النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
١٨٧ - (بَأَبُ مَوْضِعِ الْبُدَيْنِ عِنْدَ الْجُلُوسِ ... - حديث رقم ١١٥٩
بمعنى ((عند)).
وتقدم في رواية زائدة المذكورة («فرأيته يحركها، يدعو بها)). قال الطيبي نَخْذَ لهُ: إما
أن يضمن ((يدعو ((معنى ((يشير))، أي يشير بها إلى وحدانية الله بالإلهية، وإما أن يكون
حالا، أي يدعو مشیرا بها.
وقال ابن حجر الهيتمي تَخّْلهُ: ((يدعو بها)): أي يتشهد بها، وإنما سمي التشهد دعاء
لاشتماله عليه، إذ من جملته ((السلام عليك أيها النبي)) إلى ((الصالحين))، وهذا كله دعاء،
وإنما عبر عنه بلفظ الإخبار لمزيد التوكيد. انتهى (١).
وقوله: ((ثم أتيتهم من قابل)) أي ثم أتيت النبي بَّه وأصحابه في العام الذي بعد
ذلك العام.
فـ(من)) بمعنى ((في))، و((قابل)) صفة لمحذوف، أي عام مقابل للعام الذي رأى النبي
وَاية يصلي فيه الصلاة على الكيفية المذكورة.
وقوله ((فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس)) ((البرانس)) بفتح الموحدة جمع بُرْنُس -
بضم، فسكون-قال ابن منظور ◌َّلهُ: البُزْنُس: كل ثوب رأسه منه مُلتزق به، دَرَّاعةً
كان، أو مِمْطَرًا، أو جُبَّةً. وقال الجوهري: البُرْنُس: قَلَتْسُوَة طويلة، وكان النُّسَّاك
يلبسونها في صدر الإسلام، وقد تَبَرْنس الرجلُ إذا لبسه. قال: وهو من البرس بكسر
الباء، أي القطن، والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربي. انتهى (٢).
والمعنى أنه رآهم يرفعون أيديهم وهي تحت ثيابهم، لكون الوقت وقت برد شديد،
ففي رواية أبي داود من طريق أبي الوليد، عنٍ زائدة ((ثم جئتهم بعد ذلك في زمان، فيه
برد شديد، فرأيت الناس عليهم جُلُّ الثياب تَحَرَّكُ أيديهم تحت الثياب)). وله من طريق
شريك، عن عاصم بن كليب ((ثم أتيتهم، فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في
افتتاح الصلاة، وعليهم برانس، وأكسية)).
فتبين بهذا أن سبب رفعهم أيديهم تحت الثياب لعذر البرد، يعني أنه رآهم في الأول
يرفعون أيديهم إلى المنكبين، ثم لما جاءهم في العام الذي بعده جاءهم في وقت شدة
البرد، فرآهم يرفعون أيديهم تحت الثياب إلى صدورهم لعدم تمكنهم من الرفع إلى
المنكبين، لثقل الثياب التي نبسوها لدفع البرد عنهم ..
وفيه استحباب رفع اليدين إلى المنكبين، إن أمكن، وإلا فإلى حيث يمكن. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) راجع ((المرعاة شرح المشكاة)) ج٣ ص ٢٢٩ .
(٢) ((لسان العرب)) ٢٧٠/١.

٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث وائل بن حُجْر رضي اللَّه تعالى عنه هذا
صحيح، تقدم للمصنف ريخّثهُ في ٨٨٩/١١- حيث استدل به هناك على بيان موضع
اليمين من الشمال في الصلاة، رواه عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن زائدة،
عن عاصم بن كُلَيب .. وأورده هنا استدلالا على بيان موضع اليدين عند الجلوس
للتشهد الأول. وقد استوفيت هناك شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به، فإن أردت
الاستفادة فارجع إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٨٨- (بَابُ مَوْضِعِ الْبَصَرِ فِي
التَّشَهُّدِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الموضع الذي ينظر إليه المصلي في تشهده.
١١٦٠- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُسْلِم
ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَلِيَّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلَاءُ
يُحَرِّكُ الْخَصَى بِيَدِهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ لَهُ عَبْدُاللَّهِ: لَا تُحرِّكِ الْحَصَى،
وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَكِنِ اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِهِ يَصْنَعُ،
قَالَ: وَكَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَأَشَارَ بِأَصْبُعِهِ الَّتِي
تَلِي الإِنْهَامَ فِي الْقِبْلَةِ، وَرَمَى بِبَصَرِهِ إِلَيْهَا، أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (علي بن حُجْر) السعدي المروزي، ثقة حافظ من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣.
