي أن هذا الحديث أقلّ ما صحّ من ألفاظ الصلاة على النبي وَّر. والله تعالى أعلم. ٤٩- (بَأَبُ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َلا) - حديث رقم ١٢٨٥ ١٢٧ النبي ◌َّ أصحابه إلى ذلك، ولَمَا عَدَلَ إلى تعليمهم كيفيّةً أخرى. ومنها: أنه يدلّ على أن إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره، وكذا العكس، وقد تقدّم الكلام عليه . ومنها: أنه يدلّ على فضيلة الصلاة على النبي ◌َّ من جهة ورود الأمر بها، واعتناء الصحابة ** بالسؤال عن كيفيتها، وقد وردت أحاديث قويّة في التصريح بفضلها (١). وسيذكر المصنف رحمه اللّه تعالى بعضها في باب خاصّ بها - ٥٥/،١٢٩٥ و١٢٩٦، و١٢٩٧ . وسنتكلم عليها هناك، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في بيان اختلاف أهل العلم في المراد بـ((آل محمد)) وَلّ في هذا الحديث : قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: واختلف في آل النبي وَلّ على أربعة أقوال : فقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء: (أحدها): أنهم بنو هاشم، وبنو المطّلب، وهذا مذهب الشافعيّ، وأحمد في رواية عنه . (والثاني): أنهم بنو هاشم خاصّةً، وهذا مذهب أبي حنيفة، والرواية الثانية عن أحمد، واختيار ابن القاسم صاحبٍ مالك. (والثالث): أنهم بنو هاشم، ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو المطّلب، وبنو أميّة، وبنو نوفل، ومَنْ فوقهم إلى بني غالب، وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك، حكاه صاحب ((الجوهر)) عنه، وحكاه اللخميّ في ((التبصرة)) عن أصبغ، ولم يحكه عن أشهب . وهذا القول في الآل - أعني أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة - هو منصوص الشافعي، وأحمد، والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد، والشافعيّ. (والقول الثاني): أنّ آل النبي ◌َّ هم ذرّيّته، وأزواجه خاصّةً، حكاه ابن عبدالبرّ في ((التمهيد))، قال في باب عبدالله بن أبي بكر في شرح حديث أبي حميد الساعدي تَّه : استدلّ قوم بهذا الحديث على أن آل محمد بَ لهم أزواجه، وذرّيّته خاصّة، لقوله في حديث مالك، عن س (١) راجع ((الفتح)) جـ ١٢ ص ٤٥٦ - ٤٥٨ . ١٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ نعيم المجمر، وفي غير ما حديث: ((اللَّهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد))، وفي هذا الحديث- يعني حديث أبي حُميد -: ((اللَّهمّ صلّ على محمد وأزواجه وذرّيّته))، قالوا: فهذا تفسير ذلك الحديث، ويبيّن أن آل محمد هم أزواجه وذرّيّته، قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكلّ من كان من أزواج محمد وَلّ، ومن ذرّيّته صلى اللَّه عليك إذا واجهه، وصلى الله عليه إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم. قالوا: والآل والأهل سواء، وهم الأزواج، والذرّيّة بدليل هذا الحديث. (والقول الثالث): أن آله وَ ◌ّر أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبدالبرّ عن بعض أهل العلم، وأقدم من رُوي عنه هذا القول جابر بن عبداللّه رَؤيتها، ذكره البيهقي عنه، ورواه عنه سفيان الثوريّ وغيره، واختاره بعض أصحاب الشافعيّ، حكاه عنه أبو الطيّب الطبريّ في تعليقه، ورجّحه الشيخ محيي الدين النووي في ((شرح مسلم))، واختاره الأزهري. (والقول الرابع): أن آله وَلقرهم الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين، والراغب، وجماعة . [فصل]: في بيان حُجَج أصحاب هذه الأقوال: احتجّ أصحاب القول الأوّل بحجج: (أحدها): ما رواه البخاريّ في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة رَّه، قال: كان رسول اللّه وَل يُؤتى بالنخل عند صِرَامه، فيجيء هذا بتمره، وهذا بتمره، حتى يصير عنده كُوْم من تمر، فجعل الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة، فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول اللّه وَّله، فأخرجها من فيه، فقال: ((أما علمت أنّ آل محمد لا يأكلون الصدقة)). ورواه مسلم، وقال: ((أَنَّا لا تحلّ لنا الصدقة)). (الثاني): ما رواه مسلم في (صحيحه)) عن زيد بن أرقم رَاليه، قال: قام رسول الله وَّ يومًا خطيبًا فينا بماء يُدعَى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، وذكّر، ووعظ، ثم قال: ((أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي عزّ وجلّ، وإني تارك فيكم ثَقَلَين، أوّلهما كتاب الله عزّ وجلّ، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به))، فحثّ على كتاب الله، ورغب فيه، وقال: ((وأهل بيتي، أذكّركم اللَّه في أهل بيتي، أذكّركم اللَّه في أهل بيتي))، فقال حصين بن سَبْرة: ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إنّ نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده، قال: ومن هم؟