النص المفهرس

صفحات 241-260

=
٢٤١
١٩ - (بَابُ لَعْنِ إِبْلِيسَ، وَالتَّعَوُّدِ بِاللهِ ... - حديث رقم ١٢١٥
قوم الإنس، فثبت أنه كان منهم أنبياء إليهم، قال: ولم يُبعث إلى الجن من الإنس ني
إلا نبينا ◌َّر، لعموم بعثته إلى الجن والإنس باتفاق. انتهى.
وقال ابن عبدالبرّ: لا يختلفون أنه وَّ بعث إلى الإنس والجن، وهذا مما فُضِّل به
على الأنبياء، ونقل عن ابن عباس رَبِّهَا في قوله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ كُمْ يُوسُفُ مِن
قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ﴾ [غافر، الآية: ٣٤] الآية. قال: هو رسول الجنّ.
وقال إمام الحرمين في ((الإرشاد)) في أثناء الكلام مع العيسوية: وقد علمنا ضرورة أنه
وَلَّ ادعى كونه مبعوثًا إلى الثقلين. وقال ابن تيمية: اتفق على ذلك علماء السلف من
الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين.
قال الحافظ: وثبت التصريح بذلك في حديث ((وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت
إلى الإنس والجن)). فيما أخرجه البزار بلفظ: وعن ابن الكلبي ((كان النبي يبعث إلى
الإنس فقط، وبعث محمد إلى الإنس والجن)).
وإذا تقرر كونهم مكلفين، فهم مكلفون بالتوحيد وأركان الإسلام، وأما ما عداه من
الفروع، فاختلف فيه، لما ثبت من النهي عن الروث والعظم، وأنهما زاد الجن. وفي
حديث أبي هريرة ◌َظنّه: فقلت: ما بال الروث والعظم؟ ((هما طعام الجن)) ...
الحديث. فدل على جواز تناولهم للروث، وذلك حرام على الإنس، وكذلك روى
أحمد والحاكم من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: ((خرج رجل من خيبر، فتبعه
رجلان، وآخر يتلوهما، يقول: ارجعا حتى ردهما، ثم لحقه، فقال له: إن هذين
شيطانان، فإذا أتيت رسول اللَّه ◌َّله، فاقرأ عليه السلام، وأخبره أنا في جمع صدقاتنا،
ولو كانت تصلح له لبعثنا بها إليه، فلما قدم الرجل المدين أخبر النبي وَّ بذلك، فنهى
عن الخلوة - أي السفر - منفردًا)).
واختلف أيضًا، هل يأكلون، ويشربون، ويتناكحون، أم لا؟
فقيل: بالنفي، وقيل: بمقابله، ثم اختلفوا، فقيل: أكلهم وشربهم تشمم،
واسترواح، لا مضغ ولا بلع، وهو مردود بما رواه أبو داود من حديث أميّة بن مخشيّ،
قال: كان رسول اللَّه وَ ◌ّ جالسا، ورجل يأكل، ولم يسمّ، ثم سمى في آخره، فقال
النبي ◌َّ: ((ما زال الشيطان يأكل معه، فلما سَمَّى استقاء ما في بطنه)).
وروى مسلم من حديث ابن عمر رَضِيّها قال: قال رسول اللّه وَله: ((لا يأكلنّ أحدكم
بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله)).
وروى ابن عبدالبرّ عن وهب بن منبه: أن الجن أصناف، فخالصهم ريح، لا
يأكلون، ولا يشربون، ولا يتوالدون، وجنس منهم يقع منهم ذلك، ومنهم السعالى

٢٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
والغول والقطرب، وهذا إن ثبت كان جامعًا للقولين الأولين، ويؤيده ما روى ابن حبان
والحاكم من حديث أبي ثعلبة الخُشَنيّ ◌َلَه، قال: قال رسول اللّه ◌َلّ: ((الجن ثلاثة
أصناف، صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف
يحلون، ويظعنون)).
وروى ابن أبي الدنيا من حديث أبي الدرداء تَظّيه مرفوعًا نحوه، لكن قال في
الثالث: ((وصنف عليهم الحساب والعقاب)).
وروى ابن أبي الدنيا من طريق يزيد بن يزيد بن جابر أحد ثقات الشاميين من صغار
التابعين، قال: ما من أهل بيت إلا وفي سقف بيتهم من الجن، وإذا وضع الغداء نزلوا
فتغدوا معهم، والعَشَاء كذلك.
واستدل من قال بأنهم يتناكحون بقوله - تَعَالَى -: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِسْرُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ ﴾
[الرحمن، الآية: ٥٦]، وبقوله: ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ: أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ﴾ [الكهف، الآية:
٥٠]، والدلالة من ذلك ظاهرة.
واعتلّ من أنكر ذلك بأن اللَّه - تَعَالَى - أخبر أن الجانّ خلق من نار، وفي النار من
اليبوسة والخفة ما يمنع التوالد.
والجواب أن أصلهم من النار كما أن أصل الآدمي من التراب، وكما أن الآدمي ليس
طينًا حقيقة كذلك الجني ليس نارا حقيقة.
وقد وقع في ((الصحيح)) في قصة تعرض الشيطان للنبي وَالر أنه قال: ((فأخذته،
فخنقته حتى وجدت برد ريقه علی یدي)).
وبهذه يندفع إيراد من استشكل قوله - تَعَالَى -: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْتَعَهُمِ شِهَابٌ
ثَاقِبٌ﴾ [الصافات، الآية: ١٠]، فقال: كيف تحرق النار النار؟.
وأما قول البخاري: ((وثوابهم وعقابهم)). فلم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون
على المعاصي، واختلف هل يثابون؟ فروى الطبري، وابن أبي حاتم من طريق أبي
الزناد موقوفًا، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال اللّه لمؤمن الجن،
وسائر الأمم - أي من غير الإنس -: كونوا ترابا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت
ترابا .
ورُوي عن أبي حنيفة نحو هذا القول.
وذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة، والأوزاعي،
وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم.

١٩- (بَابُ لَعْنِ إِبْلِيسَ، وَالتَّعَوُّدِ بِاللَّهِ ... - حديث رقم ١٢١٥
٢٤٣=
ثم اختلفوا، هل يدخلون مدخل الإنس؟ على أربعة أقوال: أحدها: نعم، وهو قول
الأكثرین .
وثانيها: يكونون في ربض الجنة، وهو منقول عن مالك، وطائفة. وثالثها: إنهم
أصحاب الأعراف .
ورابعها: التوقف عن الجواب في هذا.
وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي يوسف، قال: قال ابن أبي ليلى في هذا: لهم
ثواب، قال: فوجدنا مصداق ذلك في كتاب الله - تَعَالَى -: ﴿ وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مِّنَا
عَمِلُواْ﴾ [الأنعام، الآية: ١٣٢].
قال الحافظ: وإلى هذا أشار البخاري بقوله قبلها: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَاُلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ
رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ [الأنعام، الآية: ١٣٠]، فإن قوله: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ يلي
الآية التي بعد هذه الآية.
واستدلّ بهذه الآية أيضًا ابن عبدالحكم. واستدلّ ابن وهب بمثل ذلك بقوله -
تَعَالَى -: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىّ أُمْرِ قَدّ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ اُلْجِنِّ وَالْإِسِّ﴾
[الأحقاف، الآية: ١٨] الآية. فإن الآية بعدها أيضًا: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتُ مِّمَا عَمِلُواْ﴾ .
وروى أبو الشيخ في تفسيره عن مغيث بن سُميّ أحد التابعين، قال: ما من شيء إلا
وهو يسمع زفير جهنم، إلا الثقلين الذين عليهم الحساب والعقاب.
ونقل عن مالك أنه استدلّ على أن عليهم العقاب، ولهم الثواب بقوله - تَعَالَى -:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جََّانِ﴾ [الرحمن، الآيتان: ٤٦، ٤٧]، ثم قال: ﴿فَأَتِّ،َالَآءِ رَبِّكُمَا
تَكَذِّبَانِ﴾، والخطاب للإنس والجنّ.
فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين، والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب.
واللّه - تَعَالَى - أعلم. انتهى ما كتبه الحافظ رحمه الله - تَعَالَى - بتصرف يسير
وهو بحث نفيس جدًا (١). واللَّه - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
(١) راجع (فتح الباري)) ج ٦ ص ٤٩٧ - ٥٠٠ .

