النص المفهرس

صفحات 81-100

٤٠- (بَابُ النَّهْي عَنْ رَفْع الْبَصَرِ إِلَى ... - حديث رقم ١٢٧٦
٨١
٤- (جعفر بن ربيعة) الكندي المصريّ، ثقة [٥] تقدم ١٧٣/١٢٢ .
٥- (الأعرج) عبدالرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧ .
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه، تقدم ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف ◌َخّلهُ، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال
الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج ه البخاري، ولا الترمذي، وأنه مسلسل
بالمصريين، سوى الأعرج، وأبي هريرة، فمدنيان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (أن رسول اللَّه وَّ قال: لينتهين أقوام) اللام
هي الموطّئةُ للقسم، والفعل مبنيّ للفاعل، و((أقوام)) فاعله، والنون المشددة نون التوكيد
(عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء) هذا الحديث فيه تقييد النهي عن
رفع الأبصار بالدعاء الواقع في داخل الصلاة، وتقدم في حديث أنس بن مالك تنزيه
غير مقيد بالدعاء، ولفظه: ((مال بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في
صلاتهم)) ... الحديث. وفي حديث عبيدالله بن عبدالله، عن رجل من أصحاب النبي
وَ له مرفوعًا: ((إذا كان أحدكم في الصلاة، فلا يرفع بصره إلى السماء، أن يُلْتَمَعَ
بصرُهُ)) .
فيستفاد من الحديثين النهي عن رفع البصر في الصلاة مطلقًا، والنهي للتحريم على
الراجح، للوعيد المذكور. والله تعالى أعلم.
(أو لتُخطفنّ أبصارهم) بالبناء للمفعول، أي لتُسلبنّ بسرعة.
قال النووي رحمه اللّه تعالى: فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، وقد نُقل
الإجماعُ في النهي عن ذلك. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى: وفي هذا الحديث دليل على كراهة رفع
بصره إلى السماء في صلاته.
والمعنى في كراهة ذلك خُشوع المصلي، وخفض بصره. ونظره إلى محلّ سجوده،
فإنه واقف بين يدي الله عزّ وجلّ يُناجيه، فينبغي أن يكون، منكْسًا رأسه، مطرقًا إلى
الأرض. انتهى باختصار(١).
(١) ((فتح الباري)) للحافظ ابن رجب جـ ٦ ص ٤٤٢ - ٤٤٣ .
-

٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
وتمام شرح الحديث قد تقدم في حديث أنس المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٢٧٦/٤٠- وفي ((الكبرى)) - ١١٩٩/٧٥- بالسند المذكور.
وأخرجه (م) -٣٩/٢- عن أحمد بن عمرو بن السرح، وعمرو بن سَوّاد، كلاهما
عن ابن وهب به. (وأحمد) ٣٣٣/٢، و٣٦٧ . من رواية الحسن، عن أبي هريرة رضي
الله تعالى عنه، وهي منقطعة عند الجمهور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٤١- (بَابُ إِيجَابِ التَّشَهُّدِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على إيجاب التشهّد على المصلي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن يكون المراد التشهد الأخير بدليل أنه ترجم
للتشهّد الأول فيما سبق - ١٠٦ / ١١٧٧ - بقوله: ((باب ترك التشهد الأوّل)).
فيكون المصنف رحمه الله تعالى ممن يرى التفرقة بين التشهدين، فیری وجوب
التشهد الثاني، دون الأوّل، وهو الذي ذهب إليه البخاري رحمه اللَّه تعالى في
(صحيحه))، واستدلّ على عدم وجوب التشهد الأول بكون النبي وَّ قام من الركعتين،
ولم يرجع، كما في حديث ابن بُحينة وَلَّه المتقدّم.
ويحتمل أن يكون المراد جنسَ التشهد، فيشمل الأول والثاني، فيكون الباب معقودًا
لبيان حكم التشهدين، ويكون ما تقدّم لبيان أن من ترك التشهد سهوًا يسجد سجدتي
السهو، وإنما قيّده بالأول لكونه مورد النصّ، وهذا هو المذهب الراجح، كما يأتي
تحقيقه آخر الباب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.

=
٨٣
٤١- (بَأَبُ إِيجَاب التَّشَهُّدِ) - حديث رقم ١٢٧٧
١٢٧٧ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ(١)، قَالَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نَقُولُ
فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُفَرَضَ الَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللّهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ بَ لَّهِ: ((لَا تَقُولُوا: هَكَذَا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ السَّلَامُ، وَلَّكِنْ قُولُو: التَّحِيَّاتُ
لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ، أَّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ
عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (سعيد بن عبدالرحمن أبو عبيدالله المخزومي) هو سعيد بن عبدالرحمن بن
حسّان، ويقال: ابن عبدالرحمن بن أبي سعيد، ثقة من صغار [١٠].
روى عن ابن عيينة، وهشام بن سليمان المخزومي، وحسين بن زيد، وغيرهم.
وعنه الترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة، وقال مرّةً: لا بأس به. وقال مسلمة في ((كتاب الصلة)): سعيدُ بن
عبدالرحمن بن سعيد بن حسّان بن عُبيدالله بن أبي نَهيك بن أبي السائب صيفي بن عائذ
ابن عبدالله بن عمر بن مخزوم، أنا عنه غير واحد، وهو ثقة في ابن عُيينة. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات))، وقال: مات سنة (٢٤٩) زاد غيره بمكة. انفرد به الترمذي،
والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الشهير [٨] تقدّم ١/١.
٣- (الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الثبت [٥] تقدم ١٨/١٧.
٤- (منصور) بن المعتمر الحافظ الحجة الثبت [٦] تقدم ٢/ ٢ .
٥- (شقيق بن سلمة) أبو وائل الكوفي ثقة ثبت مخضرم [٢] تقدم ٢/٢ .
٦- (ابن مسعود) عبدالله رضي اللَّه تعالى عنه، تقدّم ٣٩/٣٥ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا متفق
عليه، وقد استوفيتُ شرحَه، وبيانَ المسائل المتعلقة به برقم ١٩٠/ ١١٦٢ .
وإنما أتكلم هنا على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو إيجاب التشهد،
فأقول :
(اعلم): أنه اختلف أهل العلم في حكم التشهد:
(١) قوله: ((المخزومي)) ساقط من بعض النسخ.

٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
أما التشهد الأول، فقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): ((باب من
لم ير التشهد الأول واجبًا، لأن النبي (وَ لّ قام من الركعتين، ولم يرجع))، ثم أخرج
حديث عبدالله ابن بُحينة رضي اللّه تعالى المتقدم- ١٩٦/ ١١٧٧.
قال الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه تعالى: وقد استَدَلَّ بهذا الحديث كثير من العلماء -
كما أشار إليه البخاريّ- على أن التشهد الأول ليس بواجب، لأن النبي ◌َّ نسيه، ولم
يرجع إليه بعد قيامه إلى الركعة الثالثة.
وممن ذهب إلى أن التشهد الأول، والجلوس له سنة، لا تبطل الصلاة بتركهما
عمدًا: النخَعيُّ، وأبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك، والشافعيّ، وحُكي روايةً عن
أحمد، والمنصوص عن أحمد إنكار تسميته سنة، وتوقّف في تسميته فرضًا، وقال: هو
أمرٌ أمر به رسول اللَّه وَلِ.
وقال الثوريّ، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، وأبو ثور، وداود: إن تَرَكَ واحدًا
منهما عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا سجد لسهو.
وحَكَى الطحاويّ مثله عن مالك، لأن النبي ◌َّ كان يداوم عليه، وقال: ((صلّوا كما
رأيتموني أصلي))، وإنما تركه نسيانًا، وجبره بسجود السهو.
وقد روي عنه الأمر به، كما خَرَّجه أبو داود من حديث رفاعة بن رافع، أن النبي وَل
قال للمسيء في صلاته: ((فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئنّ، وافترش فخذك
الیسری، ثم تشهد)».
والعجب أن من المخالفين في ذلك من يقول في خطبتي الجمعة: إذا لم يجلس
بينهما لم تصحّ الخطبة، وهو يقول: لو صلّى الظهر أربعًا من غير جلوس في وسطها
صحت صلاته .
وأما التشهد الآخر والجلوس له، وهو الذي ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى هنا
بقوله: ((باب إيجاب التشهد))، فقال كثير من العلماء: إنهما من فرائض الصلاة، ومن
تركهما لم تصحّ صلاته، وهو قول الحسن، ومكحول، ونافع مولى ابن عمر،
والشافعيّ، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وحكى ابن المنذر
مثله عن مالك، إلا أنه قال: إذا نسيه خلف الإمام حَمَلَه عنه، وروي عن الأوزاعيّ
نحوه، ونقلَ مُهَنَّا عن أحمد ما يدلّ على مثل ذلك، وقال أبو مصعب: من ترك التشهّد
بطلت صلاته، ونقله عن مالك، وأهل المدينة.
وقالت طائفة: هو سنّة كالتشهد الأول، لا تبطل الصلاة بتركه، منهم: النخعي،
وقتادة، وحمّاد، والأوزاعيّ، وهو المشهور عن مالك.

٨٥
٤١- (بَأَبُ إِيجَاب التَّشَهَّدِ) - حديث رقم ١٢٧٧
ونقل محمد بن يحيى الكحال عن أحمد -فيمن سلّم، ولم يتشهد -: لا إعادة،
واستدلّ بحديث ابن بُحينة.
ونقل ابن وهب عن مالك، قال: كلّ أحد يحسن التشهد إذا ذكر الله أجزأ عنه. وقال
أحمد في رواية عنه، نقلها حرب: إذا لم يقدر أن يتعلّم التشهد يدعو بما أحبّ
وأوجب أبو حنيفة الجلوس له بقدر التشهد دون التشهد، وهو رواية عن الثوريّ،
وروي عنه: إن أحدث قبل التشهد تمت صلاته.
وحُكي القول بأنه سنة روايةً عن أحمد أيضًا حكاه عنه الترمذي في ((جامعه))، فإنه
قال في رواية ابن منصور، وقد قيل له: فإن لم يتشهد وسَلَّم؟ قال: التشهد أهون، قام
رسول اللّه وَ له في ثنتين، ولم يتشهد، فحَمَلَه هؤلاء على أن التشهد غير واجب، ومنهم
من حمله على التشهد الأول، لاستدلاله عليه بالحديث، والحديث إنما ورد في الأول،
وقالوا: قد فرق بين الأول والثاني في روايات أخر عنه.
وقالت طائفة: هو واجب تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد لسهوه، وهو قول
الزهريّ، والثوريّ، وحكي عن الأوزاعيّ أيضًا، ونقله إسماعيل بن سعيد، وأبو
طالب، وغيرهما عن أحمد، وذكر أبو حفص البرمكي من الحنابلة أن هذا هو مذهب
أحمد، وأنه لا فرق عنده بين التشهد الأول والثاني، وأنهما واجبان، تبطل الصلاة
بتركهما عمدًا، ويسجد لسهوهما.
وهو أيضًا قول أبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشميّ، وابن أبي شيبة.
واستدَلَّ من قال: إنه فرض بحديث ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه المذكور في
الباب: ((كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله)) ... الحديث، وذكر
فيه أمر النبي وَّر لهم بالتشهد، وتعليمه لهم. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى
ببعض تصرف(١) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجّح عندي قول من قال بوجوب التشهدين
جميعًا، لأمر النبي ◌َّل بذلك، كما تقدّم في حديث رفاعة بن رافع رضي الله تعالى عنه،
والأمرُ للوجوب، ولمواظبته وَ لّر على ذلك، ولحديث ابن مسعود رَّه المذكور في
الباب، حيث قال: ((قبل أن يُفرض علينا التشهد)) الخ، فإنه نصّ في كون التشهد فرضًا،
وحديثه الآتي بعد باب -١٢٧٩/٤٣ - ((فإذا قعد أحدكم، فلقيل: التحيات للَّه)) ...
الحديث، فإنه أمر صريح بقراءة التشهد في قعود الصلاة.
(١) ((فتح الباري)) للحافظ ابن رجب جـ ٦ ص ٣١٧ - ٣٢٠ .

٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
والحاصل أن الراجح وجوب التشهدين، فتبطل الصلاة بتركهما، أو ترك أحدهما
عمدًا، وإن كان سهوًا سجد للسهو. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٤٢- (تَعْلِيمِ التّشَهُّدِ كَتَعْلِيم السُّورَةِ
مِنَ الْقُرآنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على العناية بتعليم التشهد كالعناية بتعليم السورة من
القرآن .
١٢٧٨- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْأَنِ).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهاوي، ثقة حافظ [١١] تقدم ٤٢/٣٨ من
أفراد المصنف رحمه الله تعالى.
٢- (يحيى بن آدم) أبو زكريا الكوفي، ثقة حافظ فاضل من كبار [٩] تقدم١ / ٤٥١.
٣- (عبدالرحمن بن حُمَيد) بن عبدالرحمن الرؤاسيّ الكوفي، ثقة [٧] تقدم ١٧ /
٧٩٨ .
٤- (أبو الزبير) محمد بن مسلم المكي، صدوق (٤) تقدم ٣٥/٣١ .
٥- (طاوس) بن كيسان اليماني، ثقة فقيه فاضل [٣] تقدم ٣١/٢٧.
٦- (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، تقدم٣١/٢٧.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه
مسلم، وتقدّم للمصنف رحمه اللَّه تعالى برقم-١١٧٤/١٩٣ - ومضى شرحه، وبيان
المسائل المتعلقة به هناك، فلتُراجع هناك، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: ((كما يعلمنا السورة من القرآن)) إشارة إلى كمال اهتمامه صلى اللَّه تعالى عليه

٢٨٧
٤٣- (بَأَبٌّ كَيفَ التَّشَهُدُ ؟) - حديث رقم ١٢٧٩
وسلم بتعليم التشهد كاهتمامه بتعليم السورة من القرآن. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
٤٣- (بَابٌ كَيفَ التَّشَهُّدُ ؟)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على بيان كيفية التشهد.
١٢٧٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ - وَهُوَ ابْنُ عِيَاضٍ -(١) عَنِ الأَغْمَشِ،
عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا
قَعَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيْبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَّا النَِّيُّ
وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ بَعْدَ ذَلِكَ (٢) مِنَ الْكَلَامِ مَا شَاءَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدّموا قبل باب، إلا:
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/١ .
٢- (الفُضَيل بن عياض) الخُرَاساني، ثم المكي الإمام الثقة العابد الزاهد [٨] تقدم
٣٨٨/٢١ .
والحديث متفق عليه، وقد مضى البحث عنه قبل باب. وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: ((من الكلام)) أراد به الدّعاء، لا كلام الناس، كما تقدّم بيانه في حديث ابن
مسعود تظلّه من رواية أبي الأحوص عنه - ١١٦٣/١٩٠ - ((وليتخيّر أحدكم من الدعاء
أعجبه إليه، فليدع اللَّه عزّ وجلّ)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
(١) قوله: ((وهو ابن عياض)) ساقط من بعض النسخ.
(٢) وفي بعض النسخ ((ثم ليتخير بعدُ من الكلام ما شاء)).

- ٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
٤٤- (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّشَهُّدِ)
١٢٨٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةً
ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: خَّدَّثَنَا قَتَادَةُ،
عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ، أَنَّ الأَشْعَرِيَّ (١) قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
خَطَبَنَا، فَعَلَّمَنَا سُنَنَا، وَبَيَّنَ لَنَا صَلَاتَنَا، فَقَالَ: ((إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَقِيمُوا صِفُوفَكُمْ،
ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿ وَلَ الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ
يُحِبْكُمُ اللَّهُ، ثُمَّ إِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ
قَبْلَّكُمْ))، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيَّهِ وَّهِ: سَمِعَ
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ إِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ
قَبْلَكُمْ))، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ بِّهِ: ((فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ، فَلْيَكُنْ مِنْ قَوْلِ أَحَدِكُمْ
أَنْ يَقُولَ: الثَّحِيَّاتُ الطَّيْبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَِّيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ،
السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (محمد بن بن بشار) بُندار البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧ .
٢- (محمد بن المثنّى) البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٦٤ / ٨٠.
٣- (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الشهير [٩] تقدم ٤/ ٤ .
٤- (هشام) بن أبي عبدالله سَنْبَر الدستوائي البصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٣٤/٣٠.
٥- (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري الإمام الحجة الثبت المشهور [٤] تقدم ٣٠/
٣٤ .
٦- (يونس بن جُبَير) الباهلي البصري، ثقة [٣] تقدّم ٨٣٠/٣٨.
٧- (حِطّان بن عبداللَّه) الرّقَاشي البصري، ثقة [٢] تقدم ٨٣٠/٣٨.
٨- (الأشعري) هو: أبو موسى عبدالله بن قيس الصحابي الشهير رضي اللّه تعالى
عنه، تقدّم ٣/٣ .
(١) وفي نسخة ((عن أبي موسى الأشعري)).

