النص المفهرس
صفحات 321-340
٢٢- (مَا يُفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٢١ = حسين، فإنه كثير الغلط والوهم، لا يعتدّ بخلافه. ومما يدلّ على ذلك أن في كل واحدة من هاتين الروايتين أعني حديث معمر عن أيوب، وحديث عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة: فقال النبي وَلير: ((أصدق ذو اليدين؟))، فعاد إلى الصواب في تسميته في الحديث نفسه. والله سبحانه وتعالى أعلم. الطريق الثاني : الجمع بين هذه الروايات كلها بجعلها واقعتين : إحداهما: قبل بدر، والمتكلم فيها ذو الشمالين، ولم يشهدها أبو هريرة تعظمه ، بل أرسل روايتها . والثانية: كان حاضرًا فيها، والمتكلم يومئذ ذو اليدين، وهذه الطريق حكاها القاضي عياض ◌َخْذَهُ في ((الإكمال))، واختارها لما فيها من الجمع بين الروايات كلها، ونفي الغلط والوهم عن مثل الزهري، وفيهما نظر من جهة ما تقدم في رواية يونس عن ابن شهاب: صلى بنا رسول اللَّه وَّر، وقال فيها: فقال ذو الشمالين، فإنه لا يمكن الجمع بين هاتين اللفظتين، كما تقدم من قتل ذي الشمالين ببدر، وإسلام أبي هريرة بعد ذلك بسنين كثيرة، اللَّهم إلا أن يكون الوهم في هذه الرواية جاء في قوله: صلى بنا من بعض الرواة . وعلى كلّ تقدير فذو اليدين الذي كان حاضرًا مع أبي هريرة قصة السهو غير ذي الشمالين هذا بلا ريب فيه، بقي النظر في أنه هل هو الخرباق المتكلم في حديث عمران ابن حُصين أو غيره؟ . الذي اختاره القاضي عياض، وابن الأثير في ((شرح مسند الشافعي))، والشيخ محيي . الدين في غير ما موضع أنهما واحد. وأما أبو حاتم ابن حبان، فإنه جعلهما اثنين، فقال في ((معجم الصحابة)) من كتابه ((الثقات)): الخرباق صلى مع النبي ◌َّر حيث سها، وهو غير ذي اليدين، وقال بعد ذلك: ذو اليدين صلى مع النبي ◌ُّ ر حيث سها، لم يزد. وأما ابن عبدالبرّ، فقال في كتابيه: يحتمل أن يكون الخرباق ذا اليدين، ويحتمل أن يكون غيره، فيكونان اثنين. وكذلك قال أبو العباس القرطبي وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة : في بيان طرق هذا الحديث، وما اشتمل عليه من الألفاظ، وبيان من تابع أبا هريرة، وعمران بن حصين رَويّ على هذه القصة، وبيان تعددها، وأنها ليست واقعة واحدة ٣٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ على الراجح. لقد أجاد البحث في هذا الحافظ العلائي المذكور رحمه الله تعالى في مؤلفه المذكور، فقال : حديث ذي اليدين مشهور جدًّا، وخصوصا رواية أبي هريرة ◌َطريقه. قال الإمام أبو عمر بن عبدالبرّ: ليس في أخبار الآحاد أكثر طرقًا من حديث ذي اليدين هذا إلا قليلا(١). وهو كما قال. ثم ذكر طرقه ملخصة، فقال: رواه مالك في ((الموطا)) عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة تعظيم . وأخرجه من جهته البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. ورواه عن أيوب السختياني أيضا سفيان بن عيينة، وحماد بن زيد. أخرجه مسلم من طريقهما. ورواه أبو داود أيضا من حديث حماد بن زيد، وهو في ((جامع عبدالرزاق)) عن معمر، عن أيوب. ورواه البزار في ((مسنده)) من حديث عبدالوهّاب الثقفي، عن أيوب، ومن حديث حماد بن سلمة، عنه أيضًا. كما سيأتي. وتابع أيوب على روايته عن ابن سيرين جماعة كثيرة، منهم يزيد بن إبراهيم التستري. أخرجه البخاري من جهته. وابن عون، وهشام بن حسّان، ويحيى بن عتيق. رواه أبو داود من حديث حماد بن زيد عنهم. وأخرجه البخاري من حديث النضر بن شُمَيل، وابن ماجه من حديث أبي أسامة، كلاهما عن ابن عون. ثم ذكر أبو داود أن هشام بن حسان زاد فيه: أن النبي ◌َّالر كبّر، ثم كبّر، وسجد - يعني للسهو -، ثم قال أبو داود: ((وروى هذا الحديث أيضًا عن محمد بن سيرين حبيب ابن الشهيد، وحُميد - يعني الطويل - ويونس - يعني ابن عُبيد- وعاصم الأحول، ولم يذكر أحد منهم ما ذكر حمّاد بن زيد، عن هشام: أنه كبر، ثم كبر)). قال: وروى حماد ابن سلمة، وأبو بكر بن عيّاش هذا الحديث، عن هشام - يعني ابن حسان- لم يذكرا عنه هذا الذي ذكره حماد بن زيد أنه كبر، ثم كبر)). قال العلائي: ورواه أيضا عن ابن سيرين سلمة بن علقمة، وقتادة بن دعامة، أخرجه من جهتهما ابن خزيمة في ((صحيحه)). ورواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن يونس، وهشام، وأيوب، ومن حديث عاصم الأحول، عن ابن سيرين بنحوه. (١) ((الاستذكار)) جـ ٢ ص ٢٣١ . ٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٢٣= فهؤلاء عشرة من الحفاظ الأثبات تابعوا أيوب السختياني على روايته عن ابن سيرين. ورواه البزار أيضا من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن محمد بن سيرين به، ومن حديث سفيان بن حسين، عن ابن سيرين أيضا، ومن حديث أشعث بن سَوّار، وقرّة بن خالد، عن ابن سيرين أيضًا. وتابع محمد بن سيرين على روايته عن أبي هريرة جماعة آخرون، منهم: أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد. رواه مالك في ((الموطإ)) عن داود بن الحُصين، عنه. ورواه من طريق مالك مسلم، وأبو داود، والنسائي. وأبو سلمة بن عبدالرحمن، أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي من طرق عنه . وسعيد بن المسيب، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، وأبو بكر بن سليمان بن أبي خَثْمة، وأبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير، من رواية الزهري عنهم. وسعيد المقبري، وضمضم بن جَوْس، رواه أبو داود من طريقهما . وعبدالرحمن بن يعقوب مولى الْحُرَقَة. ذكره ابن عبدالبرّ. فهؤلاء عشرة آخرون من الكبار الثقات، رووه عن أبي هريرة ◌َظَّه غير محمد بن سيرين، على ما بينهم من الاختلاف في ألفاظه. أما طرق الزهري فقد خالف فيها سائر الرواة في موضعين: أحدهما: في تسميته ذا الشمالين. والثاني: في أن النبي ◌ُّ لم يسجد يومئذ سجدتي السهو، وقد غلّطه الأئمة كلهم في ذلك أيضًا، وسيأتي ما يتعلق بهذا الشأن، إن شاء اللّه تعالى. وفي حديث أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عند مالك، ومسلم: صلى لنا رسول الله وَّر، فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال رسول اللَّه ◌َّه: ((كلّ ذلك لم يكن))، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول اللّه وَل على الناس، فقال: ((أصدق ذو اليدين؟))