٢٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
٢٠- (الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم الكلام في حال الصلاة.
١٢١٦- (أخبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَن
الزُّهْرَيِّ، عَنْ أِبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّه ◌َّهِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَقُمْنَا مَعَهُ،
فَقَالَ أعْرَابِيٌّ، وَهُوَ فِي الَصَّلَاة، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدَا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ
رَسُولُ اللَّهَ بَّرَ، قَالَ لِلأَعْرَابِيِّ: ((لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا))، يُرِيدُ رَحَمْهَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -).
رجال هذا الإسناد ستة:
١- (كثير بن عُبَيد) بن نُمَير المَذْحجي، أبو الحسن الحمصي الحذَّاء المقرئ، ثقة
[١٠] تقدم ٤٨٦/٥ .
٢- (محمد بن حَرْب) الخَوْلاني الحمصي الأبْرَش، ثقة (٩) تقدم ١٢٢/ ١٧٢ .
٣- (الزُّبَيدي) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهُذَيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت من
كبار أصحاب الزهري (٧) تقدم ٤٥/ ٥٦ .
٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الشهير [٤] تقدم ١/١.
٥- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١/١ .
٦- (أبو هريرة) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تقدم ١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف تَخّْلهُ، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال
الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه، وفيه رواية تابعي، عن
تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وأحد المكثرين السبعة. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (أن أبا هريرة) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قال: قام
رسول اللَّه ◌َ لّ إلى الصلاة، وقمنا معه، فقال أعرابي) - بفتح الهمزة -: واحدُ أعراب
- بالفتح أيضا - وهم أهل البدو من العرب، وهم أصحاب ارتياد الكلإ، سواء كانوا من
العرب، أو من مواليهم، فَمَنُ نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بطَعْنهم، فهم
أعراب، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن الْمُدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى
العرب فهم عَرَب، وإن لم يكونوا فُصَحاء. أفاده في ((المصباح)).

٢٤٥ -
٢٠- (الْكَلَمُ فِي الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١٢١٦
واسم الأعرابي المذكور قيل: ذو الخويصرة، وقيل الأقرع بن حابس، وقيل: عيينة
ابن حصن .
(وهو في الصلاة) جملة حالية من ((أعرابي)) (اللَّهم ارحمني) في محل نصب مقول
القول .
قال السندي: ليس هذا من كلام الناس، نعم هو دعاء بما لا يليق، فكأنه لهذا ذكره
ههنا. انتهى (ومحمدا) عطف على الضمير المنصوب، أي وارحم محمدا (ولا ترحم
معنا أحدا) أي لا تشرك في رحمتك لي وله أحدا غيرنا.
وفي رواية لأحمد - ج-٢ ص٥٠٣ - بإسناد صحيح عن أبي سلمة، عن أبي هريرة
رَمَّهِ: دخل الأعرابي المسجد، فقال: اللَّهُمَّ اغفر لي ولمحمد، ولا تغفر لأحد معنا،
فضحك رسول اللَّه وَ لّ، وقال: ((لقد احتظرتَ واسعا))، ثم وَلَّى حتى إذا كان في ناحية
المسجد، فَشَجَ يبول، فقام إليه رسول اللّه وَّل، فقال: ((إنما بُني هذا البيتُ لذكر الله،
والصلاة، وإنه لا يُبَالُ فيه))، ثم دعا بسَجْل من ماء، فأفرغه عليه، قال: يقول الأعرابي
بعد أن فقه: فقام النبي ◌ِّ إليّ، بأبي هو وأمي، فلم يسُبَّ، ولم يُؤنّب، ولم يضرب.
وفي رواية لابن ماجه من حديث واثلة بن الأسقع قال: اللَّهُمَّ ارحمني ومحمدا، ولا
تشرك في رحمتك معنا أحدا.
وقوله: ((فشَجَ))، يقال: فَشَجَ يفشج من باب ضرب: إذا فرّج بين رجليه ليبول.
وقوله: ((احتظرتَ)) : - بحاء مهملة وظاء معجمة -: أي اتخذت حظيرة لرحمة الله
الواسعة، والحَظيرة اسم لما يُخطّر به على الغنم وغيرها من الشجر، ليمنعها،
ويحفظها .
والمراد أنه جعل الرحمة الواسعة محجوزة فيه وفي محمد رُّ، مع أنها وسعت كل
شيء .
(فلما سلم رسول اللَّه ◌َ لّ قال الأعرابي) رواية المصنف هذه كرواية البخاري تقتضي
أن النبي و ◌َلقوله صلى بالناس، وقال ذلك الأعرابي ما قاله، وهو يصلي معه.
ولكن يخالف هذا ما يأتي للمصنف في الرواية التالية، وكذا ما في رواية أبي داود،
ولفظه: أن أعرابيا دخل المسجد، ورسول اللَّه ◌َلر جالس، فصلى ركعتين، ثم قال:
اللَّهُمَّ ارحمني ومحمدا .. الحديث.
فإنه ظاهر في كون الأعرابي صلى لنفسه، ودعاء، والنبي وَّر جالس.
ويمكن أن يجمع بينهما بحمل الواقعة على التعدد، واللّه - تَعَالَى - أعلم.
(لقد تحجرت واسعا) أي ضيّقت شيئا واسعا، وقال السندي: أي قصدت أن تضيق ما