٢- (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري المدني، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٧/١٦.
٣- (مسلم بن أبي مريم) يسار السَّلُولي المدني مولى الأنصار، وقيل في ولائه: غير
ذلك، ثقة [٤].
روى عن ابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن سرجس، وعلي بن
عبدالرحمن المُعاوي، وغيرهم. وعنه إسماعيل بن جعفر، ويحيى بن سعيد
الأنصاري، ومالك، وشعبة، وغيرهم.

٨٣
١٨٨- (بَابُ مَوْضِعِ البَصَرِ فِي التَّشَهُّدِ) - حديث رقم ١١٦٠
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وهم ثلاثة
إخوة: محمد، وعبدالله، ومسلم، بنو أبي مريم، ومسلم أعلاهم. وقال ابن سعد:
ليس بأخيهما. وقال علي بن زَنْجَلَةَ، عن القعنبي: كان مالك يثني عليه، وقال: لا يكاد
يرفع حديثا إلى النبي ◌َّر. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال هو، وابن سعد: مات
في ولاية أبي جعفر، زاد ابن سعد: وكان شديدا على القدرية، وكان ثقة قليل
الحديث. روى له الجماعة، سوى الترمذي، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٤- (علي بن عبدالرحمن الْمُعَاوي) الأنصاري المدني، ثقة [٤].
روى عن ابن عمر، وجابر. وعنه مسلم بن أبي مريم، والزهري. قال أبو زرعة،
والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
ذكر أبو عوانة في (صحيحه)) أن شعبة روى حديثه عن مسلم بن أبي مريم، عنه،
فقلبه، فقال: عبدالرحمن بن علي، قال أبو عوانة: وهو غلط.
أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي حديثا واحدا، وهو حديث الباب فقط.
[قوله]: ((الْمُعَاويّ)). هكذا في النسخة الهندية، و((تقريب التهذيب)) ص، ٢٤٧
و(تهذيب التهذيب)) ج٧ ص، ٣٦١ و((الخلاصة)) ج٢ ص١٥٣، و(تهذيب
الكمال)»، ج٢١ ص، ٥٣ وهو الصواب.
ووقع ((في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)) ((المعافري)) بدل ((المعاوي))، وهو الذي في))
الكبرى))، وهو غلط، لأنه نسبة إلى معاوية بن مالك، قال في ((تهذيب الكمال)) جـ٢١ ص
٥٣ : من ولد معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، من الأوس. انتهى.
والصواب في ضبطه ضم الميم، وتخفيف العين المهملة، كما في ((الخلاصة)) ج٢
ص، ٢٥٣ و ((لب اللباب)) ج٢ ص٢٦٤ . فما وقع في بعض نسخ ((تقريب التهذيب)) من
ضبطه بفتح الميم فغلط، وقد وقع على الصواب في بعضها، وهي النسخة التي حققها
أبو الأشبال صغير أحمد شاغف. الباكستاني. فتنبه. والله تعالى ولي التوفيق.
٥- (عبدالله بن عمر) رضي اللّه تعالى عنهما، تقدم ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف نَخْذَتهُ .
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم مدنيون، سوى شيخه، فمروزي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: أن فيه عبدالله بن عمر رَبِّهَا، أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة.
والله تعالى أعلم.

٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
شرح الحديث
(عن علي بن عبدالرحمن الْمُعاوي، عن عبدالله بن عمر) رضي اللَّه تعالى عنهما (أنه
رأى رجلا) هو علي بن عبدالرحمن الراوي عن ابن عمر، ففي الرواية الآتية -٣٢/
١٢٦٦ - من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مسلم بن أبي مريم، قال: سمعت
علي بن عبدالرحمن يقول: صليت إلى جنب ابن عمر، فقلبت الحصى ...
(يحرّك الحصى) جملة في محل نصب صفة ((رجلا))، أي يقلّب الحصى عَبَثًا (بيده)
متعلق بـ((حرك)) (وهو في الصلاة) جملة في محل نصب على الحال من فاعل (يحرك))،
أي حال كونه كائنا في الصلاة.
