النص المفهرس

صفحات 161-180

٦ - (بَأَبُ رَدِّ السَّلَامِ بِالإِشَارَةِ فِي الصَّلَةِ) - حديث رقم ١١٨٦
١٦١ ===
روى عن جابر بن سمرة، وأم سلمة، والحارث بن عبدالله بن أبي ربيعة، وغيرهم.
وعنه مسعر، وفرات القزاز، وبحر بن كنيز السقّاء، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة.
وحكى الدارقطني في ((العلل)) أنه كان يلقب المهاجر.
أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، له عندهم حديثان فقط، أحدهما في الزجر
عن الإشارة بالسلام في الصلاة، وهو حديث الباب، والآخر عند مسلم وأبي داود في
الخمس .
٥- (جابر بن سَمُرة) رضي الله تعالى عنهما. المتقدم في السند الماضي. والله
تعالى أعلم.
وقوله: ((فنسلم بأيدينا)) أي نشير بأيدينا عند السلام.
وقوله: ((أحدهم)) بالنصب مفعول (يكفي)). وفاعله قوله: ((أن يضع يده)) في تأويل
المصدر، أي وضعُ يده على فخذه. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم الكلام عليه في
الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٦ - (بَابُ رَدِّ السَّلَام بِالإِشَارَةِ فِي
الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على جواز رد السلام بالإشارة باليد في حال
الصلاة .
١١٨٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرِ، عَنْ نَابِلِ صَاحِبٍ
الْعَبَاءِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ صُهَيْبٍ صَاحِبٍ رَسُولِ اللّهِ بِ لَ، قَالَ: مَرَّرْتُ عَلَى رَّسُولِ اللَّهِ
وََّ، وَهُوَ يُصَلِّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ إِشَارَةً، وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: بِإِصْبَعِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب الماضي.
٢- (الليث) بن سعد، أبو الحارث الفهمي المصري الإمام الفقيه الحافظ الحجة [٧]

١٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَّابُ السَّهْو
تقدم ٣٥/٣١ .
٣- (بكير) بن عبدالله بن الأشج المدني نزيل مصر، ثقة [٥] تقدم ١٣٥ / ٢١١.
٤- (نابل صاحب العباء) والأكسية، والشِّمَال -بكسر المعجمة- الحجازي،
صدوق(١) [٣].
روى عن أبي هريرة، وابن عمر. وعنه بكير بن الأشج، وصالح بن عبيد. قال
النسائي: ليس بالمشهور، وقال في موضع آخر: ثقة. وقال البرقاني: قلت للدار قطني:
نابل صاحب العباء ثقة؟ فأشار بيده أن لا .
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وذكره مسلم في الطبقة الأولى من تابعي أهل
المدينة. وقال الذهبي: ثقة (٢) ..
أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥- (ابن عمر) عبداللّه ◌َطقتنا تقدم ١٢/١٢.
٦- (صهيب) بن سنان، أبو يحيى، وقيل: أبو غَسّان الثَّمَريّ المعروف بالرومي،
أصله من النمر بن قاسط، سَبَتْه الرومُ، من نينوى، وزعم عمارة بن وثيمة أن اسمه
عبدالملك. وقال ابن سعد: كان أبوه، أو عمه عاملا لكسرى على الأَيْلَة، فسبت الروم
صهيبا، وهو غلام، فنشأ بينهم، فابتاعه كلب منهم، فاشتراه عبدالله بن جُدْعان التميمي
منهم، فأعتقه، ويقال: بل هرب من الروم إلى مكة، فحالف عبدالله بن جدعان،
وأسلم قديما، وهاجر، فأدرك النبي وَ لّر بقباء، وشهد بدرا، والمشاهد بعدها.
روى عن النبي بَّل، وعن عمر، وعلي. وعنه بنوه: حبيب، وضمرة، وسعد،
وصالح، وصيفي، وعباد، وعثمان، ومحمد، وابن عمر، وجابر بن عبدالله
الأنصاري، وغيرهم.
قال ابن سعد: مات بالمدينة في شوال سنة (٣٨) وقيل: بلغ (٧٣) سنة. وقال
يعقوب بن سفيان: وهو ابن (٨٤) سنة، وصلى عليه سعد ابن أبي وقاص. وقال أبو
زكرياء الموصلي: كان من المستضعفين بمكة، والمعذبين في اللَّه، أسلم بعد بضعة
وثلاثين رجلا. وقيل: فيه نزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾
الآية [البقرة: ٢٠٧]. ولما مات عمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأن يصلي بالناس
حتى يجتمع أهل الشورى على إمام. رواه البخاري في ((تاريخه)). أخرج له الجماعة،
(١) قال في ((ت)): مقبول، والظاهر أنه صدوق، لأنه روى عنه اثنان، ووثقه النسائي، وابن حبان،
والذهبي، فتأمل.
(٢) انظر ((الكاشف)) ج٣ ص ١٩٥ .

٦ - (بَابُ رَدِّ السَّلَامِ بِالإِشَارَةِ فِي الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١١٨٦
١٦٣ =
وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم موثقون، وأن
فيه رواية تابعي، عن تابعي، وصحابي، عن صحابي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن صُهَيب صاحب رسول اللّه وَّهَ) بجرّ ((صاحب)) صفةً ((صهيب))، أنه (قال:
مررت على رسول اللَّه وَ﴿) أي اجْتَزْتُ عليه. يقال: مررت بزيد، وعليه، مَرًّا ومُرُورًا:
اجتَزْتُ. قاله الفيومي (وهو يصلي) جملة في محل نصب على الحال من ((رسول اللَّه))،
والرابط الواو والضمير، أي حال كونه مصليا (فسلمت عليه) فيه جواز السلام على من
يصلي (فرد عليّ إشارةً) بالنصب على أنه مفعول مطلق (رد)) على حذف مضاف، أي
رد إشارة، ويحتمل أن يكون منصوبا على الحال، لأن المصدر المنكر يقع حالا بكثرة،
كما قال في ((الخلاصة)):
وَمَضْدَرٌ مُنَكَّرْ حَالَا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةَ زَيْدٌ طَلَعْ
أي رد عليّ حال كونه مشيرا.
وفيه أن رد السلام من المصلي يكون بالإشارة، لا بالكلام، فلو تكلم بطلت صلاته
(ولا أعلمه) لم يتبين لي قائل ((ولا أعلمه))، وصرح في (تحفة الأحوذي)) بأنه نابل،
وذكر صاحب ((المنهل)) أنه قتيبة، ولم يذكر كل منهما حجة لما قاله، فالله تعالى أعلم.
(إلا أنه قال: بإصبعه) ولفظ أبي داود، والترمذي ((إشارة بإصبعه)). أي قال: فرد علي
إشارة بإصبعه، يعني أنه ردّ السلام عليه بإصبعه، لا بالكلام. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث صهيب رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثالثة: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١١٨٦/٦ - وفي ((الكبرى)) - ١١٠٩/٤٢- بالسند المذكور. والله تعالى
أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ٩٢٥- عن يزيد بن خالد بن موهب، وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن الليث