٢٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
وسعه الله رحمته، أو اعتقدته ضيقا، لأن هذا الكلام نشأ من ذلك الاعتقاد. انتهى.
وأصل الْحَجْر: المنع، ومنه الحَجْر على السفيه، وهو منعه من التصرف في ماله،
وقبضُ يديه عنه. وذكره بصيغة التفَعُّل إشارة إلى أنه قد تكلف في تضييق ما وسعه الله -
تَعَالَى -، وعَمَّ كلَّ شيء، فقال - تَعَالَى -: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾
[الأعراف: ١٥٦]، فقصره عليه وعلى محمد وَل.
وفي رواية البخاري: ((لقد حجّرت واسعا)). قال في ((الفتح)): ((حجّرت)) - بمهملة،
ثم جيم ثقيلة، ثم راء -: أي ضيقت وزنا ومعنى، ورحمة الله واسعة، كما قال - تَعَالَى
-. واتفقت الروايات على أن ((حجّرت)) بالراء، لكن نقل ابن التين أنها في رواية أبي ذرّ
بالزاي، قال: وهما بمعنى.
قال ابن بطال: أنكر ◌َ ◌ّ على الأعرابي لكونه بخل برحمة الله على خلقه، وقد أثنى
الله - تَعَالَى - على من فعل خلاف ذلك، حيث قال: ﴿وَلَّذِينَ جَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. انتهى(١).
وزاد في رواية أبي داود من طريق ابن عيينة عن الزهري بعد قوله: ((لقد تحجّرت
واسعا»: ما لفظه: ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي
وَلّ، وقال: ((إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، صُبُّوا عليه سَجْلًا من ماء))، أو
قال: ((ذَنُوبا من ماء)) .
وتقدم للمصنف ٥٦/٤٥ - من طريق الأوزاعي، عن محمد بن الوليد بقصة البول
فقط .
وتقدم له من حديث أنس ◌َنَّه ٥٣/٤٥ ٥٤/٤٥ و ٥٥/٤٥ بقصة البول أيضا. والله -
تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا - ١٢١٦/٢٠ - وفي ((الكبرى)) - ١١٣٩/٥٥ - عن كثير بن عُبَيد، عن
محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عنه. وفي ٢٠/ ١٢١٧ -
و((الكبرى)) - ٥٥/ ١١٤٠ - عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن ابن
(١) ((فتح)" ج١٢ ص٥١ .

٢٤٧ ===
٢٠- (الكَلَمُ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢١٦
عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه. وفي - ٥٦/٤٥ - و - ٣٣٠/٢ -
و((الكبرى)) - ٥٤/٣٨ - عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن عمر بن عبد الواحد، عن
الأوزاعي، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة، عنه. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (خ) ١/ ٦٥ و١١/٨ عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي
سلمة به. و٣٧/٨ عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن ابن شهاب الزهري
عن عبيد الله بن عبد الله به.
(د) ٣٨٠- عن أحمد بن عمرو بن السرح، وابن عبدة في آخرين، كلهم عن سفيان
ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب به. و٨٨٢عن أحمد بن صالح، عن ابن
وهب، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة به .
(ت) ١٤٧ - عن ابن أبي عمر، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي كلاهما عن ابن
عيينة به .
وأخرجه (الحميدي) ٩٣٨ - (وأحمد) ٢٨٢/٢ و٢٨٣ و٢٣٩/٢ و ٥٠٣/٢ (وابن
خزيمة) رقم ٢٩٧ و٢٩٨ و٨٦٤. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف، وهو بيان حكم الكلام في الصلاة، وهو عدم بطلانها،
إذا كان جهلا .
فإن قلت: ما وجه الدلالة على الحكم المذكور من هذا الحديث؟.
قلت: وجهه أنه وَلهوأنكر على الأعرابي دعاءه المذكور، وهو، وإن كان دعاء، إلا
أنه لا يليق بالصلاة، حيث إنه دعاء غير مشروع، فأشبه كلام الناس الذي قال فيه النبي
وَ له: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس .. ))، كما سيأتي في الحديث
الثالث. ثم إنه وقَّير لم يأمره بالإعادة، كما أمر المسيء صلاته بالإعادة، حيث قال له:
((صل، فإنك لم تصل))، فدلّ على أن الكلام لا يبطل الصلاة إذا كان عن جهل، أو
نسيان. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
ومنها: ما كان عليه الأعراب من الْجَفَاء عن معرفة أحكام الشرع، كما أخبر الله -
تَعَالَى - عنهم بقوله: ﴿اَلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَانًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ
عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧].
ومنها: أن مثل هذا الدعاء غير مشروع، فلا يجوز لأحد أن يقول: اللَّهُمَّ ارحمني، ولا

٢٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
ترحم معي أحدا، فإنه تضييق لرحمة الله الواسعة التي قال الله - تَعَالَى - فيها: ﴿وَرَحْمَتِى
وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦].
بل يقول: ﴿رَبَّنَا أُغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]،
﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ الَِّلِينَ إِلَّا نَبَارًا﴾
[نوح: ٢٨]، ﴿رَبََّا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَبِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِلْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢١٧ - (أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
قَالَ: أَحْفَظُهُ مِنَ الزُّهْرَيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، عَنَ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أعْرَابِيًّا دَخَلَ
الْمَسْجَدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدَا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًّا، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله: «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا)) ).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري) البصري، صدوق، من صغار [١٠]
تقدم ٤٨/٤٢ .
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المشهور [٨] تقدم ١/١ .
٣- (سعيد) بن المسيب الإمام الفقيه الحجة الثبت من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩ .
والباقيان تقدما في السند الماضي، والحديث صحيح وقد سبق في الحديث الماضي
شرحه، وبيان متعلقاته من المسائل.
وقوله: ((قال: أحفظه من الزهري)»، أي قال ابن عيينة: أحفظ هذا الحديث من الزهري،
عن سعيد بن المسيب، وقد تابعه فيه سفيان بن حسين، إلا أنه ضعيف في الزهري.
وإنما قال سفيان ذلك لأن غيره من أصحاب الزهري، يخالفونه فيه فقدرووه عن
الزهري عن غير سعيد.
فقد رواه معمر، ويونس، وشعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن الوليد، أربعتهم عن
الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود - وعن الزهري، عن أبي سلمة -
كلاهما عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وقد تقدم تفاصيل ذلك في المسألة
الثانية، والثالثة من الحديث الذي قبل هذا.
ولكن المخالفة في مثل هذا لا تضرّ، لأن سفيان حافظ ثبت، فيحمل على أن الزهري
رواه عن سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد اللَّه، وأبي سلمة بن عبدالرحمن. والله -
تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٢٤٩
٢٠- (الْكَلَامُ فِي الصَّلاةِ) - حديث رقم ١٢١٨
١٢١٨- (أُخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْنِىَ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هَلَال بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ
ابْنُ يَسَارِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السَّلَمِنَّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا حَديثُ عَهْد
بِجَاهَلِيَّةٍ، فَجَاءَ اللَّه بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ رِجَالًا مِنَّا يَتَطَيّرُونَ؟، قَالَ: (ذَلَكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي
صُدُوَرِهَمْ، فَلَا يَصُدَّتُهُمْ))، وَرَّجَالٌ مِنَّا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ؟، قَالَ: ((فَلَا تَأْتُوهُمْ))، قَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ وَرِجَالٌ مِنَّا يَخُطُونَ؟، قَالَ: ((كَانَ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطُهُ فَذَاكَ)) .
قَالَّ: وَبَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولَ اللَّهِ نَّهَ فِي الصَّلَاةِ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ:
يَرَحْمُكَ اللَّهُ، فَحَدَّقَنِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاتُكْلَ أُمْيَاهُ، مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ،
قَالَ: فَضَرَبَ الْقَوْمُ بَأَيْدَيْهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأيْتُهُمْ يُسَكْتُونِي، لَكْنِي سَكَتُ، فَلَّمَّا
انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِّ دَعَانِي، بَأَبِي وَأُمِّي هُوَ مَا ضَرَبَنِي، وَلَا كَهَرَنِي، وَلَا سَبَّنِي، مَا
رَأَيْتُ مُعَلِّمَا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، قَالَ: ((إِنَّ صَلَاتَنَا هَذه لَا يَضْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ
مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ)».
ق ◌َالَ: ثُمَّ اطَّلَعْتُ إِلَى غُنَيْمَةِ لِي، تَرْعَاهَا جَارِيَةٌ لِي فِي قِبَل أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَةِ، وَإِنِّي الطَّلَعْتُ
فَوَجَدْتُ الذُّنْبِ قَدْ ذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، وَأَنَا رَجُلٌ مَنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، فَصَكَكْتُهَا
صَكَّةَ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّه ◌ِهِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَظّمَ ذَلَكَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه،
أَفَلَا أَعْتَقُهَا؟ قَالَ: ((ادْعُهَا))، فَقَالَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ: ((أيْنَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -؟))، قَالَتْ: فِي
السَّمَاء، قَالَ: ((فَمَنْ أَنَا؟))، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهُ بِِّ، قَالَ، ((إِنَّا مُؤْمِنَةٌ، فَأُعِثْقُهَا)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن منصور) بن بهرام الكَوْسَج، أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت
[١١] تقدم ٨٨/٧٢.
٢- (محمد بن يوسف) بن واقد بن عثمان الضَّبّيّ مولاهم الفرياني، نزيل قَيْسَارية من
الشام، ثقة فاضل، يقال: أخطأ في حديث سفيان، وهو مقدم فيه مع ذلك عندهم على
عبد الرزاق [٩] ت (٢١٢) تقدم ١٤ / ٤١٨ .
٣- (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة نبيل فقيه
[٧] ت (١٥٧) تقدم ٤٥ / ٥٦ .
٤- (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلّس
ويرسل [٥] ت (١٣٢) تقدم ٢٣ /٢٤ .
٥- (هلال بن أبي ميمونة) هو هلال بن علي بن أسامة، ويقال: هلال بن أبي هلال،
العامري المدني، وينسب إلى جدّه، فيقال: هلال ابن أسامة، ثقة [٥] تقدم ٥١/ ٦٥ .

