النص المفهرس
صفحات 341-360
٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٤١ = ومحمد بن عبدالله ابن أخي الزهري احتجّ به الشيخان، وقد تكلم في حفظه، وضعفّه ابن معين، وقال مرّةً: ليس بالقويّ، وذكر الذهلي أنه روى عن عمه ثلاثة أحاديث ليس لها أصل. وقد تابعه على ذكر هذه الزيادة ابن إسحاق، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، من حديثه، قال: حدثنا الزهري، فذكره. ورواه ابن ماجه، والبيهقي أيضًا من حديث ابن إسحاق، حدّثنا سلمة بن صفوان بن سلمة الأنصاريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ... الحديث، وفيه: ((إذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس قبل أن يسلم، ثم يسلم)). ثم رواه البيهقيّ هكذا أيضًا من مسند الحسن بن سفيان، حدّثنا عبدالله بن الرومي، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َّر: ((إذا سها أحدكم، فلم يدر أزاد، أم نقص، فليسجد سجدتين، وهو جالس، ثم يسلم)). قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن مرزوق، عن عمر بن يونس. قال العلائي وَخَّلهُ: فقويت هذه الزيادة حينئذ بمجموع هذه الروايات. والله تعالى أعلم. وأما حديث أبي سعيد تَّه، فأخرجه مسلم في ((الصحيح)) عنه قال: قال رسول اللّه وَلّ: ((إذا شكّ أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى، ثلاثًا، أو أربعًا، فليطرح الشكّ، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن صلى إتماما لأربع كانت ترغيمًا للشيطان)). هكذا رواه من حديث سليمان بن بلال، وداود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد به. ورواه أبو داود، والنسائي(١) من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم. وأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) من حديث ابن عجلان، وعبدالعزيز بن أبي سلمة الماجشون، وهشام بن سعد، عن زيد بن أسلم مسندًا، كما رواه مسلم. وكذلك رواه أيضًا محمد بن مطرّف أبو غسان، وفليح بن سليمان، عن زيد بن أسلم. ورواه مالك في ((الموطأ)) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن النبي وَّل قال :... فذكره مرسلاً. وكذلك رواه سفيان بن عيينة، وحفص بن ميسرة، ومحمد جعفر بن أبي كثير، (١) سيأتي للمصنف برقم (١٢٣٨). ٣٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ عن زيد بن أسلم مرسلاً . واتفق الحُفّاظ على تصحيح المسند، وقبوله ممن حفظه، ولذلك أخرجه مسلم في ((صحيحه))، قال ابن عبدالبرّ: الحديث متصل مسند صحيح، ولا يضره تقصير من قصّر به، لأن الذين وصلوه حُفّاظ مقبولة زيادتهم. وقال المازري ◌َّلهُ: إرسال مالك للحديث غير قادح، لأنه قد عُلم من عادته ذلك، ثقةً منه مما علم من عادته، وأن ذلك لا يوقع في النفوس منه استرابة. وكذلك قال البزار: الحديث صحيح، وإن كان مالك أرسله. قال العلائي تَخّْلهُ: وقد رواه الوليد بن مسلم، عن مالك مسندًا كما رواه سليمان بن بلال ومن تابعه، فكأن مالكا نَّهُ أسنده في وقت فحفظه عنه الوليد بن مسلم. والله أعلم . وأما حديث ابن مسعود رَّيه، فروى الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود رَّ: أن رسول اللَّه ◌َ له صلى الظهر خمسًا، فقيل: أزيد في الصلاة؟ فقال: ((وما ذاك؟)) قالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم. أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي بهذا اللفظ، إلا أن مسلما لم يقل فيه: بعد ما سلم. وأخرج مسلم أيضًا من حديث الأعمش، ومنصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله وظفيه، قال: صلى رسول اللّه وَلّ- قال إبراهيم: زاد أو نقص، الشك مني- فلما سلم، قيل له: يا رسول اللَّه أحدث في الصلاة شيء؟ قال: ((وما ذاك؟))، قالوا: صليت كذا وكذا، قال: فثنى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: ((إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكّروني، وإذا شكّ أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين)). هذه رواية منصور. وفي رواية الأعمش ذكر هذا الكلام أولاً، ثم ذكر أن سجود السهو جرى بعده. وكذلك أخرجه مسلم أيضًا مختصرًا من جهة الأعمش بهذا السند عن عبدالله، أن رسول اللَّه ◌َ لو سجَد سجدتي السهو بعد السلام والكلام. ورواه مسلم من حديث الأسود، عن ابن مسعود تَنْيُ ، قال: صلى بنا رسول الله وَلّل خمسًا، فقلنا: يا رسول اللّه أزيد في الصلاة؟ قال: ((وما ذاك؟)) قالوا: صليت خمسًا، قال: ((إنما أنا بشر مثلكم، أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون))، ثم سجد سجدتي السهو. ٣٤٣ = ٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ فجميع روايات مسلم لم يُقيّد فيها الأمرَ بسجود السهو بعد التسليم. وكذلك رواه البزار في ((مسنده)) من طريق حُصَين بن عبدالرحمن، عن إبراهيم، عن علقمة بالحدیث . ورواه البخاري من حديث جرير بن عبدالحميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، ولفظه: ((وإذا شكّ أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين)). وأخرجه أبو داود بهذا اللفظ أيضًا من حديث جرير بهذا السند، وكذلك ابن خزيمة في ((صحيحه)). وكذلك رواه ابن خزيمة أيضًا، والنسائي في (سننه)) من حديث فُضَيل بن عياض، عن منصور، وهو عند النسائي أيضًا من رواية ابن المبارك، وعند ابن خزيمة أيضًا من حديث زائدة، كلاهما عن منصور، وکلھم قال فيه: (ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتین)). وهو عند مسلم من حديث جرير بن عبدالحميد بدون هذه الزيادة كما تقدّم، ومن طرق أُخَرَ كثيرة أيضًا بدونها. قال البيهقي تَخْذَّلهُ: حفظ هذه اللفظة - يعني ثم ليسلم- سفيان الثوريّ، وشعبة، وووهيب بن خالد أيضًا، عن منصور. ورواه عبدالعزيز بن عبدالصمد، ومسعر، وكذا روى غيرهما عن منصور، فلم يذكروا هذه اللفظة. ورواه جماعة عن إبراهيم، منهم الحكم بن عُتَيبة، والأعمش، فلم يذكروها، وكذلك رواه إبراهيم بن سُويد النخعي، عن علقمة، فلم يذكرها، وهو