وفي الرواية الآتية ١٢٦٧/٣٣- من طريق مالك، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي
ابن عبدالرحمن، قال: رآني ابن عمر، وأنا أعبث بالحصى في الصلاة)) ...
والمراد أنه يعبث في جلوس الصلاة بدليل تعليم ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما،
فإنه اقتصر على بيان كيفية وضع اليدين في حال الجلوس (فلما انصرف) أي سلم الرجل
من الصلاة (قال له عبدالله) بن عمر رَيتها (لا تحرك الحصى، وأنت في الصلاة) جملة
حالية من فاعل (تحرك)) (فإن ذلك من الشيطان) الفاء تعليلية، واسم الإشارة يعود إلى
التحريك المفهوم من ((تحرك)) أي لأن ذلك التحريك من عمل الشيطان، أي من وسوسته
للمصلي لئلا يُقبِلَ على ربه في صلاته (ولكن اصنع كما كان رسول اللَّه ◌ِ له يصنع) أي
كصنعه في جلوسه للصلاة .
(قال) أي الرجل لابن عمر لمّا أمره أن يصنع كما كان رَّ يصنع (وكيف كان يصنع)
في محل نصب مقول القول، أي كيف كان رسول اللّه وَ ل يصنع؟ حتى أقتدي به في
صنعه، وفي رواية يحيى المذكورة ((وكيف رأيتَ رسولَ اللّه بَل يفعل؟)) (قال) الفاعل
ضمير علي بن عبدالرحمن، وهو الرجل الذي أنكر عليه ابن عمر، كما تقدم (فوضع) .
أي ابن عمر رَو ◌َّا (يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه) تقدم ضبط الأصبع في
الباب الماضي (التي تلي الإبهام) وفي رواية يحيى ((وأشار بالسبّابة)).
وفي رواية مالك ((كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه الیمنی علی فخذه، وقبض،
يعني أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه
الیسری)) .
قال ابن منظور نَّلهُ: و((الإبهام)) من الأصابع: الْعُظمَى معروفة مؤنثة. قال ابن
سيده: وقد تكون في اليد والقدم، وحكى اللِّخيَاني أنها تُذَكَّر وتؤنث. وقال الأزهري:
، وقيل للأصبع إبهام لأنها تُبْهم الكفَّ، أي تُطبق عليها، قال: وبَهَيم هي الإبهام للأصبع،

٨٥ ==
١٨٨ - (بَابُ مَوْضِع البَصَرِ فِى الَّشَهُدِ) - حديث رقم ١١٦٠
قال: ولا يقال البهام -أي بالكسر-، وقال أيضا: الإبهام: الإصبع الكبرى التي تلي
المُسَبِحَة، والجمع الأباهيم، ولها مَفْصِلان. انتهى(١) ..
والأصبع التي تلي الإبهام هي المُسَبّحة - بضم الميم، وكسر الباء المشددة - سميت
بذلك لأن المصلي يشير بها إلى التوحيد والتنزيه للَّه سبحانه وتعالى عن الشرك. قاله
النووي رحمه الله تعالى(٢). وتسمى السَّبَّابة أيضا لأنها يشار بها عند المخاصمة
والسب(٣).
وسيأتي ما يتعلق بالإشارة في الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
(في القبلة) متعلق بـ(أشار))، و((في)) بمعنى الباء، أي أشار بها إلى القبلة، و((أل)) في
القبلة للعهد، الذهني أي القبلة المعهودة التي توجه إليها المصلي، وهي الكعبة (ورمى
ببصره إليها) أي نظر ببصره إلى الأصبع التي أشار بها، وهذا محل الترجمة، ففيه أن
موضع البصر في حال التشهد هي الأصبع التي يشير بها إلى التوحيد، والحكمة في ذلك
أن يتواطأ القلب واللسان والجوارح في توحيد الله سبحانه وتعالى.
(أو نحوها) ((أو)) للشك من بعض الراوة، ولذلك يقدر بعدها في حال القراءة لفظة
((قال))، كما هو مقرر في ((مصطلح الحديث))، أي أو قال: رمى ببصره نحوها،، أي
جهةَ الأصبع التي أشار بها. ف((نحوها)) منصوب بالفعل المقدر، ويحتمل أن يكون
مجرورا عطفا على الضمير المجرور بـ((إلى))، أي إلى نحوها، أي جهتها، والله تعالى
أعلم .