٢٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
٦- (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب
مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ت (٩٤) وقيل: بعد ذلك، تقدم ٦٤/ ٨٠.
٧- (معاوية بن الحَكَمِ السُّلَمي) الصحابي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. روي عن النبي ێ،
وعنه ابنه كثير، وعطاء بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. قال أبو عمر بن عبد البرّ: كان
ينزل المدينة، ويسكن في بني سُلَيم، له عن النبي ◌َّ حديث في الكهانة، والطيرة، والخط،
وتشميت العاطس، وعتق الجارية، أحسنُ الناس له سياقةً يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي
ميمونة، عن عطاء بن يسار عنه، ومنهم من يقطّعه، فيجعله أحاديث.
قال الحافظ رحمه الله: وله حديث آخر من طريق ابنه كثير بن معاوية عنه. انتهى.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رَّتُهُ، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال
الجماعة، إلا شيخه فما أخرج له أبو داود، وإلا الصحابي، فما أخرج له الترمذي،
وابن ماجه، وأخرج ه البخاري في ((جزء القراءة))، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم
عن بعض، يحيى، وهلال، وعطاء، وفيه أن صحابيه رَّه من المقلين ليس له إلا
حديث الباب، وحديث آخر على ما تقدم عن الحافظ تَخّْتهُ والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن معاوية بن الحكم السُّلَمي) بضم السين، وفتح اللام: نسبة إلى بني سُلَيم (قال:
قلت: يا رسول الله أنا) وقع في النسخ المخطوطة ((إنّا)) بكسر همزة ((إنّ)) وإدغام نونها
في نون ((نا)) ضمير جماعة المتكلم، وهو خطأ؛ لأنه لا يطابق الخبر، وهو قوله: ((حديث
عهد)) بالإفراد، فالصواب كونه بصيغة ((أنا)) بفتح الهمزة ضميرا للمتكلم المفرد.
ولفظ مسلم ((إني حديث عهد))، ولفظ أبي داود: ((إنا قوم حديثو عهد بجاهلية))
وكلاهما واضحان.
فقوله: ((أنا)) مبتدأ، خبره قوله (حديثُ عهد بجاهلية) ذكر المجد في ((ق)) من معاني
((العهد)): المعرفة، والزمان. فالمعنى هنا: قريب الوقت من الأمور الجاهلية، أو قريب
المعرفة بها. وقال الفيومي: هو قريب العهد بكذا: أي قريب العلم والحال: انتهى.
و((الجاهلية)): قال النووي رحمه الله: قال العلماء: الجاهلية ما قبل ورود الشرع،
سموا جاهلية لكثرة جهالاتهم وفُخشهم. انتهى(١).
والمراد أنه أسلم قريبا، ولم يعرف أحكام الدين.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) ج٥ ص٢٢ .

٢٥١
٢٠- (الْكَلَامُ فِي الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١٢١٨
(فجاء اللَّه بالإسلام) قال السندي رحمه اللَّه: عطف على مقدر، أي كنا فيها، فجاء
اللَّه. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذا التقدير، فإن الكلام مستقيم، لا يحتاج
إلى تقدير شيء. والله - تَعَالَى - أعلم.
وإنما ذكر معاوية بن الحكم وظفيه هذا تمهيدا لأسئلته التالية (وإن رجالا منا يتطيّرون)
أي يتشاءمون بالطيور، يقال: تطيّر من الشيء، واطّر منه، والاسم الطّيَّرَة، وزان عنبة،
وهي التشاؤم، وكانت العرب إذا أرادت المضيّ لمهمّ مرّت بمَجَاثم الطير، وأثارتها،
لتستفيد هل تمضي، أو ترجع، فنهى الشرع عن ذلك. قاله في ((المصباح)).
وقال في ((النهاية)): ((الطيّرَة)) - بكسر الطاء، وفتح الياء، وقد تسكن -: التشاؤم
بالشيء، وهو مصدر تطير، يقال: تَطَيِّرَ طِيَرَةً، وتخيّر خيرة، ولم يجئ من المصادر
هكذا غيرهما.
وأصل التطيّر: التفاؤل بالطير، واستعمل لكلّ ما يُتفاءل به، ويُتَشاءم، وكانت العرب
تتطير بالطيور والظباء، فيستبشرون بالسَّوَانح، وهي أن يَمُرّ الطير والصيد من اليسار إلى
اليمين، ويتشاءمون بالبَوَارح، وهي مرور الطير والصيد من اليمين إلى اليسار، وكانت
ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، ويمنعهم من السير إلى مطالبهم، فنفاه الشرع، وأبطله،
ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع، أو دفع ضرر. انتهى بتصرف(١).
(قال) النبي ◌َّ جوابا على سؤاله هذا (ذاك) إشارة إلى التَّطَيُّر المفهوم من (يتطير))
(شيء يجدونه في صدورهم) أي ليس له أصل يُسْتَنَدُ إليه، ولا له برهان يُعْتَمَدُ عليه،
ولا هو في كتاب نازل من عند اللَّه - تَعَالَى -. وقيل: معناه أنه معفوّ، لأنه يوجد في
النفس بلا اختيار، نعم المشي على وفقه منهي عنه، فلذا قال (فلا يصدّنّهم) أي لا
يمنعنّهم عما هم فيه. قال السندي رحمه الله: ولا يخفى أن التفريع على هذا المعنى
يكون بعيدا. انتهى .
وقال النووي رحمه اللَّه: قال العلماء: معناه أن التطير شيء تجدونه في نفوسكم،
ضرورةً، ولا عَتْبَ عليكم في ذلك، فإنه غير مكتسب لكم، فلا تكليف به، ولكن لا
تمتنعوا بسببه عن التصرف في أموركم، فهذا هو الذي تقدرون عليه، وهو مكتسب
لكم، فيقع به التكليف، فنهاهم ◌َّ عن العمل بالطّيّرَة، والامتناع عن تصرفاتهم بسببها.
وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التطير، وهو محمول على العمل بها،
(١) ((النهاية في غريب الحديث)) ج٣ ص ١٥٢.