، فقالوا: نعم يا رسول اللّه، فأتمّ رسول اللّه وَّر ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم. هذا لفظ مسلم. وفي حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة رَّه عند مسلم: أن رسول اللَّه وَّ صلّى ركعتين من صلاة الظهر، ثم سلّم، فقام رجل من بني سُلَيم، واقتص الحديث. كذلك رواه من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. ٣٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو وأخرجه البخاري من حديث سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، ولفظه: قال: صلّى بنا رسول اللَّه ◌َ لّ الظهر، أو العصر، فسلّم، فقال له ذو اليدين: الصلاةُ يا رسول الله أنقصت؟ فقال النبي وَ ل لأصحابه: ((أحقّ ما يقول؟)) قالوا: نعم، فصلى ركعتين أُخريين، ثم سجد سجدتين. وعند مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب: فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فنظر النبي ◌َّل يمينا وشمالا، فقال: ((ما يقول ذو اليدين؟)) قالوا: صدق، لم تُصلّ إلا ركعتين، فصلى ركعتين، وذكر بقيته. وعند أبي داود في حديث حماد بن زيد، عن أيوب: فقام رجلٌ كان رسول اللَّه ◌َلهل يُسمّيه ((ذا اليدين))، فقال: يا رسول الله! أنسيت، أم قصرت الصلاة؟ فقال: ((لم أنسَ، ولم تقصر الصلاة))، قال: بلى قد نسيت يا رسول الله! فأقبل رسول اللَّه ◌َ لَه على القوم، فقال: ((أصدق ذو اليدين؟))، فأومؤوا، أي نعم، فرجع رسول اللّه وَل إلى مقامه، فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلّم، وذكر سجدتي السهو. وقد رواه مسلم من حديث حماد بن زيد، لكن لم يذكر سياقه، بل أحال على حديث سفيان بن عيينة، وقال: ((بمعناه)). وقال أبو داود: لم يذكر فيه ((فأومؤوا)) ألا حماد بن زید . وفي حديث ضَمْضَم بن جَوْس، عن أبي هريرة: فلمّا قضى الصلاة سجد سجدتين، ثم سلم. كذلك أخرجه البزّار من حديث عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عنه، ثم استغربه. وفي حديث حماد بن سلمة عنده، قال: ((لم تقصر، ولم أنس))، قال: إنك سلّمت في الركعتين. وهكذا هو عنده أيضا من روايته عن حبيب بن الشهيد، وحميد، ويونس، وهشام، وأيوب، كلهم عن ابن سيرين. وكذا هو عند ابن ماجه من حديث أبي أسامة، عن ابن عون، عن ابن سيرين. والله أعلم. وقد تابع أبا هريرة تَظّمه على هذه القصّة عمران بن حُصَين، وعبدالله بن عمر، ومعاوية بن حُدَيج، وابن مسعدة صاحب الجيوش، وأبو العريان، قيل: إنه أبو هريرة، وذو اليدين، وابن عباس له . أما حديث عمران بن حصين، فقد أخرجه مسلم، وأحمد في ((مسنده))، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، كلهم من طريق أبي قلابة الجرمي، عن عمه أبي المهلب(١)، عن عمران رزقه. وجاء في بعض طرقه في ((السنن)) زيادة التشهد بعد سجدتي السهو. (١) أبو قلابة اسمه عبد الله بن زيد، وأبو المهلّب اسمه معاوية بن عمرو، وقيل: غير ذلك. ٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٢٥ وسيأتي الكلام في ذلك، إن شاء اللَّه تعالى. وأما حديث ابن عمر رَبُّهَا، فرواه الإمام الشافعي في ((مسنده))، وابن أبي شيبة في (مصنّقه))، قالا: حدثنا أبو أسامة. وقال ابن خزيمة في (صحيحه)): حدثنا أبو كريب الهمداني، وبشر بن خالد العسكري- وهذا حديث أبي كريب- قالا: حدثنا أبو أسامة، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر تَّا: أن النبي ◌َّ صلّى، فسها، فسلّم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ قال: ((ما قصرت الصلاة، وما نسيت))، فقال: ((أكما يقول ذو اليدين؟)) فقام، فصلى، ثم سجد سجدتين. وهذا لفظ ابن خزيمة . ورواه أبو داود في ((سننه)) عن أحمد بن محمد بن ثابت، وابن ماجه عن علي بن محمد، وأبي كريب، وأحمد بن سنان، كلهم عن أبي أسامة به . ولفظ ابن ماجه: أن رسول اللّه ◌َليلسها، فسلّم في الركعتين، فقال له رجل، يقال له: ذو اليدين: يا رسول الله! قصرت الصلاة، أم نسيت؟! قال: (( ما قصرت، وما نسيت))، قال: إنك صليت ركعتين، قال: (( أكما يقول ذو اليدين؟)) قالوا: نعم، فتقدم، فصلى ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو. قال البيهقي: تفرّد به أبو أسامة حماد بن أسامة . قال العلائي: قلت: وهو من رجال ((الصحيحين))، ومن الحفاظ الذين يُحتجّ بما انفردوا به، ويُصحح، وبقية إسناده على شرط ((الصحيحين)) أيضا. وأما حديث معاوية بن حُديج (١)، فرواه أبو داود، والبيهقي في ((سننهما))، وابن أبي شيبة في ((مصنفه))، وغيرهم من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن سويد بن قيس، أخبره عن معاوية بن حُديج ◌َّه، أن رسول اللَّه ◌ُمَّله صلى يومًا، فانصرف، وقد بقي من الصلاة ركعةً، فأدركه رجل، فقال: نسيت من الصلاة ركعةٌ، فرجع، فدخل المسجد، فأمَرَ بلالا، فأقام الصلاة، فصلى بالناس ركعة، فأخبرت (١) معاوية بن حُدَيج - بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، وإسكان الياء آخر الحروف، وبعدها جيم - ابن حَفْنَة بن قَتِير - بفتح القاف، وكسر التاء المثناة من فوق، وبعدها ياء ساكنة، ثم راء مفتوحة - ابن حارثة الكنديّ التُّجِيبِيُّ، كنيته أبو عبد الرحمن، وأبو نعيم أيضًا، صحبته ثابتة. قاله البخاري وغيره، وعّدَّه بعضهم في التابعين، وليس بشيء، عداده في المصريين. قال أبو بكر الحميديّ: كان إسلامه قبل وفاة النبي ◌َّل بشهرين، وقال ابن يونس: وفد على النبي ◌َّ، وشهد فتح مصر، وقدم على عمر رَزّ مبشرًا بفتح الإسكندرية، وولي غزو المغرب غير مرّة، وكانت وفاته سنة (٥٢هـ) وحديثه في سنن أبي داود والنسائي، وابن ماجه، وفي ((كتاب الأدب)) للبخاري أيضًا . ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ بذلك الناس، فقالوا: وتعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي، فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيداللّه ◌َالثله. ورواه الشافعي في كتابه القديم عن بعض أصحابه، عن الليث بن سعد. وأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) من هذا الوجه. ثم رواه من حديث جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب المصري، عن يزيد بن أبي حبيب به، ولفظه: صليت مع رسول اللَّه وَل المغرب، فسها، فسلم في ركعتين، ثم انصرف ... فذكره، وقال فيه: وسألت الناس عن الرجل الذي قال: يا رسول الله! إنك سهوت، فقيل لي: تعرفه؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي رجل، فقلت: هو هذا، قالوا: هذا طلحة بن عبيدالله. ورواه الحاكم في ((المستدرك)) مصححا له أيضا من هذا الوجه. وأما حديث ابن مسعدة، فذكره ابن عبدالبرّ في ((التمهيد))، قال: رواه عبدالرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن مسعدة- صاحب الجيوش - أن النبي ◌ّيو صلى الظهر، أو العصر، فسلم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أخُفّفت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟، فقال النبي وَّ: ((ما يقول ذو اليدين؟))، قالوا: صدق يا رسول اللَّه، فأتمّ لهم الركعتين، ثم سجد سجدتي السهو، وهو جالس بعد ما سلّم (١) . ثم قال ابن عبدالبرّ: وابن مسعدة هذا اسمه عبدالله، معروف في الصحابة، قد روى عن النبي ◌َّ أنه سمعه يقول: ((قد بدّنتُ، فمن فاته ركوعي أدركه في بطء قيامي)). وروى حديث ذي اليدين، وهو معدود في المكيين. قال العلائي: نسبه ابن حبان، فقال في ((معجم الصحابة)): عبدالله بن مسعدة بن مسعود بن قيس الفزاري صاحب الجيوش. وعثمان بن أبي سليمان الراوي عنه وثقه ابن حبان، وروى عنه أيضا الأوزاعي، وعبدالملك بن عمير. وأما حديث أبي العُزْيَان، فقال ابن عبدالبرّ: ذكره أبو جعفر العقيلي، قال: حدثنا محمد بن عُبيد بن أسباط، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو خَلْدَة، قال: سألت محمد بن سيرين، فقلت: أصلي، وما أدري أركعتين صليت، أم أربعًا؟ فقال: حدثني أبو العريان أن رسول اللّه وَ ل صلى يوما، ودخل البيت، وكان في القوم رجل طويل اليدين، وكان رسول اللّه وَليه يسميه ذا اليدين، فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول (١) قال في ((الإصابة)): فيه انقطاع بين عثمان وابن مسعدة. انتهى جـ ٦ ص ٢١١ . ٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ = ٣٢٧ اللَّه؟ وذكر الحديث. ثم قال ابن عبدالبرّ: وقد قيل: إن أبا العريان المذكور في هذا الحديث هو أبو هريرة . قال العلائي: أبو خلدة هذا اسمه خالد بن دينار، احتجّ به البخاري في ((الصحيح))، وأبو نعيم هو الحافظ المشهور شيخ البخاري، وأحمد، والجماعة. وأما حديث ذي اليدين فسيأتي سياقه، والكلام عليه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالی . وأما حديث ابن عباس، فرواه الأثرم في ((سننه)): حدثنا عبدالله بن بكر السهمي، حدثنا هشام بن حسان، عن عسل، عن عطاء، قال: صلى بنا ابن الزبير صلاة المغرب، فسلم من ركعتين، ثم قام إلى الحَجَر ليستلمه، فسبحنا به، فالتفت إلينا، فقال: ما أتممتم الصلاة؟، فقلنا برؤوسنا: سبحان الله، أي لا، فرجع، فصلى الركعة الباقية، ثمّ سلم، ثم سجد سجدتين، وهو جالس. قال عطاء: فلم أدر ما ذاك، فخرجت من فَوْري حتى دخلت على ابن عباس، فأخبرته بصنيعه، فقال: ما أماط عن سنة نبيه وَخله . ورواه البيهقي في ((سننه)) من حديث أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن عسل بن سفيان، عن عطاء به . وعسل بن سفيان هذا متكلم فيه، ضعفه النسائي وغيره، وقال البخاري: عنده مناكير. ورواه البيهقي أيضا من حديث مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإياديّ، حدَّثَنا عامر، عن عطاء، قال: صلى ابن الزبير، فذكره بمثله سواءً، وقول ابن عباس: ما أماط عن سنة نبيه گآلآل . وعامر هذا إن كان الشعبي فالحديث صحيح(١)، وإن كان غيره فلا أعرفه. وذكره عبدالرزاق في ((مصنفه))، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال لي عطاء: صلى ابن الزبير ذات ليلة المغرب، قلت: وحضرت ذلك؟ قال: نعم، فسلّم في ركعتين، فقال الناس: سبحان اللَّه، فقام فصلى الثالثة، فلما سلم سجد سجدتي السهو، وسجدهما الناس معه، قال: فدخل أصحاب لنا على ابن عباس، فذكر ذلك له بعضهم، كأنه يريد أن يعيب بذلك ابن الزبير، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أصاب، وأصابوا. (١) لكن في سنده أبو قدامة الإياديّ تكلم فيه العلماء، إلا أن تكون الصحة بمجموع الطرق، فقد تابعه أشعث بن سَوَّار، ومطر الورّاق في روايته عن عطاء. انظر ما قاله محقق ((نظم الفرائد)) ص ٩٤ . ٣٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ وهذا أصحّ إسناد لهذه الرواية، وليس فيه رفع ابن عباس ذلك إلى النبي [تَتَمَّةٌ]: قال الإمام أبو بكر بن خزيمة تَخّْلهُ في ((صحيحه)) بعد سياقه حديث معاوية بن حُدَيج المتقدم : هذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم للنبي ◌ّ أنه سها في هذه القصة طلحة ابن عبيد اللّه، ومُخبر النبي ◌َّ في تلك القصة ذو اليدين، والسهو من النبي ◌ُّ في قصّة ذي اليدين إنما كان في الظهر، أو العصر، وفي هذه القصّة إنما كان السهو في المغرب، لا في الظهر، ولا في العصر. وقصة عمران بن حصين قصة، والخرباق قصة ثالثة، لأن التسليم في خبر عمران من الركعة الثالثة، وفي قصة ذي اليدين من الركعتين، وفي خبر عمران: دخل النبي صلى الله وسلم حجرته، ثم خرج من الحجرة، وفي خبر أبي هريرة: قام النبي ◌َّ إلى خشبة معروضة في المسجد، فكلّ هذه أدلة على أن