النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١ =
١١- (بَأَبُ الرُّخْصَةِ في الالتْفَاتِ فِي ... - حديث رقم ١٢٠٠
والجملة حالية، أي والحال أن الملوك قاعدون (فلا تفعلوا) حذف مفعوله لدلالة السياق
عليه، أي لا تفعلوا فعلهم.
قال السندي رحمه الله - تَعَالَى -: يريد أن القيام مع قعود الإمام يشبه تعظيم الإمام
فيما شُرع لتعظيم اللَّه وحده، فلا يجوز، ولا يخفى دوام هذه العلة، فينبغي أن يدوم
هذا الحكم، فالقول بنسخه، كما عليه الجمهور خفيّ جدًا. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: تقدم ترجيح القول بعدم النسخ، وأن القيام جائز، وإن كان
الأولى القعود، للأمر به. واللّه - تَعَالَى - أعلم.
(ائمتموا بأتمتكم) أي اقتدوابهم فيما يفعلون، ثم بين بعض ما يأتمون به، بقوله (إن
صلى) أي الإمام (قائمًا، فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدا، فصلوا قعودا) فيه جواز الصلاة
قاعدا بلا مرض، خلف من يصلي قاعدا لمرض، وقد تقدم اختلاف أهل العلم في هذه
المسألة، وترجيح القول بالجواز، في ((باب الائتمام بالإمام يصلي قاعدا)) - ٨٣٢/٤٠
و٨٣٤ - فراجعه تستفد: والله - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ١١/ ١٢٠٠ - وفي ((الكبرى)) - ١١٢٣/٤٧ - عن قتيبة، عن الليث،
عن أبي الزبير، عنه. وفي ٧٩٨/١٧ - وفي ((الكبرى)) - ١٧/ ٨٧٣ - عن عبيد الله بن
فضالة بن إبراهيم، عن يحيى بن يحيى، عن حميد بن عبدالرحمن الرؤاسي، عن أبيه،
عن أبي الزبير به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (م) ١٩/٢ - عن قتيبة - (ح) وعن محمد بن رمح - كلاهما عن الليث به.
و١٩/٢ - عن عبيدالله بن فضالة به.
د - ٦٠٦ - عن قتيبة، ويزيد بن خالد بن موهب، كلاهما عن الليث به. (ق)
١٢٤٠- عن محمد بن رمح المصري، به.
وأخرجه (أحمد) ٣٣٤/٣. والبخاري في (الأدب المفرد) رقم ٩٤٨ - (وابن
خزيمة) ٤٨٦ و٨٧٣ و٨٨٦. والله - تَعَالَى - أعلم.

٢٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
وفوائد الحديث، واختلاف العلماء فيه تقدم الكلام فيها مستوفى في ٤٠/ ٨٣٢
و٨٣٤ . فَلْتُرَاجَعْ هناك، وباللَّه - تَعَالَى - التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٢٠١ - (أخبَرَنَا أَبُو عَمَّار الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْث، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ
عَبْدِاللَّه بْنِ أبي هند، عن ثَوْرِ بْن زَيْد، عَنْ عَكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه
وَِّ، يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ يَمينَا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظُّهْرِهِ) .
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (أبو عَمّار الحسين بن حريث) الخُزَاعي مولاهم المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٤/
٥٢ .
٢- (الفضل بن موسى) السِّنَاني، أبو عبدالله المروزي، ثقة ثبت، وربما أغرب، من
كبار [٩] تقدم ١٠٠/٨٣.
٣- (عبدالله بن سعيد بن أبي هند) الفزاري مولاهم، أبو بكر المدني، صدوق ربما
وهم [٦] تقدم ٢٨/ ٥٥٠ .
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ ((المجتبى)) ((عن عبدالله بن سعيد بن أبي هند))، وهو
الصواب، وأما ما وقع في كثير من النسخ ((عن عبدالله بن سعيد، عن أبي هند))،
فخطأ، ووقع في ((الكبرى)) عن عبدالله بن سعيد))، مختصرًا، وهو أيضًا صحيح. فتنبه.
وباللَّه - تَعَالَى - التوفيق.
٤- (ثور بن زيد) الدِّيليّ - بالكسر - مولاهم، المدني، ثقة [٦].
روى عن سالم بن أبي الغيث، وعكرمة، وأبي الزناد، وغيرهم. وعنه مالك،
وعبدالله بن سعيد بن أبي هند، وسليمان بن بلال، وغيرهم.
قال أحمد، وأبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي:
ثقة. وقال ابن عبدالبرّ: مات سنة (١٣٥) لا يختلفون في ذلك، قال: وهو صدوق،
ولم يتهمه أحد بكذب، وكان ينسب إلى رأي الخوارج، والقول بالقدر، ولم يكن يدعو
إلى شيء من ذلك. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الآجري: سئل أبو داود عنه؟
فقال: هو نحو شريك، يعني ابن أبي نمر.
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في ((الميزان)): اتهمه ابن البَرْقي بالقدر، ولعله شُبُّهَ
عليه بثور بن يزيد: انتهى. والبرقي لم يتهمه، بل حكى في ((الطبقات)) أن مالكا سئل
كيف رويت عن داود بن الحصين، وثور بن زيد، وذكر غيرهما، وكانوا يُرمون بالقدر؟
فقال: كانوا لأن يخرُّوا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا كذبة. وقد