٢٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم. انتهى (١).
(ورجال منا) مبتدأ سوغه التفصيل، أو الوصف بالجار والمجرور، وخبره جملة قوله
(يأتون الكهان) - بضم الكاف، وتشديد الهاء - جمع كاهن. يقال: کَھَنَ له، كمَنَعَ،
ونَصَرَ، وكَرُمَ، كَهَانَةً بالفتح، وتكهّن تكهُّنَا: قَضَى له بالغيب، فهو كاهن، جمعه كَهَنَة،
وكُهّان، ككافر وكَفَرَة، وكُفَّار، وحرفته: الكهانة بالكسر. أفاده في ((ق)).
قال الخطابي رحمه الله: كان في العرب كَهَنَة يدّعون كثيرا من الأمور، فمنهم من
يزعم أن له رَئيًا من الجن، يُلقي إليه الأخبار. ومنهم من يدّعي استدراك ذلك بفهم
أعطيه. ومنهم من يُسَمَّى عرّافا، وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدمات أسباب،
يستدلّ بها لِمَعْرِفَةٍ من سرق الشيء الفلانيّ، ومعرفة من يتهم بالمرأة، ونحو ذلك،
ومنهم من يُسَمِّي المنجم كاهنا. قال: والحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء
کلهم، والرجوع إلى قولهم، وتصدیقھم فیما يدّعونه .انتهى.
(قال) وَله (فلا تأتوهم) فيه النهي عن إتيان الكهان، والنهي فيه للتحريم.
قال النووي رحمه اللَّه: قال العلماء: إنما نهي عن إتيان الكُهّان لأنهم قد يتكلمون في
مغيبات، قد يُصادف بعضُها الإصابةَ، فَيُخاف الفتنةُ على الإنسان بسبب ذلك، ولأنهم
يُلبسون على الناس كثيرا من أمر الشرائع. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن
إتيان الكُهَّانِ، وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يُعْطَون من الحُلْوَان، وهو حرام
بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة، منهم أبو محمد البغوي رحمهم
الله - تَعَالَى -: قال البغوي: اتفق أهل العلم على تحريم حُلْوان الكاهن، وهو ما أخذه
المتكهن على كهانته، لأن فعل الكهانة باطل لا يجوز أخذ الأجرة عليه.
وقال الماوردي رحمه الله - تَعَالَى - في «الأحكام السلطانية)): ويَمْنَعُ المحتسبُ
الناسَ من التكسب بالكهانة واللَّهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي.
وقال الخطابي رحمه الله - تَعَالَى -: حُلْوَان الكاهن ما يأخذه المتکهن علی کهانته،
وهو محرم، وفعله باطل، قال: وحُلْوَان العَرَّاف حرام أيضًا.
قال: والفرق بين العرّاف والكاهن أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكوائن في
المستقبل، ويدّعي الأسرار، والعَرّاف يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالّة،
(٢)
ونحوهما. انتهى٢ ١١.
(قال) معاوية بن الحكم رَمّه (يا رسول اللَّه ورجال منّا يخُطُّون) أي يستعملون خطًا
(١) ((شرح مسلم)) ٥ ص ٢٢- ٢٣ .
(٢) راجع ((شرح مسلم)) للنووي رحمه الله ج٥ص٢٣ .

٢٥٣
٢٠- (الكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢١٨
معروفا عندهم يدّعون به التوصل إلى معرفة النجاح والخيبة في قضاء الحاجة.
قال ابن منظور رحمه الله: والخط الكتابة ونحوها مما يُخَطّ، وروى أبو العباس عن
ابن الأعرابي أنه قال في الطَّرْق: قال ابن عباس رَّهَا: هو الخطّ الذي يخطّه الحازي -
يعني الكاهن - وهو علم قديم تركه الناس، قال: يأتي صاحبُ الحاجة إلى الحازي،
فيعطيه حُلْوَانا، فيقول له: اقعُد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ميل،
ثم يأتي إلى أرض رخوة، فيخط الأستاذ خطوطًا كثيرة بالعَجَلة؛ لئلا يَلْحَقها العَدَدُ، ثم
يرجع، فيمحو منها على مَهَل خطين خطين، فإن بقي من الخطوط خطان فهما علامة
قضاء الحاجة والنُّجْح، قال: والحازي يمحو، وغلامه يقول للتفاؤل: ابنَّيْ عيان،
أسْرعا البيان، قال ابن عباس رَوَّهَا: فإذا محا الحازي الخطوط، فبقي منها خط واحد،
فهي علامة الخيبة في قضاء الحاجة.
قال: وكانت العرب تسمي ذلك الخطّ الذي يبقى من خطوط الحازي الأسْحَمَ،
وكان هذا الْخَطُّ عندهم مشؤومًا .
وقال الحربي: الخط هو أن يخط ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهنّ بشَعير، أو نَوّى،
ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكهانة .
وقال ابن الأثير: الخط المشار إليه علم معروف، وللناس فيه تصانيف كثيرة، وهو
معمول به إلى الآن، ولهم فيه أوضاع، واصطلاح، وأسَام، ويستخرجون به الضمير
وغيره، وكثيرا ما يصيبون. انتهى كلام ابن منظور (١).
(قال) وَلّ (كان نبي من الأنبياء) قيل: المراد به إدريس، وقيل: دانيال (يخط) أي
يستعمل الخط معجزةً له (فمن وافق خطه) يحتمل الرفع، والمفعول محذوف، والنصبّ
والفاعل الضمير المستتر في ((وافق)) على حذف مضاف، أي من وافق من الناس خطُّه
خطّ ذلك النبي (فذاك) مبتدأ حذف خبره، واختلف في تقديره، فقيل: فذاك مباح،
وقيل: فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول: والجملة جواب الشرط.
وقال في ((المنهل)): قوله: ((فذاك))، أي فهو مصيب وعالم بمثل ذلك النبي، ولكن
لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، وامتنعت الموافقة لأن خطه كان معجزةً، ولأنه
كان يعرف بالفراسة بواسطة تلك الخطوط، فلا يُلْحَقُ به أحدٌ من غير الأنبياء في صفة
ذلك الخط لقوة فراسته، وكما علمه وورعه.
وقال النووي رحمه الله: اختلف العلماء في معناه، والصحيح أن معناه: من وافق
خطَّه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، والمقصود
(١) ((لسان العرب)) ج ٢ ص١١٩٨.