٨٩
٤٥- (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّشَهُّدِ) - حديث رقم ١٢٨١
=
وقوله: ((يُجبكم الله ((بالجيم من الإجابة، أي يستجب لكم دعاءكم.
وقوله: ((وإذا كبّر وركع فكبّروا واركعوا)) الخ، معناه: اجعلوا تكبيركم للركوع،
وركوعَكم بعد تكبيره وركوعه، وكذلك رفعكم من الركوع يكون بعد رفعه، وكذلك في
السجود .
وقوله: (فتلك بتلك)) أي إن اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدّمه إلى الركوع
تُقابَل لكم بتأخركم في الركوع بعد رفعه لحظةً، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار قدر
ركوعكم كقد ركوعه، وكذلك في السجود.
وقوله: ((سمع الله لمن حمده)) أي سمع الله وأجاب حمدَ من حمده، ودعاءَه.
وقوله: ((ربنا لك الحمد)) هكذا هو في الحديث بلا واو، وقد ثبت في الروايات
الصحيحة بإثبات الواو، وحذفها، فكلاهما ثابتان جائزان، وعلى إثبات الواو يكون
قوله: ((ربنا)) متعلّقًا بما بعده، تقديره: سمع الله لمن حمده، ربنا فاستجب حمدنا،
ولك الحمد على هدايتنا لذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي موسى الأشعري رضي اللَّه تعالى عنه هذا
أخرجه مسلم، وقد تقدّم للمصنف رحمه الله تعالى برقم ١٩٠ / ٨٣٠ - رواه عن مؤمّل بن
هشام، عن ابن عُليّة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به، أورده مستدلًّا به على تحريم
مبادرة الإمام، وقد استوفيت شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به هناك، فراجعه تستفد.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٤٥- (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّشَهُّدِ)
١٢٨١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِل،
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسِّولُ اللّهِ وَهِ يُعَلِّمُنَا الَّشَهْدَ كَمَا
يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: (( بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ
عَلَيْكَ أَّا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَّاتُهُ، السَّلَّامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِهِ (١) مِنَ النَّارِ)).
(١) وفي نسخة ((وأعوذ بالله)).

=
٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ أَيْمَنَ بْنَ نَابِلٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَأَيْمَنُ عِدَنَا
لَا بَأْسَ بِهِ، وَالْحَدِيثُ خَطَأْ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/٤.
٢- (أبو عاصم) الضحاك بن مَخْلَد النبيل الكوفي، ثقة ثبت [٩] تقدم٤٢٤/١٩.
٣- (أيمن بن نابل) أبو عمرو الحبشي المكي، نزيل عَسْقَلان، صدوق يَهَم [٥] تقدم
١٩ / ١١٧٥ ٠
٤- (أبو الزبير) محمد بن مسلم المكيّ، صدوق [٤] تقدم ٣٥/٣١ .
٥- (جابر) بن عبدالله بن عمرو بن حَرَام الأنصاري السَّلَّمي رضي الله تعالى عنهما
تقدم ٣٥/٣١ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث تقدّم للمصنف رحمه الله تعالى برقم -
١١٧٥/١٩٤ - وهو خطأ كما قال المصنف رحمه الله تعالى هنا، أخطأ فيه نابل بن
أيمن، والصواب ما رواه الليث، وهو أثبت في أبي الزبير، عن أبي الزبير، عن سعيد بن
جبير، وطاوس، كلاهما عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، قال: ((كان رسول الله
وَلِّ يُعلّمنا التشهد، كما يعلّمنا القرآن، وكان يقول: التحيّات المباركات الصلوات
الطيبات للَّه ... )) إلى آخر ما تقدّم برقم - ١٩٣ / ١١٧٤.
فقد خَطّأ الحفاظُ: المصنف، والبيهقيُّ، والدار قطنيُّ، وغيرُهُم أيمنَ بنَ نابل في
هذا، وقالوا: الصواب حديث ابن عباس تَوِيهَا .
والحاصل أن حديث جابر في التشهد غلط، فلا تصحّ زيادة «بسم الله، وباللّه)) في
أوله، و((أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار)) في آخره، وإنما الصواب حديث ابن
عباس رضي اللّه تعالى عنهما المذكور، وإن شئت تمام البحث في ذلك فراجع ما كتبته
على حديث جابر رضي الله تعالى عنه بالرقم المذكور آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٩١
٤٦- (بَأَبُ السَّلَاَمِ عَلَى النَّبِيِّ بَّهـ) - حديث رقم ١٢٨٢
٤٦ - (بَابُ السَّلَامِ(١) عَلَى النَّبِيِّ وَلِلّهِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية السلام على النبي اَلّر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((السلام)): التحيّة. وفي ((اللسان)): قال ابن قتيبة:
يجوز أن يكون السلام والسلامة لغتين، كاللَّذَاذ واللّذاذة، وأنشد: [من الطويل]
تُحيِّي بِالسَّلَامَةِ أُمُّ بَكْرٍ وَهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِنْ سَلَام
قال: ويجوز أن يكون السلام جمع سلامة، وقال أبو الهيثم: السلام والتحيّة معناهما
واحد، وهو السلامة من الآفات. انتهى بتغيير يسير (٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٨٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُالْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ
سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ ح وَأَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَعَبُدُالرَّزَّاقِ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنَّ
لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ، يُبَلْغُونِي مِنْ أَمَّتِي السَّلَامَ))).
رجال هذا الإسناد : تسعة :
١- (عبدالوهاب بن عبدالحكم) بن نافع، أبو الحسن الورّاق البغدادي، صاحب
أحمد بن حنبل وخاصّته، وهو نسائي الأصل، ويقال له: ابن الحكم، ثقة [١١].
روى عن حجّاج بن محمد، ومعاذ بن معاذ، ويزيد بن هارون، وغيرهم، وعنه أبو
داود، والنسائي، والحسين المحاملي، وغيرهم.
قال الْمَرُّوذيّ عن أحمد: عبدالوهاب رجل صالح، مثله يُوفّق لإصابة الحقّ، وقال
الميموني عن أحمد: عبدالوهّاب عافاه الله قلّ من يُرى مثله، وقال المثنى بن جامع :
ذكرته لأحمد، فقال: إني لأدعو الله له. وقال النسائي، والدارقطني: ثقة. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات))، وقال الخطيب: كان ثقة صالحا ورعًا زاهدًا، وقال ابن المنادي:
كان من الصالحين العُقَلاء، قال لي ابنه الحسن: كان أبي إذا وقعت منه قطعة، فأكثر لا
يأخذها، وقال أبو مزاحم الخاقاني، عن الحسن بن عبدالوهاب الورّاق: ما رأيت أبي
ضاحكًا قطّ، إلا تبسّمًا، قال: لقد رآني مرّة، وأنا أضحك مع أمي، فجعل يقول لي:
صاحب قرآن يضحك هذا الضحك!، وإنما كنت مع أمي. وقال أبو بكر بن محمد بن
(١) وفي بعض النسخ ((التسليم)).
(٢) ((لسان العرب)) جـ ٣ ص ٢٠٧٧ .

٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
عبدالخالق: مات سنة خمسين ومائتين، وقال أبو القاسم البغوي، وغيره: مات سنة
(٢٥١). انفرد به أبو داود، والترمذي، والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب (٣)
أحاديث فقط .
٢- (معاذ بن معاذ) بن نصر بن حَسّان العَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة
متقن. من كبار [٩] تقدم ٣٨/٣٤.
٣- (محمود بن غَيْلان) أبو أحمد المروزيّ نزيل بغداد، ثقة [١٠] تقدم ٣٧/٣٣.
٤- (وكيع) بن الجرّاح الرُّؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٢٣/
٢٥ .
٥- (عبد الرّزّاق) بن هَمَّام، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مشهور[٩] تقدم ٦١ / ٧٧ .
٦- (سفيان بن سعيد) الثوري الإمام الحافظ الحجة الثبت [٧] تقدم ٣٧/٣٣ .
٧- (عبدالله بن السائب) الكنديّ، أو الشيبانيّ الكوفي، ثقة [٦].
روى عن أبيه، وزاذان، وعبدالله بن معقل، وغيرهم. وعنه الأعمش، وأبو إسحاق
الشيباني، وسفيان الثوريّ، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، وقال أحمد بن حنبل: سمع منه الثوري
ثلاثة أحاديث، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، ووثقه العجلي، ومحمد بن عبدالله بن
نمير، وغيرهم.
انفرد به مسلم، والمصنف، له في مسلم حديث في ((المزارعة))، وعند المصنف
حديث الباب فقط .
٨- (زاذان) أبو عمر، ويقال: أبو عبدالله الكندي مولاهم الكوفي الضرير، البزّاز،
الكوفي، صدوق يرسل، وفيه شيعية [٢].
يقال: إنه شهد خطبة عمر بالْجَابَة، ورَوَى عنه، وعن عليّ، وابن مسعود،
وسلمان، وغيرهم. وعنه أبو صالح السمّان، وهلال بن يساف، وعبدالله بن السائب،
وغيرهم .
قال شعبة: قلت للحكم: مالك لم تحمل عن زاذان؟، قال: كان كثير الكلام، وقال
شعبة، عن سلمة بن كُهَيل: أبو البختريّ أحبّ إليّ منه، وقال ابن الْجُنَيد عن ابن معين:
ثقة لا يسأل عن مثله، وقال ابن عديّ: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة. وقال ابن
سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال محمد بن الحسين البغدادي: قلت لابن معين: ما
تقول في زاذان، روى عن سلمان؟، قال: نعم، روى عن سلمان وغيره، وهو ثبت في
سلمان. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال ابن عَديّ: روى عن ابن

٩٣
٤٦- (بَأَبُ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ بَّر) - حديث رقم ١٢٨٢
مسعود، وتاب على يديه، وكَنَاه الأكثرون أبا عمرو، وكذا وقع في كثير من الأسانيد.
وقال الخطيب: كان ثقة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن حبان في
(الثقات)): كان يخطىء كثيرًا، مات بعد الجَمَاجم. وقال خليفة: مات سنة (٨٢).
أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، والباقون، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث
فقط .
٩- (عبدالله) بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، تقدم ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم موثقون، وأن
فيه كتابة (ح) وهي إشارة إلى تحويل الإسناد، فللمصنف إلى سفيان إسنادان، أحدهما
عبد الوهاب بن عبدالحكم، عن معاذ بن معاذ، عنه، والثاني محمود بن غيلان، عن
وكيع، وعبدالرزاق، كلاهما عنه، وقد تقدم الكلام على الخلاف في اختصارها غير
مرّة، وأنه يقدّر بعد قوله: ((عن وكيع، وعبدالرزّاق)) لفظ ((كلاهما))، كما تقدم غير مرة،
وأن شخه عبد الوهاب بن عبد الحكم، وزاذان هذا الباب أول محل ذكرهما، وأن
عبدالله بن السائب ليس له عند المصنف غير هذا الحديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبدالله) بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول اللَّهُ وَّهِ: إن لله
ملائكةً) الجارّ والمجرور خبر ((إنّ)) مقدّمًا على اسمها، وهو ((ملائكةً))، لكونه جارّا
ومجرورًا، كما قال ابن مالك:
وَرَاعٍ ذَا التَّرْتِيبَ إِلَّا فِي الَّذِي كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي
أي جماعةً من الملائكة (سياحين في الأرض) صفة لـ((ملائكةً)) بالسين المهملة، مبالغة
السائح، من السياحة: وهي الذهاب.
قال ابن منظور ◌َّتُهُ: والسِّيَاحَة: الذَّهَاب في الأرض للعبادة والتَّرَهُب، وساحَ في
الأرض يَسيِحُ سِيَاحةً، وسُيُوحًا، وسَيْحًا، وسَيَحَانًا: أي ذهب. انتهى(١) .
وقال السندي ◌َخّْلهُ: قوله: ((سيّاحين)) صفة لـ((ملائكةٌ))، يقال: ساح في الأرض
يَسيح سياحةً: إذا ذهب فيها، وأصله من السَّيّح، وهو الماء الجاري المنبسط على
الأرض، والسيّاح -بالتشديد- كالعلام مبالغة منها. انتهى(٢).
(١) ((لسان العرب)) جـ ٣ ص ٢١٦٧ .
(٢) ((شرح السندي)) جـ ٣ ص ٤٣ .

٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
(يبلغوني) من الإبلاغ، أو من التبليغ. روي بتخفيف النون على حذف إحدى
النونين، وروي بتشديدها على الإدغام. أفاده القاري رحمه اللّه تعالى (من أمتي) فيه
تعميم أمته وَل بهذا الفضل، فيدخل فيه الرجال، والنساء، والطائعون والعصاة (السلامَ)
بالنصب على المفعولية. أي يبلغوني سلامَ من سلّم عليّ منهم، قليلا كان أو كثيرًا، وإن
بعد مكانه، وتباعد زمانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبدالله بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
(اعلم): أن هذا الحديث من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، لم يخرجه من
أصحاب الأصول غيره.
أخرجه هنا- ١٢٨٢/٤٦ - وفي (الكبرى)) - ١٢٠٥/٨١- وفي ((الملائكة)) عن
عبدالوهاب بن عبدالحكم، عن معاذ بن معاذ- وعن محمود بن غيلان، عن وكيع-،
وعبدالزّزّاق- وفي ((عمل اليوم والليلة)) عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك- وفي
(الملائكة)) من ((الكبرى)) عن محمد بن بشار، عن يحيى - وعن أبي بكر بن عليّ، عن
يوسف بن مروان، عن فضل - ستتهم عن سفيان الثوري- وعن الفضل بن العبّاس بن
إبراهيم، عن محبوب بن موسى، عن أبي إسحاق الفزاريّ، عن الأعمش - وسفيان-
كلاهما عن عبدالله بن السائب، عنه.
وأخرجه أحمد ١/ ٣٨٧، و٤٤١/١، و٤٥٢/١ (والدارمي) ٢٧٧٧ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية السلام على النبي
وَله، وأنه لا كراهة في إفراده من الصلاة، كما ادعاه بعضهم، وسيأتي قريًا تمام البحث
فیه، إن شاء الله تعالى.
ومنها: الترغيب والحثّ على استكثار السلام على النبي وَل.
ومنها: بيان تعظيم الله سبحانه وتعالى لنبيه وَ له وإجلال منزلته الرفيعة، حيث سخّر
ملائكته الكرام لتبليغ سلام من يسلّم عليه من أمته إليه، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَكَانَ
فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيَكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
ومنها: أن الملائكة أقسام، منهم من خصّ بنوع من الأعمال، كهولاء الذين يكثرون

٩٥
٤٧- (فَضْلُ التَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّـ) - حديث رقم ١٢٨٣
السياحة في الأرض، ويبلغون النبي ◌َّ سلام من سلّم عليه من أمته.
ومنها: بيان فضل من يسلم عليه وَّله من أمته، حيث إن سلامه يبلغ إلى النبي وَلَه،
وأنه يردّ عليه بنفسه، كما ثبت ذلك في حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، قال:
قال رسول اللّه وَ له: ((ما من أحد يسلّم عليّ إلّ ردّ اللّه عليّ روحي، حتى أردُّالسَّلام)).
رواه أبو داود بإسناد حسن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: أنّ حديث الباب يدلّ على جواز إفراد السلام من الصلاة، كعكسه
من غير كراهة، وقد صرح النووي رَّلهُ في ((الأذكار)) وغيره بكراهة إفراد أحدهما عن
الآخر، فلا يقل: صلى الله عليه، فقط، أوغُلَّرُ فقط، واستدلّ على ذلك بورود الأمر
بهما في الآية .
" قال الحافظ ◌َّلهُ: وفيه نظر، نعم يكره أن يفرد الصلاة، ولا يسلّم أصلاً، أما لو
صلّى في وقت، وسلّم في وقت آخر، فإنه يكون ممتثلا. انتهى. نقله السخاوي رَّتْهُ
في ((القول البديع)) ص ٣٥.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول بكراهة الإفراد مما لا دليل عليه، فالصواب ما
قاله الحافظ رحمه الله تعالى.
والحاصل أن إفراد الصلاة على النبي وَلَّ، أو إفراد السلام جائزان بلا كراهة، لحديث
الباب، ولما يأتي من الأحاديث في الأبواب الآتية، كقوله: ((أمرنا أن نصلي عليك،
ونسلّم، أما السلام فقد عرفناه)) ... الحديث. وكقوله وَّر: ((والسلام كما قد عُلِّمتم))،
فقد صرّح بكون تعليم السلام تقدم على تعليم الصلاة، فأَفرد التسليمُ مدّةً في التشهّد
قبل الصلاة عليه، فدلّ على جواز إفراد أحدهما عن الآخر.
وأما الاقتران في الآية فلا يدلّ على أكثر من استحباب الجمع بينهما. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٤٧- (فَضْلُ التَّسْلِيم عَلَى النَّبِيّ
١٢٨٣- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ الْكَوْسَجُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا
(١) وفي نسخة ((أنبأنا)).

= ٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتْ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، زَمَنَ
الْحَجَّاجِ، فَحَدَّثَنَا عَنْ عَبَدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ،
وَالْبُشْرَىَ فِي وَجْهِهِ، فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ، فَقَالَ: ((إِنّةُ أَتَانِي الْمَلَكَّ،
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ
عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا)).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (إسحاق بن منصور الكَوْسَج) أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت [١١] تقدّم
٨٨/٧٢ .
٢- (عفّان) بن مسلم الصفّار البصري، ثقة ثبت [٨] تقدّم ٤٢٧/٢١.
٣- (حماد) بن سلمة، أبو سَلَمَة البصري، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغيّر
حفظه بآخره، من كبار [٨] تقدّم ٢٨٨/١٨١.
٤- (ثابت) بن أسلم البُنَاني، أبو محمد البصري، ثقة عابد [٤] تقدم ٥٣/٤٥ .
٥- (سليمان مولى الحسن بن علي) بن أبي طالب رََّا الهاشمي، مجهول [٣].
روى عن عبدالله بن أبي طلحة. وعنه ثابت البناني، ذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
انفرد به النسائي، روى له حديث الباب فقط، قال الحافظ المزي: ما حاصله إِنَّهُ قرأ
بخط النسائي : سليمان هذا ليس بالمشهور انتهى.
٦- (عبدالله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني، وُلد في عهد النبي ◌َّ، ووثقه ابن
سعد، تقدم ١٢٢ /١٧٨ .
٧- (أبو طلحة) زيد بن سَهْل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجّاري، من كبار
الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها ◌َّيه، تقدّم ١٧٧/١٢٢. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن ثابت البُناني أنه (قال: قدم علينا) البصرةَ (سليمان مولى الحسن بن على) ابن أبي
طالب رَضِ ◌ّا.
وفي رواية الحاكم: إن ثابتا تلا قولَ اللَّه عز وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبِيَّ يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فقال ثابت: قدم
علينا سليمان مولى الحسن بن عليّ، فحدثنا ... الحديث (زمن الحجاج) منصوب على
الظرفية، متعلق بـ((قدم))، أي في وقت كون الحجّاج بن يوسف أميرًا على أهل العراق
(فحدّثنا) أي سليمان مولى الحسن (عن عبدالله بن أبي طلحة) الأنصاريّ المدني (عن