١١- (بَابُ الرُّخْصَةِ في الالتْفَاتِ فِي ... - حديث رقم ١٢٠١
٢٠٣ =
ذكر المزي أن مالكا روى أيضًا عن ثور بن يزيد الشامي، فلعله الذي سئل عنه. وذكره
ابن المديني في الطبقة التاسعة من الرواة عن نافع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث.
٥- (عكرمة) مولى ابن عباس، بربري الأصل، ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت
تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة [٣] تقدم ٣٢٥/٢ .
٦ - (ابن عباس) عبداللَّه الحبر البحر رَغِيّا، تقدم ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله - تَعَالَى -، وأن رجاله كلهم ثقات،
ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وأنه مسلسل بالمدنيين، إلا
شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان، وفيه ابن عباس رَؤيتها أحد المكثرين السبعة، وأحد
العبادلة الأربعة. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، أنه قال: كان رسول اللَّه ◌َ لّه يلتفت
في صلاته) ولفظ ((الكبرى)) من رواية إسحاق بن إبراهيم، عن الفضل بن موسى: ((كان
رسول اللَّه وَلّ يلحظ في صلاته يمينًا شمالًا)). و((يلحظ)) بفتح الحاء المهملة والظاء
المعجمة: أي ينظر بِمُؤْخِرٍ عينه عن يمينه ويساره، وهو أشد التفاتًا من الشَّزْر. واللحاظُ
- بالكسر -: هو مُؤْخِرُ العين مما يلي الصدغ. وقال الجوهري: بالفتح. قاله في
((المصباح)).
فتبين بهذه الرواية أن المراد بالالتفات هو النظر بمُؤْخِرِ العين يمينًا وشمالًا، لا
الالتفات بتحويل الوجه عن القبلة، ويؤيد هذا قوله: ((ولا يلوي عنقه)).
(يمينًاوشمالًا)) أي تارة إلى جهة اليمين، وتارة إلى جهة الشمال.
(ولا يلوي) من باب رمى: أي لا يُميل، يقال: لوى رأسه، وبرأسه: أماله (عنقه)
بالنصب مفعول «یلوي)) .
قال الفيومي رحمه الله: ((العنق)): الرَّقَبَة، وهو مذكر، وفي الحجازِ يُؤَنَّثُ، فيقال:
هي العنق، والنون مضمومة للإتباع في لغة الحجاز، وساكنة في لغة تميم، والجمع
أعناق. انتھی.
(خلف ظهره) ظرف متعلق بـ((يلوي))، أي إلى جهة ظهره.

٢٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
والمعنى أنه ◌ّليو كان يلحظ في صلاته يمينًا وشمالًا، ولكن لا يحوّل عنقه عن القبلة
بحيث يستدبرها .
قيل: لعل هذ الالتفات كان منه في التطوع، فإنه أسهل. وقيل: التفاته مرة، أو مرارا
قليلة لبيان أنه غير مبطل، أو كان لشيء ضروري(١). والله - تَعَالَى - أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رَّ هذا صحيح.
[فإن قيل]: قد خالف وكيعٌ الفضلَ بنَ موسى، فأرسله كما يأتي في رواية أبي داود،
والترمذي، وقال أبو داود: هذا أصح، فكيف يصحّ؟
قلت: الفضل بن موسى ثقة حافظ، فلا يضرّه مخالفة وكيع له بالإرسال، فتقدم
روايته لأنها من ثقة حافظ. فتبصر. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ١١/ ١٢٠١ - وفي ((الكبرى)) - ١١٢٤/٤٧ - عن الحسين بن حريث،
عن الفضل بن موسى، عن عبدالله بن سعيد بن أبي هند، عن ثور بن زيد، عن عكرمة،
عنهز وفي ((الكبرى)) - ٥٢٩/٩٢ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن الفضل بن موسى به.
والله أعلم ..
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (د) عن أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، عن الفضل بن موسى به. وعن
هناد، عن وكيع، عن عبدالله بن سعيد، عن رجل، عن عكرمة، عن النبي وَّ. قال
أبو داود: وهذا أصح.
قال الحافظ المزي رحمه اللّه - تَعَالَى -: وحديث أبي داود في رواية أبي الطيب بن
الأشنائي. انتهى.
(ت) - ٥٨٧ عن محمود بن غيلان، وغير واحد، عن الفضل به. و٥٨٨ - عن
محمود بن غيلان، عن وكيع، عن عبدالله بن سعيد، عن رجل من أصحاب عكرمة:
((كان رسول اللّه ◌َ ل يلحظ في صلاته من غير أن يلوي عنقه)).
وأخرجه (أحمد) ٢٧٥/١. (وابن خزيمة) ٤٨٥ و ٨٧١. والله - تَعَالَى - أعلم
(١) انظر ((تحفة الأحوذي)) ج ٣ ص ١٩٥ - ١٩٦.

٢٠٥
١٢ - (بَابُ قَتَلِ الْحَيَّةِ وَالْعُقْرَب فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢٠٢
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٢ - (بَابُ(١) قَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَب
فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الحية)): الأفعى، تذكّر وتؤنث، فيقال: هو الحية،
وهي الحية .
و((العقرب)): بفتح، فسكون، ففتح: تطلق على الذكر والأنثى، فإذا أريد تأكيد
التذكير قيل: عُقْرُبان - بضم العين والراء - وقيل: يقال: إلا عقرب للذكر والأنثى،
والغالب عليها التأنيث، ويقال للذكر: عقربان، وربما قيل: عَقْرَبة بالهاء، قال الشاعر:
كَأنَّ مَرْعَى أمْكُمْ إِذْ غَدَتْ عَقْرَبَةٌ يَكُومُهَا عُقْرُبَانُ
فجمع بين اسم الذكر الخاص، وأنث المؤنثة بالهاء. قاله الفيومي. والله تعالى أعلم
بالصواب .
١٢٠٢- (أُخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ بْنُ سَعِيد، عَنْ سُفْيَانَ، وَيَزَيدَ، وَهُوَ ابْنُ زُرَيعٍ، عَنْ مَعْمَرٍ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثير، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ (٢)، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّه
وَلَّهُ بِقَتْلِ الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب الماضي.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الثبت [٨] تقدم ١/١.
٣- (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٥/٥.
٤ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل [٧] تقدم ١٠ / ١٠.
٥- (يحيى بن أبي كثير) أبو نصر اليمامي، ثقة يدلس ويرسل [٥] تقدم ٢٤/٢٣ .
(١) سقط من بعض النسخ لفظ ((باب)).
(٢) وفي بعض النسخ ((هو ابن جوس)).

٢٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
٦- (ضمضم بن جَوْس) - بفتح الجيم، وسكون الواو، ثم مهملة - ويقال: ابن
الحارث بن جوس الهفّاني اليمامي، ثقة [٣].
روى عن أبي هريرة، وعبدالله بن حنظلة، الأنصاري. وعنه يحبى بن أبي كثير،
وعكرمة بن عمار. قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين، والعجلي: ثقة. وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ومن قال: ضمضم بن جوس، فقد نسبه إلى جده،
وكذا قال ابن أبي خيثمة، عن القواريري: جوس جده، واسم أبيه الحارث. وذكره ابن
سعد في فقهاء أهل اليمامة .
أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث.
٧- (أبو هريرة) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تقدم ١/١ . واللّه - تَعَالَى - أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله - تَعَالَى -، وأن رجاله كلهم ثقات،
ومن رجال الجماعة، إلا ضمضما، فمن رجال الأربعة، وفيه ضمضم من المقلين روى
له أبو داود - رقم ٩٢١ -، والترمذي - ٣٩٠ ت والمصنف - ١٢٠٢/١٢ -، وابن
ماجه - رقم ١٢٤٥ - حديث الباب، وله عند أبي داود، - رقم ١٠١٦ - والمصنف
٧٦/ ١٣٣٠ - حديث في سجود السهو.
وله حديث آخر عند أبي داود رقم ٤٩٠١ - حديث طويل ((كان رجلان من بني
إسرائيل متآخيين، كان أحدهما مجتهدا، والآخر مذنبًا ... )) الحديث. هذا جميع ما له
عندهم.
وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة حديثًا. واللَّه - تَعَالَى -
أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: أمر رسول اللَّه وَلَه بقتل
الأسودين) ولفظ أبي داود: ((اقتلوا الأسودين في الصلاة، الحية والعقرب)). وقوله:
(الحية والعقرب)) بيان للأسودين. وتسميتهما بالأسودين من باب التغليب، لأن المسمى
بالأسود في الأصل هي الحية. وقال السندي رحمه الله: وإطلاق الأسودين إما لتغليب
الحية على العقرب، أو لأن عقرب المدينة يميل إلى السواد. انتهى.
(في الصلاة) متعلق ب-))قتل)). وفيه جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة، وإن أدى
إلى عمل كثير.

١٢- (بَأَبُ قَتَلُ الْحَيَةِ وَالْعَقْرَب فِي الصَّلَاةِ)- حديث رقم ١٢٠٢
٢٠٧ ====
وقال السندي رحمه الله: وأخذ كثير من الرخصة في القتل أن القتل لا يفسد
الصلاة، لكن قد يقال: يكفي في الرخصة انتفاء الإثم في إفساد الصلاة، وأما بقاء
الصلاة بعد هذا الفعل، فلا يدل عليه الرخصة، فتأمل. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في كلام السندي هذا نظر لا يخفى، فما قاله الكثير
من أن الصلاة لا تفسد هو الصواب، وهو قول جمهور أهل العلم، وسيأتي تحقيق
الخلاف في ذلك في المسألة الخامسة، إن شاء اللَّه - تَعَالَى -.
(ثم اعلم): أن أن الأمر بقتل الحية والعقرب مطلق غير مقيد بضربة، أو ضربتين،
وقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة رضيثه، قال: قال رسول اللَّه وَلَّ: ((كفاك الحيةَ
ضربةٌ بالسوط، أصابتها، أم أخطأتها)). وهذا يوهم التقييد بالضربة. قال البيهقي:
وهذا، وإن صح، فإنما أراد - والله أعلم - وقوع الكفاية بها في الإتيان بالمأمور، فقد
أمر النبي وَجيه بقتلها، وأراد - والله أعلم - إذا امتنعت بنفسها عند الخطإ، ولم يرد به
المنع من الزيادة على ضربة واحدة.
ثم استدل البيهقي على ذلك بحديث أبي هريرة رَظه عند مسلم: ((من قتل وزغة في
أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة أدنى من
الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة أدنى من الثانية)). انتهى (١).
وقال في ((شرح السنة)): وفي معنى الحية والعقرب كل ضرّار مباح القتل، كالزنابير
ونحوه. انتهى (٢) واللَّه - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث :
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ١٢/ ١٢٠٢ - وفي ((الكبرى)) - ١١٢٥/٤٨ عن قتيبة بن سعيد، عن
ابن عيينة، ويزيد بن زريع، كلاهما عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم بن
جَوْس، عنه. وفي - ١٢٠٣ - و((الكبرى)) - ١١٢٦ - عن محمد بن رافع، عن سليمان
ابن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن معمر به. والله - تَعَالَى - أعلم.
(١) ((السنن الكبرى)) للبيهقي ج٢ ص ٢٦٦ - ٢٦٧٠
(٢) ج٣ ص ٢٦٧ - ٢٦٨ .

٢٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) - رقم ٩٢١ - عن مسلم بن إبراهيم، عن علي بن المبارك، عن يحيى
ابن أبي كثير به. (ت) - ٣٨٨ - عن علي بن حجر، عن إسماعيل ابن علية، عن علي
ابن المبارك به. وقال: حسن صحيح. (ق) - ١٢٤٥ - عن أبي بكر بن أبي شيبة،
ومحمد بن الصباح، كلاهما عن سفيان به. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائدة :
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله - تَعَالَى -، وهو جواز قتل الحية والعقرب في
الصلاة من غير كراهة، ولو كان بضربات، ويجوز في غيرها بالطريق الأولى.
ومنها: جواز العمل في الصلاة إذا دعت الضرورة إليه.
ومنها: مشروعية دفع الضرر عن النفس، ولو في حال الصلاة.
واللَّه - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في قتل الحية والعقرب في الصلاة:
قال الإمام الترمذي رحمه اللَّه - تَعَالَى -: بعد أن أخرج حديث الباب: ما نصه:
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي وَّر وغيرهم، وبه يقول
أحمد، وإسحاق. وكره بعض أهل العلم قتل الحية والعقرب في الصلاة، قال إبراهيم:
إن في الصلاة لشغلا، والقول الأول أصح. انتهى(١).
وقال أبو بكر ابن المنذر رحمه الله: قتل الحية والعقرب في الصلاة مباح، وبه يقول
عوام أهل العلم، رأى ابن عمر تَّهتما ريشة، وهو يصلي، فحسب أنها عقرب، فضربها
بنعله .
وممن رخص في قتل العقرب في الصلاة: الحسن البصري، ورخص في قتل الحية
والعقرب في الصلاة: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والنعمان، وأصحابه.
وكره قتل العقرب في الصلاة النخعي، ولا معنى لقوله، مع أمر رسول اللَّه وَلـ
بقتله، ثم هو بنفسه قول شاذّ لا نعلم أحدا قال به. انتهى(٢).
وقال العلامة الشوكاني رحمه اللَّه في شرح حديث الباب: ما نصه: والحديث يدلّ
على قتل الحية والعقرب في الصلاة من غير كراهية.
وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، كما قال العراقي، وحكى الترمذي عن جماعة
كراهة ذلك، ومنهم إبراهيم النخعي، وكذا رَوَى ذلك عن إبراهيم بن أبي شيبة في
(١) ((جامع الترمذي)) ج٢ ص ٤٠٢ بنسخة ((تحفة الأحوذي)).
(٢) ((الأوسط)) ج٣ ص ٢٧٠ - ٢٧١ .