(ثم قال) أي ابن عمر رَضِيت (هكذا رأيت رسول اللَّه ◌َ له يصنع) أي يصنع الكيفية
المذكورة، من وضع اليمنى على الفخذ اليمنى، والإشارة بالإصبع التي تلي الإبهام،
والنظر إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبدالله بن عمر رَواقت هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا-١٨٨ / ١١٦٠ - و ((الكبرى)) ٩٦/ ٧٤٧- عن علي بن حجر، عن
(١) (لسان العرب)) ج١ ص ٢٧٠.
(٢) (لسان العرب)) ج١ ص ٣٧٨.
(٣) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ج٤ ص ١٤٤ .

٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
إسماعيل بن جعفر، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبدالرحمن الْمُعَاويٍّ، عنه.
وفي ١١٦٦/٣٢ - و((الكبرى)) -١١٨٩/٦٧ - عن محمد بن منصور، قال: حدثنا
سفيان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن مسلم بن أبي مريم، شيخٌ من أهل المدينة،
ثم لقيت الشيخ، فقال: سمعت علي بن عبدالرحمن، يقول ... وفي ١٢٦٧/٣٣ -
و ((الكبرى)) ٦٨/ ١١٩٠ - عن قتيبة، عن مالك، عن مسلم به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وعن ابن أبي عمر، عن سفيان به .
(د) عن القعنبي، عن مالك به .
وأخرجه مالك في ((الموطا)) ٧٦ و(الحميدي) في ((مسنده) رقم ٦٤٨) (وأحمد) ٢/
١٠ و ٤٥ و٦٥ و٧٣. و(ابن خزيمة) رقم ٧١٢ و٧١٩. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده :
منها: ما بوب له المصنف تَخّْلهُ، وهو بيان موضع نظر المصلي في حال التشهد،
وهي الإصبع التي أشار بها، فيستحب للمصلي أن ينظر في حال التشهد إلى المسبحة،
ولا يتجاوزها.
ومنها: استحباب الإشارة بالمسبحة، وتوجيهها إلى القبلة .
ومنها: الإنكار على من يلعب في الصلاة، وتعليمه السنة.
ومنها: فضل ابن عمر ◌َّا ، حيث قام بالإنكار على من يعبث في الصلاة، وتعليمه
السنة، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
اَلْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
١٨٩ - (بَابُ الإِشَارَةِ بِالإِصْبَعِ فِي
التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على استحباب الإشارة بالأصبع في التشهد الأول،

٨٧
١٨٩ - (بَأَبُ الإِشَارَةِ بِالإِصْبَعِ فِي التَّشَّهُّدِ - حديث رقم ١١٦١
وإنما قيده بالأول، وإن كان لا يخصه، لأن الكلام فيه، وإلا فالحكم في التشهد الأخير
كذلك، وسيأتي له باب مفرد في محله، إن شاء الله تعالى.
١١٦١- (أَخْبَرَنَا زَكَرِيًّا بْنُ يَخْيَى السِّجْزِيُّ، يُعْرَفُ بِخَيَّاطِ السُّنَّةِ، نَزَلَ بِدِمِشْقَ، أَحَدُ
الثّقَاتِ، قَالَ: حَدَّثَنَا(١) الْحَسَنُ بْنُ عِيسَىَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
وَ﴿ إِذَا جَلَسَ فِي الثَّنْتَيْنِ، أَوْ فِي الأَرْبَعِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (زكريا بن يحيى السجزي، يعرف بخياط السنّة، نزل بدمشق، أحد الثقات) هو
زكريا بن يحيى بن إياس بن سلمة السجزي، أبو عبدالرحمن، ثقة حافظ [١٢].
روى عن إسحاق بن راهويه، وبشر بن الحكم، وإبراهيم بن سعيد الجوهري،
والحسن بن عيسى، وغيرهم. وعنه النسائي، وهو من أقرانه، وابن صاعد، وأبو
الحسن بن جُوصاء، وإسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، وأبو القاسم الطبراني، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وقال عبدالغني بن سعيد: حافظ ثقة. وقال ابن يونس: قدم
مصر، وكُتِبَ عنه، وخرج، وتوفي بدمشق بعد (٢٨٠) وقال أبو علي بن هارون: كان
مولده سنة (١٩٥)، وكانت وفاته سنة (٢٨٩). انفرد به المصنف، وروى عنه في هذا
الکتاب (٣٤) حديثًا .