، قال: هم آل عليّ، وآل عَقيل، وآل جعفر، وآلُ عباس، قال: أكلّ هؤلاء حرم عليهم الصدقة؟ قال: نعم. ١٢٩ = ٤٩- (بَأَبُ الأمَّرِ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ بَلاء) - حديث رقم ١٢٨٥ وقد ثبت أن النبي ◌َّ قال: ((إنّ الصدقة لا تحلّ لآل محمد)). (الدليل الثالث): ما في ((الصحيحين)) من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة رَ ◌ّتها: ((أن فاطمة رَبّها أرسلت إلى أبي بكر رَفي تسأله ميراثها من النبي ◌َّ مما آفاء اللَّه على رسول اللّه وَسله، فقال أبو بكر رَّه: إن رسول اللّه ◌َلَّه قال: ((لا نورث، ما تركنا صدقةٌ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال)). يعني مال اللَّه ليس لهم أن يزيدوا على المأكل. فآله وَيّر لهم خواص، منها حرمان الصدقة، ومنها أنهم لا يرثونه، ومنها استحقاقهم خمس الخمس، ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم. وقد ثبت أن تحريم الصدقة، واستحقاق خمس الخمس، وعدم توريثهم مختصّ ببعض أقاربه وَ ◌ّر، فكذلك الصلاة على آله. (الدليل الرابع): ما رواه مسلم من حديث ابن شهاب، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل الهاشمي: أن عبدالمطلب بن ربيعة أخبره أن أباه ربيعة بن الحارث قال العبد المطّلب بن ربيعة، وللفضل بن العبّاس رَضِيّا: انتيا رسول اللّه وَلّل، فقولا له: استعملنا يا رسول الله على الصدقات ...- فذكر الحديث- وفيه: فقال لنا: ((إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحلّ لمحمد، ولا لآل محمد)). (الدليل الخامس): ما رواه مسلم في ((صحيحه)) من حديث عروة بن الزبير، عن عائشة رَّها: أن النبي ◌َّر أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد- فذكر الحديث- وقال فيه: فأخذ النبي وَلّ الكبش، فأضجعه، ثمّ ذبحه، ثمّ قال: ((بسم اللَّه، اللَّهمّ تقبّل من محمد، وآل محمد، ومن أمّة محمد))، ثمّ ضخّی به. هكذا رواه مسلم بتمامه، وحقيقة العطف المغايرة، وأمته وَ لّ أعمّ من آله. قال أصحاب هذا القول: وتفسير الآل بكلام النبي وَلّ أولى من تفسيره بكلام غيره. واحتجّ أصحاب القول الثاني القائلون بأنهم ذرّيته وأزواجه خاصّةً بحديث أبي حُميد : (اللَّهمَ صلّ على محمد وأزواجه وذرّيّته))، وفي غيره من الأحاديث: ((اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد))، وهذا غايته أن يكون الأوّل منهما قد فسّره اللفظ الآخر. واحتجّوا أيضًا بما في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة تَمّه، قال: قال رسول اللَّهِ وَّرَ: ((اللَّهمّ اجعل زرق آل محمد قوتًا))، ومعلوم أن هذه الدعوة المستجابة لم تَنَل كلّ بني هاشم، ولا بني المطّلب، لأنه كان فيهم الأغنياء، وأصحاب الْجِدَة، وإلى الآن، وأمّا أزواجه وذرّيّته وّر، فكان رزقهم قوتًا، وما كان يحصل لأزواجه بعده من الأموال كُنّ يتصدّقن به، ويجعلن رزقهنّ قوتًا، وقد جاء عائشة رعُّها مالٌ عظيم، ١٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ فقسمته كلّه في قَعْدَة واحدة، فقالت لها الجارية: لو خَبَأْت لنا درهمًا نشتري به لحمًا؟ فقالت لها: لو ذكّرتني فعلتُ. واحتجْوا أيضًا بما في ((الصحيحين)) عن عائشة رضيّها، قالت: ما شبع آل محمّد بَل من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق باللّه عزّ وجلّ))، قالوا: ومعلوم أن العبّاس وأولاده وبني المطّلب لم يدخلوا في لفظ عائشة، ولا مرادها. قال هؤلاء: وإنما دخل الأزواج في الآل، وخصوصًا أزواج النبي ◌َّ تشبيها لذلك بالنّسب، لأن اتصالهنّ بالنبي وَ لّ غير مرتفع، وهنّ محرّمات على غيره في حياته، وبعد مماته، وهنّ زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهنّ بالنبي ◌َّ قائم مقام النسب، وقد نصّ وَ ◌ّر على الصلاة عليهنّ، ولهذا كان القول الصحيح - وهو منصوص الإمام أحمد نَخْذَتُهُ - أن الصدقة تحرم عليهنّ، لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجنَاب الرفيع وآله من كلّ أوساخ بني آدم، ويا للّه العَجَب كيف يدخل أزواجه في قوله وَهُ: ((اللَّهمّ اجعل رزق آل محمد قوتًا))، وقوله في الأضحية: ((اللَّهمّ هذا عن محمد وآل محمد))، وفي قول عائشة رَّها: ((ما شبع آل رسول اللّه وَلّ من خبز بُرّ))، وفي قول المصلي: ((اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد))، ولا يدخلن في قوله: ((إن الصدقة لا تحلّ لمحمد، ولا لآل محمد)» مع كونها من أوساخ الناس، فأزواج رسول الله وَ ل أولى بالصيانة عنها، والبعد منها. فإن قيل: لو كانت الصدقة حراما عليهنّ لحرمت على مواليهنّ، كما أنها لما حرمت على بني هاشم حرمت على مواليهم، وقد ثبت في ((الصحيح)) أن بريرة تُصُدّق عليها بلحم، فأكلته، ولم يُحرّمه النبي ◌َّر، وهي مولاة لعائشة رعايتها؟. قيل: هذا هو شُبهة من أباحها لأزواج النبي وََّه وجوابُ هذه الشبهة أن تحريم الصدقة على أزواج النبي وَالر ليس بطريق الأصالة، وإنما هو تبع لتحريمها عليه وَ ل، وإلّا فالصدقة حلال لهنّ قبل اتصالهنّ به، فهنّ فرع في هذا التحريم، والتحريم على المولى فرع على التحريم على سيده، فلما كان التحريم على بني هاشم أصلاً، استتبع ذلك مواليهم، ولما كان التحريم على أزواج النبي وَّل تبعًا لم يَقْوَ ذلك على استتباع مواليهنّ، لأنه فرع عن فرع. قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا اٌلْعَذَابُ ضِعْفَيْنَّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيْرًا﴾ ... إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ ٣٣ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرًا اللَّهِ وَاَلْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٠-٣٤] فدخلن في أهل البيت، لأن هذا الخطاب كله في ١٣١ = ٤٩- (بَأَبُ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ نَّم) - حديث رقم ١٢٨٥ سياق ذكرهنّ، فلا يجوز إخراجهنّ في شيء منه. واحتجّ أصحاب القول الثالث القائلون: إن آل النبي ◌َّر هم أمته وأتباعه إلى يوم القيامة بأن آل المعظّم المتبوع هم أتباعه على دينه وأمره، قريبُهم وبعيدُهم. قالوا: واشتقاق هذه اللفظة تدلّ عليه، فإنه من آل يؤول: إذا رجع، ومرجع الأتباع إلى متبوعهم، لأنه إمامهم وموثلهم. قالوا: ولهذا كان قوله تعالى: ﴿إِلَّ ءَالَ لُوطٍ نََّّنَهُم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] المراد به أتباعه، وشيعته المؤمنون به من أقاربه وغيرهم، وقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اٌلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] المراد به أتباعه . واحتجوا أيضًا بأن واثلة بن الأسقع رَبيه روى أنّ النبيّ وَّر دعا حسنًا وحُسينًا رَّهَا، فأجلس كلّ واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة رَّها من حجره، وزوجَهَا، ثُمّ لَفّ عليهم ثوبه، ثمّ قال: ((اللَّهم هؤلاء أهلي))، قال واثلة: فقلت: يا رسول اللَّه وأنا من أهلك؟ فقال: ((وأنت من أهلي))، رواه البيهقي بسند جيّد. قالوا: ومعلوم أن واثلة بن الأسقع من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، وإنما هو من أتباع النبي وَلّ . . واحتجّ أصحاب القول الرابع القائلون: إن آله هم الأتقياء من أمته بما رواه الطبراني في ((معجمه)) عن جعفر بن إلياس بن صدقة، حدثنا نعيم بن حمّاد، حدثنا نوح بن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، قال: سئل رسول اللّه وَلَه مَن آل محمد؟ فقال: ((كلّ تقي))، وتلا رسول اللَّه ◌َّ: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ, إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. قال الطبرانيّ: لم يروه عن يحيى إلّا نوح، تفرّد به نعيم. وقد رواه البيهقيّ من حديث عبدالله بن أحمد بن يونس، حدثنا نافع أبو هُزمز، عن أنس ... فذكره، ونوح هذا، ونافع لا يَحتَجّ بهما أحد من أهل العلم، وقد رُمِيا بالكذب . واحتُجّ لهذا القول أيضًا بأن الله عزّ وجلّ قال لنوح عن ابنه: ﴿إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَنِّجْ﴾ [هود: ٤٦] فأخرجه بشركه أن يكون من أهله، فعلم أنّ آل الرسول وَلّر هم أتباعه. وأجاب عنه الشافعيّ رَّتْهُ بجواب جيّد، وهو أن المراد أنه ليس من أهلك الذين أمرناك بحملهم، ووعدناك نجاتهم، لأن الله سبحانه قال له قبل ذلك: ﴿آحِلْ فِيهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ أَثْنَيِّنٍ وَأَهْلَكَ إلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] فليس ابنه من أهله الذين ضمن نجاتهم . ١٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ قال ابن القيّم ◌َخّْتُهُ: ويدلّ على صحة هذا أن سياق الآية يدلّ على أن المؤمنين به قسم غير أهله الذين هم أهله، لأنه قال سبحانه: ﴿أَحِلْ فِيهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَّ﴾، فمن آمن معطوف على المفعول بالحمل، وهم الأهل، والاثنان من كل زوجين. واحتجّوا أيضًا بحديث واثلة بن الأسقع المتقدّم، قالوا: وتخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به، وكأنه جعل واثلة في حكم الأهل تشبيهًا