١٦٤
: شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
ابن سعد به. (ت) ٣٦٧ - بسند المصنف.
وأخرجه (أحمد) ٣٣٢/٤ (والدارمي) ٦٨ ١٣. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الإشارة برد السلام في الصلاة، وهو مذهب
الجمهور، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء اللّه تعالى.
ومنها: جواز السلام على من يصلي.
ومنها: أن المصلي لا يرد السلام بالقول، فلو رد عمدا بطلت صلاته. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في حكم السلام على المصلي، وحكم ردة
السلام على من سلم عليه:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في السلام على
المصلي :
فكرهت طائفة ذلك، وممن كره ذلك عطاء بن أبي رباح، وأبو مِجْلَز، وعامر
الشعبي، وإسحاق بن راهويه، وقال جابر بن عبداللَّه رَافتتا لو دخلتُ على قوم، وهم
يصلون ما سلمتُ عليهم.
ورخصت طائفة في السلام على المصلي، وممن ثبت عنه أنه سلم على المصلي ابنُ
عمر، وقال ابن القاسم: لم يكن مالك يكره السلام على المصلي، وحَكَى عنه ابنُ
وهب أنه لم يكن يعجبه أن يسلم الرجل على المصلي، وكان أحمد بن حنبل لا يرى به
بأسا، وقال الأثرم: رأيت أبا عبدالله دخل مسجده، وليس فيه إلا مصل، فسلم.
.واختلف أهل العلم في رد المصلي السلام إذا سُلُّم عليه، فرخصت طائفة في ذلك،
وممن كان لا يرى به بأسا سعيدُ بنُ المسيب، والحسن البصري، وقتادة، وقال
إسحاق: إن ردّ السلام متأوِّلا يرى أن ذلك جائز، فصلاته مجزية، وروينا عن أبي هريرة
رَّهِ أنه قال: إذا سُلْمَ عليك، وأنت في الصلاة فردّ. وعن جابر تَّه قال: لو سلم
عليّ، وأنا أصلي لرددت.
وكرهت طائفة رَدَّ المصلي السلامَ، وممن كان لا يرى ذلك ابنُ عمر، وابنُ عباس،
ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق.
وفيه قول ثالث: وهو أن يرده عليه إذا فرغ من صلاته، روي هذا القول عن أبي ذرّ،
وعطاء، والنخعي، وقال النخعي، وسفيان الثوري: إذا انصرفت، فإن كان قريبا، فاردد
عليه، وإلا فأتبعه السلام، وكره الأوزاعي المصافحة في الصلاة.

٦ - (بَأَبُ رَدِّ السَّلَامِ بِالإِشَارَةِ فِي الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١١٨٦
١٦٥ ==
وقد روينا عن النخعي قولا رابعا: وهو أن يردّ في نفسه، وقال النعمان: لا يردّ
السلام، ولا أحبّ أن يشير.
فاستحب خلافَ ما سنه رسول اللَّه وَّلِ لأمته، لأنه وَّ سَنَّ للمصلي أن يرد السلام
بإشارة، وقد سن النبي ◌َّير الإشارة في الصلاة في غير موضع، من ذلك إشارته إلى
الذين صلوا خلفه قياما أن اجلسوا، وأومأ إلى أبي بكر يوم خرج إلى بني عمرو بن عوف
أن امضة. انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى باختصار(١).
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: والأحاديث المذكورة تدلّ على أنه لا بأس
أن يسلم غير المصلي على المصلي لتقريره وَيهِ مَن سلم عليه على ذلك، وجواز تكليم
المصلي بالغرض الذي يعرض لذلك، وجواز الردّ بالإشارة.
وقد استدل القائلون بالاستحباب بالأحاديث المذكورة في هذا الباب، واستدل
المانعون بحديث ابن مسعود ◌َّه: ((كنا نسلم على النبي ◌َّر، وهو في الصلاة، فيرد
علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول اللَّه كنا
تسلم عليك في الصلاة، فترد علينا؟ فقال: ((إن في الصلاة لشغلا))، متفق عليه.
ولكنه ينبغي أن يحمل الردّ المنفي ههنا على الردّ بالكلام، لا الرد بالإشارة، لأن ابن
مسعود نفسه قد رَوَى عن رسول اللَّه ◌ُ لّر أنه ردّ عليه بالإشارة، ولو لم تَرِدْ عنه هذه
الرواية لكان الواجب هو ذلك، جمعا بين الأحاديث.
واستدلوا أيضا بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ◌َّه أن النبي ◌َّر قال: ((لا
غِرَار في صلاةٍ، ولا تسليم)). والغرار - بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الراء -: هو في
الأصل النقص. قال أحمدَ بن حنبل رَْتُ: يعني - فيما أُرَى- أن لا تسلم، ولا يسلم
عليك، ويُغَرِّرُ الرجلُ بصلاته، فينصرف، وهو فيها شاكٌ.
واستدلوا أيضا بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ◌َظنّه ، قال: قال رسول
اللَّه وَلّ: ((التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارة تُفْهَم عنه،
فليُعذ لها)). يعني الصلاة. ورواه البزار، والدارقطني.
ويجاب عن الحديث الأول بأنه لا يدل على المطلوب من عدم جواز ردّ السلام
بالإشارة، لأنه ظاهر في التسليم على المصلي، لا في الردّ منه، ولو سلم شموله للإشارة
لكان غايته المنع من التسليم على المصلي باللفظ والإشارة، وليس فيه تعرّض للرّدّ، ولو
سلم شموله للرد لكان الواجب حمل ذلك على الرد باللفظ، جمعا بين الأحاديث.
(١) ((الأوسط)) ج٣ ص ٢٤٩- ٢٥٣.

١٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
وأما الحديث الثاني، فقال أبو داود: إنه وَهَم اهـ. وفي إسناده أبو غطفان، قال ابن
أبي داود: هو رجل مجهول، قال: وآخر الحديث زيادة، والصحيح عن النبي وَ لّ أنه
كان يشير في الصلاة.
قال العراقي: قلت: وليس بمجهول، فقد روى عنه جماعة، ووثقه النسائي، وابن
حبان، وهو أبو غطفان المرّيّ، قيل: اسمه سعيد. انتهى.
وفيه محمد بن إسحاق، فقد عنعنه، وهو مدلس، فالحديث ضعيف.
وعلى فرض صحته ينبغي أن تحمل الإشارة المذكورة في الحديث على الإشارة لغير ردّ
السلام والحاجة، جمعًا بين الأدلّة. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى بتصرف(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبين مما تقدم أن المذهب الراجح هو القول
بجواز السلام على المصلي، وجواز رده السلام بالإشارة، لا بالكلام، فلو رد بالكلام
بطلت صلاته، وبهذا تجمع الأدلة من دون تعارض.
وأما الذين قالوا بجواز الرد باللفظ في الصلاة فيعتذر عنهم بأنهم لم يبلغهم نسخ
جواز الكلام في الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
١١٨٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ الْمَكْيُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،
قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ، دَخَلَ النَِّيُّ وََّ مَسْجِدَ قُبَاءٌ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، فَدَخَلَ عَلْيْهِ رِجَالٌ يُسَلْمُونَ
عَلَيْهِ، فَسَأَلْتُ صُهَيْبًا، وَكَانَ مَعَهُ، كَيْفَ كَانَ الشَِّيُّ ◌َّهِ يَصْنَعُ، إِذَا سُلْمَ عَلَيْهِ، قَالَ: كَانَ
يُشِيرُ بِيَدِهِ (٢) ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (محمد بن منصور المكي) الجَوَّاز، ثقة [١٠] تقدم ٢١/٢٠.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ١/١.
٣- (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني ثقة عالم [٣] تقدم ٦٤/ ٨٠.
٤- (ابن عمر) رضي اللّه تعالى عنهما المذكور في السند الماضي. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٧٥) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم
-
(١) ((نيل الأوطار)) ج٢ ص ٣٨٣- ٣٨٤.
(٢) وفي نسخة ((بیدیه)).

١٦٧=
٦ - (بَبُ رَدِّ السَّلَامِ بِالإِشَارَةِ فِي الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١١٨٧
ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد هو به، وأن شيخه، وسفيان
مكيان، والباقيان مدنيان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن زيد بن أسلم) أنه (قال: قال ابن عمر) رَّ (دخل النبي ◌َّ- مسجد قباء) بالمد،
والقصر، وبالتنوين، وعدمه، أربع لغات (ليصلي فيه، فدخل عليه رجال، يسلمون عليه)
جملة في محل جرّ صفة ((رجال)). وفي رواية ابن ماجه: ((فجاءت رجال من الأنصار
يسلمون عليه)). قال ابن عمر رَلتها (فسألت صهيبا) رَّه (وكان معه) جملة معترضة بين
العامل ومعموله، أتى به تعليلا لسؤاله إياه، فكأنه قال: إنما سألته لكونه كان معه.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: فإن قلت: يعارض هذا ما وقع في رواية أبي داود من
أن الذي سأله ابن عمر هو بلال، ولفظه من طريق جعفر بن عون، عن هشام بن سعد،
عن نافع، عن ابن عمر رَّها، قال: ((فقلت لبلال: كيف رأيت رسول اللّه وَل يرد
عليهم ... )).
قلت: لا تنافي بين الروايتين، لاحتمال أن يكون ابن عمر سأل كلّا من صُهيب،
وبلال رَّا للتأكد.
ولذا قال الترمذي نَخَّْلهُ في ((جامعه)) بعد أن أخرج حديث صهيب: ما نصه: وحديث
صهيب حسن، لا نعرفه إلا من حديث الليث، عن بُكير، وقد روي عن زيد بن أسلم، عن
ابن عمر، قال: قلت لبلال: ((كيف كان النبي ◌ُّ يرد عليهم حيث كانوا يسلمون عليه في
مسجد بني عمرو بن عوف؟ قال: كان يرد عليهم إشارة)). وكلا الحديثين عندي صحيح،
لأن قصة حديث صهيب غير قصة حديث بلال، وإن كان ابن عمر روى عنهما، فاحتمل أن
يكون سمع منهما جميعا. انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى(١) ..
(كيف كان النبي ◌َّر يصنع) ((كيف)) استفهامية مفعول مطلق ((يصنع))، أي أَيَّ صنع
يصنع، والجملة مفعول ((سأل)) مُعَلَّق عنها العامل. وفي رواية ابن ماجه: ((كيف كان
رسول اللَّه وَ ل يرد عليهم؟)) (إذا سُلم عليه) ببناء الفعل للمفعول، والظرف متعلق
بـ(يصنع)) (قال) أي صُهَيب (كان) وَّر (يشير بيده) وأشار في ((الهندية)) إلى أنه وقع في
بعض النسخ (بيديه)) بالتثنية، والظاهر أن هذه النسخة غير صحيحة، لأن الثابت أنه وَله
كان يشير بيد واحدة، لا باليدين، كما يدل عليه أحاديث الباب وغيرها. والله تعالى
أعلم.
(١) ((جامع الترمذي)) ج٢ ص ٣٦٥. بنسخة الشرح ((تحفة الأحوذيّ)).

١٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
[تنبيه]: لم يقع في هذه الرواية كيفية الرد بالإشارة، ووقع في رواية أبي داود
المذكورة، ولفظه: قال: ((يقول: هكذا، وبسط كفه، وبسط جعفر بن عون كفه،
وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق)).
ففيه أن الإشارة تكون بجعل ظهر الكف إلى فوقُ وبطنها إلى أسفل. وقد تقدم في
حديث صُهيب تَظّه أنه أشار بإصبعه، وعند البيهقي ج٢ ص ٢٦٠ - من حديث ابن
مسعود رَّ، أنه يَ له أومأ برأسه. ولا منافاة بين هذه الروايات لأنه يحمل على أنه وَالهرم
فعل ذلك كله لبيان الجواز، فلا حرج على من فعل أيَّ إشارة منها(١). والله تعالى
أعلم .
[تنبيه آخر]: وقع في رواية الحميدي رقم ١٤٨- وأحمد ج٢ ص ١٠- من رواية
سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم: ما نصه: قال سفيان: قلت لرجل: سل زيدا
أسمعته من عبدالله، وهبت أن أسأله، فقال: يا أبا أسامة: سمعته من عبدالله بن عمر؟،
قال: أمّا أنا فقد رأيته، فكلمته. انتهى.
ولفظ الحميدي: ((فقال: أما أنا، فقد كلمته، وكلمني، ولم يقل: سمعته)).
لكن وقع التصريح بسماعه عند ابن خزيمة جـ ٢ ص ٤٩- من رواية عبدالجبار بن
العلاء، عن ابن عيينة، ولفظه:
نا عبدالجبار بن العلاء، ثنا سفيان، نا زيد بن أسلم، قال: سمعت عبدالله بن عمر
(ح) وثنا علي بن خشرم، وأبو عمار، قال أبو عمار: ثنا سفيان، وقال علي: أخبرنا ابن
عيينة، عن زيد بن أسلم، قال: قال ابن عمر:
(دخل رسول اللَّه وَّر مسجد قباء، ودخل عليه رجال من الأنصار، يسلمون عليه،
فسألت صهيبا، كيف كان يصنع النبي ◌ّ إذا كان يسلم عليه، وهو يصلي؟ قال: كان
یشیر بیده)) .
قال أبو بكر: هذا حديث أبي عمار، وزاد عبدالجبار، قال سفيان، قلت لزيد :
سمعتَ هذا من ابن عمر؟ قال: نعم. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لا تنافي بين القصتين، لإمكان الجمع بينهما بكون
سفيان أوّلًا هاب أن يسأل زيدا، فأمر رجلا أن يسأل له، فسأله؟ فأجابه بما ليس صريحا
في السماع، ثم سأله ابن عيينة بنفسه ليتبين السماع، فأجابه بسماعه صريحا. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) انظر (المنهل العذب)) ج٦ ص ٢٧ .

١٦٩
٦ - (بَبُ رَدِّ السَّلَامِ بِالإِشَارَةِ فِي الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١١٨٨
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث صهيب رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ١١٨٧/٦ - وفي ((الكبرى)) ١١١٠/٤٢ عن محمد بن منصور المكي،
عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر رَويتها، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (ق) ١٠١٧ - عن علي بن محمد الطنافسي، عن ابن عيينة به .
وأخرجه (الحميدي) ١٤٨ - و(أحمد) ١٠/٢ (والدارمي) ١٣٦٩ و(ابن خزيمة)
٨٨٨، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١١٨٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ - يَعْنِي ابْنَ جَرِيرٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا
أَبِي، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَا سِرٍ، أَنَّهُ سَلَّمَ
عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَرَدَّ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (محمد بن بشار) بُندار، أبو بكر البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم٢٤ / ٢٧ .
٢- (وهب بن جرير) بن حازم الأزدي، أبو عبدالله البصري، ثقة [٩] تقدم ١٩٦/
١١٧٨ .
٣- (جرير بن حازم) بن زيد الأزدي، أبو النضر البصري، ثقة، إلا في قتادة، وله
أوهام إذا حدث من حفظه [٦] تقدم ١٧٢ / ١١٤١.
٤ - (قيس بن سعد) المكي، ثقة [٦] تقدم ١١٥ / ١٠٦٦ .
٥- (عطاء) بن أبي رباح الإمام الحجة الثبت المكي [٣] تقدم ١١٢ / ١٥٤.
٦- (محمد بن علي) بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم ابن الحنفية المدني، ثقة
عالم [٢] تقدم ١١٢ / ١٥٧.
٧- (عمار بن ياسر) بن عامر بن مالك العَنسي، أبو اليقظان الصحابي الشهير رَّه ،
تقدم ١٩٥/ ٣١٢ . والله تعالى أعلم.
وقوله: ((وهو يصلي)) جملة في محل نصب على الحال من ((رسول اللَّه)).
وقوله: ((فرد عليه)) الظاهر أنه ردّ عليه بالإشارة، وهو الذي يدل عليه صنيع المصنف
◌َخْذَتْهُ، حيث أورده تحت ترجمة ((باب رد السلام بالإشارة في الصلاة))، ويحتمل أن
يكون ردّ عليه بالكلام، وذلك قبل نسخ الكلام في الصلاة، كما يأتي في حديث ابن

١٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
مسعود رقمّه ١٢٢١/٢٠- قال: كنا نسلم على النبي ◌َّو، فيرد علينا السلام، حتى
قدمنا من أرض الحبشة، فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ، فأخذني ما قرُبَ، وما بَعُدَ،
فجلست حتى إذا قضى صلاته قال: ((إن الله عز وجلّ يُحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد
أحدث من أمره أن لا يُتَكَلَّم في الصلاة)). والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث عمار رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح(١)،
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ١١٨٨/٦ - وفي ((الکبری)) ٤٢/
١١١١- بالسند المذكور، وأخرجه أحمد ٢٦٣/٤ قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا
حماد بن سلمة، قال: حدثنا أبو الزبير، عن محمد بن علي، به. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١١٨٩- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنِي
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَّيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ
دَعَانِي، فَقَالَ: ((إِنَّكَ سَلَّمْتَ عَلَيَّ آنِفًا، وَأَنَا أُصَلِّي))، وَإِنَّمَا هُوَ مُوَجِّةٌ يَوْمَئِذٍ إِلَى الْمَشْرِقِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (قتيبة) بن سعيد تقدم أول الباب.
٢- (الليث) بن سعد تقدم أول الباب أيضا.
٣- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، صدوق يدلس [٤] تقدم٣٥/٣١ .
٤- (جابر) بن عبدالله بن حرام الأنصاري السَّلَمي الصحابي ابن الصحابي ◌َّنَا،
تقدم ٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف وَخّْلهُ، وهو (٧٦) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله
كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وفيه جابر بن عبداللَّه رَؤيته من المكثرين السبعة،
روى (١٥٤٠) حديثا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) بن عبدالله رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قال: بعثني رسول اللَّه وال
لحاجة) أي لقضائها. وفي رواية لمسلم من طريق زهير، عن أبي الزبير: ((قال: أرسلني
(١) فما كتبه بعض من حقق ((السنن الكبرى)) للمصنف من تضعيفه بسبب رواية وهب عن أبيه، لأنها لا
تثبت غير صحيح. فقوله: رواية وهب عن أبيه لا تثبت كلام ساقط، ولو سلم ، فلم يتفرد برواية
هذا الحديث، فقد رواه عفان بن مسلم، كما عند أحمد. فتبصر.