قوله: ((السِّجزي)) -بكسر المهملة، وسكون الجيم، بعدهازاي -: نسبة إلى
((السِّجْز))، اسم لسجستان.
وقوله: ((خياط السنة)) إنما عرف به، لأنه كان يَخيط أكفان أهل السنة. قاله في
(الخلاصة)) ج١ ص ٣٣٨.
٢- (الحسن بن عيسى) بن ما سَرْجس - بفتح المهملة، وسكون الراء، وكسر
الجيم، بعدها مهملة- الماسرجسي، أبو علي النيسابوري، مولى ابن المبارك، ثقة
[١٠].
روى عنه، وعن أبي بكر بن عيّاش، وعبدالسلام، وجرير بن عبدالحميد، وابن
عيينة، وغيرهم. وعنه مسلم، وأبو داود، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن نصر الفقيه،
وغيرهم .
قال الخطيب: كان من أهل بيت الثروة والقدم في النصرانية، ثم أسلم على يدي ابن
(١) وفي نسخة ((أنا)).
(٢) وفي نسخة ((ثنا)). وفي أخرى ((أخبرنا)).

٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
المبارك، ورحل في العلم، ولقي المشايخ، وكان ديّنا ورعا ثقة، ولم يزل من عقبه
بنيسابور فقهاء ومحدثون. قال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ يحكي عن شيوخه أن
ابن المبارك قد كان نزل مرّة رأس سكة عيسى، وكان الحسن بن عيسى يركب، فيجتاز
به، وهو في المجلس، وكان الحسن من أحسن الشباب وجها، فسأل عنه ابن المبارك؟
فقيل له: إنه نصراني، فقال: اللَّهم ارزقه الإسلام، فاستجاب الله دعوته فيه. وقال
السرّاج: كان عاقلا عُدّ في مجلسه بباب الطاق اثنا عشر ألف محبرة، ومات بالثَّعْلَبية في
الْمُنصَرَف من مكة سنة (٢٣٩) وقيل: سنة (٢٤٠). قال أبو بكر بن المؤمل بن الحسن
ابن عيسى: أنفق جدّي في حجته الأخيرة ثلثمائة ألف درهم. وقال الحاكم: خرجت مع
أبي بكر بن المؤمل، وأخيه أبي القاسم، فلما بلغت الثعلبية زرت معهما قبر جدهما،
فقرأت على لوح قبره: هذا قبر الحسن بن عيسى، توفي في صفر سنة (٢٤٠).
وروى عنه ابن خزيمة في ((صحيحه)). وقال أحمد بن سيار في ((تاريخ نيسابور»: كان
يظهر أمر الحديث، ويُسرّ الرأي جهدَهُ، ذكرته لإسحاق بن إبراهيم، فلم ينبسط بذكره.
وقال السرّاج: لمّا قدم بغداد هجره بعض أصحاب الحديث بقوله في الإيمان، ثم
اجتمعوا إليه، وقالوا: بيّن لنا مذهبك، قال: الإيمان قول وعمل، قالوا: يزيد وينقص؟
فقال: لي أستاذان، ابنُ المبارك، وابنُ حنبل، كان عبدالله يقول: يزيد، ويتوقف في
النقصان، فإن قال أحمد: ينقص قلت بقوله، فأحضروا له خط أحمد يزيد وينقص،
فقال الحسن: هو قولي، فرضوا بذلك، وكتبوا عنه. وقال الدارقطني: ثقة. انفرد به
مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث فقط.
٣- (ابن المبارك) عبدالله الإمام الحافظ الحجة الثبت المروزي [٨] تقدم ٣٦/٣٢ .
٤- (مخرمة بن بكير) بن عبدالله بن الأشج، أبو المسور المدني، صدوق، وروايته
عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المديني: سمع
من أبيه قليلا [٧]. تقدم ٢٨/ ٤٣٨.
٥- (عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوّام الأسدي، أبو الحارث المدني، ثقة عابد
[٤] تقدم ٣٧ /٧٣٠ .
٦- (عبدالله بن الزبير) بن العوام الأسدي الصحابي ابن الصحابي تزثبتا، تقدم ٤٠/
٤٤ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
.أ
منها: أنه من سداسيات المصنف ◌َّثهُ، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية الابن
عن أبيه. والله تعالى أعلم.