هذه القصص ثلاث قصص، سها النبي وَّل مرّة، فسلم من الركعتين، وسها مرة أخرى، فسلم في ثلاث ركعات، وسها مرة ثالثة، فسلم في الركعتين من المغرب، وتكلم في المرّات الثلاث، ثم أتمّ صلاته. انتھی کلامه . وكذلك قال الشيخ محيي الدين- يعني النووي- تَخّْتُهُ في حديث أبي هريرة وعمران: إنهما واقعتان، لكنه زاد شيئا آخر، فجعل حديث أبي هريرة أيضا واقعتين، كان السهو في إحداهما في صلاة الظهر، وفي الأخرى في صلاة العصر، وجمع بذلك بين الروايات المختلفة فيه في تعيين الصلاة المسهوّ فيها، ونقل هذا عن المحققين. قال العلائي: وفي ذلك نظر، بل الظاهر الذي يقتضيه كلام ابن عبدالبرّ، والقاضي عياض، وغيرهما أن حديث أبي هريرة قضية واحدة، ولكن اختلف رواتها، فمنهم من تردد في تعيين الصلاة، هل هي الظهر، أو العصر، ومنهم من جزم بإحداهما، والعلم. عندالله سبحانه وتعالى. ورأيت فيما علقه بعض شيوخنا من أهل الحديث يذكر أن حديثي أبي هريرة وعمران قصة واحدة، وتأول قوله في حديث عمران: (( سلّم في ثلاث)) أي في ابتداء ثلاث ركعات، وتأول قوله: ((فقضى تلك الركعة)) على أنه أراد أكثر منها، كما يقال: ((كلمة)) للخطبة، والقصيدة. وفي ذلك كله نظر لا يخفى، بل الظاهر أنهما قضيتان، كما قال الجمهور، وما ذكره من الجمع بينهما فبعيد، لا اتجاه له. انتهى كلام العلائي وَخَّثهُ ، وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٢٩ == المسألة السابعة : تقدم في ألفاظ طرق حديث أبي هريرة رَّه تباينٌ في مواضع عديدة، لا يمكن الجمع بينها، والكلّ في الصحيح، وترتب عليها فوائد فقهية مما اختلف فيه العلماء. ففي بعض الطرق أن النبي وّر قال لذي اليدين: ((لم أَنْسَ، ولم تُقصّر))، فقال ذو اليدين بعد ذلك: بلى قد نسيتَ، ولم تُذكّر هذه الزيادة في كثير من الروايات. وفي رواية أخرى، فقال النبي ◌َّ: ((كلّ ذلك لم يكن))، فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله. وفي رواية: أن النبي وَ لّر قال للناس: ((ما يقول ذو اليدين؟)) قالوا: صدق يا رسول اللَّه، لم تُصلِّ إلا ركعتين. وفي رواية أخرى: فأقبل رسول اللّه وَلّ على الناس، فقال: ((أصدق ذو اليدين؟))، فقالوا: نعم يا رسول الله. وفي رواية أخرى: فأومؤوا: أي نعم. وقد جمع بعض الأئمة بين هاتين الروايتين بأن بعض الناس أجاب النبي وَّ بقول ((نعم)) باللفظ، وبعضهم أجابه بالإيماء. وهذا الجمع إنما يقوى إذا كان الاختلاف واقعا من رواية صحابيين،، فنقول سمع أحدهما الإجابة باللفظ، والآخر رأى الذين أومأوا ولم يسمع المجيب باللفظ، وهذا الحديث بهذه الألفاظ مداره على أبي هريرة ◌َظمه. والظاهر أن القصة واحدة، ولكن الرواة تصرّفوا فيها، فرواه بعضهم بالمعنى على نحو مما سمع، فحصلت هذه الاختلافات. فيتعيّن حينئذ إما الجمع بينها بوجه مّا، وإما الترجيح، وهذا يتعلق بقاعدة شريفة عظيمة الجَذْوَى في علم الحديث، وهي: الاختلاف الواقع في المتون بحسب الطرق، وردّ بعضها إلى بعض، إما بتقييد الإطلاق، أو تفسير المجمل، أو الترجيح حيث لا يمكن الجمع، أو اعتقاد كونها وقائع متعددة. قال العلائي رحمه اللّه تعالى: ولم أجد إلى الآن أحدًا من الأئمة الماضين شفَى النفس في هذا الموضع بكلام جامع يُرجَع إليه، بل إنما يوجد عنهم كلمات متفرّقة، وللبحث فيها مجال طويل. فنقول - وبالله التوفيق -: إذا اختلفت مخارج الحديث، وتباعدت ألفاظه، فالذي ينبغي أن يجعلا حديثين مستقلين، وذلك كحديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن حُدَيج في هذا الباب، كما سبق بيانه، وهذا لا إشكال فيه. وأما إذا اتحد مخرج الحديث، وتقاربت ألفاظه، فالغالب حينئذ على الظنّ أنه حديث ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو واحد، وقع الاختلاف فيه على بعض الرواة، لا سيما إذا كان ذلك في سياقة واقعة يبعد أن يتعدد مثلها في الوقوع، كحديث أبي هريرة وحده في قصة السهو. فالذي يسلكه كثير من الفقهاء أن يحمل اختلاف الألفاظ على تعدد الوقائع، ويُجعل كلُّ لفظ بمنزلة حديث مستقلّ، وهذه الطريقة يسلكها الشيخ محيي الدين رَخّْلهُ في كتبه كثيرا، كما تقدم عنه من جعله حديث أبي هريرة الذي نتكلم عليه وقع مرتين للنبي ◌َلچ، أحدهما في صلاة الظهر، والآخر في العصر من أجل صحة كلّ من اللفظين، حتى إنه قال في حديث ابن عمر: أن عمر رَّه كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، فسأل النبي وَالثّر عنه، فأمره أن يفي بنذره، وجاء في رواية: اعتكاف يوم، وكلاهما في الصحيح. فقال الشيخ محيي الدين تَخّْلهُ: هما واقعتان، وكان على عمر تَظّه نذران، فسأل النبي وَل عن هذا مرّة، وعن الآخر مرّة أخرى، واستدلّ بذلك على صحة الاعتكاف بغير الصوم، لأن عمر تَظّه اعتكف ليلة وحدها. قال العلائي: وفي هذا القول نظر لا يخفى، لأنه من البعيد جدًا أن يستفتي عمر رَّيهِ النبي ◌َّ في شيء واحد مرتين في أيام يسيرة لا ينسى في مثلها، لأن في كل من القصتين أن ذلك كان عقب غزوة حُنين، أيام تفرقة السبي، ثم إعتاقهم. وإلحاق اليوم بالليلة في حكم الاعتكاف المنذور من الأمر الجلي الذي يقطع بنفي الفارق، كما في الأمة والعبد في العتق، ولا يظن بعمر ◌َّه أنه يخفى عليه ذلك. والذي يقتضيه التحقيق رة إحدى الروايتين إلى الأخرى، بأن كل من قال لفظا عبّر به عن المجموع، وهو أمر يُستَعمَل كثيرًا في كلام العرب أن تُطلق اليوم، وتريد به بلليلته، وبالعكس . فكان على عمر رضيه اعتكاف يوم وليلة، سأل النبي ◌ّر عنه، فأمره بالوفاء به، عبّر عنه بعض الرواة بيوم، وأراد بليلته، والآخر بليلة وأراد بيومها . وأغرب من ذلك ما ذكره الشيخ محيي الدين خّْلهُ أيضا في حديث: ((بني الإسلام على خمس))، لأنه جاء في ((الصحيح)) أنه سمع النبي وَالله يقول: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت))، فقال رجل: ((وحج البيت، وصوم رمضان))؟