١٢- (بَابُ قَتَلُ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَب فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢٠٣
٢٠٩ =
((المصنف))، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن قتادة أنه قال: إذا لم تتعرض لك فلا تقتلها .
قال العراقي: وأما من قتلها في الصلاة، أو هَمَّ بقتلها، فعليّ بن أبي طالب، وابن عمر،
وروى ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح أنه رأى ريشة، وهو يصلي، فحسب أنها عقرب،
فضربها بنعله. ورواه البهقي أيضًا، وقال: فضربها برجله، وقال: حسبت أنها عقرب.
ومن التابعين الحسن البصري: وأبو العالية، وعطاء، ومورّق العجلي، وغيرهم
انتھی .
واستدلّ المانعون من ذلك إذا بلغ إلى حد الفعل الكثير، كالهادوية، والكارهون له،
كالنخعي، بحديث ((إن في الصلاة لشغلا))، وبحديث ((اسكنوا في الصلاة)).
ويجاب عن ذلك بأن حديث الباب خاص، فلا يعارض ما ذكروه، وهكذا يقال في كل
فعل كثير ورد الإذن به، كحديث حمله ◌َ لّ لأمامة، وحديث خلعه للنعل، وحديث صلاته
وَلّر على المنبر، ونزوله للسجود، ورجوعه بعد ذلك، وحديث أمره وَل بدرء المارّ، وإن
أفضى إلى المقاتلة، وحديث مشيه لفتح الباب الآتي بعد باب، وكل ما كان كذلك ينبغي أن
يكون مخصصًا لعموم أدلة المنع. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله - تَعَالَى -(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكاني رحمه الله - تَعَالَى - حسن
جدا .
والحاصل أن القول بجواز قتل الحية والعقرب في الصلاة هو الحق؛ لوضوح دليله.
واللَّه - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٠٣- (اخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -
وَهُوَ ابْنُ أبي عَبْدِ اللَّه - عَنْ مَعْمَر،َ عَنْ يَحْيَى، عَنْ ضَمْضَمٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَّهَ أمَرَ بِقَتْلِ الأسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (محمد بن رافع) النيسابوري، ثقة عابد [١١] تقدم ٩٢ /١١٤.
٢- (سليمان بن داود) أبو داود الطيالسي البصري، ثقة حافظ غلط في أحاديث [٩]
تقدم ٣٤٣/١٣ .
٣- (هشام بن أبي عبدالله) سَنْبَر الدستوائي البصري، ثقة ثبت من كبار [٧] تقدم
٣٤/٣٠ .
والباقون تقدموا في السند الماضي، والحديث صحيح كما سبق بيانه. والله - تَعَالَى -
(١) ((نيل الأوطار)) ج٢ ص ٣٩٦.

٢١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٣- (حَمْلُ الصِّبْيَانِ في الصَّلَاةِ،
وَوَضْعُهُنَّ فِي الصَّلَاةِ)
وفي بعض النسخ ((حملُ الصَّبَايَا في الصلاة الخ)).
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز حمل المصلي الصبيانَ في حال الصلاة،
ووضعهن على الأرض فيها.
وكان الأولى للمصنف أن يقول: ((ووضعهن فيها)) بالضمير.
و((الصبيان)) بكسر الصاد، وضمها: جمع صَبيّ، وهو من لم يفطم بعدُ، ويجمع على
أضبية، وأصْب، وصبوة بالكسر، وصبية بالفتح، وصبية بالكسر، وصبوان بالكسر
أيضًا، ويضم الأخيران. أفاده في ((ق)).
وأما ((الصبايا)) بفتح الصاد، كما في النسخة الأخرى، فجمع صبية، كمَطيَّة ومطايا.
أفاده في ((اللسان)) ج٤ ص٢٣٩٨. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٠٤ - (اخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدثَنَا مَالكٌ، عَنْ عَامِر بْن عَبْداللَّه بن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرو
ابْنِ سُلَيْم، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهَ كَانَ يُصَلِّي، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةً، فَإِذَا سَجَدَ
وَضَّعَهَا، وَإِذَا قَامَ رَفَعَهَا).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.
٢- (مالك) بن أنس الإمام الفقيه الحجة الثبت المدني [٧] تقدم ٧/ ٧ .
٣- (عامر بن عبدالله بن الزبير) بن العوّام الأسدي، أبو الحارث المدني، وأمه
حنتمة بنت عبدالرحمن بن هشام، ثقة عابد [٤] تقدم في ٧٣٠/٣٧ .
٤- (عمرو بن سُلَيم) الانصاري الزُّرَقيّ المدني، ثقة من كبار التابعين، تقدم ٣٧/
٧٣٠ .
٥- (أبو قتادة) الأنصاري، الحارث بن ربعي، وقيل: غيره الصحابي الشهير - رَضِيَ
اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، تقدم ٢٤/٢٣ واللّه - تَعَالَى - أعلم.