٩٧
٤٧- (فَضْلُ التَّسْلِيمِ عَلَى النَّيِّ بَّر) - حديث رقم ١٢٨٣
أبيه) أبي طلحة زيد بن سهل رضي اللّه تعالى عنه (أن رسول اللّه وَّه جاء ذات يوم)
((ذات)) مقحمة، أي يومًا من الأيام، ووقتًا من الأوقات، وقال الزمخشريّ: هو من
إضافة المسمى إلى الاسم (والبُشْرى في وجهه) مبتدأ وخبره، والجملة في محل نصب
على الحال من فاعل ((جاء))، أي جاء ◌َّ، والحال أن الفَرَحَ والاستبشارَ يُرَى في
وجهه .
و((البشرى)) - بضم فسكون- فُعْلى: اسم من الاستبشار، يقال: بَشرَ بكذا يَبْشَرُ، مثل
فرح يَفْرَح وزنًا ومعنّى، وهو الاستبشار أيضًا، والمصدر البُشُورُ، ويتعدّى بالحركة،
فيقال: بَشَرْتُهُ أَبْشُرُه بَشْرًا، من باب قتل في لغة تهامة، وما وَالاها، والاسم منه بُشْرٌ
بضمّ الباء، والتعدية بالتثقيل لغةُ جميع العرب، وقرأ السبعة باللغتين، واسم الفاعل من
المخفف بَشيرٌ، ويكون البشير في الخير أكثر من الشرّ، والبِشارة - بكسر الباء، والضمّ
لغةٌ، وإذا أطلقت اختَصَّتْ بالخير، والبِشْرُ- بالكسر- طَلاقةَ الوجه. قاله الفيّومي(١).
وقال السندي ◌َّلهُ: قوله: ((والبشر)) - بكسر الباء: اسم من الاستبشار، أي الطَّلَاقَةُ
وآثار السرور في وجهه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لعل نسخة السندي تَخْذَهُ هكذا ((والبشرُ))، بالضبط
الذي ذكره، وإلا فنُسَخ ((المجتبى)) التي بين أيدينا كلها بلفظ («البُشرى)» بوزن فُعْلى في
الموضعين هنا، وإنما لفظ ((البشر)) في الرواية الآتية -١٢٩٥/٥٥ -. والله تعالى أعلم.
(فقلنا: إنا لنرى البُشرى في وجهك) المراد بُشرى لم يروه قبل ذلك، ففي رواية
الدارمي: ((فقيل له: يارسول اللَّه إنّا لنرى في وجهك بشرًا لم نكن نراه؟، قال :... ))
الحديث (إنه) أي الشأن (أتاني الملك) أي جبريل، لما يأتي في -١٢٩٥/٥٥- من
طريق عبدالله بن المبارك، عن حماد بن سلمة ... فقال: ((إنه جاءني جبريل وَالخلال،
فقال: أما يُرضيك)) ... الحديث (فقال: يامحمد إن ربك يقول: أما يُرضيك) بضم
حرف المضارعة، من الإرضاء.
قال الطيبي رحمه اللّه تعالى: هذا بعض ما أُعطي من الرضا في قوله تعالى:
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَرْضَ﴾ [الضحى: ٥]، وهذه البشارة في الحقيقة راجعة إلى
الأمة، ومن ثَمَّ تمكّن البشرُ في أسارير وجهه صلوات الله وسلامه عليه، حيث جُعل
وجهُهُ ظرفًا ومكانًا للبشر والطلاقة. انتهى.
(أنه لا يصلي عليك أحد) بفتح همزة ((أن)) لكونها وقعت في محلّ الفاعل، لأنه في
(١) ((المصباح المنير)) جـ ١ ص ٤٩ .