٦ - (بَبُ رَدِّ السَّلَامِ بِالإِشَارَةِ فِي الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١١٨٩
١٧١ =
رسول اللّه وَثير، وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته، وهو يصلي ... )) ولأبي داود:
((أرسلني رسول اللّه ◌َله إلى بني المصطلق ... )).
وفي رواية البخاري: قال: بعثني رسول اللّه وَّ في حاجة له، فانطلقت، ثم
رجعت، وقد قضيتها، فأتيت النبي وَّر، فسلمت عليه، فلم يردّ علي، فوقع في قلبي ما
الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول اللَّه ◌َّر وجد عليّ أني أبطأت عليه، ثم
سلمت عليه، فلم يردّ عليّ، فوقع في قلبي أشدّ من المرة الأولى، ثم سلمت عليه، فردّ
علي، فقال: ((إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي)). وكان على راحلته، متوجها
إلى غير القبلة.
(ثم أدركته، وهو يصلي) جملة في محل نصب على الحال من المفعول. زاد في
رواية مسلم، وأبي داود ((على بعيره)) (فسلمت عليه) فيه جواز السلام على المصلي، و
قد تقدم بيان الخلاف فيه في الكلام على حديث صهيب رَماته ..
(فأشار إليّ) أي أشار برد السلام عليّ. وفي الرواية التالية ((فأشار بيده إليّ. وفي
رواية مسلم ((فكلمته، فقال بيده هكذا، وأومأ زهير بيده، ثم كلمته، فقال لي هكذا،
فأومأ زهير أيضا بيده نحو الأرض، وأنا سمعته يقرأ، يومىء برأسه ... ))
وفيه جواز رد السلام بالإشارة، وهو محل الترجمة، وقد تقدم الكلام عليه في حديث
صهيب رَ ◌ّه أيضًا.
(فلما فرغ) أي انتهى من صلاته، وسلم (دعاني) وفي الرواية التالية ((فانصرفت،
فناداني يا جابر، فناداني الناس يا جابر، فأتيته)) (فقال: إنك سلمت عليّ آنفا) أي
الآن. قال في ((اللسان)): قال الزجاج في قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ ءَائِفًا﴾ الآية [سورة
محمد: ١٦] أي ما قال الساعةَ في أول وقت يقرُب منّا، ومعنى ((آنفا)) من قولك:
استأنف الشيءَ: إذا ابتدأه. انتهى .
(وأنا أصلي) جملة حالية من الضمير المجرور، يعني أنه إنما لم يردّ عليه سلامه لكونه
مشغولا بالصلاة. وفي الرواية التالية: فقلت: يا رسول اللّه سلمت عليك، فلم تردّ
عليّ؟ قال: ((إني كنت أصلي)).
وفي رواية لمسلم: فلما فرغ قال: ((ما ذا فعلتَ في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني
أن أكلمك إلا أني كنت أصلي)).
ففيه أن ردّ السلام بالقول يعتبر كلاما، فلو رد عالما متعمدا بطلت صلاته.
وفيه استحباب الاعتذار لمن سلم في الصلاة، وإن رد عليه بالإشارة، لاحتمال عدم
علمه بذلك، فيتغير خاطره بعدم الردّ عليه. والله أعلم.

١٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
(وهو موجه يومئذ إلى المشرق) بصيغة اسم الفاعل، أي متوجه إلى جهة طلوع
الشمس، يقال: وَجَّهتُ إليه توجيها: بمعنى توجهت. أفاده في ((القاموس)). ويحتمل
أن يكون بصيغة اسم المفعول، بمعنى أن اللّه تعالى وجهه، أي أمره بأن يصلي إلى تلك
الجهة. وإنما توجه نحو المشرق لكون بني المصطلق الذين يريد غزوهم كانوا جهة
الشرق لأهل المدينة.
والمقصود منه أنه وَّر لم يكن في صلاته تلك متوجها إلى الكعبة، وذلك لأن تلك
الصلاة نافلة، ففي حديث جابر رَظنّه عند البخاري: فكان رسول اللّه بَ له يصلي على
راحلته حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة نزل، فاستقبل القبلة)).
وفيه جواز النافلة على الدابة إلى أيّ جهة توجهت به دابته، وهو مجمع عليه. كما قاله
النووي تَخَّتُهُ(١). وأما الفريضة فلا تصح إلا على الأرض متوجها إلى القبلة، وقد تقدم
بيان ذلك في ((كتاب القبلة)) مستوفّى بحمد اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١١٨٩/٦ - وفي ((الكبرى)) -١١١٢/٤٢ - عن قتيبة، عن الليث، عن
أبي الزبير، عنه. وفي ١١٩٠ - و((الكبرى)) -١١١٣ - عن محمد بن هاشم البَعْلَبَكّيّ،
عن محمد بن شعيب بن شابور، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير به .
زاد في ((الكبرى)): ((قال أبو عبد الرحمن: زعموا أنه ليس هذا الحديث بمصر من
حديث عمرو بن الحارث.)) انتهى. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (خ) ٢/ ٨٣ - عن أبي معمر، عن عبدالوارث، عن كَثِير بن شِنْظِير، عن عطاء
ابن أبي رباح، عنه.
(م) ٧١/٢ عن أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير به. و٢/ ٧١
عن قتيبة بن سعيد، ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث به. و٢/ ٧٢ عن أبي كامل
الجحدري، عن حماد بن زيد- وعن محمد بن حاتم، عن معلى بن منصور، عن عبد
(١) ((شرح مسلم)) ج٥ ص ٢٧ -٢٨.