٢٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
أنه حرام، لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها.
وإنما قال النبي وَلّ: ((فمن وافق خطه فذاك))، ولم يقل: هو حرام بغير تعليق على
الموافقة لئلا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهُمْ أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخطّ، فحافظ
النبي بَّر على حرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا.
فالمعنى أن ذلك النبي لا منع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم
بها.
وقال القاضي عياض رحمه اللّه: المختار أن معناه أن من وافق خطه فذاك الذي
تجدون إصابته فيما يقول، لا أنه أباح ذلك لفاعله، قال: ويحتمل أن هذا منسوخ في
شرعنا .
فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن(١).
وقال الخطابي رحمه اللَّه في ((المعالم)) ج- ٢ ص٤٣٧: وقوله: ((فمن وافق خطه
فذاك)) يشبه أن يكون أراد به الزجر عنه، وترك التعاطي له، إذ كانوا لا يصادفون معنى
خط ذلك النبي، لأن خطه كان علمًا لنبوته، وقد انقطعت نبوته، فذهبت معالمها.
انتھی .
وقال في ((المنهل)) بعد نقل كلام الخطابي المذكور: ما نصه: ولذا قال المحرّمون
لعلم الرمل، وهم أكثر العلماء: لا يُستَدَلُّ بهذا الحديث على إباحته، لأنه علق الإذن فيه
على موافقة خط ذلك النبي، وموافقته غير معلومة، إذ لا تُعْلَمُ إلا من تواتر، أو نص منه
وَ الر، أو من أصحابه أن الأشكال التي لأهل علم الرمل كانت لذلك النبي، ولم يوجد
ذلك، فاتضح تحريمه. انتهى(٢).
(قال) معاوية رَّهِ (وبينا أنا مع رسول اللَّه ◌َله في الصلاة إذا عطس) من بابي
ضرب، ونصر (رجل من القوم) بالرفع على الفاعلية (فقلت: يرحمك الله) إنما قال له
ذلك لأنه وَ ير أمره به، ففي رواية أبي داود: قال: ((لما قدمت على رسول اللّه وَيه
عُلِّمت أمورًا من أمور الإسلام، فكان فيما عُلِّمت أن قيل لي: إذا عطس العاطس،
فحمد الله، فقل: يرحمك الله، قال: فبينما أنا قائم مع رسول اللّهُ وَّ في الصلاة، إذ
عَطَسَ رجل، فحمد الله، فقلت: يرحمك اللَّه، رافعًا بها صوتي .. )) الحديث.
(فحذّقني القوم بأبصارهم) من التحديق، وهو شدة النظر، يقال: حدّق إليه بالنظر
تحديقًا: شدد النظر إليه.
(١) ((المنهل العذب المورود)) ج-٦ ص ٣٢ - ٣٣ .
(٢) ((المنهل العذب المورود)) ج٦ ص ٣٣.

٢٥٥
٢٠- (الكَلَامُ فِي الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١٢١٨
والمعنى أنهم نظروا إليه نظرة منكرة حيث شَمَّتَ العاطسَ في الصلاة، وهو لا
يجوز .
(فقلت: واثكل أمياه) ((وا)) نُذْبة ونداء، والنِّدْبَةُ: نداء المتفَجَّع عليه، نحو وازيداه،
أو المتوجَّع منه، نحو وا ظهراهْ.
و((الثكل)) بضم المثلّثة، وسكون الكاف، وبفتحهما، لغتان، كالبُخْل، والبَخَل،
حكاهما الجوهري، وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها، يقال: ثكلته أمه - بكسر الكاف
- من باب تعب: فقدته، وأثكله اللَّه - تَعَالَى - أمَّهُ، وامرأة ثَكْلَى، وثاكل.
و(«ثكل)) مناد مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة.
و((أمياه)) - بضم الهمزة، وتشديد الميم - أصله أُمّي، وهو مضاف إليه (ثُكْل))،
ومضاف إلى ياء المتكلم المفتوحة، وزيدت الألف لمد الصوت، وأردفَ بهاء السكت
الساكنة، الثابتة في الوقف، المحذوفة في الوصل.
فكأنه قال: وافُقْدان أمي وَلَدَهَا - يعني نفسه -، وذلك لعلمه أنه فعل في الصلاة
فعلا منافيًا لها.
(ما لكم تنظرون إليّ) (ما)) استفهامية، أي أيُّ شيء ثبت لكم في نظركم إلي. وفي
رواية مسلم، وأبي داود ((ما شأنكم تنظورن إلي؟)).
(قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم) وفي رواية مسلم، وأبي داود: ((فجعلوا
يضربون بأيديهم على أفخاذهم)). وإنما فعلوا ذلك زيادة في الإنكار حتى يسكتَ.
قال القرطبي تَخّْثهُ: يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم قبل نهي النبي ◌ُّه عن التصفيق،
والأمر بالتسبيح. ويحتمل أن يقال: إنهم فهموا أن التصفيق المنهيّ عنه إنما هو ضرب
الكفّ على الكفّ، أو الأصابع على الكفّ، ويبعد أن يسمى مَنْ ضَرَب على فخذه، وعليها
ثوبه مصفّقًا، ولهذا قال: ((فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم)»، ولو كان يسمَّى تصفيقًا
لكان الأقرب في اللفظ أن يقول: يصفقون، لا غير. انتهى (١).
وقال النووي رحمه الله - تَعَالَى -. وفيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة،
وأنه لا يبطل الصلاةَ، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة. (فلما رأيتهم يسكْتوني) من
التسكيت، أو الإسكات.
وفي رواية مسلم: ((فلما رأيتهم يُصمّتونني)) (لكني سكت) استدراك على محذوف
جواب ((لمّا)) أي لمّا رأيتهم يسكتوني أردت أن أخاصمهم، لكني سكت عن ذلك.
وقال الشوكاني رحمه اللَّه في ((النيل)) ج- ٢ ص٣٧١ -: قال المنذري رحمه الله:
(١) ((المفهم)) ج- ٢ ص ١٣٨.

٢٥٦ :
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
يريد لم أتكلم، لكني سكت، وورود ((لكن)) هنا مشكل، لأنه لا بدّ أن يتقدمها كلام
مناقض لما بعدها، نحو ما هذا ساكنا، لكنه متحرك، أو ضد له، نحو ما هو أبيض،
لكنه أسود.
ويحتمل أن يكون التقدير هنا: فلما رأيتهم يسكتوني لم أكلمهم، لكني سكتّ،
فيكون الاستدراك لرفع ما توهم ثبوته، مثل ما زيد شجاعًا، لكنه كريم، لأن الشجاعة
والكرم لا يكادان يفترقان، فالاستدراك من توهم نفي كرمه.
ويحتمل أن تكون ((لكن)) هنا للتوكيد، نحو: لو جاءني أكرمته، لكنه لم يجئ،
فأكدت ((لكن)) ما أفادته ((لو)) من الامتناع، وكذا في الحديث أكّدت ((لكن)) ما أفاده
ضربهم من ترك الكلام. انتهى.
(فلما انصرف رسول اللّه وَّهُ) أي سَلَّمَ من صلاته (دعاني، بأبي وأمي هو) الجارّ
والمجرور متعلق بمحذوف خبر لـ((هو)) مقاما عليه، أي هو: مَفْديٍّ بأبي وأمي.
(ما ضربني) تأديبا على ما أسأت في صلاتي بقولي: يرحمك الله (ولا كهرني) من
باب منع، قال أبو عبيد: الكَهْر: الانتهار، وقيل: العُبُوس في وجه من يلقاه. انتهى.
وقرأ ابن مسعود رَّه ﴿فَمَّا الْمِّنِيَمَ فَلَ نَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩].
والمعنى أنه أي لم ينتهوني، ولا أغلظ لي في القول، ولا استقبلني بوجه عَبُوس على
ما فعلت من المخالفة في الصلاة.
(ولا سبني) أي لم يُعَيّرني على ما جنيت (ما رأيت معلّما قبله، ولا بعده أحسن)
بالنصب مفعول ثان ((رأيت))، إن كانت علمية، أو منصوب على الحال، إن كانت
بصرية، أي ما علمت، أو ما أبصرت قلبه وَّله، ولا بعده مُعَلِّمًا أحسن (تعليما) منصوب
على التمييز، أي من حيث التعليم (منه) أي من النبي وَّل.
(قال) وَله: (إن صلاتنا هذه) يعني مطلقَ الصلاة، فيشمل الفرائض والنوافل (لا
يصلح فيها شيءٍ) وفي رواية ((لا يحلّ)). و(يصلح)) - بضم اللام، وفتحها -، يقال:
صلَحَ الشيءُ صُلُوحًا، من باب قَّعَدَ، وصَلَاحًا أيضا، وصَلُحَ يصلُحُ - بضم اللام فيهما
- لغةٌ، وهو خلاف فسد، وصلَحَ يصلَح - بفتحتين - لغةٌ ثالثة. أفاده في ((المصباح)).
(من كلام الناس) بيان ((شيء))، أي ما يجري في مخاطباتهم ومحاوراتهم.
قال الشوكاني رحمه الله: و((كلام الناس)) اسم مصدر يراد به تارةًما يُتكلّم به، على
أنه مصدر بمعنى المفعول، وتارةً يراد به التكليم للغير، وهو الخطاب للناس، والظاهر
أن المراد به ههنا الثاني بشهادة السبب. انتهى (١).
(١) ((نيل الأوطار)) ج-٣ ص ٢١١.