غير إبراهيم بن يزيد النخعي. وكذلك لم يذكرها الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود. والله أعلم. قال أبو داود في ((السنن)): حدثنا النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن خصيف، عن أبي عبيدة بن عبدالله، عن أبيه رضيّه، عن رسول اللّه وَّر، قال: ((إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكبر ظنك على أربع، تشهّدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس، قبل أن تسلم، ثم تشهّد أيضًا، ثم تسلّم)). ثم قال أبو داود: ورواه عبدالواحد، عن خُصيف، ولم يرفعه، ووافق عبدالواحد أيضًا سفيان، وشريك، وإسرائيل، واختلفوا في الكلام في متن الحديث، ولم يسندوه. قال العلائي ◌َّلهُ: فالراجح حينئذ أنه موقوف، وأبو عبيدة ابن عبدالله بن مسعود لم يسمع من أبيه باتفاق. وخُصيف الجَزَري ضعفه أحمد بن حنبل، وقَبِلَه غيره، وقال أبو حاتم: تكُلِّمَ في سوء حفظه. وأما حديث ابن بُحَينة رَّه ، فهو عند مالك، والجماعة كلهم بإسناد متصل عن عبدالله بن مالك الأسدي،، ابن بُحينة، حليف بني المطّلب، قال: صلى لنا رسول الله ٣٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ وَّر- ركعتين، ثم قام، ولم يجلس، وقام الناس معه، فلما قضى صلاته، ونظرنا تسليمه، كبّر، وسجد سجدتين، وهو جالس قبل التسليم، ثم سلم. هذا لفظ ((الموطأ)) و ((الصحیحین)). وعند مسلم أيضًا في رواية أخرى: أن رسول اللّه وَ سليل قام في صلاة الظهر، وعليه جلوس، فلما أتمّ صلاته سجد سجدتين، فكبّر في كل سجدة، وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس. وروى النسائي من حديث الليث، عن ابن عجلان، عن محمد بن يوسف مولى عثمان، عن أبيه يوسف: أن معاوية رَظّه صلى إمامهم، فقام في الصلاة، وعليه جلوس، فسبّح الناس، فتمّ على قيامه، ثم سجد بنا سجدتين، وهو جالس بعد أن أتمّ الصلاة، ثم قعد على المنبر، فقال: إني سمعت رسول اللَّه وَ لَه يقول: ((من نسي من صلاته، فليسجد مثل هاتين السجدتين(١). ورجال هذا الحديث ثقات. ورواه الطبراني في ((معجمه)) من حديث يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، ولفظه: فلما كان آخر صلاته سجد سجدتين قبل التسليم، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه وَله. يصنع. وقد أخرجه البيهقي من حديث عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ، عن العجلان مولى فاطمة حدثه أن محمد بن يوسف حدثه عن أبيه، فذكر القصة، وقال فيه: فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل السلام، قال: هكذا رأيت رسول اللَّه صَلى الله مَالر صنع. وإسناد هذه الرواية صحيح أيضًا (٢)، وقد بيّن فيه ما أبهم في رواية النسائي، لأن قوله: بعد أن أتمّ الصلاة يَحتَملُ أن يكون أتمها بالكلية، فيكون ذلك بعد التسليم، وأن يكون أتم أفعالها، فيكون السجود قبل السلام. ففي رواية البيهقي تَبَيّن أن المراد المعنى الثاني، كما صرّح به في حديث ابن بُحينة، وعلى ذلك أيضًا ينبغي حمل حديث سعد بن أبي وقّاص الذي أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه))، والحاكم في ((مستدركه))، كلاهما من حديث أبي مُعاوية الضرير، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد رَّه أنه نهض في الركعتين، فسبحوا به، فاستتمّ قائمًا، ثم سجد سجدتي السهو حين انصرف، ثم قال: أكنتم تروني (١) سيأتي للمصنف برقم (١٢٦٠). (٢) فيه يوسف والد محمد لم يوثقه غير ابن حبان، وقال النسائي: ليس بالمشهور، وقال في (ت)): مقبول. فتنبه. ٣٤٥ ٢٢- (مَا يُفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ أجلس؟ إنما أصنع كما رأيت رسول اللَّه وَل يصنع. وقال فيه الحاكم: على شرط الشيخين، قال العلائي: وهو كما ذكر. وحمل أبو داود هذا الحديث على أن السجود كان بعد السلام، لقوله: حين انصرف، وهذا هو الظاهر. وقد صرّح به المغيرة بن شعبة رَّه في حديثه، أخرجه أبو داود من حديث المسعودي، عن زياد بن علاقة، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فنهض في الركعتين، قلنا: سبحان اللَّه، قال: سبحان اللَّه، ومضى، فلما أتمّ صلاته، وسلّم سجد سجدتي السهو، فلما انصرف، قال: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصنع كما صنعت. قال أبو داود: وكذلك رواه ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، ورفعه. ورواه أبو عُمَيس -أخو المسعودي- عن ثابت بن عبيد، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، مثل حديث زياد بن علاقة. قال العلائي: أما السند الأول، فالمسعودي هو عبدالرحمن بن عبدالله الكوفي، وثقه أحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومحمد بن سعد، وغيرهم، وكلهم اتفقوا على أنه اختلط في آخر عمره، وغلط في كثير من حديثه. فعلى هذا لا يعلم، هل هذا الحديث مما رواه قبل الاختلاط أو بعده، ولم يخرج له الشيخان شيئًا لذلك المعنى. وأما الطريق الثاني، فهي عند عبدالرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، أنه قام في الركعتين الأوليين، فسبحوا به، فلم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين بعد التسليم، ثم قال: هكذا فعل رسول اللَّه وَلتر. وابن أبي ليلى ضعيف متكلم فيه من قبل حفظه . وقد رواه ابن عبدالبرّ في ((التمهيد)) من حديث أبي قلابة الرّقاشي، عن بكر بن بكار، عن علي بن مالك، عن عامر الشعبي، عن المغيرة بن شعبة به، هكذا. وعلي بن مالك هذا إن كان العبدي، فقد قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال البيهقي بعد ذكر حديث معاوية المتقدم: وكذلك فعلَ عقبة ابن عامر الجُهَني. وحديث عقبة هذا رواه ابن عبدالبرّ من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أن عبدالرحمن بن شماسة حدثه أن عقبة بن عامر قام في صلاته، وعليه جلوس، فقال الناس: سبحان اللَّه، فعرف الذي يريدون، فلما أتم صلاته سجد سجدتين، وهو جالس، ثم قال: إني سمعت قولكم، وهذه السنة. قال العلائي: وإسناد هذه الرواية صحيح، و حملها