٦ - (بَبُ رَدِّ السَّلَامِ بِالإِشَارَةِ فِي الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١١٩٠
١٧٣=
الوارث بن سعيد- كلاهما عن كثير بن شِنظير به .
(د) ٩٢٦- عن عبدالله بن محمد النفيلي، عن زهير به. و ١٢٢٧ - عن عثمان بن
أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير به.
(ت) ٣٥١- عن محمود بن غيلان، عن وكيع، ويحيى بن آدم، كلاهماعن الثوري
به .
(ق) ١٠١٨ - عن محمد بن رُمْح المصري، عن الليث به.
وأخرجه (أحمد) ٢٩٦/٣ و٣٨٠، و٣١٢ و ٢٣٨ و٣٣٢ و٣٧٩ و ٣٨٨ وو٣٣٤ و
٣٥١ و ٣٦٣ و٣٥٠ و ٣٨٨. (وعبد بن حميد) رقم ١٠٠٧ (وابن خزيمة) ١٢٧٠ و٨٨٩
. والله تعالى أعلم.
وبقية المسائل تقدمت في الكلام على حديث صهيب رضي اللّه تعالى عنه في أول
الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١١٩٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمِ الْبَعْلَبَكْيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ
شَابُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي (١) أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَال: بَعَثَنِي النَّبِيُّ
وَهُ، فَأَتَيْتُهُ، وَهُوَ يَسِيرُ مُشَرْقًا، أَوْ مُغَرِّبَا، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ،
فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَانَصَرَفْتُ، فَنَادَانِي يَا جَابِرُ، فَنَادَانِي النَّاسُ يَاجَابِرُ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ إِنِّي سَلَّمْتُ عَلَيْكَ، فَلَمْ تَرُدَّ عَلَيَّ، قَالَ: ((إِنِّي كُنْتُ أَصَلِّي))).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (محمد بن هاشم) بن سعيد القرشي البعلبكي، صدوق، من صغار [١٠] من
أفراد المصنف تقدم ٣/ ٤٥٤ .
٢- (محمد بن شعيب بن شابور)- بالمعجمة، والموحدة- الأموي مولاهم،
أبو عبد الله الدمشقي نزيل بيروت، أحد الكبار، صدوق صحيح الكتاب، من كبار
[٩].
روى عن الأوزاعي، وعمرو بن الحارث، وسعيد بن عبدالعزيز، وغيرهم. وعنه ابن
المبارك، والوليد بن مسلم، ومحمد بن هاشم البعلبكي، وغيرهم
. قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ما أرى به بأسا، وما علمت إلا خيرا. وقال عبدالله
ابن أحمد، عن أبيه: نحوه، وزاد: كان رجلا عاقلا. وقال هشام بن مرثد: سمعت ابن
معين يقول: كان مرجئا، وليس به في الحديث بأس. وقال إسحاق بن راهويه: روى
(١) وفي نسخة ((أخبرني)).

=
١٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
ابن المبارك، عن محمد بن شعيب بن شابور، فقال: أنا الثقة من أهل العلم محمد بن
شعيب، وكان يسكن بيروت. وقال ابن عمار، ودُحَيم: ثقة، زاد دحيم: والوليد كان
أحفظ منه، وكان محمد إذا حدّث بالشيء من كتبه كان حديثًا صحيحًا. وقال أبو حاتم:
هو أثبت من محمد بن حرب، ومحمد بن حمير، وبقيّةً. وقال الآجرّيّ عن أبي داود:
محمد بن شعيب في الأوزاعيّ ثبت. وقال ابن عديّ: ((الثقات من أهل الشام))، فعدّه
فيهم. وقال العجليّ: شاميّ ثقة. وقال الذهبيّ في ((الميزان)): ما علمت به بأسًا.
وذكره ابن حبان في (الثقات))، وقال: ولد سنة (١١٦) ومات سنة (٢٠٠)، وكذا
قال ابن أبي عاصم، عن دحيم في سنة وفاته. وقال الحسن بن محمد بن بكّار: مات
سنة (٦) فأو (٩٧) وقال هشام بن عمار: مات سنة (٩٨) وقال محمد بن مصفّى: مات
سنة (١٩٩). أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب (٧) أحاديث.
٣- (عمرو بن الحارث) أبو أيوب المصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٧٩/٦٣ .
والباقيان تقدما في السند الماضي، والحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان
المسائل المتعلقة به في الحديث الماضي. وبالله تعالى التوفيق.
قوله: ((مشرّقا)) اسم فاعل من التشريق، أي متوجها إلى جهة الشرق، وقوله: ((أو
مغرّبا)). و((أو)) للشك من بعض الرواة. والروايات الصحيحة على معنى التشريق، كما
تقدم بيانها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
٧- (النَّهْيُ عَنْ مَسْحِ الْخَصَى فِي
الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على النهي عن مسح المصلي الحصى، وهو في
الصلاة .
١١٩١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ، عَنْ أَبِي ذَرِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي
الصَّلَاةِ، فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ))).