٨٩
١٨٩ - (بَابُ الإِشَارَةِ بِالأِصْبَعَ فِي التَّشَهُّدِ - حديث رقم ١١٦١
شرح الحديث
عن عامر بن عبد اللّه (عن أبيه) عبدالله بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما أنه ( قال: كان
رسول اللَّه ◌َّ إذا جلس في الثنتين) أي في آخر الركعتين، من الصلاة الثنائية، أو الثلاثية،
أو الرباعية (أو) جلس (في الأربع) أي في آخر الأربع من الصلاة الرباعية، ومثله الثالث في
الثلاثية، للأدلة الأخرى (يضع يديه على ركبتيه) والمراد وضع باطن الكفين على الركبتين.
وفيه دلالة على استحباب وضع اليدين على الركبتين حال الجلوس للتشهد، وهو
(١)
مجمع عليه(١) .
والحكمة في وضعهما صونهما عن العبث في الصلاة.
(ثم أشار بإصبعه) تقدم في الباب الماضي أن المراد بالإصبع هي التي تلي الإبهام،
وهي المسبحة .
وفيه استحباب الإشارة بالمسبحة في التشهد.، وهو موضع استدلال المصنف لما
ترجم له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث عبدالله بن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا- ١١٦١/١٨٩- وفي ((الكبرى)) -٧٤٥/٩٤- عن زكريا بن يحيى
السجزي، عن الحسن بن عيسى، عن ابن المبارك، عن مخرمة بن بُكَير، عن عامر بن
عبدالله بن الزبير، عن أبيه. وفي ٣٥/ ١٢٧٠ - و ((الكبرى)) ١١٩٢/٧٠ - عن أيوب بن
محمد الوزّان، عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن محمد بن
عجلان، عن عامر به. بلفظ: ((أن النبي بَلّ كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحرّكها)).
قال ابن جريج: وزاد عمرو قال: أخبرني عامر بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه أنه رأى
النبي ◌َليل يدعو كذلك، ويتحامل بيده اليسرى على رجله اليسرى)).
وفي ١٢٧٥/٣٩ - و(الكبرى)) ١١٩٨/٧٤ - عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى، عن
ابن عجلان به. بلفظ: ((أن رسول اللّه ◌َ لّ كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى
على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، لا يجاوز بصره إشارته)). والله تعالى أعلم.
(١) انظر ((نيل الأوطار)) ج٢ ص ٣٢٨.

٩٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (م) عن قتيبة، عن ليث، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر،
عن ابن عجلان به. وعن محمد بن معمر القيسي، عن أبي هشام المخزومي، عن
عبدالواحد بن زياد، عن عثمان بن حكيم، عن عامر بن عبدالله به.
(د) عن إبراهيم بن الحسن المصيصي، عن حجاج الأعور به. وعن محمد بن بشار،
عن يحيى القطان، عن ابن عجلان به. وعن محمد بن عبدالرحيم البزاز، عن عفان،
عن عبدالواحد بن زياد به.
وأخرجه (الحميدي) برقم ٨٧٩ (وأحمد) ٣/٤ (والدارمي) رقم ١٣٤٤ (وابن
خزيمة) رقم ٦٩٦ . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب الإشارة بالإصبع، وهي
المُسَبِحَة في التشهد الأول، ومثله الأخير، وتقدم وجه تخصيصه بالأول في أول الباب.
ومنها: استحباب وضع اليدين على الركبتين. فأما اليمنى فالمستحب فيها القبض،
والإشارة بالسبابة، وسيأتي هيئات قبضها قريبا، إن شاء الله تعالى.
وأما اليسرى فالمستحب فيها الوضع.
قال النووي رحمه اللّه تعالى: وقد أجمع العلماء على استحباب وضعها- يعني
اليسرى - عند الركبة، أو على الركبة، وبعضهم يقول: يَعطف أصابعها على الركبة،
وهو معنى قوله في رواية مسلم لحديث الباب من طريق أبي خالد الأحمر، عن ابن
عجلان: (ويلقم كفه اليسرى على ركبته)). انتهى(١) ..
ثم إنه لا خلاف بين أهل العلم في وضع اليدين على الركبتين، والإشارة بمسبحة
اليمنى.