، فقال ابن عمر رَوَّا: لا، ((وصوم رمضان، وحج البيت))، هكذا سمعته من رسول اللَّه وَالتل. ثم جاء الحديث في ((الصحيح)) أيضا من رواية ابن عمر، ولفظه: (( وحج البيت، وصوم رمضان)». فقال الشيخ محيي الدين: هذا محمول على أن ابن عمر رؤيا سمع الحديث من ٣٣١= ٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ... - حديث رقم ١٢٢٤ النبي ◌َّل على الوجهين. وهذا بعيد جدًّا، لأنه لو سمع على الوجهين لم ينكر على من قاله بأحدهما، إلا أن يكون حينئذ ناسيًا لكون النبي ◌ّ قاله على ذلك الوجه الذي أنكره. والظاهر القويّ أن أحد رواة هذه الطرق رواه على المعنى، فقدّم وأخّر، ولم يبلغه نهي ابن عمر عن هذا التصرف، وغفل هذا الراوي عن المناسب المقتضي لتقدم صوم رمضان على الحج، وكونه وجب قبله، وكونه يتكرّر كلّ سنة بخلاف الحجّ، وكونه يعم جميع المكلفين، والحج يتخلف عن كثير منهم لعدم الاستطاعة، وهذا الاحتمال أولى من تطرّق النسيان إلى ابن عمر تَّ، أو الإنكار والرّدّ لشيء سمعه من النبي ◌َلتر. وإذا عرف ضعف هذه الطريقة، فنقول : إذا اتحد مخرج الحديث، واختلفت ألفاظه، فإما أن يمكن ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، أو يتعذر ذلك، فإن أمكن ذلك تعيّن المصير إليه. ولهذا القسم أمثلة : أحدها: ما تقدم في حديث اعتكاف عمر ◌َّه ، وردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى على عادة العرب. الثاني: رد إحداهما إلى الأخرى بتقييد الإطلاق، كما في حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه في النهي عن مس الذكر باليمين، فإن الروايات ترجع إلى يحيى بن أبي كثير فيه. فقال فيه بعضهم: ((ولا يمسنّ ذكره بيمينه)) مطلقًا، وغيره قيد النهي بحالة الاستنجاء، فهذا يمكن أن يكونا جميعًا ملفوظا بهما، فيحمل رواية من تركه على رواية من ذكره، ويجعلا دليلا على تقييد النهي بحالة البول والاسنتجاء منه. ولو جعلنا ذلك كالحديثين المستقلّين لم نحكم بتقيُّد النهي بحالة الاستنجاء والبول، لأن الحديث الذي تضمّن النهي مطلقًا لا يعارض الذي فيه النهي مقيّدًا بالاستنجاء أو البول، فهو من باب ذكر بعض أفراد العام، وإنما يُردّ أحد اللفظين إلى الآخر في العموم إلى الخصوص، والإطلاق إلى التقييد عند التعارض، والتنافي في بعض المدلولات. اللَّهمّ إلّا أن يكون مفهوم التقييد يقتضي مخالفةً المطلق، وكذلك مفهوم الخاصّ يُخالف حكم العامّ، فَيُقَيِّدُ، ويُخَصَّص بالمفهوم عند من يرى ذلك. الثالث: ردّ إحداهما إلى الأخرى بتخصيص العامّ، ويمثّل هذا بزيادة مالك ومن تابعه عن نافع، عن ابن عمر في حديث: (( صدقةُ الفطر على كلّ حرّ، أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين))، فإن مخرج الحديث واحدٌ، فيتخصص إيجاب إخراج زكاة الفطر ٣٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ بكونه عن كلّ مسلم، عملاً بهذه القاعدة. وهذا كلّه إذا لم تكن الرواية المتضمنة للتقييد، أو التخصيص شاذّة مخالفة لبقية الروايات، بل يكون الذي جاء بها حافظًا متقنًا، يُقبل تفرّده وزيادته. فأما إذا كان سيء الحفظ قليل الضبط، وكانت الروايات الأخرى من طرق أهل الضبط والإتقان، وهم أكثر منه عددا، فالحكم لروايتهم، ولا نظر إلى رواية ذاك الذي هو دونهم. المثال الرابع: ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى بتفسير المبهم، وتبيين المجمل، وذلك مثل حديث كفارة الوقاع في رمضان، فإن مدار الحديث على الزهري، عن حميد ابن عبدالرحمن، عن أبي هريرة ◌َظّه ، واختلفوا على الزهري فيه: فقال عنه الإمام مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وجماعة آخرون: أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره النبي ◌َّر أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا، فقال: لا أجد ... وذكروا الحديث. وقالت فيه طائفة آخرون أكثر منهم عددا، منهم: سفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد، معمر، وشعيب بن أبي حمزة، وعُقَيل، وإبراهيم بن سعد، والليث، والأوزاعي، وغيرهم: أن رجلاً قال للنبي وَلّ: وقعت على امرأتي في شهر رمضان، فقال له النبي وَ لَه : ((تجد ما تُعتقُ رقبةً؟)) قال: لا. قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟)) قال: لا. قال: ((فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟)) قال: لا ... الحديث. فهذا يَقْوَى فيه القولُ بأن تجعل رواية هؤلاء مفسّرة لما أبُهُمَ في رواية أولئك من جهة المفطّر، ومقيّدًا للكفّارة بالترتيب، لا بالتخيير، كما هو ظاهر هذه الرواية الثانية، لأن الحدیث واحد، اتحد مخرجه. وأما إذا لم يتَأَثَّ الجمع بين الروايات، وتعذّر ردّ إحداهما إلى الأخرى، فهذا محلّ النظر، ومجال الترجيح. ومثال ذلك حديث الواهبة نفسها، فإنه قصّة واحدةٌ، ومداره على أبي حازم، عن سهل بن سعد تَّ ، واختلف الرواة فيه على أبي حازم: فقال فيه مالك بن أنس، وحمّاد بن زيد، وفُضَيل بن سُليمان، وعبد العزيز الدّراوزديّ، وزائدة: (( فقد زوّجتكها على ما معك من القرآن)). وقال فيه سفيان بن عيينة عنه: (( فقد أنكحتكها)). وقال فيه يعقوب بن عبدالرحمن، وعبدالعزيز بن أبي حازم، عن أبيه: ((فقد مڵکتکھا». ٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٣٣ وقال فيه معمر، وسفيان الثوري: (( أملكتكها)). وقال أبو غَسّان: ((أمكناكها بما معك من القرآن)). وأكثر هذه الروايات في (الصحيحين))، أو أحدهما، فهذا لا يتأتّى أن تكون هذه الألفاظ كلها قالها النبي ◌ّله في تلك الواقعة، وتلك الساعة إلا على سبيل التجويز العقلي المخالف للظنّ القويّ جدًّا، فلم يبقَ إلا أنه وَّ قال لفظًا منها، وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى . فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك، وأنه من صرائحه يَحتَجّ بمجيئه في هذا الحديث الصحيح . فإذا عُورض ببقية الألفاظ التي في بقية الروايات لم ينتهض احتجاجه. فإن قال: إنّ النكاح في القصة انعقد بلفظ التمليك، ومن قال غيرَه عبّر بالمعنى، يقلبه خصمه عليه، ويقول مثل ذلك في التزويج، والإنكاح، فلم يبقَ حينئذ إلا الترجيح بأمر خارجيّ، وليس هذا موضع ذكره(١). ولا سبيل إلى القول بتعدد القصة، لأنه وإن كان العقل يُجوّزه فهو مخالف للظنّ القويّ القريب من القاطع. ولهذا الضرب أمثلة كثيرة، منها : حديث ترك الجهر بالبسملة، وحديث نزول آية التيمم، وقصة الرجلين الذين ذهبا نحو عقد عائشة رَّها، وحديث فَضَالة في القلادة من الذهب، وغيره المبيعة يوم خيبر . لكن أكثر الأحاديث المختلفة لا يتضمن اختلافُها اختلافَ حكم شرعيّ، وبعضها یتضمّن . ومنه حديث أبي هريرة رَضَمّه في قصة ذي اليدين هذا، فإن من قال من العلماء بأن الكلام في الصلاة فيما يتعلق بمصلحتها لا يُبطله يحتجّ بما جاء في بعض الروايات الصحيحة من قول ذي اليدين: بلى قد نسيت يا رسول الله بعد قوله وَلّ: ((لم أنس، ولم تُقصَر)) . قالوا: فقد تحقق ذو اليدين أن حكم الصلاة باق بعدُ لتحققه عدم القصر، وتكلّمَ بعد ذلك، وأقرّه النبي ◌َّله، ولم يبطل صلاته، وكذلك قول الصحابة للنبي وَّر بعد قوله: ((لم أنسَ، ولم تقصر)): صدق يا رسول اللَّه، لم تصلّ إلا ركعتين. (١) ذكر الحافظ ابن حجر خّثُ الكلام في ترجيح بعض هذه الألفاظ على بعض، ورجح لفظ (التزويج))، ونقله عن الدَّارقطني، وتوسع في ذلك، فراجع ((الفتح)) جـ ٩ ص ٢١٤ - ٢١٥ . ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ وأما من قال بأن الكلام لمصلحة الصلاة فيها لا يجوز، ويبطلها، فيحتجّون بالرواية الأخرى من طريق حمّاد بن زيد: فأومأوا، أي نعم، ويقولون: لم يقع كلام من الصحابة بعد تحققهم عدم القصر، ویجیبون عن قول ذي الیدین ثانيًا: بلی قد نسيت يا رسول اللَّه. انتهى كلام العلائي، وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثامنة : قال الحافظ العلائي وَخَّتُهُ: دلت هذه الأحاديث على مشروعية سجود السهو في مثل هذه الصورة، ودلالتها على مشروعيته من حيث الجملة بطريق الأولى. وقد اتفقت المذاهب على مشروعية سجود السهو لمن وقع له في الصلاة ما جرى من النبي ◌َّر، أو نحوه على وجه السهو، عملاً بهذه الأحاديث في الصورة الخاصّة، وقياسًا عليها في غيرها، لتحقق المقتضي الذي شرع سجود السهو له فيها، وقد تقدم أن روايات الزهري لحديث ذي اليدين نفى فيها كون النبي ◌َّ سجد يومئذ للسهو، إما جزمًا، كما قال في رواية الأوزاعي عنه في آخر الحديث: ولم يسجد سجدتي السهو حين يقّنه الناس، وإما نفيًا للعلم، كما في رواية يونس بن يزيد عنه، عن سعيد المسيب، وأبي سلمة بن عبدالرحمن، وأبي بكر بن عبدالرحمن، وعبيدالله بن عبدالله، كلهم عن أبي هريرة ◌َّه بحديث ذي اليدين، وسمّاه ذا الشمالين، وفي آخره: قال الزهري: ولم يحدثني أحد منهم أن رسول اللّه وَّرَ سجد سجدتين، وهو جالس في تلك الصلاة، وذلك فيما نرى -والله أعلم- من أجل أن الناس يقْنوا رسول اللَّه وَلَلـ حتى استيقن . وهاتان الروايتان في ((صحيح ابن خزيمة)) كما تقدم. وكان ابن شهاب يقول: إذا عَرَفَ الرجلُ ما نسي من صلاته، فأتمّها، فليس عليه سجود سهو . قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج كثَّّهُ في كتابه ((التمييز)) له: قول ابن شهاب: إن رسول اللَّه ◌َلّ ما سجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو خطأ وغَلَطْ، وقد ثبت عن النبي والقر أنه سجد سجدتي السهو ذلك اليوم من أحاديث الثقات، كابن سيرين وغيره. وقال ابن عبدالبرّ ◌َخّْلهُ: لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه، لاضطرابه فيه، وأنه لم يقمه إسنادا ولا متنا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه أحد، ٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٣٥ = والكمال ليس لمخلوق. قال العلائي تَخّْلهُ: وعلى تقدير قبول هذا الحديث من الزهري، والحكم بتصحيحه، فإما أن نعتبر روايته التي نفى فيها عدمَ العلم بوقوع سجود السهو من النبي وَل* يوم ذي اليدين، أو نعتبر الرواية التي جزم فيها بعدمه. فعلى التقدير الأول لا تعارض بينه وبين بقية الروايات، لأنه لم ينف ما أثبتوه، بل ذكر أن أحدًا من شيوخه لم يروه له، فلا يرد مثل هذا على من حفظ ذلك، ورواه إجماعًا . وأما على التقدير الثاني، فهو يَتَخرّج على تعارض المثبت والنافي، وجمهور العلماء على ترجيح المثبت على النافي، لما عنده من زيادة العلم، ونُسب الخلافُ في ذلك إلى القاضي عبدالجبار من المعتزلة وغيره، فقالوا: هما متعارضان، وهو ضعيف، لما ذكرنا من أن المثبت معه زيادة علم، وقد حفظها، وقصر النافي عنها . وقد ذكر بعض المتأخرين من الأئمة أن هذا التقديم إنما يكون في نفي مطلق، وإثبات مطلق، فأما متى كانا محصورين في قضية واحدة، فإنهما يكونان متعارضين. ومثّل ذلك باختلاف بلال وأسامة رَبِّتًا حيث دخل النبي وَّر الكعبة، فنفى أسامة أن يكون صلى فيها، وأثبت ذلك بلال، وحديثُ ذي اليدين قريب من هذا. والجواب عن هذا أن غاية الأمر بعد تسليم أن الزهري اتصلت له الرواية جازمة بعدم سجود السهو يومئذ، وأنه ما غلط في ذلك أن يكونا متعارضين، وحينئذ يُرجع إلى الترجيح . والترجيح هنا للروايات المثبتة لسجود السهو، لكثرتها، وتعدد الثقات الحفّاظ الناقلين لها، كما تقدم سياق ذلك، فالأخذ بها هو المتعيّن. ثم نلزم الحنفية القائلين بتصحيح حديث الزهري، والاحتجاج على أن القصة قبل بدر، وأن المتكلم ذو الشمالين أن يقبلوا نفيه لسجود السهو يومئذ، ولا يقولون بمشروعيته في هذه الصورة. انتهى كلام العلائي، وهو بحث مفيد جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة التاسعة : في بيان مذاهب أهل العلم في محل سجود السهو: (اعلم): أنه اختلف في محل سجود السهو، هل هو قبل السلام، أم بعده على أقوال، أوصلها الحافظ العراقي في شرح الترمذي -على ما نقله الشوكاني في ((نيله)) جـ ٣ ص ١٣٢ - ١٣٥ - ثمانية : ٣٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو الأول: أن سجود السهو كله محله بعد السلام. الثاني: أنه قبل السلام. الثالث: التفرقة بين الزيادة والنقص، فيسجد للزيادة بعد السلام، وللنقص قبله. الرابع: أنه يستعمل كلّ حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء سجد قبل السلام. الخامس: أنه يستعمل كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء، فما كان نقصًا سجد له قبل السلام، وما كان زيادة فبعد السلام. السادس: أن الباني على الأقلّ في صلاته عند شكه يسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد الآتي، والمتحري في الصلاة عند شكه يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود الآتي أيضًا. السابع: أنه يتخيّر الساهي بين السجود قبل السلام وبعده، سواء كان لزيادة أو نقص . الثامن: أن محله كله بعد السلام، إلا في موضعين، فإن الساهي فيهما مخير، أحدهما من قام من ركعتين، ولم يجلس، ولم يتشهد. والثاني: أن لا يدري أصلى ركعة، أم ثلاثًا، أم أربعًا، فيبني على الأقل، ويتخير في السجود، وهو مذهب الظاهرية، وبه قال ابن حزم، كما في ((نيل الأوطار)). وزاد الشوكاني تاسعا: وهو أنه يستعمل كلّ ما ورد كما ورد، وما لم يرد فيه شيء، فيتخير. وسيأتي أن هذا القول هو الراجح، إن شاء اللّه تعالى. وقد ذكر في ((النيل)) القائلين بهذه الأقوال وأدلتهم، تركت نقله هنا استغناءً بما يأتي في كلام الحافظ العلائي مفصلاً مبسوطًا، إن شاء الله تعالى. فلقد حقق ◌َخّْتمُ أدلة معظم هذه الأقول، وناقشها، وبيّن ما لها وما عليها، وتوسع في ذلك، فأجاد وأفاد، فقال: احتج الحنفية بهذه الأحاديث على أن محل سجود السهو بعد السلام على الإطلاق. والمالكية على أن السهو إذا كان زيادة، فالسجود بعد السلام، لأن النبي ◌َّ- تكلم، وسلم، ومشى في صلاته هذه سهوًا، ثم سجد لذلك بعد السلام. والعلماء مختلفون في هذه المسألة قديمًا وحديثًا، فالمشهور من مذهب الشافعي أن سجود السهو قبل السلام على الإطلاق، سواء كان عن نقص، أو زيادة. . قال ابن عبدالبرّ ◌َخّْلهُ : روي هذا القولُ عن أبي هريرة، والسائب بن أبي السائب، وعبدالله بن الزبير، ومعاوية، وعبدالله بن عباس *ٹے ، وبه قال مکحول، وابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، والأوزاعي، والليث بن سعد. ٣٣٧ = ٢٢ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ... - حديث رقم ١٢٢٤ قال العلائي: ونقله ابن الصبّاغ في ((الشامل)) أيضًا عن أبي سعيد الخدري من الصحابة، وسعيد بن المسيب من التابعين . وقد روى ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب، وأبي عبيدة أنهما كانا إذا وهما في صلاتهما، فلم يدريا ثلاثًا صليا، أم أربعًا سجَدًا سجدتين قبل أن يسلما. وقال أبو حنيفة وأصحابه جميعًا: سجود السهو كله بعد السلام، سواءٌ كان عن نقص أو زيادة، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وسعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعمران بن حصين، والضحاك بن قيس، والمغيرة بن شعبة، نقله ابن عبدالبرّ عنهم، ثم قال: واختلف فيه عن معاوية بن أبي سفيان، وابن عباس، وابن الزبير قال العلائي ◌َّلهُ: ورواه ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك، وأبي هريرة، والسائب القاري . والذي روى الترمذي في ((جامعه)) عن أبي هريرة والسائب القاريّ بإسناد متصل أيضًا أن السجود قبل السلام، والإسناد واحد، فأحدهما وهم. جميعًا، لكن بإسناد وهو في ((جامع عبدالرزاق)) عن ابن عمر، وابن عباس علَّ مرسل. وبه قال الحسن البصري، وقتادة، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وعمر بن عبدالعزيز، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح بن حيّ، وابن أبي ليلى. وقال مالك، وجماعة من أصحابه: إن كان السهو بزيادة، فالسجود له بعد السلام، وإن كان بنقصان، فالسجود قبل السلام، وهو قول أبي ثور، والمزني من أصحاب الشافعي، ونقله الشيخ أبو إسحاق، وجماعة عن القديم من مذهب الشافعي. وقال القاضي الماوردي في ((الحاوي)): أشار إليه الشافعي في كتاب ((اختلافه مع مالك))، والمشهور من مذهبه في القديم والجديد أنه قبل السلام في الزيادات والنقصان. وكذلك قال صاحب ((الشامل)). وعن مالك قول آخر أن الكلّ سواءٌ. ما قبل السلام وما بعده في الزيادة والنقص، لورود الأحاديث بذلك، حكاه في ((المجموعة)) فيما نقله القرطبي. وهذا كله حيث تحقق الزيادة والنقصان، فأما في صورة الشكّ، فقال الاودي: اختلف قول مالك في الذي لا يدري صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فقال: يسجد قبل السلام، وقال: يسجد بعد السلام. ٣٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو فتحصل بذلك ثلاثة أقوال في مذهب مالك تَخَّْتُهُ . وأما أحمد بن حنبل رَّْلهُ فإنه قال باستعمال الأحاديث كلها، فحكى الأثرم أنه سمعه يقول: كلّ سهو سجد له النبي وَ له قبل السلام أو بعده، فمحله حيث سجد النبي وَلّر، وما سوى المواضع التي ورد السهو فيها عنه وَّر، فالسجود لها قبل السلام، لأنه يُتم ما نقص من صلاته، قال: ولو لا ما روي عن النبي وَلّ لرأيت السجود كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة أن يقضيها قبل السلام، ولكن أقول: كلّ ما روي عن النبي وَ ل أنه سجد فيه بعد السلام، فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام. وقال داود الظاهري نحوًا من هذا القول، لكنه اقتصر في مشروعية سجود السهو على المواضع التي ثبت أن النبي ◌ّليل سجد فيها، ولم يقل به فيما عداها جريًا على طريقته المعروفة من الجمود، وعدم الإلحاق مع فهم المعنى. وعن أحمد أيضًا روايتان أخريان: إحداهما كمشهور مذهب الشافعي، والأخرى كقول مالك. وقول إسحاق بن راهويه كقول أحمد المتقدم في تبعية الأحاديث، وفيما عداها يُفرّق بين الزيادة والنقصان كمذهب مالك. ثم هذا الخلاف، هل هو في الأولوية مع جواز الأمرين، أم في الاستحقاق؟ صرّح ابن عبدالبرّ بأن الخلاف إنما هو في الأولوية، وأن كل من قال بأنه بعد السلام، فسجد قبل السلام، أو بالعكس، فلا شيء عليه. وكذلك قال الماوردي في كتابه ((الحاوي)): ولا خلاف بين الفقهاء أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده، وإنما اختلفوا في المسنون. وحكى إمام الحرمين أبو المعالي وَّلهُ في مذهب الشافعي طريقين: أحدهما: نقل ثلاثة أقوال: أحدها: وهو الصحيح من المذهب أن السجود قبل السلام، ولو أوقع بعده لم يُعتدّ به. والثاني: الفصل بين الزيادة والنقصان كما تقدّم، وعزاه إلى القديم. والثالث: أن الساهي بالخيار، إن شاء قدّم، وإن شاء أخّر، فهما سواء- يعني في حالتي الزيادة والنقص. قال العلاالحافظ العلائي: وهذا القول غريب في المذهب، وقد عزاه الحازمي إلى القديم، وهو موافق للمقول المحكي عن مالك فيما تقدّم عن ((المجموعة))، وهو قول محمد بن جرير الطبريّ، حكاه عنه القاضي عياض رحمه الله تعالى. ٢٢ - (مَآَ يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤ ٣٣٩ ثم قال الإمام: وقال بعض أئمتنا: لا خلاف أنه يُجزىء التقديم والتأخير، وإنما التردد في بيان الأولى والأفضل، ففي قول يقول: الأفضل التقديم، وفي قول: لا نفضّل، ولا نفرّق، ونجوز الأمرين جميعًا، وفي قول: نفرّق بين الزيادة والنقصان في الأفضل لا في الإجزاء، فإن الأمرين جميعًا جائزان مجزيان، ووجّه هذه الطريقة بصحة الأخبار في التقديم والتأخير جميعًا. ثم قال: والطريقة المشهورة ردّ التردد إلى الإجزاء والجواز كما تقدّم، ويظهر توجيهها من جهة المعنى، فإن السجود إذا وقع قبل السلام كان زيادة في الصلاة، وإذا وقع وراء التحلل كان منفصلاً عن حكم الصلاة، وهما أمران متباعدان، والتخيير بينهما بعيد . وكذلك قال الرّافعي بعد حكاية الأقوال الثلاثة التي ذكرناها آنفًا: ثم هذا الاختلاف في الإجزاء على المشهور بين الأصحاب، وحكى القاضي ابن كج، وإمام الحرمين طريقة أخرى أنه في الأفضل. وقد تقدم نقل ابن عبدالبرّ عن الفقهاء أن الاختلاف في الأولوية، وكذلك صرّح به عن مذهبه . فقال: جملة مذهب مالك: أن من وضع السجود الذي قلنا: إنه قبلُ بعدُ، أو وضع السجود الذي قلنا بعدُ قبلُ، فلاشيء عليه، إلا أنهم أشدّ استثقالاً لمن وضع السجود الذي بعد السلام قبل السلام. وقال القرطبي في ((شرح مسلم)): وهل هذا الترتيب هو الواجب، أو هو الأولى؟ قولان للأصحاب . وصرّح صاحب ((الهداية)) عن مذهب الحنفية أن الكلام في الأولوية، لا في التعيُّن. وظاهر مذهب أحمد أن الخلاف في الإجزاء والتعيّن، لأن سجود السهو عندهم واجب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ونصّ الشيخ موفق الدين في ((المقنع)) على أن من ترك سجود السهو الذي محله قبل السلام عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا قضاه بعد السلام ما لم يتطاول الفصل، قال: وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل صلاته. قال العلائي: فدلّ هذا على أن الخلاف يرجع عندهم إلى التعيين، وهو أقوى في ذلك من الراجح عند إمام الحرمين والرافعي، لأن أحدًا من أصحابنا لم يقل ببطلان الصلاة إذا تعمّد ترك سجود السهو الذي قبل السلام. ولكن فائدة القول بالتعيين أنه إذا سلّم قبل السجود، فقد فات محلّه، فلا يتدارك، ٣٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھو بخلاف الطريقة الأخرى. فهذا نقل المذهب في المسألة . وأما بيان ما احتجّ به كلّ فريق، فذلك يستدعي تقديم الأحاديث الواردة عن النبي وَل في مواضع سجود السهو قولا وفعلاً، ثم بیان تمسکھم بها. قال الإمام أبو عبدالله المازري ◌َّهُ: أحاديث السهو كثيرة، والثابت منها خمسة أحاديث، وهي حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد الخدري، وهما جميعًا فيمن شكّ كم صلى، وذكر في حديث أبي هريرة أنه سجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما، وفي حديث أبي سعيد الخدري أنه سجد قبل السلام، وحديث ابن مسعود، وفيه القيام إلى خامسة، وأنه سجد بعد السلام، وحديث ذي اليدين، وفيه السلام من اثنتين، والسجود بعد السلام، وحديث ابن بُحَينة، وفيه القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام، ثم ذكر كيفية أخذ الأئمة بهذه الأحاديث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقال الشيخ محيي الدين تَكّْلهُ في ((شرح المهذب)): الأحاديث الصحيحة التي عليها مدار باب سجود السهو، وعنها تشعّبت مذاهب العلماء ستة أحاديث، فذكر هذه الخمسة، وحديث عبدالرحمن بن عوف الذي أخرجه الترمذي، وفيه الأمر بالسجود قبل التسليم. قال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: حديث ذي اليدين تقدم بجميع طرقه، وأما حديث أبي هريرة، فهو في ((الصحيحين)) من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ◌َّهِ: أن رسول اللَّه وَل قال: ((إذا نودي بالأذان أدبر الشيطان. له ضُراط حتى لا يسمع الأذان، فإذا قُضي الأذان أقبل، فإذا ثوب بها أدبر. فإذا قُضي التثويب أقبل، حتى يَخْطر بين المرء ونفسه، فيقول اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر، حتى يظلّ الرجل إن يدر كم صلى، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى، فليسجد سجدتین، وهو جالس)). وأخرجاه أيضًا من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به مختصرًا، لم يذكر قصة الأذان، بل لفظه: أن رسول اللّه وَ ل قال: ((إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين، وهو جالس)). ثم رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة، والليث بن سعد، عن الزهري، كذلك. وكذلك رواه أبو داود، والنسائي من حديث مالك. وكذلك رواه أيضًا معمر عن الزهري. ثم رواه أبو داود من حديث ابن أخي الزهري، عن عمه، قال بهذا الحديث بإسناده، وزاد: ((وهو جالس قبل التسليم)). وإلى هذه الرواية أشار الشيخ محيي الدين تَّلهُ .