... - حديث رقم ١٢٠٤
١٣ - (حَمْلُ الصِّبْيَانِ في الصَّلَاةِ،
٢١١ ==
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث أبي قتادة رَّ هذا متفق عليه، وقد تقدم
شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في - ٧١١/١٩ - حيث أورده المصنف هناك
مستدلّا به على جواز إدخال الصبيان المساجد، ورواه عن قتيبة عن الليث، عن سعيد
المقبري، عن عمرو بن سلیم به .
وقد بقي الكلام على ما بوّب له المصنف رحمه اللَّه - تَعَالَى - هنا، وهو جواز
حمل الصبيان في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه اللَّه - تَعَالَى -:
وللمرء أن يحمل الصبي في الصلاة المكتوبة والتطوع، ثبت أن نبي الله وَ لل حمل أمامة
ابنة أبي العاص في الصلاة. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور. وحكى أبو ثور عن الكوفي أنه
قال المصلي يحمل في الصلاة، أو يفتح بابا، أو مضى خلف دابة، قال: صلاته فاسدة.
قال ابن المنذر رحمه اللَّه: والسنة مستغنى بها. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)) عند شرح قوله: ((فإذا سجد وضعها)): ما حاصله: كذا لمالك
أيضًا، ورواه مسلم أيضًا من طريق عثمان بن أبي سليمان، ومحمد بن عجلان،
والنسائي من طريق الزبيدي، وأحمد من طريق ابن جريج، وابن حبان من طريق أبي
العميس، كلهم عن عامر بن عبدالله شيخ مالك، فقالوا: ((إذا ركع وضعها))، ولأبي
داود من طريق المقبري، عن عمرو بن سليم ((حتى إذا أراد أن يركع أخذها، فوضعها،
ثم ركع، وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده قام، وأخذها، فردها في مكانها)).
وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه، لا منها.
وهو يردّ تأويل الخطابي، حيث قال: يشبه أن تكون الصبية قد ألفته، فإذا سجد
تعلقت بأطرافه، والتزمته، فينهض من سجوده، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع،
فيرسلها، قال: هذا وجه عندي.
ويردّ أيضًا قول ابن دقيق العيد: إن لفظ ((حمل)) لا يساوي لفظ ((وضع)) في اقتضاء
فعل الفاعل، لأنا نقول: فلان حمل كذا، ولو كان غيره حمّله، بخلاف وضع، فعلى
هذا فالفعل الصادر منه هو الوضع، لا الرفع، فيقل العمل. انتهى.
لأن قوله: ((حتى إذا فرغ من سجوده قام، وأخذها، فردها في مكانها)) صريح في أن
الرفع صادر منه بَّر، وقد رجع ابن دقيق العيد إلى هذا، فقال: وقد كُنْتُ أحسب هذا -
يعني الفرق بين ((حمل)) و((وضع)) - وأن الصادر منه الوضع، لا الرفع حسنًا إلى أن
(١) ((الأوسط)) ج ٣ ص ٢٧٧ - ٢٧٨ .

٢١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
رأيت في بعض طرقه الصحيحة ((فإذا قام أعادها)) انتهى.
وهذه الرواية في ((صحيح مسلم))، ولأحمد ((فإذا قام حملها، فوضعها على رقبته)).
والحديث يدلّ على أن مثل هذا الفعل معفوّ عنه من غير فرق بين الفريضة والنافلة،
والمنفرد والمؤتم والإمام، لما في ((صحيح مسلم)) من زيادة ((وهو يؤم الناس في
المسجد))، وإذا جاز ذلك في حال الإمامة في صلاة الفريضة جاز في غيرها بالأولى.
قال القرطبي: وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، والذي أحوجهم إلى ذلك
أنه عمل كثير، فروى ابن القاسم عن مالك أنه كان في النافلة، واستبعده
المازري، وعياض، وابن القاسم، لما ثبت في مسلم: ((رأيت النبي ◌َّل يؤم الناس،
وأمامة على عاتقه)). قال المازري: إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة، وأصرح
من هذا ما أخرجه أبو داود بلفظ ((بينما نحن ننتظر رسول اللّه ◌َ لّر عليه وسلم في الظهر،
أو العصر، وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج علينا، وأمامة على عاتقة، فقام في
مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر، فكبرنا، وهي في مكانها)). وعند الزبير بن بكّار. وتبعه
السهيلي ((الصبح)). ووهم من عزاه إلى ((الصحيحين)).
قال القرطبي: وروى أشهب، وعبدالله بن نافع عن مالك أن ذلك للضرورة، حيث
لم يجد من يكفيه أمرها.
وقال بعض أصحابه: لأنه لو تركها لبكت، وشغلت سرّه في صلاته أكثر من شغله
بحملها. وفرق بعض أصحابه بين الفريضة والنافلة. وقال الباجي: إن وجد من يكفيه
أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما.
قال القرطبي: وروَى عبدُالله بن يوسف التنيسي، عن مالك أن الحديث منسوخ.
روى ذلك الإسماعيلي، عقب روايته للحديث من طريقه، لكنه غير صريح، ولفظه:
قال التنيسي: قال مالك: من حديث النبي ◌َّ ناسخ ومنسوخ، وليس العمل على هذا.
وقال ابن عبدالبرّ: لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة.
وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن هذه القصة كانت بعد قوله وقال: ((إن في
الصلاة لشغلا))، لأن ذلك كان قبل الهجرة (١)، وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا
بمدة مديدة. قاله الحافظ رحمه الله - تَعَالَى -.
وذكر عياض عن بعضهم: أن ذلك كان من خصائصه وَليل، لكونه معصومًا من أن
تبول، وهو حاملها. وردّ بأن الأصل عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوت
الاختصاص في أمر ثبوته في غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك ...
(١) قوله: ((قبل الهجرة)) فيه نظر قد سبق تحقيقه ...
١٠