البيهقي على الرواية التي رواها ٣٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ عن معاوية مفسرةً أن سجود السهو كان قبل التسليم. والحاصل: أن هذه الروايات بعضها محتمل لا يُحمل على ذلك، والذي صرّح فيها بأن السجود كان بعد التسليم، كحديث المغيرة بن شعبة لا يقاوم حديث ابن بُحينة المتفق على صحته وثبوته. والله سبحانه أعلم. وأما حديث عبدالرحمن بن عوف ◌َّه الذي أشار إليه الشيخ محيي الدين وَخّْشُهُ، فأخرجه الترمذي من حديث إبراهيم بن سعد، وابن ماجه من حديث أبي سلمة، كلاهما عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبدالرحمن ابن عوف ثه، قال: سمعت النبي وَّل يقول: إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدةً صلى، أو اثنتين، فليين على واحدة، وإن لم يدر اثنتين صلى، أو ثلاثًا، فليين على اثنتين، وإن لم يدر ثلاثا صلى، أو أربعًا، فليين على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلّم)). ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي هذا الحديث عن عبدالرحمن بن عوف من غير هذا الوجه، رواه الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عُتبة، عن ابن عباس، عن عبدالرحمن بن عوف. انتهى كلامه. ورواه ابن عبدالبرّ في ((التمهيد)) من حديث أحمد بن خالد الوهبي، عن ابن إسحاق، عن مكحول به، وفيه زيادة قصة أن عمر بن الخطاب سأل ابن عباس عن هذا الحكم، وذكر أنه لم يسمع فيه شيئا، فدخل عليهما عبدالرحمن بن عوف ، فقال: لكني عندي منه علم، سمعت ذلك من النبي بَّ، فقال له عمر رَظنّه: فأنت العدل الرضى، فما ذا سمعت؟ فذكر الحديث كما تقدم، وفي آخره: ((حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم)). وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) بهذه القصة من حديث ابن إسحاق هكذا، وقال فيه: على شرط مسلم. قال الحافظ العلائي تَخّْتُهُ: وفيما قال نظر من وجهين: أحدهما: أن مسلمًا تَخْذَثُ لم يحتجّ بابن إسحاق في الأصول، بل في المتابعات في مواضع يسيرة، فليس على شرطه في الأصول. الثاني: أنه لو احتجّ به في الأصول لم يكن هذا على شرطه، بل ولا صحيحًا، كما قال الترمذي، لأن ابن إسحاق مدلس عن الضعفاء، وقد قال هنا: عن مكحول، فلا يُحتَجّ به على القاعدة المعروفة في مثله من المدلسين. وهذا الحديث مما دلّسه، فقد رواه البزار في ((مسنده)) من حديث عبدالرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن إسحاق، حدثنا حُسين بن عبدالله، عن مكحول، عن ٣٤٧ ٢٢- (مَا يُفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ... - حديث رقم ١٢٢٤ کريب، عن ابن عباس به. وبين ذلك إسماعيل ابن عُليّة، فقال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن ابن عبّاس، قال: كنّا عند عمر، فذكر الحديث. قال محمد بن إسحاق: فلقيت حُسين بن عبداللّه، فذاكرته هذا الحديث، فقال لي: هل أسنده لك؟ فقلت لا، فقال: لكن حدثني مكحول عن كريب، عن ابن عباس، عن عبدالرحمن بن عوف، فذكر الحديث. أخرجه البيهقي هكذا من حديث إسماعيل ابن علية، وكذلك رواه البزار أيضًا من طريقه. وكذلك رواه ابن أبي شيبة، عن عبدالله بن نمير، عن ابن إسحاق، عن مكحول: أن رسول اللّه ◌َّر، فذكره مرسلاً، ثم أسنده عن حسين بن عبدالله، كما قال ابن عُلية، والمحاربي. فتبين أن ابن إسحاق لم يسمع الحديث متصلاً، إلا من حسين بن عبدالله، عن مکحول، لا من مکحول نفسه. وحسين هذا ضعيف باتفاقهم، قال علي بن المديني: تركت حديثه. وقال النسائي: متروك. وقال أحمد بن حنبل: له أشياء منكرة. قال العلائي: والعجب من تصحيح الترمذي الحديث مع هذه العلة !!. وأما الرواية التي أشار إليها الترمذي من طريق الزهري، فهي من رواية إسماعيل بن مسلم المكي، عنه، عن عبيدالله بن عبداللَّه، عن ابن عباس، عن عبدالرحمن بن عوف . قال البيهقي: ورواها أيضًا بقية، عن بحر بن كنيز السقاء، وكذلك روي عن سفيان ابن حسين، عن الزهري. قال العلائي: إسماعيل بن مسلم المكي متروك، قاله النسائي، وقال الجوزجاني: واه جدًّا، واتفقوا على ضعفه. وبحر بن كنيز السقاء متروك باتفاقهم، لم يُخرّجوا له. وطريق سفيان بن حسين لا أراها تصحّ إليه. وللحديث طريق أخرى، رواها البيهقي من حديث عبدالله بن واقد الحَرّاني، حدثنا عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، كرواية ابن إسحاق. وعبدالله بن واقد هذا وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في رواية، وقال في رواية أخرى: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ضعيف، لا يُحدَّث عنه. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ذهب حديثه. وقال البخاري: تركوه. وقال النسائي: ليس بثقة. فهذه طرق حديث عبدالرحمن بن عوف، وليس شيء منها مما يُحتجّ به، فلا يُغتَرّ = ٣٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ بتصحيح الترمذي، والحاكم له، كما قلدهما الشيخ محيي الدين -يعني النووي في ((مجموعه)) جـ٤ص١٠٩- في ذلك. وبالله التوفيق. فإذا عرفت هذه الأحاديث، فالكلام الآن في مآخذ الأئمة في العمل بها. أما داود فلم يَتَعَدَّها، ولم يقل بمشروعية سجود السهو في غير ما ورد في الأحاديث كما تقدم، جريًا على عادته في الظاهرية، وفصّل السجودَ فيها قبل السلام وبعده حسبما ورد في الأحاديث المتقدمة. وأما باقي الأئمة، فإنهم عَدَّوًا الحكمَ إلى غيرها، لعدم الفارق، وقوة المقتضي للإلحاق، بل لو قيل بأن ذلك من باب الأمة والعبد في العتق الذي قُطع فيه بنفي الفارق لم يكن بعيدًا، لأنه من المعلوم أنه لا فرق بين زيادة فعل وفعل في الصلاة، ولا بين السلام من اثنتين، والسلام من ثلاث في الرباعية، ولا بين السهو في الصبح والظهر، فالاقتصار على ما ورد في الحديث ظاهر البطلان. ثم اختلف الأئمّة في كيفية العمل بهذه الأحاديث: فأبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله سلكا مسلك الترجيح بينها، وردّ بعضها إلى بعض . ومالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه سلكوا مسلك الجمع بين جميع الأحاديث، والعمل بكلها . فأما أبو حنيفة تَخْذَلَهُ، فإنه اعتمد حديث ابن مسعود ◌َّه الذي قال فيه النبي وَّ: ((وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتین)) . وقد تقدم الحديث، وأنه صحيح بهذه الزيادة، وانضمّ إلى ذلك فعله وَلّر في أحاديث ذي اليدين، وما تابعها من رواية أبي هريرة، وعمران بن حصين، وغيرهما: أن النبي وَلَر سجد بعد التسليم، واخْتُجَ له أيضًا بأحاديث أخر قولية صرّح فيها بالسجود بعد التسلیم. منها: حديث عبدالله بن جعفر بن أبي طالب رَؤيتها أن رسول اللَّه وَ لّ قال: ((من شكّ في صلاه، فليسجد سجدتين بعد ما يسلم)). أخرجه أبو داود، والنسائي من حديث ابن جريج، عن عبدالله بن مسافع، عن مُصعب بن شيبة، عن عُتبة بن محمد بن الحارث، عن عبدالله بن جعفر. وعُتبة هذا ذكره ابن حبان في ((الثقات))، ولم يضعّفه أحد. قال العلائي: وكذلك لم أر أحدًا ضعف عبدالله بن مسافع، ولا من وثّقه، ولكنه ٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٤٩ = معروف روى عنه جماعة، وهو مقلّ. وأما مصعب بن شيبة، فقد احتجّ به مسلم، ووثقه يحيى بن معين، وقال فيه أحمد ابن حنبل: روى مناكير، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي، وقال النسائي: منكر الحدیث . ومنها: حديثُ ثوبان رَّهِ، عن النبي ◌ََّ قال: «لكل سهو سجدتان بعد ما تُسلّمُ)). أخرجه أبو داود، وابن ماجه . وهذا أقوى ما يحتجّون به لتعميم محالّ السهو بصيغة ((كل))، ولأن أبا داود أخرجه، وسكت عنه، والقاعدة التي يسلكها الشيخ محيي الدين تَخْذَتهُ كثيرًا بأن كلّ ما سكت عنه أبو داود فهو حجة لا زمة له هنا، لكنه قال في ((شرح المهذب)): هذا حديث ضعيف ظاهر الضعف، ولم يُبيّن ضعفه من أي وجه . والحديث مداره على إسماعيل بن عيّاش، قال: حدثنا عبيدالله بن عبيد الكلاعي، عن زهير بن سالم العنسي، عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن ثوبان رَضِ يهِ. وعبيدالله بن عُبيد، وزُهير بن سالم، وثقهما ابن حبان، ولم يُتَكَلَّم فيهما ما علمتُ. وعبدالرحمن بن جُبير، وأبوه احتجّ بهما مسلم. فالذي يُتَعَلَّق عليه في هذا الحديث هو إسماعيل بن عياش، فقد ضعفه النسائي وجماعة، وقال ابن حبان: لا يحتجّ به. وفي هذا التعلق نظر، فقد وثقه ابن معين، ويعقوب بن سُفيان، وجماعة. وقال يزيد ابن هارون: ما رأيت أحفظ من إسماعيل بن عياش، وقال أحمد بن حنبل والبخاري: إذا حدّث عن أهل بلده -يعني الشاميين- فصحيح، وإذا حدّث عن غيرهم ففيه نظر، وكذلك قال يحيى بن معين في رواية: ليس به بأس في أهل الشام، وقال دُحَيم: هو في الشاميين غاية. وهكذا ابن عديّ بعد ذكر ما قيل فيه: وفي الجملة هو ممن يُحتجّ به في الشاميين خاصّةً. فهذا القول هو الصحيح الذي استقرّ عليه العمل، وهذا الحديث من روايته عن أهل الشام، فتضعيفه فيه نظر. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لكن الذي يظهر - كما قال بعض المحققين- أن إعلال هذا الحديث ليس من جهة إسماعيل، بل من جهة زهير بن سالم، فإنه- وإن وثقه ابن حبان -قال فيه الدارقطني: حمصي منكر الحديث، روى عن ثوبان، ولم يسمع منه. انظر ((تهذيب التهذيب)) جـ٣ ص ٣٤٤. ٣٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو فتبين بهذا أن الحديث فيه زهير بن سالم منكر الحديث، وسيأتي عن العلائي أن فيه علةً أخرى، وهو الانقطاع، فلا يصحّ. فتنبه. والله تعالى أعلم. قال العلائي رحمه الله تعالى: والذي اعتمده البيهقي في ردّ هذا الحديث بعد ما ضعّفه: الروايات المستفيضة الثابتة عن النبي ◌َّ أنه سلم، وتكلّم، ومشى، واقتصر على سجدتين، مع تعدد السهو، كما تقدم ذلك في أحاديث ذي اليدين، وسيأتي ما يتعلق بهذه المسألة إن شاء الله تعالى، وأن هذا الحديث لا يلزم منه الدلالة على تعدد السجود بتعدد السهو. وإذا ردّ هذا الفصل لمعارضته ما هو أرجح منه وأثبت، وأكثر طرقًا، وأصحّ، لا يلزم منه ردّ الأمر الآخر، أعني تعيّن السجود بعد السلام، لأنه معتضد بحديث ابن مسعود، وعبدالله بن جعفر، وبفعل النبي وقّ غير مرّة. فهذا معتمد القائلين بأن سجود السهو بعد السلام على الإطلاق، ويَردّ عليهم حديثُ أبي سعيد الخدري تَّه الذي عَيَّن فيه النبيُّ ◌َّ الأمر بسجود السهو قبل السلام، وهو صحيح أخرجه مسلم كما تقدم. وكذلك الروايات التي تقدمت في حديث أبي هريرة ◌َظنّه بتعيين سجود السهو قبل السلام، وهي مما يحتجّ بها، وحديث عبدالله ابن بُحَينة المتفق على صحته، ولم يُختلف فيه أن النبي ◌َّرَ سجد قبل السلام. فأجابوا عن حديث أبي سعيد الخدري تَظّمه بأن مالكًا وجماعةً أرسلوه، وهو جواب ضعيف، لأن وصله، وإسناده ثابت محكوم بصحته كما تقدم، ثم هو أرجح من جهة السند من حديث عبدالله بن جعفر، ومن حديث ثوبان، لخلوّ إسناد أبي سعيد عن متكلم فيه، واشتمال حديث ابن جعفر على مصعب بن شيبة، وهو متكلم فيه، وهذا، وإن كان مندفعًا باحتجاج مسلم به، ولكن يظهر فائدته في الترجيح عند التعارض، كما صرّح به الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في كتابه ((علوم الحديث)). وحديث ثوبان فيه إسماعيل بن عيّاش، وقد تُكُلِّم فيه كثيرًا، وقال فيه أبو إسحاق الفزاري: لا تأخذوا عن إسماعيل بن عيّاش شيئًا، لا ما روى عن المعروفين، ولا غيرهم، ثم لو قبلناه على قول أحمد والبخاري، فحديث أبي سعيد الخدري أصحّ منه. ثم لحديث ثوبان علة أخرى غيرُ إسماعيل بن عيّاش، وهي أنه اختلف فيه عليه، فرواه هكذا عنه عمرو بن عثمان الحمصي وحده متصلاً، وخالفه عثمان بن أبي شيبة، وشُجاع بن مخلد، وأبو توبة الربيع بن نافع، فرووه عن إسماعيل بن عياش، عن عبيدالله بن عُبيد، عن زهير بن سالم، عن عبدالرحمن بن جُبير بن نفير، عن ثوبان، ٢٢- (مَا يُفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٥١ == ولم يقولوا فيه: ((عن أبيه))، وعبدالرحمن بن جُبير لم يدرك ثوبان، فالراجح أنه منقطع، لقول الجماعة . ولا يبقى النظر إلا في الترجيح بين حديث ابن مسعود، وحديث أبي سعيد