بمن يستحقّ هذا الاسم. فهذا ما احتجّ به أصحاب كلّ قول من هذه الأقوال. والصحيح هو القول الأوّل، ويليه القول الثاني، وأما الثالث، والرابع، فضعيفان، لأن النبي ◌َّ قد رفع الشبهة بقوله: ((إنّ الصدقة لا تحلّ لآل محمد))، وقوله: ((إنما يأكل آل محمد من هذا المال»، وقوله: «اللَّهم اجعل رزق آل محمد قوتًا»، وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمّة قطعًا، فأولى ما حُمل عليه الآل في الصلاة الآل المذكورون في سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك. وأما تنصيصه على الأزواج والذرّيّة، فلا يدلّ على اختصاص الآل بهم، بل هو حجة على عدم الاختصاص بهم، لما روى أبو داود من حديث نعيم المجمر، عن أبي هريرة رَ اليه في الصلاة على النبي وَله: «اللَّهم صلّ على محمد النبيّ الأميّ، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذرّيّته، وأهل بيته، كما صلّيت على إبراهيم)). فجمع بين الأزواج والذرّيّة والأهل، وإنما نصّ عليهم بتعيينهم ليبين أنهم حقيقون بالدخول في الآل، وأنهم ليسوا بخارجين منه، بل هم أحقّ مَنْ دخل فيه، وهذا كنظائره من عطف الخاصّ على العامّ، وعكسه، تنبيهًا على شرفه، وتخصيصًا له بالذكر من بين النوع، لأنه من أحقّ أفراد النوع بالدخول فيه، وهنا للناس طريقان: (أحدهما): أن ذكر الخاصّ قبل العامّ، أو بعده قرينة تدلّ على أن المراد بالعامّ ما عداه . (والطريق الثاني): أن الخاص ذُكر مرّتين، مرّة بخصوصه، ومرّة بشمول الاسم العام له، تنبيهًا على مزيد شرفه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِعِنَ مِثَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحِ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرِيمٌ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَبِكَيْهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وأيضًا فإن الصلاة على النبي ◌َّير حقّ له ولآله دون سائر الأمة، ولهذا تجب عليه، وعلى آله عند الشافعيّ ◌َّتُهُ وغيره، كما سيأتي، وإن كان عندهم في الآل اختلاف، ومن لم يوجبها فلا ريب أنه يستحبها عليه وعلى آله، ويكرهها أولا يستحبها لسائر ٤٩- (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ێ) - حديث رقم ١٢٨٥ ١٣٣ المؤمنين، أو لا يجوّزها على غير النبيّ وَّر وآله، فمن قال: إن آله في الصلاة هم كلّ الأمّة فقد أبعد غاية الإبعاد. وأيضًا فإن النبي ◌َّ شرع في التشهد السلام والصلاة، فشرع في السلام تسليم المصلي على الرسول وَل#أوّلاً، وعلى نفسه ثانيًا، وعلى سائر عباد الله الصالحين ثالثًا، وقد ثبت عن النبيّ وَّ أنه قال :: ((فإذا قلتم ذلك فقد سلّمتم على كلّ عبد الله صالح في السماء والأرض)). وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه وعلى آله فقط، فدلّ على أن آله هم أهله وأقاربه . وأيضًا فإن اللَّه سبحانه أمرنا بالصلاة عليه بعد ذكر حقوقه، وما خصّه به دون أمته، من حلّ نكاحه لمن تهب نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة بعده، ومن سائر ما ذُكر مع ذلك من حقوقه وتعظيمه وتوقيره وتبجيله، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنكِحُوْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًّاْ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ثم ذكر رفع الْجُنَاح عن أزواجه في تكليمهنّ آباءهنّ وأبناءهنّ، ودخولهم عليهنّ، وخلوتهم بهنّ، ثمّ عقّب ذلك بما هو حقّ من حقوقه الأكيدة على أمته، وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم، مستفتحًا ذلك الأمر بإخباره بأنه هو وملائكته يُصلُّون عليه، فسأل الصحابةُ رسولَ اللَّه ◌َلّ على أيّ صفة يؤدّون هذا الحقّ؟ فقال: ((قولوا: اللَّهمّ صلّ على محمد، وعلى آل محمد))، فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها، لأن ذلك مما تقرّ به عينه، ويزيده الله به شرفًا وعُلُوًّا، وَّل تسليمًا . وأما من قال: إنهم الأتقياء من أمته، فهولاء هو أولياؤه، فمن كان منهم من أقربائه، فهو من أوليائه، ومن لم يكن منهم من أقربائه، فهم من أوليائه، لا من آله، فقد يكون الرجل من آله وأوليائه، كأهل بيته والمؤمنين به من أقاربه، ولا يكون من آله ولا من أوليائه، وقد يكون من أوليائه، وإن لم يكن من آله، كخلفائه في أمته الداعين إلى سنته، الذّابين عنه، الناصرين لدينه، وإن لم يكونوا من أقاربه. وقد ثبت في ((الصحيح)) عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إنّ آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إن أوليائي المتقون، أين كانوا، ومن كانوا))(١). (١) أخرجه