١٧٥ =
٧- (النَّهْيُ عَنْ مَسْحِ الْحَصَى فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١١٩١
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (قتيبة بن سعيد) تقدم قريبا.
٢- (الحسين بن حُرَيث) الخُزَاعي مولاهم، أبو عمّار المروزي، ثقة [١٠] تقدم
٤٤ / ٥٢ .
٣- (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت [٨] تقدم ١/١.
٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة الثبت تقدم١/ ١ .
٥- (أبو الأحوص) مولى بني ليث، أو غفار، إمام مسجد بني ليث، مقبول [٣] لم
يرو عنه غير الزهري.
روى عن أبي ذرّ، وأبي هريرة، وأبي أيوب. وعنه الزهري وحده.
قال النسائي: لم نقف على اسمه، ولا نعرفه، ولا نعلم أحدا روى عنه غير ابن
شهاب. وقال الدُّوري، عن ابن معين: ليس بشيء. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال ابن عيينة: لما روى الزهري هذا الحديث - يعني حديث مسح الحصى- قال له
سعد بن إبراهيم: مَنْ أبو الأحوص؟ كالْمُغضَب حين حدث عن رجل مجهول، فقال له
الزهري: أما تعرف الشيخ مولى بني غفار المدني، كان يصلي في الروضة الذي
والذي، وجعل يصفه له، وسعد لا يعرفه. وقال ابن المبارك، عن يونس، عن
الزهري: سمعت أبا الأحوص مولى لبني ليث في مجلس ابن المسيب.
قال ابن عبدالبرّ: قد تناقض ابن معين في هذا، فإنه سئل عن ابن أكَيمة؟ وقيل له: إنه
لم يرو عنه غير ابن شهاب، فقال: يكفيه قول ابن شهاب: حدثني ابن أكيمة، فيلزمه
مثل هذا في أبي الأحوص. وأخرج حديثه ابن خزيمة، وابن حبان في ((صحيحيهما)).
وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم.
أخرج له الأربعة، ليس له عندهم إلا حديثان، حديث الباب، وحديث أبي ذرّ رَّه
الآتي في - ١٠/ ١١٩٥- ((لا يزال اللَّه عز وجل مقبلا على العبد ... )). وأخرجه أبو
داود رقم ٩٠٩ . والله تعالى أعلم.
٦- (أبو ذرّ) جندب بن جُنَادة الغفاري الصحابي وظلُّه، تقدم ٢٠٣/ ٣٢٢. والله
تعالى أعلم.
لطائف الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
(ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، غير أبي الأحوص فقد تقدم الكلام عليه.
(ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ له)). يعني أن لفظ الحديث الآتي للحسين بن

= ١٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
حُرَيث، وأما قتيبة، فرواه بالمعنى، وتقدم بيان هذا غير مرة.
ومنها: أنه يقدر قبل قوله: ((عن سفيان)) لفظ ((كلاهما))، أي أن كلا من قتيبة،
والحسين روياه عن سفيان بن عيينة، كما تقدم بيانه غير مرة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي ذر) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول اللَّه ◌َّ: إذا قام أحدكم في
الصلاة) أي إذا دخل فيها، فلا يمنع مسح الحصى قبل الدخول فيها، ويحتمل أن المراد
قبل الدخول حتى لا يشتغل عند إرادة الصلاة إلا بالدخول فيها، قال العراقي وخّلهُ :
والأول أظهر، ويرجحه حديث معيقيب رَّه ، فإنه سأل عن مسح الحصى في الصلاة
دون مسحه عند القيام، كما في رواية الترمذي. قاله الشوكاني رحمه الله تعالى(١).
(فلا يمسح الحصى) ((لا)) ناهية، ولذا جزم الفعل بعدها، ولكنه يكسر في مثل هذا
لالتقاء الساكنين.
و((الحصى)) مقصورا: هي الحجارة الصغار، والتقييد بالحصى خرج مخرج الغالب،
لكونه كان الغالب على فُرُش مساجدهم، وإلا فلا فرق بينه وبين التراب والرمل على
قول الجمهور. ويدلّ على ذلك قوله في حديث مُعَيقيب تَّه عند البخاري وغيره في
الرجل يسوّي التراب
وقال في ((الفتح)): التقييد بالحصى، وبالتراب خرج للغالب، لكونه كان الموجودَ في
فُرُش المساجد إذ ذاك، فلا يدلّ تعليق الحكم به على نفيه عن غيره مما يصلَّى عليه من
الرمل والقذى وغير ذلك. انتهى (٢).
وقال الخطابي تَخّْلهُ في ((المعالم)): يريد بمسح الحصى تسويته ليسجد عليه، وكان
كثير من العلماء يكرهون ذلك، وكان مالك بن أنس لا يرى به بأسا، ويسوى في صلاته
غير مرّة. انتهى.
(فإن الرحمة تواجهه) أي تنزل عليه، وتقبل إليه. وهذا التعليل يدلّ على أن الحكمة
في النهي عن المسح أن لا يشتغل خاطره بشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له، فيفوته
حظه منها .
وقد رُوي أن حكمة ذلك أن لا يغطي شيئا من الحصى بمسحه، فيفوته السجود
(١) ((نيل الأوطار)) ج٢ ص ٣٩١-٣٩٢ .
(٢) ((فتح)) ج٢ ص ٤٠٤ .

٧- (النَّهْيُ عَنْ مَسْحِ الْحَصَى فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١١٩١
١٧٧=
عليه. رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) عن أبي صالح، قال: إذا سجدت فلا تمسح
الحصى، فإن كل حصاة تحب أن يسجد عليها(١) .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي ذرّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا حسن.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فإن قيل: كيف يحسن حديثه، وفيه أبو الأحوص،
وهو متكلم فيه؟ .
قلت: نعم هو متكلم فيه، لكن القلب يميل إلى توثيقه، فقد قال الذهبي في
((الميزان)) جـ ٤ ص ٤٨٧: وثقه بعض الكبار. وقال أيضا: قيل: وثقه الزهري. انتهى.
وذكره الذهبي أيضا في ((جزء من تكلم فيه، وهو موثق)). وذكره ابن حبان في
(الثقات)). ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم ٣٣٥/٩ جرحا ولا تعديلا.
وقد تقدم قول ابن شهاب لما أنكر عليه سعد بن إبراهيم روايته عنه: أما تعرف الشيخ
مولى بني غفار المدني، كان يصلي في الروضة الذي، والذي، يصفه له.
فمن عرفه ابن شهاب هذه المعرفة، ورد على إنكار سعد بن إبراهيم روايته عنه بمثل
هذا الردّ لا يكون مجهولا، ولذا لما ضعفه ابن معين، اعترضه ابن عبد البرّ، فقال:
((تناقض ابن معين في هذا، فإنه سئل عن ابن أكيمة؟ وقيل له: لم يرو عنه غير ابن
شهاب، فقال: يكفيه قول ابن شهاب: حدثني ابن أكيمة، فيلزمه مثل هذا في أبي
الأحوص. انتهى.
وحسن حديثه هذا الترمذيُّ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وهو ظاهر صنيع
المصنف حيث قال في الترجمة التالية ((باب الرخصة فيه مرة))، فإنه يقتضي أن حديث
الباب الأول يصلح للاحتجاج به على النهي عن مسح الحصى.
والحاصل أن حديثه لا ينزل عن درجة الحسن. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا- ١١٩١/٧ - وفي ((الكبرى)) -١١١٤/٤٣- عن قتيبة، والحسين بن
حريث، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي الأحوص، عنه. والله تعالى
أعلم.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ج٢ ص ١١٤.
-

١٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ٩٤٥ عن مسدد، عن ابن عيينة به. (ت) ٣٧٩- عن سعيد بن
عبدالرحمن المخزومي، عن ابن عيينة به. (ق) ١٠٢٧ - عن هشام بن عمار، ومحمد
ابن الصباح، كلاهما عن ابن عيينة به.
وأخرجه (الحميدي) رقم ١٢٨ (وأحمد) ١٤٩/٥ و ١٥٠ و ١٦٣ و١٧٩
(والدارمي) رقم ١٣٩٥ (وابن خزيمة) ٩١٣ و٩١٤. (وابن أبي شيبة) ٤١٠/٢-٤١١
(والبغوي) ٦٦٢ (والبيهقي) ٢٨٤/٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو النهي عن مسح الحصى في الصلاة، فلا ينبغي مسح
الحصى في الصلاة، إلا مرة واحدة، كما يدل عليه حديث الباب الآتي.
ومنها: أن المصلي إذا دخل في الصلاة واجهته الرحمة، فلا ينبغي أن يتشاغل عن
صلاته بما يلهيه، كمسح الحصى ونحوه، لئلا تنقطع الرحمة المواجهة له. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم مسح الحصى ونحوه في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في مس الحصى
في الصلاة، فرخصت فيه طائفة، كان ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما يصلي، فيمسح
الحصى برجله، وروي عن ابن مسعود أنه كان يسوّي الحصى بيده مرّة واحدة إذا أراد
أن يسجد .
وكان مالك يفعل ذلك أكثر من مرّة واحدة في صلاة واحدة، قال: وكان لا يرى
بالشيء الخفيف منه بأسا عند العذر، وممن كان لا يرى بمسه بأسا مرة واحدة أبو
هريرة، وأبو ذرّ.
وكرهت طائفة مسح الحصى في الصلاة، روي عن ابن عمر، وعلي، وابن عباس
وكره ذلك الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وقال أصحاب الرأي: فإن كان الحصى لا
يمكنه من السجود، فإن سوّاه مرّة واحدة، فلا بأس بذلك، وتركه أحب إلينا.
قال ابن المنذر تَخّْلهُ: ما أحب مسح الحصى في الصلاة لحديث أبي ذرّ ◌َظَّه ،
ولا يخرج عندي إن مسح الحصى مرة، لحديث معيقيب رَزّه .
وأحب أن يمسح الحصى لموضع سجوده قبل أن يدخل في الصلاة، كان عثمان بن

٨- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِيهِ مَرَّةً - حديث رقم ١١٩٢
١٧٩=
يفعلان ذلك. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى
عفان، وابن عمر
ملخصا(١).
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: والأحاديث المذكورة في الباب تدلّ على
كراهة المسح على الحصى، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة عمر بن الخطاب،
وجابر، ومن التابعين مسروق، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وجمهور العلماء
بعدهم. وحكى النووي في ((شرح مسلم)) اتفاق العلماء على كراهته، وفي حكاية
الاتفاق نظر، فإن مالكا لم ير به بأسا، وكان يفعله في الصلاة، كما حكاه الخطابي في
((المعالم))، وابن العربي.
وقال العراقي في شرح الترمذي: وكان ابن مسعود، وابن عمر يفعلانه في الصلاة،
وعن ابن مسعود أيضا أنه كان يفعله في الصلاة مرة واحدة. قال: وممن رخص فيه في
الصلاة مرة واحدة أبو ذر، وأبو هريرة، وحذيفة، ومن التابعين إبراهيم النخعي، وأبو
صالح. وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على المرّة. انتهى(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجح عندي أن مسح الحصى ونحوه في
الصلاة لا يجوز، لحديث الباب، لأن النهي للتحريم، إلا مرّة واحدة، لحديث مُعيقيب
الآتي في الباب التالي.
لكن إن تضرر به يجوز له أن يمسح، ولو أكثر من مرة، لقول الله جلّ ذكره: ﴿وَقَدْ
فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩]. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٨- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِيهِ مَرَّةً)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الرخصة في جواز مسح الحصى في الصلاة مرّة
واحدة .
(١) ((الأوسط)) ج٣ ص ٢٥٨ - ٢٦١ .
(٢) انظر («نيل الأوطار)) ج٢ ص ٣٩١.

١٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
١١٩٢- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ(١)، عَنِ الأَوْزَاعِيّ،
عَنْ يَحْتَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَنْقِيبٌ،
أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ لِ قَالَّ: ((إِنْ كُنْتَ لَّا بُدَّ فَاعِلًا، فَمَرَّةً»).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (سويد بن نصر) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٥ .
٢- (عبدالله بن المبارك) المروزي الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ٣٦/٣٢.
٣- (الأوزاعي) عبدالرحمن بن عمرو الدمشقي الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٤٥/
٥٦ .
٤- (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت يدلس [٥]
تقدم ٢٤/٢٣ .
٥- (أبو سلمة بن عبدالرحمن) بن عوف المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١/١ .
٦- (مُعَيقيب) بن أبي فاطمة الدَّوْسي، حليف بني عبدشمس، أسلم قديما بمكة،
وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا، وكان على خاتم النبي ◌ّ، واستعمله أبو بكر، وعمر
على بيت المال.
روى عن النبي ◌ُّ. وعنه ابنه محمد، وابن ابنه إياس بن الحارث بن معيقيب، وأبو
سلمة بن عبدالرحمن بن عوف. قال ابن عبد البر: كان قد نزل به داء الجذام، فعولج
منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل، فتوقف، وتوفي في خلافة عثمان، وقيل: بل في
خلافة علي سنة (٤٠) ف. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا
(١١٩٢) وحديث (٥٢٠٧). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
(ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوی شیخه، فانفرد به هو،
والترمذي.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض.
الأقوال.
(ومنها): أن صحابيه ليس له في الكتب الستة إلا حديث الباب، وآخر عند المصنف
ج٨/ ص، ١٧٥ وأبي داود رقم ٤٢٢٤ - من رواية إياس بن الحارث بن المعيقيب، عن
(١) وفي الهندية ((عن عبدالله)).