الخدري رَوَهَا، وما تابعه في بعض طرق حديث أبي هريرة تَظّه. وقد تقدم أن حديث ابن مسعود لم تتفق الروايات فيه على قوله: ((ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين))، ولكنها زيادة صحيحة. وحديث أبي سعيد اتفقت الروايات فيه على تعيين السجود قبل التسليم، ففي تقديم أحدهما على الآخر نظر من حيث الإسناد، بل إن اتفق أمر خارجيٍّ رُجح به، وإلا فلا. وأما حديث ابن بُحينة فقد أجاب عنه الطحاوي وغيره بأن حديث المغيرة بن شعبة قد عارضه، وفيه السجود بعد السلام في صورة النقص التي انتفت في حديث ابن بُحينة بعينها . وتأول بعضهم حديث ابن بُحينة بأن المراد بالسجود هنا سجود الصلاة الذي من صُلب الركعة، أو بأن المراد بقوله: ((قبل السلام)) السلام الثاني. وقال بعضهم: يَحتَملُ أن يكون النبي ◌َّ سجد في قصة ابن بحينة قبل السلام سهوًا . قال العلائي رَّتْهُ: وهذه كلها خلاف الظاهر، أو باطلة، وكيف يُحمل السجود هنا على ركن الصلاة، وقد قال عبدُالله ابن بحينة: فلما قضى الصلاة، وانتظرنا تسليمه سجد سجدتين، ثم سلّم؟ !! وكذلك حملُ السلام على التسليمة الثانية، فإن سجود السهو لا يكون إلا بعد التسليمتين اتفاقًا، وأما السهو فالأصل عدمه، وتطريقه إلى الأفعال الشرعية من غير دليل يدل على ذلك الفعل لا يجوز، ثم إنه مقابل بعكسه، فقد قال جماعة من أصحابنا: إن سجود النبي ◌ٍّّ في قصة ذي اليدين بعد السلام محمول على أنه أخره سهوًا. وفي كلام الشافعي إشارة إليه، بل هذا الاحتمال أولى، لأن نقل ما ليس من نفس الصلاة إليها بعيد، بخلاف سجود السهو من قبل السلام إلى ما بعده. والحقّ أنه لا يُحمل شيء من هذين الفعلين على السهو، لمخالفته للأصل من غير دليل، وتطرّق ذلك إلى ما لا يسوغ في الاستدلال بفعله وَال . وأما معارضة حديث المغيرة بن شعبة لحديث ابن بُحينة رَّا، فقد تقدم أن إسناد حديث المغيرة ليس بالقويّ، وأن حديث ابن بحينة أصح منه، وقد اعتضد بحديث معاوية رَانّه. وحكى أنه شاهد هذا من النبي وَ لّر، ومعاوية متأخر الإسلام من مسلمة الفتح. ٣٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ فالترجيح ظاهر لحديث ابن بحينة، ومن تابعه هذا فلا ريب فيه(١). وحديث سعد بن أبي وقّاص ◌َظُنَّه يُمكن ردّه إلى حديث ابن بحينة كما تقدم. قال ابن عبدالبرّ ◌َخّْلهُ: ويكفي حجةً في ذلك أن الإمام أحمد من أكبر أئمة الحديث المعتبر قولهم المطلعين على جميع طرقه، قد قال بأنه في النهوض من الركعتين، والسهو عن التشهد الأول يسجد قبل السلام لا غير، فدلّ ذلك على ترجيحه حديث ابن بُحينة، وأنه لم يعتبر حديث المغيرة بن شعبة. واحتج الطحاوي بما رُوي عن عمر رَّه أنه صلى صلاة المغرب، فلم يقرأ في الركعة الأولى شيئًا، فلمّا كان في الثانية قرأ فيها بفاتحة الكتاب، وسورة مرتين، فلما سلم سجد سجدتي السهو، وهو عنده من رواية شعبة، عن عكرمة بن عمّار، عن ضَمْضَم بن جَوْس، عن عبدالرحمن بن حنظلة بن الراهب، أن عمر تَظّه ، فذكره. وأشار بذلك إلى أن عمر رَّه لم يسجد بعد السلام في النقص إلا وقد علم من النبي ◌َ ◌ّر أن فاعله في حديث ابن بُحينة قد نُسخ. قال الحافظ العلائي ◌َّلهُ: وجواب هذا أنه لا يلزم منه النسخ، ولا يعارض فعل النبي ◌َّ بفعل غيره، وما الذي يدلّ على أن عمر رَّه اطلع على سجود النبي وَل يوم ابن بُحينة قبل السلام، ثم خالفه حتى تعذر اطلاعه على ناسخ؟ ثم روى عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: سجود السهو بعد التسليم، ولم يفرّقوا، منهم ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وآخرون. وجوابه ما تقدم أن فعل النبي وَلير، وما ثبت عنه أمرًا وفعلاً لا يُعارضه غيره من عمل الصحابة، ولو قدّر اطلاعهم على سجود النبي ◌َّ قبل السلام، فما المانع من اعتقادهم تسويغ كل واحد من الأمرين. وهذا هو الأولى كما سيأتي، إن شاء الله تعالى. ويدلّ على ذلك اختلاف الرواية عنهم، فقد اختلف عن ابن عباس، وابن الزبير ، كما تقدّم. ثم قال الطحاوي: وأما من جهة النظر، فإنا رأينا سجود السهو يُؤخر عن موضع السهو بخلاف سجود التلاوة، ومن نسي سجدة من صلاته إلى آخر الصلاة، فإنه اختلف في تقديمه على السجود، أو تقديم السجود عليه، فكان النظر أن يكون حكمه في تقديمه على السجود حكم ما قبله من الصلاة المتفق على تقديمه عليه. (١) هكذا نسخة ((نظم الفرائد)) ص ٣٣٤ ((ومن تابعه هذا فلا ريب فيه)) وفيها ركاكة فليحرر. ٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٥٣ وجواب هذا أنه ليس بقياس صحيح، ولو كان قياسًا معتبرًا فهو في مقابلة النصوص الصحيحة، فلا يُقبل. ثم هو معارض بقياس أقوى منه، وهو أن سجود السهو شُرع جبرًا لما وقع في الصلاة من الخلل، إما بزيادة، أو نقص، والأصل أن الجابر يقع في المجبور لينجبر باتصاله به، لأن الإصلاح والجبر بعد الانفصال عن الصلاة بعيد، فالقياس يقتضي أن يكون قبل السلام مطلقًا، وإذا كان لا بدّ من اعتبار القياس، فهذا أولى، والله أعلم. وأما الشافعية على المشهور عندهم من أقوال الشافعي رَعْلُهُ، فإنهم رأوا أن تقديم حديث أبي سعيد الخدري تَظّه أولى من حديث ابن مسعود رَّه من جهة اتفاق الرواة في الأول على التصريح بكون السجود قبل السلام، واختلافهم في ذلك في حديث ابن مسعود، كما تقدم، ومن جهة أن أبا سعيد الخدري رَّه من أحداث الصحابة، فتشعر روايته بالتأخر بخلاف ابن مسعود، ومن جهة اعتضاد حديث أبي سعيد بما في حديث أبي هريرة تظلّه من التصريح بكونه قبل السلام، وهو متأخر الإسلام كما تقدّم . قالوا: وحديث أبي سعيد الخدري رَّه شمل القسمين الزيادة والنقص على كلا التقديرين، لقوله وَّل: ((فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى تماما لأربع كانت السجدتان ترغيمًا للشيطان))، وقال في كلّ منهما: ((ثم يسجد قبل أن يسلم))، والزيادة المقدّرة كالمحققة، فكانت دلالة الحديث تقتضي أن السجود قبل السلام مطلقًا في حالتي السهو بالزيادة والنقص. قالوا: وهذا أولى بالأخذ من أحاديث ذي اليدين، لأن دلالة حديث أبي