الشيخان من حديث عمرو بن العاص قال: سمعت رسول اللَّه اله جهارًا غير سرّ يقول: ((ألا إن آل أبي - يعني فلانًا - ليسوا بأوليائي، إنما ولي اللَّه وصالحو المؤمنين)). وأخرجه أحمد بلفظ ((إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي)). وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) عن أبي هريرة رَضيّ بلفظ ((إن أوليائي يوم القيامة المتقون)). ١٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ والمقصود أن المتقين هم أولياء رسول اللَّه ◌َّر، وأولياؤه هم أحبّ إليه من آله، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَِحُ الْمُؤْمِنِينَّ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرُ﴾ [التحريم: ٤]. وسئل النبي ◌ّ أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: ((عائشة))- رَبّها - قيل: من الرجال؟، قال: ((أبوها)) - رَّه -. متفق عليه. وذلك أن المتقين هم أولياء اللَّه، كما قال تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ -٦٣] وأولياء عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُنَ اللَّه سبحانه وتعالى أولياء لرسوله وَال . وأما من زعم أنّ ((الآل)) هم الأتباع، فيقال: لا ريب أن الأتباع يُطلق عليهم لفظ ((الآل)) في بعض المواضع بقرينة، ولا يلزم من ذلك أنه حيث وقع لفظ ((الآل)) يُراد به الأتباع، لما ذكرنا من النصوص. والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى ببعض تصرف، واختصار (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في هذا البحث، وحقق كل قول بأدلته، وناقشها، فتلخّص من بحثه ترجيح تفسير الآل هنا بأنهم الذين تحرم عليهم الصدقة؛ لقوة أدلته، ووضوحها، وهو ترجيح واضح فيما أرى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في ذكر المسألة المشهورة بين الناس، وبيان ما فيها: وهي أن النبي ◌َّ أفضل من إبراهيم، فكيف طُلب له من الصلاة ما لإبراهيم؟ مع أن المشبه به أصله أن يكون فوق المشبه؟ فكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين؟ قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ونحن نذكر ما قاله الناس في هذا، وما فيه من صحیح وفاسد. فقالت طائفة: هذه الصلاة علّمها النبي ◌َّ أمّته قبل أن يعرف أنه سيد ولد آدم. ولو سكت قائل هذا لكان أولى به، وخيرًا له، فإن هذه هي الصلاة التي علّمهم النبي وَلِّ إيّاها لَمّا سألوه عن تفسير: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبِكَنَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ بَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فعلّمهم هذه الصلاة، وجعلها مشروعة في صلوات الأمة إلى يوم القيامة، والنبي ◌َّ لم يزل أفضل ولد آدم قبل أن يعلم بذلك وبعده، وبعد أن علم بذلك لم يغيّر نظم الصلاة التي علّمها أمته، ولا أبدلها بغيرها، (١) راجع ((جلاء الأفهام)) ص ١٥٨ - ١٧٣ . ٤٩- (بِأَبُ الأَمْرِ بِالصَّلَةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّ) - حديث رقم ١٢٨٥ ١٣٥= ولا رَوَى عنه أحد خلافها، فهذا من أفسد جواب يكون . وقالت طائفة أخرى: هذا السؤال والطلب شُرع ليتخذه اللَّه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، وقد أجابه اللَّه إلى ذلك، كما ثبت عنه في ((الصحيح)): ((ألا وإن صاحبكم خليل الرحمن)) يعني نفسه. وهذا الجواب من جنس ما قبله، فإن مضمونه أنه بعد أن اتخذه اللَّه خليلاً لا تُشرع الصلاة عليه على هذا الوجه، وهذا من أبطل الباطل . وقالت طائفة أخرى: إنما هذا التشبيه راجع إلى المصلي فيما يحصل له من ثواب الصلاة عليه، فطلب من ربّه ثوابًا، وهو أن يصلّي عليه كما صلى على آل إبراهيم، لا بالنسبة إلى النبي ◌َّة، فإن المطلوب لرسول اللّه وَله من الصلاة أجلّ وأعظم مما هو حاصل لغيره من العالمين. وهذا من جنس ما قبله وأفسد، فإن التشبيه ليس فيما يحصل للمصلي، بل فيما يحصل للمصلَّى عليه، وهو النبي وَّل، فمن قال: إن المعنى: اللَّهم أعطني من ثواب صلاتي عليه كما صليت على آل إبراهيم، فقد حرّف الكلم، وأبطل كلامه. قال ابن القيّم ◌َّلهُ: ولولا أن هذه الوجوه وأمثالها قد ذَكَرها بعض الشرّاح، وسوّدوا بها الطّروس، وأوهموا الناس أن فيها تحقيقًا، لكان الإضراب عنها صفحًا أولى من ذكرها، فإن العالم يستحيي من التكلّم على هذا، والاشتغال بردّه. وقالت طائفة أخرى: التشبيه عائد إلى الآل فقط، وتمّ الكلام عند قوله: ((اللَّهمّ على محمد))، ثم قال: ((وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم))، فالصلاة المطلوبة لآل محمد هي المشبهة بالصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، وهذا نقله العمراني عن الشافعيّ رَخْذَنْهُ، وهو باطل عليه قطعًا، فإن الشافعيّ أجلّ من أن يقول مثل هذا، ولا يليق هذا بعلمه وفصاحته، فإن هذا في غاية الركاكة والضعف. وقد ورد في كثير من أحاديث الباب ((اللَّهم صلّ على محمد كما صلّيت على آل إبراهيم)). وأيضًا فإنه لا يصحّ من جهة العربية، فإن العامل إذا ذكر معموله، وعطف عليه غيره، ثمّ قُيّد بظرف، أو جارّ ومجرور، أو مصدر، أو صفة مصدر كان ذلك راجعًا إلى المعمول، وما عطف عليه، هذا الذي لا تحتمل العربية غيره، فإذا قلت: جاءني زيد وعمرو يوم الجمعة، كان الظرف مقيّدًا لمجيئهما، لا لمجيء عمرو وحده، وكذلك إذا قلت: ضربت زيدًا وعمرًا ضربًا مؤلمًا، أو أمام الأمير، أو سلَّمَ عليّ زيدٌ وعمرٌو يوم الجمعة ونحوه. ١٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھوِ فإن قلت: هذا مُتَّجِه إذا لم يُعَد العامل، فإما إذا أُعيد العامل حَسُن ذلك، تقول: سَلِّمْ على زيد، وعلى عمرو إذا لقيته لم يمتنع أن يختصّ ذلك بعمرو، وهنا قد أعيد العامل في قوله: ((وعلى آل محمد)). قيل: هذا المثال ليس بمطابق لمسألة الصلاة، وإنما المطابق أن تقول: سلّمْ على زيد، وعلى عمرو كما تسلّم على المؤمنين، ونحو ذلك، وحينئذ فادعاء أن التشبيه لسلامه علی عمرو وحده دون زيد دعوى باطلة . وقالت طائفة أخرى: لا يلزم أن يكون المشبّه به أعلى من المشبّه، بل يجوز أن يكونا متماثلين، وأن يكون المشبّه أعلى من المشبّه به. قال هؤلاء: والنبي ◌َّر أفضل من إبراهيم عليه الصلاة والسلام من وجوه غير الصلاة، وإن كانا متساويين في الصلاة، قالوا: والدليل على أن المشبّه قد يكون أفضل من المشبّه به قول الشاعر: [من الطويل] بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا وهذا القول أيضًا ضعيف من وجوه: (أحدها): أن هذا خلاف المعلوم من قاعدة تشبيه الشيء بالشيء، فإن العرب لا تشبّهُ الشيء إلا بما هو فوقه. (الثاني): أن الصلاة من اللَّه تعالى من أجلّ المراتب وأعلاها، ومحمد ◌َّ أفضل الخلق، فلا بدّ أن تكون الصلاة الحاصلة له أفضل من كلّ صلاة تحصُل لكلّ مخلوق، فلا يكون غيره مساويًا له فيها. (الثالث): أن اللَّه سبحانه أمر فيها(١) بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلّون عليه، وأمر بالصلاة والسلام عليه، وأكّده بالتسليم، وهذا الخبر والأمر لم يثبتهما في القرآن لغيره من المخلوقين. (الرابع): أن النبي وَّ قال: ((إن الله وملائكته يصلون على معلّم الناس الخير))(٢) وهذا لأن بتعليمهم الخير قد أنقذوهم من شر الدنيا والآخرة، وتسببوا بذلك إلى فلاحهم وسعادتهم، وذلك سبب دخولهم في جملة المؤمنين الذين يصلي عليهم اللَّه (١) هكذا نسخة ((جلاء الأفهام)) ((أمر فيها بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر بالصلاة والسلام عليه إلخ)). ولعل صواب العبارة: ((أمر بها بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر بالسلام عليه وأكدَّه بالتسليم. فليُتَأَمَّل. (٢) حديث حسن أخرجه الترمذيّ من حديث أبي أمامة، وله شاهد من حديث جابر رَوج ◌ّه عند الطبراني في ((الأوسط)) انظر ((مجمع الزوائد)) جـ ١ ص ١٢٤ - ١٢٥ . ٤٩- (بَأَبُ الأمَّرِ بِالصَّلَةِ عَلَى النَّبِيِّ نَّهـ) - حديث رقم ١٢٨٥ ١٣٧= وملائكته، فلما تسبب معلمو الخير إلى صلاة الله وملائكته على من يتعلّم منهم، صلى الله عليهم وملائكته، ومن المعلوم أنه لا أحد من معلّمي الخير أفضل، ولا أكثر تعليمًا من النبي ◌َّر، ولا أنصح لأمته، ولا أصبر على تعليمه منه، ولهذا نالت أمته من تعليمه لهم ما لم تَتَلْه أمة من الأمم سواهم، وحصل للأمة من تعليمهم من العلوم النافعة والأعمال الصالحة ما صارت به خير أمة أخرجت للعالمين، فكيف تكون الصلاة على هذا الرسول المعلّم للخير مساوية للصلاة على من لم يماثله في هذا التعليم؟ . وأما استشهادهم بقول الشاعر على جواز كون المشبّه به أفضل من المشبّه، فلا يدلّ على ذلك، لأن قوله: ((بنونا بنو أبنائنا)) إما أن يكون المبتدأ فيه مؤخرًا، والخبر مقدّمًا، ويكون قد شبّه بني أبنائه بينيه، وجاز تقديم الخبر هنا لظهور المعنى، وعدم وقوع اللبس، وعلى هذا فهو جار على أصل التشبيه، وإمّا أن يكون من باب عكس التشبيه، كما يشبه القمر بالوجه الكامل في حسنه، ويشبه الأسد بالرجل الكامل في شجاعته، والبحر بالكامل في وجوده، تنزيلاً لهذا الرجل منزلة الفرع المشبّه، وهذا يجوز إذا تضمّن عكس التشبيه، مثل هذا المعنى، وعلى هذا فيكون هذا الشاعر قد نزل بني أبنائه منزلة بنيه، وأنهم فوقهم عنده، ثمّ شبّه بنيه بهم، وهذا قول طائفة