٢١٣
... - حديث رقم ١٢٠٥
١٣ - (حَمْلُ الصِّبْيَانِ في الصَّلَاةِ،
وحَمَلَ أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال، لوجود الطمأنينة في
أركان صلاته. انتهى.
وقال النووي رحمه اللَّه - تَعَالَى -: ادعى بعض المالكية أن هذا الحديث منسوخ،
وبعضهم أنه من الخصائص، وبعضهم أنه للضرورة، وكل ذلك دعاوي باطلة مردودة لا
دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر، وما في
جوفه معفوّ عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة،
والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت، أو تفرقت، ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك،
وإنما فعل النبي ◌ُّر ذلك لبيان الجواز انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي رحمه اللَّه - تَعَالَى - حسن جدًا.
وحاصله: جواز حمل الصبيان في الصلاة مطلقًا، وأن ذلك ليس بعمل كثير يبطل الصلاة،
لعدم تواليه، وإنما يبطل العمل الكثير إذا توالى. فكل عمل غير متوال لا يبطل الصلاة.
وبهذا يحصل الجمع بين حديث الباب، وحديث ((إن في الصلاة لشغلا)). والله -
تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٠٥ - (اخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَامِر بْن عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرَ، عَنْ عَمْرو بْنِ سُلَيْمِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: رَأْيِتْ الشَِّيَّ نَ ◌ّهِ يَؤُمُ النَّاسَ، وَهُوَ
حَامَلٌ أَمَامَهُ بِنْتَ أبِي الْعَاصِ عَلَى عَائِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ أَعَادَهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا إلا:
١- (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة [٨] تقدم في ١/١ .
٢- (عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم القرشي النوفلي المكي قاضيها ثقة
[٦] تقدم في ٨٢٧/٣٧ .
والحديث متفق عليه، وتمام البحث فيه قد تقدم في الذي قبله. وباللَّه تَعَالَى التوفيق.
قوله: ((أمامة)) بضم الهمزة، بضم الهمزة، وتخفيف الميمين، هي بنت زينب بنت
رسول اللّه وَ لّل، كانت صغيرة على عهده وَّل، وتزوجها علي ◌َّه بعد موت فاطمة
رَّها بوصية منها، ولم تعقب.
وقوله: ((بنت أبي العاص)) هو أبو العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبدشمس،
واختلف في اسمه، فقيل: لقيط، وقيل: مقسم، وقيل: القاسم، وقيل: مِهْشَم،
وقيل: هشيم، وقيل: ياسر، وهو مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وهاجر، ورد عليه
النبي بَّ ابنته زينب، وماتت معه، وأثنى عليه في مصاهرته، وكانت وفاته في خلافة
(١) ((فتح)) ج٢ ص ١٧٦ - ١٧٧ بزيادة من ((نيل الأوطار)) ج٢ ص ١٤٢ - ١٤٣.

٢١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
أبي بكر الصديق تَنَّهَا قاله في ((الفتح))(١).
وقوله: ((فإذا ركع وضعها)) لا تنافي بينه وبين قوله في الرواية السابقة: ((فإذا سجد
وضعها)»، لأن هذه الرواية موضحة لتلك، ومعنى ذلك أنه يضعها عند الركوع، ثم
يستمرّ على ذلك حتى نهاية سجوده، فإذا فرغ منه رفعها، كما بينه قوله: ((فإذا فرغ من
سجوده أعادها)). والله - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٤ - (بَابُ الْمَشْي أَمَامَ الْقِبْلَةِ خُطَى
يَسِيرَةَ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز المشي في الصلاة إلى جهة القبلة
خطوات يسيرة .
و ((الخُطَى)) بالضم والقصر: جمع خُطْوة بضم، فسكون، وهو: ما بين الرجلين: يقال:
خَطَوتُ أخْطُو خَطْوًا، مشيتُ، الواحدة خَطْوَة، مثل ضَرْب وضربة، والخُطْوَة، بضم،
فسكون: ما بين الرجلين، وجمع المفتوحِ خَطَّوَات، على لفظه، مثلُ شَهْوَة وشَهَوَات،
وجمع المضموم خُطَّى، وخُطُوَات، مثل غُرَف وغُرُفات، ويجوز في طاء الجمع الضم،
والفتح، والتسكين، أفاده في ((المصباح))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٠٦ - (اخْبَرَنَا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتمُ بْنُ وَرْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُرْدُ
ابْنُ سنَان - أبُوَ الْعَلَاءِ - عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَبِيّهَا قَالَتْ: أَسْتَفْتَحْتُ
الْبَابَ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يُصَلِي تَطَوُّعًا، وَالْبَابُ عَلَى الْقِبْلَةِ، فَمَشَى عَنْ يَمِيِتَهِ أَوْ عَنْ
يَسَارِهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّهُ).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظي المروزي نزيل نيسابور، المعروف بابن راهويه،
ثقة ثبت فقيه [١٠] تقدم ٢/ ٢ .
٢- (حاتم بن وردان) بن مروان(٣) السعدي، أبو صالح البصري، إمام مسجد أيوب
(١) ((فتح)) ج٢ ص ١٧٦ .
(٢) ((المصباح)) ص ١٧٤.
(٣) هكذا في ((تت)) و(ت)) وفي ((تك)) ((بن مهران))، فليحرر .

٢١٥ ==
١٤ - (بَأَبُّ الْمَشْي أَمَامَ القِبلةِ خُطَى يَسِيرَةً) - حديث رقم ١٢٠٦
السختياني، ثقة [٨].
روى عن أيوب، وابن عون، وبُرْد بن سنان، وغيرهم. وعنه عفان، وإسحاق بن
راهويه، وابن المديني، وغيرهم. قال ابن خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال
النسائي، وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في
((الثقات)). قال البخاري عن عمرو بن محمد: مات سنة (١٨٤).
أخرج له الجماعة، إلا أبا داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٣- (بُرْد بن سنان أبو العلاء) الدمشقي، نزيل البصرة، مولى قريش، صدوق رمي
بالقدر [٥] تقدم ١٤١ / ٢٢٢.
٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/١ .
٥- (عروة) بن الزبير المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٤٠/ ٤٤ .
٦- (عائشة) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - تقدمت ٥/٥ واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله - تَعَالَى -، وأن رواته كلهم ثقات،
وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه
عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله
- تَعَالَى - أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة رَّها) أنها (قالت: استفتحت الباب) أي طلبت فتحه، فالسين والتاء
للطلب .
قال في ((المنهل)): والظاهر أنها ظنت أنه ليس في صلاة، وإلا لم تطلب منه الفتح،
كما هو اللائق بأدبها وعلمها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره صاحب ((المنهل)) ليس لازمًا، إِذْ يحتمل أنه
وَثّر أعلمها قبل ذلك جواز فتح الباب في الصلاة. والله - تَعَالَى - أعلم.
(ورسوله ◌َّيلا يصلي) جملة اسمية في محل نصب على الحال، أي والحال أنّه وَله
يصلي في داخل البيت.
ولفظ أبي داود من طريق بشربن المفضل، عن برد بن سنان: ((كان رسول اللّه وَلّ يصلي،
والباب عليه مغلق، فجئت، فاستفتحت ... )) ولفظ الترمذي من طريق بشربن المفضل، عن
برد أيضًا: ((جئتُ، ورسول اللّه وَل يصلي في البيت، والباب عليه مغلق ... )).