سعيد قولية لا تحتمل تأويلاً، ودلالة حديث ذي اليدين فعلية تحتمل أنه كان عن سهو منه وَّر - أعني تأخير السجود إلى بعد السلام- وقد تقدم الاعتراض على تقدير السهو في تأخير السجود إلى بعد السلام في حديث ذي اليدين، إذ لا دليل عليه، بل كيف يقال ذلك، وقد تكرر هذا منه ◌َّل غير مرة كما تقدم في أحاديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن حُديج ثه، وأنها وقائع متعددة، فاحتمال السهو فيها بعيد، أو باطل لا وجه له. وقد اعترض بعض المالكية على حديث أبي سعيد بالإرسال فيه، وتقدّم أن هذا اعتراض ضعيف، فالحديث صحيح لا ريب فيه. ومنع بعضهم إلحاق الزيادة المتوَهَّمَة بالمتحققة، فقال: إنما نقول بسجود السهو بعد السلام حيث تتحقق الزيادة، كما في قصة ذي اليدين، وإذا كانت الزيادة متوهمة، فالسجود لها قبل السلام، وهذا إنما يتمشّى على القول الذي حكاه الداودي عن مالك: ٣٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ أن السجود في صورة الشك يكون قبل السلام كما دل عليه حديث أبي سعيد، وليس هذا الراجحَ عند المالكية، بل الصحيح عندهم أن توهم الزيادة كتحققها في كونها تقتضي السجود بعد السلام. ثم قال أصحاب الشافعي: أحاديث ذي اليدين على أن المراد بالسلام الذي وقع السجود بعده هو السلام على النبي وّر الذي في التشهد، وهذا تأويل بعيد، لأن السابق إلى الفهم عند إطلاق السلام في سياق ذكر الصلاة هو الذي به التحلل. وأشار الشافعي في القديم إلى شيء آخر، فقال: أخبرنا مطرّف بن مازن، عن معمر، عن الزهري، قال: سجد رسول اللّه وَ ل سجدتي السهو قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين قبل السلام. فاعتمد كثير من الشافعية هذا، وقالوا: السجود بعد السلام منسوخ، وهذا فيه نظر من وجوه : أحدها: من جهة مطرّف بن مازن، فقد ضعفه الجماعة كلهم، وقال فيه ابن معين: كذاب . الثاني: أن هذا قول من الزهري غير مسند، بل مرسل، أو منقطع، فكيف يثبت بمثله النسخ؟ !! الثالث: أنه لو كان مسندًا صحيحًا لم يلزم منه النسخ لو جهين: أحدهما: ما ذكره إمام الحرمين: أن فعل النبي بَلّ لا يتضمّن الإيجاب عند المحققين، ولكنه يتضمن الجواز والإجزاء، فلئن صحّ ما ذكره الزهري أنه سجد آخرًا فهذا لا يعين ذلك، ولا ينفي جواز ما تقدم. الثاني: ما ذكره تقي الدين ابن دقيق العيد: أن شرط النسخ التعارض باتحاد المحلّ، ولم يقع ذلك مصرّحًا به في رواية الزهريّ، فيحتمل أن يكون الأخير هو السجود قبل السلام، لكن في محلّ النقص، وإنما يقع التعارض المحوج إلى النسخ لو تبين أن المحلّ واحد، ولم يتبيّن ذلك. قال الحافظ العلائي: وهذا بخلاف قول جابر رَظنّه: كان آخر الأمرين من رسول اللّه وَ ل ترك الوضوء مما مست النار، إذ هما متعارضان من كلّ وجه، لتحريم الصلاة بدون الوضوء إذا كان أكله ناقضًا للوضوء، فدلّ تركه، والصلاة بدونه على النسخ. وسلك بعض أصحاب الشافعي في هذه الأحاديث مسلكًا آخر، وهو الترجيح، فجعله من جانب مَنْ قال بأنه على الإطلاق قبل السلام لكثرة الرواة، وهذا أيضًا فيه نظر من وجهين : ٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٥٥ = أحدهما: منع كثرة الرواة من هذا الجانب، بل الظاهر أن الأكثر رواةً هو ما يدلّ عن تأخره بعد السلام، بدليل أحاديث ذي اليدين المتقدمة، وتعدد طرقها وصحتها. الثاني: أن الترجيح إنما يُصار إليه عند تعذر إمكان الجمع والتعارض في محلّ واحد، وذلك كله ممنوع هنا. فهذا ما يتعلق بهذه الطريق. والعلم عند الله سبحانه وتعالى . وقد روى عبدالرزاق في ((مصنفه)): أخبرنا معمر وابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمران بن حصين رَّه، عن النبي وَّ قال: ((التسليم بعد سجدتي السهو)) . وهذا حديث غريب بهذا اللفظ، ويمكن حمله على السلام الذي بعد سجود السهو، لا على سلام التحلل من الصلاة. والله أعلم. وأما الطريق الثاني: وهو الجمع بين الروايات، والعمل بها فقد تقدم أنها تشتمل على ثلاث مذاهب: أحدها: قول مالك ◌َخْذَهُ المشهور عند أصحابه أن ما كان السهو فيه بزيادة، فمحلّ السجود له بعد السلام، وما كان بنقص، فمحله قبل السلام، وهو القول القديم للشافعي، واختيار المزني كما تقدم. قال المالكية: وبهذا يحصل الجمع بين حديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة، وأيدوا ذلك من حيث المعنى بأن السجود في النقصان لصلاح الصلاة وجبرها، والإصلاح والجبر لا يكونان بعد الخروج من الصلاة، وأما السجود في الزيادة، فإنما هو ترغيم للشيطان، وذلك ينبغي أن يكون بعد الفراغ، هكذا قاله ابن عبدالبرّ. ولقائل أن يمنع أن السجود في سهو الزيادة ترغيم للشيطان، بل هو أيضًا جبر لما حصل في الصلاة من النقص والخلل بالزيادة فيها، فإنه نقص في المعنى، وخلل يحتاج إلى جبر، وإنما السجود الذي سماه النبي وَّر ترغيمًا للشيطان هو السجود للشكّ إذا أخذ المصلي بالاحتياط، وبنى الأمر على اليقين، وهو الأقلّ، ثم كان الأمر كذلك في نفس الأمر، فإن صلاته، والحالة هذه تامّة، لا نقص فيها ولا زيادة، فأشار النبي وَّل إلى أن السجود في هذه الصورة ترغیم للشيطان، لئلا یوسوس له أن في صلاته خللاً، فإنه حينئذ يخيّه بأن الخلل قد انجبر بسجود السهو، وهذا ظاهر من لفظ الحديث في قوله وَله: ((فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلّى تمامًا لأربع كانت السجدتان ترغيمًا للشيطان. فيحتاج من يقول: إن سجود السهو في حال الزيادة ترغيم للشيطان إلى دليل على = ٣٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو ذلك، ثم إن المشهور من قول مالك تَخْذَهُ في صورة الشكّ أنه يسجد بعد السلام سواءٌ توهم الزيادة أو النقص كذلك قال القرطبي وغيره: إنه الصحيح من مذهبه. فعلى هذا لم يحصل الجمع بين الأحاديث، لأنه ألغى حديث أبي سعيد بالكلية الذي صرّح فيه بالسجود قبل السلام، وهو ثابت مجمع على صحته كما تقدم، فلم يجمع مالك تَخْدَتُهُ إلا بين أحاديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة فقط. وطريق أحمد بن حنبل تَخّْلهُ في الجمع بين الأحاديث أقوى من جهة أنه جمع حديثي ابن مسعود وأبي سعيد الخدري، فقال: إذا شك في عدد الركعات فله حالتان: إحداهما: أن يبني على اليقين، وهو الأقلّ، ويأتي بما بقي، فحينئذ يسجد قبل السلام، عملاً بحديث أبي سعيد الخدري. والثانية: أن يتحرى، ويعمل بما غلب على ظنه أنه أقرب إلى الصواب، فحينئذ يسجد بعد السلام، عملاً بحديث ابن مسعود، وظاهر مذهبه أن المنفرد يبني على اليقين، والإمام يبني على غالب ظنه، كذلك قاله في ((المقنع))، فكأنه حمل حديث أبي سعيد على المنفرد، وحديث ابن مسعود على الإمام، ورأى أن ذلك أولى من تعطيل أحدهما، وتقديم الآخر عليه. وقال فيمن نسي التشهد الأول، ونهض من الركعتين: إنه يسجد قبل السلام، عملاً بحديث ابن بحينة، وتقديمًا له على غيره كما تقدم لصحته. وفيمن سلّم من ركعتين، أو من ثلاث، وتكلم، أو مشی: یسجد بعد السلام، عملا بأحاديث ذي الیدین، ثم قال فيما سوى ذلك من أنواع السهو: إنه يسجد له قبل السلام، لأن جبر الخلل الواقع في الصلاة إنما يكون في صلبها، لا خارجًا عنها، وقد تقدّم قوله: لو لا ما روي عن النبي وَالر لرأيت السجود كله قبل السلام. وقد اعترض بعض الأئمة على هذا القول، وجعل اختصاصَ السجود بما بعد السلام بالمواضع التي وردت في حديث ذي اليدين، وما تابعه نوعٌ ظاهرية. وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ◌َخّْلهُ: يترجح قول مالك بأن تُذكر المناسبة في كون سجود السهو قبل السلام عند النقص، وبعده عند الزيادة، وإذا ظهرت المناسبة، وكان الحكم على وفقها كانت علة، وإذا كانت علةً عم الحكم جميع محالها، فلا یتخصص ذلك بمورد النصّ . قال العلائي: ولقائل أن يقول: إن كانت المناسبة المشار إليها هي ما تقدم عن ابن عبدالبرّ، ففي كونها مناسبة نظر، وقد مضى الكلام عليها، وإن كانت غيرَها فلتُبَّن، بل الذي تقتضيه المناسبة أن يكون سجود السهو قبل السلام مطلقًا كما تقدم. ٢٢ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٥٧ === وأما إسحاق بن راهويه فكأنه اعتبر هذه المناسبة، فقال بالأحاديث كلها على نحو مما قاله الإمام أحمد، ثم فرق فيما عداها بين الزيادة والنقص، فقال كقول الإمام مالك، ويُرُدُّ عليهما جميعًا أن اختصاص الإمام بالتحرّي والاجتهاد في حالة الشكّ، واختصاص المنفرد بالبناء على اليقين يحتاج إلى دليل،، فإن كان ذلك للجمع بين الحديثين، فلم لا قيل العكس؟ فإن أبدوا مناسبة ذلك بأن المنفرد ليس له من يذكّره، فيحتاج إلى البناء على اليقين بخلاف الإمام، فإنه يتحرى لأنه يرجع إلى قول المأمومين، قلنا: لا نسلّم أن الإمام يلزمه الرجوع إلى قول المأمومين ما لم يتذكر، بل لا فرق بين الإمام والمنفرد، وقد قال الخطابي: إن حقيقة التحرّي هو طلب أحرى الأمرين، وأولاهما بالصواب، وأحراهما ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري تَظفيه من البناء على اليقين، لما فيه من كمال الصلاة، وللاحتياط لها، قال: ويدلّ على أن التحرّي قد يكون بمعنى اليقين قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَوَاْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]. قال الحافظ العلائي رحمه اللّه تعالى: فهذا ما يتعلق بهذه الأقوال الخمسة في موضع سجود السهو . والقول السادس لعله أقربها إلى الصواب، وهو ردّ الأمر إلى التخيير، واستواء الأمرين، لثبوت الأحاديث فيها من كل جهة، وبُعْد الجمع بينها على وجه يعم جميعها، وبُعْد المناسبة الفارقة بين الزيادة والنقصان، ولا ينافي القولُ بهذا القول بالأولوية في بعض الصور، إما قبل السلام أو بعده حسب ما ثبت في الأحاديث، وقد اختار هذا القول الشيخ أبو حامد الإسفرايني من أصحاب الشافعي. والله سبحانه أعلم. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي اختاره الحافظ العلائي وَخّْلهُ، وهو ردّ الأمر إلى التخيير فيما لا نص فيه هو الأرجح عندي. وحاصله أن ما نُصّ فيه بأن النبي ◌َّ سجد فيه قبل السلام فهو قبل السلام، وما كان فيه أنه سجد فيه بعد السلام فهو بعد السلام، وما ليس فيه نص فهو بالتخيير. وقد اختار هذا القول العلامة الشوكاني ◌َّلهُ في ((نيل الأوطار)) جـ٣ ◌َرَ، ١٣٤ وعبارته هناك: وأحسن ما يقال في المقام: إنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله وَاليه. من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب السجود مقيدًا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيّدًا ببعد السلام سجد له بعده، وما لم يرد تقييده بأحدهما كان مخيّرًا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص، لما أخرجه مسلم في (صحيحه) عن ابن مسعود رَّه أن النبي وَلّ قال: ((إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد ٣٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ سجدتين)). وجميع أسباب السجود لا تكون إلا زيادة أو نقصًا، أو مجموعهما. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة العاشرة: في اختلاف أهل العلم في حكم التشهد والسلام بعد سجدتي السهو : (اعلم): أنهم اختلفوا أيضا في سجود السهو، هل يعقبه تشهد وسلام، أم لا؟، أم أحدهما؟ وهل يحتاج إذا وقع بعد السلام إلى تكبيرة الإحرام، أم لا؟ فروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود تَظّ أنه يتشهد فيها، ويسلم. وعن حماد بن أبي سليمان، والحكم كذلك، وعن إبراهيم النخعي أيضًا، ورواه عبدالرزاق عن قتادة. وقال آخرون: لا تشهد بعدها، ولا تسليم، روى ابن أبي شيبة ذلك عن أنس بن مالك، والحسن البصري، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح على خلاف عنه. وقال آخرون: يُسلّم بعدها، ولا يتشهد، روي هذا عن سعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وعن إبراهيم النخعي، والحسن البصري أيضًا، وحكاه ابن عبدالبرّ عن ابن سيرين. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: أحبّ إليّ أن يتشهد فيهما. وحكى ابنُ عبدالبرّ أيضًا عن يزيد بن قُسيط أنه يتشهّد بعدهما، ولا يسلم، قال: وهو رواية أيضًا عن الحكم بن عُتيبة، وحماد، والنخعي. فهذه أقوال المتقدمين. وأما الأئمة الأربعة، فقال القاضي عياض ◌َخْذَتْهُ: مذهب مالك رَحْذَتهُ أنه إذا كانتا - يعني السجدتين- بعد السلام، فيتشهد لهما، ثم يسلم، ثم اختُلفَ عنه، هل يجهر بسلامهما الإمام كسائر الصلوات، أم يسرّ، ولا يجهر؟، واختُلف عنه، هل لهما تكبيرة إحرام أم لا؟، واختلف عنه، هل يتشهد لهما إذا كانتا قبل السلام أم لا؟. وأشار القرطبي إلى ترجيح القول باشتراط تكبيرة الإحرام إذا كانتا بعد السلام، لكن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام، وما يُتحلل منه بسلام لا بدّ من تكبير يُتَحرّم به كسائر الصلوات. ومذهب أبي حنيفة أنه يتشهد بعد سجدتي السهو، ثم يسلم، ولا يحتاج عندهم إلى تكبيرة إحرام، لأنه لم يخرج بالسلام الذي قبل سجود السهو من الصلاة أصلاً. هذا قول محمد بن الحسن، حتى قال: يجوز للمقتدي أن يأتمّ به ابتداء بعد ما سلّم، ويكون کالمسبوق. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن سجد للسهو بعد ما سلم لم يكن خارجًا من الصلاة بسلامه ذلك، وجاز أن يُؤْتمّ به، وإن أعرض عن السجود، وكان بذلك السلام خارجًا ٢٢- (مَا يُفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٥٩ من الصلاة، فلم يجز ربط القدوة به. ويظهر فائدة الخلاف بينهم في انتقاض الطهارة بالقهقهة على أصلهم، واتفقوا على أنه لو سلّم يريد به قطع الصلاة لَغَت هذه الإرادة، وأتى بسجود السهو الذي عليه، لأن نيته تغيير للمشروع. وقال أحمد رَخَّلهُ: متى سجد قبل السلام لم يحتج إلى تشهد، وكان سلامه بعد السجود هو الذي يتحلل به من الصلاة، ليس معلقًا بسجود السهو، وأما إذا سجد بعد السلام، فإنه يتشهد بعده، ثم يسلّم، ولم يذكر تكبيرة إحرام. وأما مذهب الشافعي، تَخّْلهُ، فإن سجد قبل السلام، فلا تشهد، ولا تسليم قطعًا، وإن سجد بعده ففيه تفاصيل لأصحابه قد ذكرها العلائي يَخّْثهُ، وتركتها اختصارًا، فراجعه ص ٣٤٧ - ٣٥٠ . وقد ذكر العلائي تَخْذَهُ أدلتهم بعد ذكر أقوالهم، فقال: أما تكبيرة التحريم فلم يأت ذكرها في حديث صريحًا، إلا ما تقدم أن حمّاد بن زيد روى عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة تَّه في حديث ذي اليدين أن النبي ◌َّ لمّا أتم الصلاة، وسلم منها كبّر، ثم كبّر، وسجد للسهو. أخرجه أبو داود، وقال: إنها تفرّد بها هشام بن حسّان من رواية حماد بن زيد عنه، وقد رواه حماد ابن سلمة، وأبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان لم يذكروا هذه اللفظة- أعني قوله: ( کبّر، ثم کبر)). وكذلك رواه عن ابن سيرين جماعة كثيرون فوق العشرة بدونها. فالحاصل: أن هذه الزيادة شاذّة، وإن كان راويها ثقةً، ولكنه خالف فيها جماعة حُفّاظًا أكثر عددا منه، فكانت مردودة. والذي اعتمده القرطبي في اشتراط تكبيرة التحريم ما تكرر في روايات حديث ذي اليدين في ((الصحيح)) من قول أبي هريرة تَظّه: فصلى ركعتين، ثم كبر، ثم سجد، ثم کبر ورفع، ثم کېّر وسجد، ثم کبر فرفع. قال: فَعَطَفَ السجود على التكبير الأول بـ(ثم)) التي تقتضي التراخي، ولو كان التكبير للسجود لكان معه مصاحبًا له، ولأتى الراوي به بالواو المقتضية للجمع، كما فعل في بقية انتقالات السجود. قال العلائي: وهذا الاستدلال ليس بالظاهري القويّ، بل هو مُحتمل، أو قريب من الظهور. وأقوى ما يُستدَلُّ به لذلك ما ثبت عن النبي ◌ُّ من التسليم بعد سجود السهو الذي فعله بعد السلام، كما ثبت هذا من حديث عمران بن حُصين رَ ◌ّ عند مسلم. ٣٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو والقاعدة تقتضي أن السلام لا يُتحلّل به إلا من عَقْد انعقد قبله بتحرّم، فهذا إذا انضمّ إلى ما قاله القرطبي أفاد قوّةً في تكبيرة الإحرام. ولكن هذا إذا قلنا بأنه ليس في الصلاة الأولى، أما إذا جعلناه عائدًا إليها كأحد الوجهين لأصحاب الشافعي فيما إذا سلم ناسيًا سجود السهو، وكمذهب أبي حنيفة في أن السلام الأول لم يُخرج به من الصلاة، إذ كان عليه سجودُ سهو، فلا معنى هنا لتكبيرة الإحرام، لكن القول بأنه لم يخرج من الصلاة بالتسليم الذي أَتَّى به قصدًا بعيدٌ لا وجه له، وقد قال النبي ◌ّير: ((وتحليلها التسليم))، فيحتاج من يقول بأنه لا يخرج من الصلاة إذا تعمد التسلیم إلی دلیل. وأما التشهد، فقد روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه جميعًا عن محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا محمد بن عبدالله الأنصاري، أخبرني أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين تؤيّ، أن النبي مَلّ صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلّم. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قال العلائي: أشعث هذا هو ابن عبدالملك الحُمراني، وثقه يحيى بن سعيد القطان، والنسائي وغيرهما. وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: خرج حفص بن غياث إلى عَبّادان، فاجتمع إليه البصريون، فقالوا: لا تحدّثنا عن أشعث بن عبدالملك. ولم يخرّج الشيخان له شيئا في كتابيهما، لكن البخاري ذكره تعليقًا، وقد ذكره ابن عديّ في كتابه ((الكامل في الضعفاء»، لكنه لم يذكر شيئًا يدلّ على تليينه أكثر من قول أهل البصرة هذا، وفي كونه تضعيفًا نظر، لو انفرد، فكيف به مع توثيق يحيى بن سعيد القطان وغيره؟ . والذي اعتمده البيهقي في ردّ هذا الحديث أنه تفرّد به أشعث هذا، وقد رواه شعبة بن الحجاج، ووهيب بن خالد، وإسماعيل ابن عُلية، وحماد بن زيد، وهُشيم بن بشير، ويزيد بن زريع، وعبدالوهاب الثقفي، كلهم عن خالد الحذّاء، من حديث عمران بن حُصين مطوّلاً ومختصرًا، ولم يذكر أحد منهم التشهّد بعد سجدتي السهو، فهذه الزيادة شاذة مخالفة للثقات الحُفّاظ المتقنين، فكانت مردودة، هذا لو كان أشعث مقاومًا لمن ذكر، فكيف، وهو دونهم في الإتقان والحفظ بكثير؟، وقد مُسّ أيضًا، وهذا وحده کاف في ردّ زيادة التشهد. ويدلّ عليه أيضًا ما ثبت من طُرُق عديدة عن ابن سيرين في حديث ذي اليدين بعد