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
تأويل المصدر فاعل ((يُرضيك)). وفي رواية ابن المبارك المذكورة زيادة ((من أمتك)) (إلّا
صليتُ عليه عشرًا) أي عشر صلوات (ولا يُسلّم) من التسليم (عليك أحد إلا سلّمت
عليه عشرًا) فيه دليل على أن السلام على النبي ◌َّ مثل الصلاة عليه، لأن اللَّه سبحانه
وتعالى يسلّم عشرًا على من سلّم عليه كما يُصلّي على من صلّى عليه عشرًا. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أبي طلحة رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
[فإن قلت:] في إسناده سليمان مولى الحسن بن عليّ رَهَا، وهو مجهول، كما
تقدّمٍ في ترجمته، فكيف يكون حسنًا؟ .
[أجيب]: بأن له طرُقًا يصحَ بها:
فقد أخرجه الحافظ إسماعيل بن إسحاق القاضي في ((فضل الصلاة على النبي ◌َّ-))،
فقال: أنبأنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن عبدالله بن
عمر، عن ثابت البناني، قال أنس بن مالك، قال أبو طلحة: إن رسول اللَّه وَليّ خرج
عليهم يومًا يعرفون البشر في وجهه، فقالوا: إنا نعرف الآن في وجهك البشرَ يا رسول
اللَّه! قال: ((أَجَلْ أتاني الآن آت من ربي، فأخبرني أنه لن يصلي علىّ أحد من أمتي إلّا
ردها اللَّه عليه عشر أمثالها))(١).
وعبدالله بن عمر هو العمري، وهو وإن كان ضعيفًا، إلا أنه لا بأس به في
المتابعات .
وأخرجه أيضًا من طريق إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده، وفي
سنده ضعف، لكن الطرق يقوّي بعضها بعضًا.
وله شواهد:
فقد أخرج أبو عبدالله الحاكم في ((مستدركه)): من طريق إسماعيل بن أبي أويس،
عن سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد
الواحد بن محمد بن عبدالرحمن بن عوف، عن عبدالرحمن بن عوف، قال: إنَّ رسول
اللّهِ وَله قال: (لقيت جبرئيل ◌َّلَّل، فبشرني، وقال: إن ربك يقول: من صلى عليك
صليت عليه، ومن سلّم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكرًا)). قال: هذا حديث
(١) راجع ((فضلاة الصلاة)) لإسماعيل القاضى ص ٢١ - ٢٢ .

٤٧- (فَضْلُ التَّسْلِيم عَلَى النَّبِيِّ ◌َ(98) - حديث رقم ١٢٨٣
٩٩
صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجاله رجال الصحيح غير عبدالواحد، ذكره ابن أبي
حاتم في ((الجرح والتعديل))، وذكر عن أبيه: أنه روى عنه عاصم بن عمر بن قتادة،
وروى عن جده عبدالرحمن بن عوف، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، فعلى هذا فهو مجهول العين، فيكون تصحيح الحديث لشواهده.
والله تعالى أعلم.
وأخرج له الحافظ إسماعيل القاضي شاهدا آخر من حديث أنس رَّه، وآخر من
حديث عمر ◌َّه (٢)، وفيهما مقال، لكن مجموع الطرق يكون له قوّة.
وله أيضًا شاهد صحيح من حديث أبي هريرة تظلّه، يأتي للمصنف في - ٥٥٪
١٢٩٦- بلفظ: من صلى عليّ واحدةً صلى الله عليه عشرًا)).
ومن حديث أنس ◌َنَّه يأتي للمصنف أيضًا في - ١٢٩٧/٥٥- بلفظ: ((من صلى
عليّ صلاةً واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحُطّت عنه عشرُ خطيئات، ورُفعت له
عشرُ درجات)). فلهذه الطرق والشواهد قلنا بصحة الحديث.
والحاصل أن حديث أبي طلحة رضي اللَّه تعالى عنه المذكور في الباب صحيح لما
ذُكِرَ. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
(اعلم): أن حديث الباب من أفراد المصنف تَخْذّلهُ، لم يخرجه من أصحاب
الأصول غيره، أخرجه هنا-٤٧ / ١٢٨٣ - وفي (الكبرى)) - ١٢٠٦/٨٢ - عن إسحاق
ابن منصور الكَوْسَج، عن عفّان بن مسلم، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن
سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبدالله بن أبي طلحة، عن أبي طلحة رضي الله
تعالى عنه. وفي ١٢٩٥/٥٥ - و ((الكبرى)) - ١٢١٨/٨٩ - وفي ((عمل اليوم والليلة)) -
٦٠- عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن حمّاد بن سلمة به.
وأخرجه (أحمد) ٤/،٢٩ و٣٠/٤ و(الدارمي) رقم ٢٧٧٦ -. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده :
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل التسليم على النبي
جَاللّه.
(١) ((المستدرك)) جـ ٢ ص ٥٥٠.
(٢) راجع ((فضل الصلاة)) لإسماعيل القاضي ص ٢٣ - ٢٤ .
--

= ١٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
ومنها: بيان فضل الصلاة عليه عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.
ومنها: استحباب الفرح بفضل الله تعالى، وظهورُ الاستبشار على الوجه، لقول الله
جلّ ذكره: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اَللَّهِ وَبِرَحْمَتِ فِذَلِكَ فَلْيَفْرَهُوْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
ومنها: تمام عناية الله عزّ وجلّ بحبيبه محمد رَّيه حيث يُرضيه بهذه البشارة العظيمة،
والمنة الجسيمة، قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
ومنها: بيان ما مَنّ الله عزّ وجلّ على هذه الأمة، من عظيم الفضل بصلاتها وسلامها
على حبيبه الأعظم، وخليله الأفخم، وَلّر، حيث جعل جزاء صلاة واحدة عشر
صلوات، وجزاء تسليم واحد عليه عشر تسليمات. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ
ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٤٨- (بَابِ التَّمْجِيدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى
النَّبِيِّ وَِّ فِي الصَّلَاةِ).
وفي بعض النسخ: ((باب التحميد)) بالحاء المهملة.
و((التمجيد)) بالجيم: مصدر مَجّد، يقال: مَجْده: إذا عظّمه، وأثنى عليه، أفاده في
«ق)) .
وأما الصلاة، فسيأتي الكلام عليها في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى.
١٢٨٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهُبٍ، عَنْ أَبِي هَانِىءٍ، أَنَّ أَبَا
عَلِيِّ الْجَنِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ رَجُلا يَدْعُو فِي
صَلَاتِهِ، لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَِّيِّ نَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ: ((عَجِلْتَ أَيَّا
الْمُصَلِّي)»، ثُمَّ عَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وََّ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ تَِّ رَجُلَا يُصَلِّي، فَمَجَّدَ اللَّهَ،
وَحَمِدَهُ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((ادْعُ تَجِبْ، وَسَلْ تُعْطَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (محمد بن سلمة) المرادي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [١١] تقدّم ٢٠/١٩.
٢- (ابن وهب) عبدالله المصري الحافظ الثبت العابد [٩] تقدم ٩/ ٩ .