٢١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
(تطوعا) مفعول ((يصلي))، أي كان يصلي صلاة تطوع.
(والباب على القبلة) مبتدأ وخبر، والجملة حال من فاعل ((يصلي))، أي والحال أن
الباب في جهة القبلة.
وأرادت عائشة رؤيتها بذلك قطع توهم من يتوهم أن هذا الفعل يستلزم ترك استقبال
القبلة، فذكرت أن الباب كان في جهة القبلة، وأنه تمَّ لم يستدبر القبلة في حال مجيئه،
إليها، وفتحه الباب لها، ثم رجوعه إلى مكان صلاته (فمشى عن يمينه، أو عن يساره)
الظاهر أن ((أو)) للشك من بعض الرواة، ولا ينافي هذا قولَهَا: ((والباب على القبلة))، لأن
المراد به أن الباب ليس في دبر القبلة بحيث يؤدي فتحه إلى استدبارها، بل هو في
جهتها، إلا أنه يميل إلى اليمين أو اليسار، بحيث لا يستلزم فتحه استدبارَها، بل يميل
قليلًا، وهذا لا ينافي الصلاة.
ويؤيد ذلك ما رواه الدارقطني في ((سننه)) ج٢ ص ٨٠ بسنده عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عائشة رَّها، قالت: ((كان رسول اللّه وَل يصلي، فإذا استفتح إنسان الباب
فتح له ما كان في قبلته، أو عن يمينه، أو عن يساره، ولا يستدبر القبلة)). وفي سنده
محمد بن حميد الرازي متكلم فيه، وكان ابن معين حسن الرأي فيه. والله - تَعَالَى -
أعلم.
(ففتح الباب، ثم رجع إلى مصلاه) أي رجع وراءه على عقبيه إلى مكان صلاته.
فيه دليل على إباحة المشي في صلاة التطوع لحاجة قلّ أو كثر.
قال ابن الملك: مشيه وَّة، وفتحه الباب، ثم رجوعه إلى الصلاة يدلّ على أن
الأفعال الكثيرة إذا توالت لا تبطل الصلاة، وإليه ذهب بعضهم. انتهى.
وقال ابن رسلان: هذا المشي محمول على أنه مشي خطوة، أو خطوتين، أو مشي
أكثر من ذلك متفرّقًا .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن رسلان تقيد للحديث بالمذهب،
ولا يخفى فساده، كما قال الشوكاني رحمه اللّه، فإن الحديث يدلّ على إباحة المشي
في صلاة التطوع للحاجة، إذا كان في جهة القبلة. واللَّه - تَعَالَى - أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - هذا حسن من أجل الكلام في برد بن
سنان. والله - تَعَالَى - أعلم.

١٥- (بَابُ التَّصْفِيقِ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢٠٧
٢١٧ =
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ١٢٠٦/١٤ - وفي ((الكبرى)) - ١١٢٩/٤٩ - عن إسحاق بن
إبراهيم، عن حاتم بن وردان، عن برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عنها والله -
تَعَالَى - أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ٩٢٢ عن أحمد بن حنبل: ومسدد، كلاهما عن بشر بن المفضل، عن
برد به. (ت) ٦٠١ - عن يحيى بن خلف، عن بشر به. والله - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه اللَّه، وهو جواز المشي أمام القبلة خُطى يسيرةً.
ومنها: جواز افتتاح المصلي الباب، وهو في الصلاة.
ومنها: أنه يستحب لمن صَلَّى في البيت أن يغلق عليه الباب، لقوله في رواية
الترمذي: ((والباب مغلق عليه))، وذلك ليكون سترة له عن المارة بين يديه. والله -
تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٥- (بَابُ التَّصْفِيقِ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذاباب ذكر الحديث الدّالّ على جواز التصفيق في الصلاة لمن نابه شيء فيها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((التصفيق)) - بالقاف -: مصدر صَفَّقَ يُصَفّق: وهو
التصويت، ويقال فيه: ((التصفيح)) بالحاء المهملة.
قال الحافظ العراقي رحمه اللَّه - تَعَالَى -: والمشهور أن معناهما واحد، قال عقبة:
والتصفيح: التصفيق، وكذا قال أبو علي البغدادي، والخطابي، والجوهري، وقال ابن
حزم: لا خلاف في أن التصفيح والتصفيق بمعنى واحد، وهو الضرب بإحدى صفحتي
الكف على الأخرى.
قال العراقي: وما ادعاه من نفي الخلاف ليس بجيد، بل فيه قولان آخران أنهما
مختلفًا المعنى :
أحدهما: أن التصفيح: الضرب بظهر إحداهما على الأخرى، والتصفيق: الضرب

٢١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
بباطن إحداهما على باطن الأخرى. حكاه صاحب ((الإكمال))، وصاحب (المفهم)).
والقول الثاني: أن التصفيح: الضرب بإصبعين للإنذار والتنبيه، وبالقاف بالجميع
للَّهو واللعب. وروى أبو داود في ((سننه)) عن عيسى بن أيوب أن التصفيح: الضرب
بإصبعين من اليمين على باطن الكف اليسرى. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٠٧ - (اخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَا: حَذَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّ نَِّ، قَالَ: ((التَّسَبِيحُ للرِّجَالِ،
وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)) . - زَادَ ابْنُ الْمُثَنَّى -: ((فِي الصَّلَاةِ) ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب.
٢- (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٦٤ / ٨٠.
٣- (سفيان بن عيينة) تقدم قبل باب.
٤- (الزهري) محمد بن مسلم تقدم قريبًا.
٥- (أبو سلمة) بن عبدالرحمن بن عوف المدني، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/١.
٦- (أبو هريرة) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تقدم ١/١. واللّه - تَعَالَى - أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال
الجماعة، وأن شيخه ابن المثنى أحد مشايخ الأئمة الستة بدون وسطة، وفيه قوله:
((واللفظ له)): يعني أن لفظ الحديث لمحمد بن المثنى، وأما قتيبة فرواه بالمعنى، وقد
تقدم بيانه غير مرّة، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وأن فيه أبا هريرة أكثر الصحابة
رواية. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عن النبي ◌َّ) أنه قال (قال: التسبيح
للرجال) مبتدأ وخبر. يعني أنه إذا نابهم وهم في الصلاة شيء كالإذن للداخل، وإنذار
الأعمى، وتنبيه الساهي، فالمشروع لهم أن يقولوا: سبحان الله (والتصفيق للنساء)
يعني أنه إذا نابهن شيء في الصلاة فالمشروع لهن أن يصفق، وإنما النساء بالتصفيق،
لأنهن مأمورات بخفض أصواتهن، لما يخشى من الافتتان بهن، ولم يجعل التصفيق
(١) ((نيل الأوطار)) ج٢ ص ٣٧٨.