٢٥٧
٢٠- (الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢١٨
وقال السيوطي ◌َخَّْثُ في ((شرحه)) ج-٣ص١٧ -: هذا من خصائص هذه الشريعة.
ذكر القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله أن شريعة بني إسرائيل كان يباح فيها الكلام
في الصلاة، دون الصوم، فجاءت شريعتنا بعكس ذلك.
وقال ابن بطال رحمه اللّه: إنما عيب على جُرَيج عدم إجابته لأمه، وهو في الصلاة،
لأن الكلام في الصلاة كان مباحًا في شرعهم، وفي شرعنا لا يجوز قطع الصلاة الإجابة
الأم، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. انتهى.
وقال النووي رحمه الله: وفي هذا الحديث النهي عن تشميت العاطس في الصلاة،
وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة، وتفسد به، إذا أتى به عالما عامدا.
قال أصحابنا - يعني الشافعية -: إن قال: يرحمه الله، أو اللَّهُمَّ ارحمه، أو رحم
الله فلانا لم تبطل صلاته، لأنه ليس بخطاب.
وأما العاطس فيستحب له أن يحمد الله - تَعَالَى - سرّا. هذا مذهبنا، وبه قال
مالك، وغيره، وعن ابن عمر، والنخعي ## أنه يجهر به، والأول أظهر، لأنه ذكر،
والسنة في الأذكار في الصلاة الإسرار، إلا ما استثني، من القراءة في بعضها، ونحوها.
انتهى ((شرح مسلم)) ج-٥ ص٢١ .
(إنما هو التسبيح، والتكبير، وتلاوة القرآن) ((هو ((ضمير يعود إلى الشيء الذي يصلح
في الصلاة، وهو مبتدأ خبره ((التسبيح)) الخ.
زاد في رواية مسلم، وأبي داود: ((أو كما قال رسول اللَّه ◌َلْ)). وهو شك من معاوية
ابن الحكم - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أو من أحد الرواة، أتى بها تحريا، واحتياطًا في
الألفاظ النبوية. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
قال النووي رحمه الله - تَعَالَى -: في هذا الحديث تحريم الكلام في الصلاة، سواء
كان لحاجة، أو غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة، أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه،
أو إذن لداخل، ونحوه سبّح، إن كان رجلا، وصفّقت إن كانت أمرأة، هذا مذهبنا،
ومذهب مالك، وأبي حنيفة رحمهم الله، والجمهور من السلف والخلف.
وقالت طائفة، منهم الأوزاعي: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة، لحديث ذي اليدين،
وسنوضحه في موضعه، إن شاء الله - تَعَالَى - .
وهذا في كلام العامد العالم، أما الناسي، فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عندنا، وبه
قال مالك، وأحمد، والجمهور.
وقال أبو حنيفة تَخْذَتْهُ، والكوفيون: تبطل.
دليلنا حديث ذي اليدين، فإن كثر كلام الناسي، ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا،
أصحهما تبطل صلاته، لأنه نادر.

٢٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام، فهو ككلام الناس، فلا تبطل الصلاة
بقليله، لحديث معاوية بن الحكم تظله هذا الذي نحن فيه، لأن النبي وَّ لم يأمره
بإعادة الصلاة، لكن علّمه تحريم الكلام فيما يستقبل.
قال الجامع عفا اللَّه تَعَالَى عنه: سيأتي البحث عن حكم الكلام في الصلاة مستوفى
في المسألة الخامسة، إن شاء الله - تَعَالَى -.
قال: وأما قوله ◌َثير: ((إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن))، فمعناه هذا
ونحوُهُ، فإن التشهد، والدعاء، والتسليم من الصلاة، وغير ذلك من الأذكار مشروع
فيها، فمعناه: لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، ومخاطباتهم، وإنما هي التسبيح،
وما في معناه من الذكر، والدعاء، وأشباههما، مما ورد به الشرع. انتهى ((شرح مسلم))
ببعض تصرف ج-٥ ص٢١ .
وقال الشوكاني رحمه الله: قوله: ((إنما هو التسبيح الخ)) هذا الحصر يدلّ بمفهومه
على منع التكلم في الصلاة بغير الثلاثة.
وقد تمسكت به الطائفة القائلة بمنع الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن، من الحنفية
والهادوية .
ويجاب عنهم بأن الأحاديث المثبتة لأدعية وأذكار مخصوصة في الصلاة مُخَصِّصَةٌ
لعموم هذا المفهوم، وبناءُ العامَ على الخاصّ متعين، لا سيما بعد ما تقرّر أن تحريم
الكلام كان بمكة(١)، كما قدّمنا، وأكثر الأدعية والأذكار في الصلاة كانت بالمدينة، وقد
خَصَّصوا هذا المفهوم بالتشهد، فما وجه امتناعهم من التخصيص بغيره، وهذا واضح،
لا يلتبس على من له أدنى نظر في العلم، ولكن المتعصب أعمى، وكم من حديث
صحيح، وسنة صريحة قد نصبوا هذا المفهوم العامّ في مقابلتها، وجعلوه معارضا لها،
وردّوها به، وغفلوا عن بطلان معارضة العامّ بالخاصّ، وعن رُجْحان المنطوق على
المفهوم، إن سُلْمَ التعارُضُ. انتهى كلام الشوكاني رحمه اللَّه - تَعَالَى(٢) -، وهو كلام
حسن جدًا.
وقال النووي رحمه اللّه: وفيه دليل على أن من حلف لا يتكلم، فسبح، أو كبر، أو
قرأ القرآن لا يحنث، وهذا هو الصحيح في مذهبنا.
قال: وفيه دلالة لِمَذْهَبِ الشافعي رحمه اللَّه - تَعَالَى - والجمهور أن تكبيرة الإحرام
فرض من فروض الصلاة، وجزء منها.
(١) الراجح أن نسخ الكلام كان بالمدينة، لا بمكة، كما سيأتي في الكلا على حديث زيد بن أرقم -
رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُ بعد هذا الحديث، إن شاء اللَّه تَعَالَى .
(٢) «نيل الأوطار)) ج-٣ ص ٢١١.