من أهل المعاني. قال ابن القيّم ◌َخّْلهُ: والذي عندي فيه أن الشاعر لم يرد ذلك، وإنما أراد التفريق بين بني بنيه، وبني بناته، فأخبر أن بني بناته تبع لآبائهم، ليسوا بأبناء لنا، وإنما أبناؤنا بنو أبنائنا، لا بنو بناتنا، فلم يُرد تشبيه بني بنيه بينيه، ولا عكسه، وإنما أراد ما ذكرنا من المعنى، وهذا ظاهر. وقالت طائفة أخرى: إن النبي ◌َّر له من الصلاة الخاصّة به التي لا يساويها صلاة ما لم يشاركه فيها أحد، والمسؤول له إنما هو صلاة زائدة على ما أعطيه مضافًا إليه، ويكون ذلك الزائد مشبها بالصلاة على إبراهيم، وليس بمستنكر أن يسأل للفاضل فضيلة أعطيها المفضول منضمًا إلى ما اختصّ به هو من الفضل الذي لم يحصل لغيره. قالوا: ومثال ذلك: أن يعطي السلطان رجلاً مالاً عظيمًا، ويعطي غيره دون ذلك المال، فيسأل السلطان أن يعطي صاحب المال الكثير مثل ما أعطي من هو دونه لينضمّ ذلك إلى ما أعطيه، فيحصل له من مجموع العطاء ين أكثر مما يحصل من الكثير وحده. وهذا أيضًا ضعيف، لأن الله تعالى أخبر أنه وملائكته يُصلّون عليه، ثمّ أمر بالصلاة عليه، ولا ريب أن المطلوب من الله هو نظير الصلاة المخبر بها، لا ما هو دونها، وهو أكمل الصلاة عليه، وأرجحها، لا الصلاة المرجوحة المفضولة. وعلى قول هؤلاء إنما يكون الطلب لصلاة مرجوحة لا راجحة، وإنما تصير راجحة ١٣٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ بانضمامها إلى صلاة لم تطلب، ولا ريب في فساد ذلك، فإن الصلاة التي تَطلُبُها الأمة له من ربّه هي أجلّ صلاة وأفضلها. وقالت طائفة أخرى: التشبيه المذكور إنما هو في أصل الصلاة، لا في قدرها، ولا في كيفيّتها، فالمسؤول إنما هو راجع إلى الهيئة، لا إلى قدر الموهوب، وهذا كما تقول للرجل: أحسن إلى ابنك، كما أحسنت إلى فلان، وأنت لا تريد بذلك قدر الإحسان، وإنما تريد به أصل الإحسان، وقد يحتجّ لذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ﴾ [القصص: ٧٧] ولا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بقدر ما أحسن الله إليه، وإنما أريد به أصل الإحسان، لا قدره، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوُجِ وَالنَّبِيَِّنَ مِنْ بَعْدِهِ،﴾ [النساء: ١٦٣] وهذا التشبيه في أصل الوحي، لا في قدره، وفضل الموحى به، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] إنما مرادهم جنس الآية، لا نظيرها، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَسْتَغْلِفَنَهُمْ فِ اُلْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِيْنَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥] ومعلوم أن كيفية الاستخلاف مختلفة، وأنّ ما لهذه الأمّة أكمل مما لغيرهم، وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] والتشبيه إنما هو في أصل الصوم، لا في عينه وقدره وكيفيته، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] ومعلوم تفاوت ما بين النشأة الأولى، وهي المبدأ، والثانية، وهي المعاد. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَاَ أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ومعلوم أن التشبيه في أصل الإرسال لا يقتضي تماثل الرسولين. وقال النبي ◌َّر: (لو أنكم تتوكلون على اللَّه حقّ توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تعدوا خِمَاصًا، وتَرُوحِ بِطَانًا))(١) . فالتشبيه هنا في أصل الرزق، لا في قدره، ولا في كيفيته، ونظائرٍ ذلك. وهذا الجواب أيضًا ضعيف لوجوه: منها: أن ما ذكروه يجوز أن يستعمل في الأعلى والأدنى والمساوي، فلو قلت: أحسن إلى أبيك وأهلك كما أحسنت إلى مركوبك وخادمك ونحوه جاز ذلك، ومن المعلوم أنه لو كان التشبيه في أصل الصلاة لحسن أن نقول: اللَّهمّ صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل أبي أوفى، أو كما صليت على آحاد المؤمنين (١) أخرجه أحمد ٣٠/١ والترمذي ٢٣٤٥ وابن ماجه ٤١٦٤ وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ٤/ ٣١٨ . ٤٩- (بَأَبُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ نَێ8) - حديث رقم ١٢٨٥ ١٣٩= ونحوه، أو كما صلّيتَ على آدم، ونوح، وهود، ولوط، فإن التشبيه عند هؤلاء إنما هو واقع في أصل الصلاة، لا في قدرها ولا في صفتها. ولا فرق في ذلك بين كلّ من صلى عليه، وأيّ ميزة وفضيلة في ذلك لإبراهيم وآله، وما الفائدة حينئذ في ذكره وذكر آله؟ وكان الكافي في ذلك أن نقول: اللَّهم صلّ على محمد وعلى آل محمد فقط . الثاني: أن ما ذكروه من الأمثلة ليس بنظير الصلاة على النبي ◌َّر، فإن هذه الأمثلة نوعان: خبر، وطلب، فما كان منها خبرًا فالمقصود بالتشبيه به الاستدلال والتقريب إلى الفهم، وتقرير ذلك الخبر، وأنه مما لا ينبغي لعاقل إنكاره، كنظيره المشبّه به . وأما في قسم الطلب والأمر فالمقصود منه التنبيه على العلّة، وأن الجزاء من جنس العمل، فإذا قلت: علِّمْ كما علمك الله، ونحوه كان ذلك تنبيهًا للمأمور على شكر النعمة، ومقابلتها بمثلها، وتقييدها بالشكر. الثالث: أن قوله: ((كما صليتَ على آل إبراهيم)) صفة لمصدر محذوف، تقديره: صلاةً مثلَ صلاتك على آل إبراهيم، وهذا الكلام حقيقته أن تكون الصلاة مماثلةً للصلاة المشبه بها، فلا يُعدل عن حقيقة الكلام ووجهه . وقالت طائفة أخرى: إن هذا التشبيه حاصل بالنسبة إلى كلّ صلاة صلاة من صلوات المصلين، فكلّ مصلّ صلى على النبي وَلو بهذه الصلاة، فقد طلب من الله أن يصلي على رسوله وَل* صلاةً مثل الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، ولا ريب أنه إذا حصل له من كلّ مصلّ طلب من اللَّه له صلاةً مثل صلاته على آل إبراهيم حصل له من ذلك أضعاف مضاعفة من الصلاة، لا تُعدّ ولا تحصى، ولم يقاربه فيها أحد فضلاً عن أن يساويه، أو يفضله رح لته . ونظير هذا أن يعطي ملك لرجل ألف درهم، فيسأله كلّ واحد من رعيته أن يعطي الرجل آخر أفضل منه نظيرَ تلك الألف، فكلّ واحد قد سأله أن يعطيه ألفًا، فيحصل له من الألوف بعدد كلّ سائل. وأَوْرَدَ أصحابُ هذا القول على أنفسهم سؤالاً، وهو أن التشبيه حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة المطلوبة، وكل فرد من أفرادها، فالإشكال وارد كما هو. وتقريره أن العطيّة التي يُعطاها الفاضل لا بدّ أن تكون أفضل من العطيّة التي يعطاها المفضول، فإذا سئل له عطيّة دون ما يستحقّه لم يكن ذلك لائقًا بمنصبه. وأجابو عنه بأن هذا الإشكال إنما يَرِدُ إذا لم يكن الأمر للتكرار، فأما إذا كان الأمر للتكرار، فالمطلوب من الأمّة أن يسألوا اللَّه له صلاةً بعد صلاة كلّ منها نظير ما حصل ١٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، فيحصل له من الصلوات ما لا يُحصى مقداره بالنسبة إلى الصلاة الحاصلة لإبراهيم. قال ابن القيم تَخْذَلَّهُ: وهذا أيضًا ضعيف، فإن التشبيه هنا إنما هو واقع في صلاة الله عليه، لا في معنى صلاة المصلي، ومعنى هذا الدعاء: اللَّهمّ أعطه نظير ما أعطيت إبراهيم، فالمسؤول له صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم، وكلّما تكرر هذا السؤال كان هذا معناه، فيكون كلّ مصلّ قد سأل الله أن يصلي عليه صلاة دون التي يستحقّها، وهذا السؤال والأمر به متكرّر، فهل هذا إلّا تقويةً لجانب الإشكال؟. ثم إن التشبيه واقع في أصل الصلاة وأفرادها، ولا يغني جوابكم عنه بقضية التكرار شيئًا، فإن التكرار لا يجعل جانب المشبه به أقوى من جانب المشبه، كما هو مقتضى التشبيه، فلو كان التكرار يجعله كذلك لكان الاعتذار به نافعًا، بل التكرار يقتضي زيادة تفضيل المشبّه وقوّته، فكيف يشبّه حينئذ بما هو دونه؟ فظهر ضعف هذا الجواب. وقالت طائفة أخرى: آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي وَلَّ، ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله -وفيهم الأنبياء - حصل لآل النبي ◌َّ من ذلك ما يليق بهم، فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء، وفيهم إبراهيم لمحمد وَّر، فيحصل له بذلك من المزيّة ما لم يحصل لغيره. وتقرير ذلك أن تجعل الصلاة الحاصلة لإبراهيم ولآله، وفيهم الأنبياء جملة مقسومة على محمد وَعليه وآله، ولا ريب أنه لا يحصل لآل النبي وذ لّ مثل ما حصل لآل إبراهيم، وفيهم الأنبياء، بل يحصل لهم ما يليق بهم، فيبقى قسم النبي بَّر والزيادة المتوفّرة التي لم يستحقّها آله مختصّةً به وَ لَّ، فيصير الحاصل له من مجموع ذلك أعظم، وأفضل من الحاصل لإبراهيم. قال ابن القيّم ◌َخْذّلهُ: وهذا أحسن من كلّ ما تقدّمه. قال: وأحسن منه أن يقال: محمد بَّر هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما رَوَى عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس ◌َّهَا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] قال ابن عبّاس رَّها: محمد من آل إبراهيم، وهذا نصّ، فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرّية إبراهيم في آله، فدخول رسول اللَّه و ◌َل أولى، فيكون قولنا: كما صلّيت على آل إبراهيم متناولاً للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرّية إبراهيم. ثمّ أمرنا اللَّه أن نصلي عليه، وعلى آله خصوصًا بقدر ما صلّينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا، وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كلّه له