٢١٩ =
١٥- (بَابُ التَّصْفِيقِ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢٠٧
للرجال، لأنه من شأن النساء.
والحديث يَرُدُّ على ما ذهب إليه مالكفي المشهور عنه أن المشروع في حق الجميع
التسبيح دون التصفيق، وعلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من فساد صلاة المرأة إذا صفقت
في صلاتها. قاله الشوكاني رحمه الله - تَعَالَى -(١).
وقال في ((المنهل)): وبظاهر هذا الحديث أخذت الشافعية والحنابلة، وقالوا: لا يضرّ
التسبيح ولو كثر، لأنه قول من جنس الصلاة، وإن كثر التصفيق أبطلها، لأنه عمل من
غير جنس الصلاة .
وقالت المالكية والحنفية: التسبيح للرجال والنساء، لعموم قوله وَ ل: ((من نابه شيء
في صلاته، فليسبح))، ولم يخص رجالا من نساء.
قال الزرقاني: هكذا تأوله مالك وأصحابه، ومن وافقهم على كراهة التصفيق للنساء.
وتعقبه ابن عبدالبر بزيادة أبي داود وغيره عن حماد بن زيد، عن أبي حازم، عن سهل في
آخر الحديث: ((إذا نابكم شيء في الصلاة، فليسبح الرجال، وليصفح النساء)). قال: فهذا
قاطع في موضع الخلاف، يرفع الإشكال، لأنه فرق بين حكم الرجال والنساء.
وقال القرطبي: القول بمشروعية التصفيق للنساء هو الصحيح خبرا ونظرا، لأنها
مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقًا، لما يخشى من الافتتان، ومنع الرجال من
التصفيق لأنه من شأن النساء. انتهى.
وزادت الحنفية: إن صفقت المرأة بطلت صلاتها. لكن يردّ ما ذكر أحاديثُ الباب.
فالراجح ما ذهبت إليه الشافعية والحنابلة. لأحاديث الباب، ولما ذكره ابن عبدالبرّ
والقرطبي. انتهى ما قاله في ((المنهل))(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي رجحه في ((المنهل)) هو الصواب. وقد
استوفيت البحث فيما يتعلق بالتسبيح والتصفيق في - ٧/ ٧٨٤ - بما فيه الكفاية، فمن
أراد الاستفادة فليرجع إليه. وبالله - تَعَالَى - التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا - ١٢٠٧/١٥ - وفي ((الكبرى)) - ١١٣٠/٥٠ - عن قتيبة، ومحمد بن
(١) ((نيل الأوطار)) ج ٢ ص ٣٧٨.
(٢) ((المنهل العذب المورود)) ج ٦ ص ٤٣ - ٤٤ .

٢٢٠
-
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
المثنى، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عنه. وفي - ١٢٠٨ -
و((الكبرى)) - ١١٣١- عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن
شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، كلاهما عنه. و-١٢٠٩/١٦ - و((الكبرى)) -
١١٣٢/٥١ - عن قتيبة، عن الفضيل بن عياض - وعن سويد بن نصر، عن ابن المبارك
- كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح، عنه. و- ١٢١٠ - و((الكبرى)) - ١١٣٣ - عن
عبيدالله بن سعيد، عن يحيى القطان، عن عوف الأعرابي، عن محمد بن سيرين، عنه.
واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
أخرجه (خ) ٧٩/٢- عن علي بن عبدالله، عن ابن عيينة به.
(م) ٢/ ٢٧ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلهم عن
ابن عيينة به، و٢٧/٢ عن هارون بن معروف، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب
به. و٢٧/٢ عن قتيبة بن سعيدن عن الفضيل بن عياض - (ح) وعن أبي كريب، عن
أبي معاوية - (ح) وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس - كلهم عن الأعمش
به. و٢٧/٢- عن محمد بن رافع، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه عنه.
(د) ٩٣٩ - عن قتيبة، عن ابن عيينة به. و٩٤٤- عن عبدالله بن سعيد، عن يونس
بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس، عن أبي غطفان،
عنه. ثم قال أبو داود: هذا الحديث وهم.
(ت) ٣٦٩- عن هناد بن السريّ، عن أبي معاوية به.
(ق) ١٠٣٤ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، كلاهما عن ابن عيينة به.
وأخرجه (الحميدي) رقم ٩٤٨- (وأحمد) ٢٤١/٢ و٢٦١ و٤٤٠ و٤٧٩ و٢٩٠
و٤٣٢ و٤٧٣ و٥٠٧ و٣١٧ و٣٧٦ و٤٩٢ . (والدارمي) رقم ١٣٧٠ (وابن خزيمة)
٨٩٤ . والله - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله - تَعَالَى -، وهو مشروعية التصفيق للنساء إذا
نابهن شيء في الصلاة.
ومنها: مشروعية التسبيح للرجال إذا نابهم شيء في الصلاة.
ومنها: بيان الفرق بين الرجال والنساء في هذه المسألة، فلا يجوز للرجال أن
يصفقوا، ولا للنساء أن يسبحن. وقد تقدم بيان اختلاف أهل العلم فيما إذا خالف كل
منهما ما أمر به في ٧/ ٧٨٤ - مفصلًا محققًا، فمن أراد ذلك، فليرجع إليه. والله -
تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.