٢٥٩
٢٠- (الْكَلَامُ فِي الصَّلاةِ) - حديث رقم ١٢١٨
وقال أبو حنيفة رحمه الله: ليست منها، بل هي شرط خارج عنها، مُتَقَّدِّم عليها .
انتهى ((شرح مسلم)) ج-٥ص٢١ .
(قال) معاوية بن الحكم رَّ (ثم اطلعت) - بتشديد الطاء - يقال: طَلَع فلان
علينا، كمنع، ونصر: أتانا، كاطّلَع، قاله في ((ق)). أي أتيت (إلى غُنَيمةٍ لي) تصغير
غَنَم. قال الفيّومي رحمه الله: و((الغَنَمُ)): اسم جنس، يطلق على الضأن والمعز، وقد
تُجمَع على أغنام، على معنى قُطْعَانَات من الغَنَمِ، ولا واحد للغنم من لفظها، قاله ابن
الأنباري .
وقال الأزهري أيضا: الغَنَمِ: الشاءُ، الواحدة شاة، وتقول العرب: راح على فلان
غَنَمَانِ، أي قَطِيعان من الغنم، كلّ قَطِيع منفرد بمرعَى وراع. وقال الجوريّ: الغنم اسم
مؤنث موضوع لجنس الشاء، يقع علي الذكور والإناث، وعليهما، ويُصَغَّر، فتدخل
الهاء، فيقال: غُنَيمة، لأن أسماء الجُمُوع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير
الآدميين، وصُغّرَت، فالتأنيث لازم لها. انتهى.
(ترعاها جارية لي) أي تحفظ تلك الغُنَيمَة أمة لي، وسميت الأمةُ جاريةً تشبيها لها
بالسفينة الجارية في البحر، لجريها مُسَخَّرَةً في أشغال مواليها، والأصل فيها الشَّابَّةُ
لخفتها، ثم توسعوا حتى سمَّوْا كُلَّ أمة جاريةً، وإن كانت عجوزا، لا تقدر على
السعي، تسمية بما كانت عليه، وجمعها جَوَارِي. أفاده في ((المصباح)) .
(في قِبَلِ أَحُدٍ) - بكسر القاف، وفتح الموحّدة - أي في جهة أُحُد، وهو - بضمتين
- جبل بقرب مدينة النبي ◌ُّر من جهة الشام، وكان به الوَقْعَة المشهورة في أوائل شوّال
سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة،
فيمنع، وليس بالقويّ. أفاده الفيومي.
(والجَوّانيّة) - بفتح الجيم، وتشديد الواو، وبعد الألف نون مكسورة، ثم ياء
مشدودة - قال النووي رحمه اللّه: هكذا ضبطناه، وكذا ذكر أبو عُبيد البكري،
والمحققون، وحكى القاضي عياض عن بعضهم تخفيف الياء والمختار التشديد.
و(الجَوّانيّة)»: موضع بقرب أَحُد في مالي المدينة. وأما قول القاضي عياض: إنها
من عَمَل الفُرْع، فليس بمقبول، لأن الفُرْعِ - بضم، فسكون -: بين مكة والمدينة بعيد
من المدينة، وأَحُدٌ في شام المدينة(١)، وقد قال في الحديث: ((في قبل أحد
والجَوَّانيّة))، فكيف يكون عند الفُرْع.
قال: وفيه دليل على جواز استخدام السيد جاريته في الرَّغي، وإن كانت تنفرد في
(١) هكذا نسخة شرح النووي، في ((شام)) ولعله في ((شمالي)) كما سبق آنفًا. والله أعلم.

٢٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
المَرْعَى، وإنما حرّم الشرع مسافرة المرأة وحدها، لأن السفر مظنة الطمع فيها، وانقطاع
ناصرها، والذّابّ عنها، ويُعْدها منه، بخلاف الراعية، ومع هذا فإن خيف مفسدة من
رعيها لريبة فيها، أو لفساد من يكون في الناحية التي ترعى فيها، أو نحو ذلك لم
يسترعها، ولم تمكن الحرّة ولا الأمة من الرعي حينئذ، لأنه يصير في معنى السفر الذي
حرّمه الشرع على المرأة، فإن كان معها محرم، أو نحوه ممن تأمن معه على نفسها، فلا
يمنع، كما لا يمنع من المسافرة في هذا الحال. واللَّه - تَعَالَى - أعلم. انتهى ((شرح
مسلم)) ج-٥/ ٢٣-٣٤ .
(وإني اطّلعت) - بشديد الطاء - من الاطلاع، يقال: اطلعت على الشيء، إذا
أشرفت عليه، وعلمته. أي أشرفت على تلك الغُنَيمة (فوجدت الذئب) - بكسر،
فسكون -: كلب البرّ والجمع أذُؤُب في القليل، وذِئَابٌ وذُؤْبَان، والأنثى ذئبة بالكسر،
يُّهُمَز، ولا يهمز، وأصله الهمز. أفاده في ((اللسان)). وفي ((المصباح)): ((الذئب)): يُمز،
ولا يهمز، ويقع على الذكر والأنثى، وربما دخلت الهاء في الأنثى، فقيل: ذئبة، وجمع
القليل أذؤب، مثل أفْلُس، وجمع الكثير ذئاب، وذُؤبان، ويجوز التخفيف، فيقال:
ذياب بالياء لوجود الكسرة. انتهى.
· (قد ذهب منها بشاة) وفي رواية مسلم: ((فاطّلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب
بشاة من غنمها)) (وأنا رجل من بني آدم آسف) بمدّ الهمزة، وفتح السين، أي أغضب،
يقال: أَسِفَ آسفًا، من باب تعب: حَزِنَ وتَلَهْف، فهو أسف، مثل تعب، وأسفَ مثل
غضب وزنا ومعنى، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: آسفته. قاله في ((المصباح)).
(كما يأسفون) أي كما يغضب بنو آدم إذا أصيب مالهم (فصككتها صكّة) أي لطمتها
لطمةً. يقال: صَكّة صكّا: إذا ضرب قفاه ووجهه بيده مبسوطة.
(ثم انصرفت إلى رسول اللَّه وَّر، فأخبرته) أي ما فعله بالجارية (فعظّم) من التعظيم
(ذلك عليّ) أي جعل ما فعلته بها فعلا عظيما منكرا (فقلت: يا رسول اللَّه أفلا أعتقها؟)
بهمزة الاستفهام، وهذا العتق لأجل كفارة عليه، من نذر ونحوه، كما بينه مالك في
(الموطا))، ولفظه: ((وعليّ رقبة أَفَأُعْتِقُهَا)).
ويحتمل أن يكون كفارة عن جنايته عليها بالصكّ، فكأنه لمّا عظّم رسول اللّه وَّ
ذلك عليه أراد أن يكفّره بِعِثْقِ رقبة، فسأل، هل تكفي تلك الجارية عن كفّارته؟.
(قال) وَيّر (ادعها) وفي رواية مسلم: ((قال: ائتني بها، فأتيته بها)). وإنما أمره وَله
بالإتيان بها، ليتبين كونها مؤمنةً يُعتقها صاحبها عن الرقبة التي عليه.
(فقال رسول اللَّه وَ له) عطف على مقدر، كما بينته رواية مسلم المذكورة، أي دعوتها
له وََّ، فأتت، فقال لها (أين اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -؟، قالت: في السماء) قال النووي