قال صاحب ((التعليق الممجد)) من العلماء الحنفية: أصحابنا الثلاثة - يعني الإمام أبا
حنيفة، وأبا يوسف، ومحمد بن الحسن- اتفقوا على تجويز الإشارة(٢)، لثبوتها عن النبي
وَ له وأصحابه بروايات متعددة، وقد قال به غير واحد من العلماء، حتى قال ابن
عبدالبرّ: إنه لا خلاف في ذلك، وإلى اللَّه المشتكى من صنيع سير من أصحابنا،
أصحاب الفتاوى، كصاحب ((الخلاصة)) وغيره حيث ذكروا أن المختار عدم الإشارة،
بل ذكر بعضهم أنها مكروهة، فالحذرَ الحذر من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة
(١) (شرح صحيح مسلم)) ج٥ ص ٨١ .
(٢) كان حق التعبير أن يقول ((على استحباب الإشارة)). فتبصر.

١٨٩ - (بابُ الإِشَارَةِ بِالإِصْبَعِ فِي التَّشَهُّدِ - حديث رقم ١١٦١
٩١=
مع كونه مخالفا لما ثبت عن النبي ◌َ لجر وأصحابه، بل وعن أئمتنا أيضا، بل لو ثبت عن
أئمتنا التصريح بالنفي، وثبت عن رسول الله وسلّ وأصحابه الإثبات لكان فعل الرسول
وأصحابه أحقّ وألزم بالقبول، فكيف، وقال به أئمتنا أيضا؟. انتهى كلام صاحب
(التعليق الممجد)) باختصار(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: قد ورد في كيفية وضع اليد اليمنى هيآت:
الأول: ما في حديث وائل بن حجر ◌َّه الآتي للمصنف ١٢٦٨/٣٤ - وفيه
((وجعل حَدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه، وحلَّقَ حَلْقَة،
ثم رفع إصبعه، فرأيته یحرکھا، يدعو بها)).
الثانية: ما أخرجه مسلم من حديث عبدالله بن عمر رَضِيّهَا ((أن رسول اللَّه وَ لِّ كان إذا
جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار
بالسبابة)) .
الثالثة: ما أخرجه مسلم من حديث ابن عمر رَّها ((كان رسول اللَّه وَّ إذا جلس في
الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بأصبعه التي
تلي الإبهام)) ... الحديث. وسيأتي للمصنف نحوه ١٢٦٧/٣٢. إن شاء الله تعالى.
الرابعة: ما أخرجه مسلم من حديث عبدالله بن الزبير: ((كان رسول اللَّه وَلّ إذا قعد
يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار
بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم کفه اليسرى ركبته)).
الخامسة: وضع اليد اليمنى على الفخذ من غير قبض، والإشارة بالسبابة، وقد
أخرج مسلم رواية أخرى عن ابن الزبير تدلّ على ذلك، لأنه اقتصر فيها على مجرد
الوضع والإشارة. وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عمر ما يدلّ على ذلك، وأخرج أبو
داود، والترمذي من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض، قال العلامة الشوكاني رَّلهُ :
اللَّهم إلا أن تحمل الرواية التي لم يُذكر فيها القبض على الروايات التي ذكر فيها القبض
حملَ المطلق على المقيد.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحمل هو المتعين في المسألة؛ توفيقا بين
الأدلة. والله تعالى أعلم.
وقد جعل العلامة الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى في ((الهدي)) الروايات المذكورة
كلها واحدة، قال: فإن من قال: قبض أصابعه الثلاث أراد به أن الوسطى كانت
-
(١) ((التعليق الممجد على موطإ محمد)) ج١ ص ٤٦٤-٤٦٥.
-

٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
مضمومة، ولم تكن منشورة كالسبابة، ومن قال: قبض اثنتين أراد أن الوسطى لم تكن
مقبوضة مع البنصر، بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض دون الوسطى، وقد
صرّح بذلك من قال: وعقد ثلاثا وخمسين، فإن الوسطى في هذا العقد تكون
مضمومة، ولا تكون مقبوضة مع البنصر.
وقد استشكل كثير من الفضلاء هذا، إذ عقد ثلاث وخمسين لا يلائم واحدة من
الصفتين المذكورتين، فإن الخنصر لا بدّ أن تركب البنصر في هذا العقد.
وقد أجاب عن هذا بعض الفضلاء بأن الثلاثة لها صفتان في هذا العقد: قديمة، وهي
التي ذكرت في حديث ابن عمر، تكون فيها الأصابع الثلاث مضمومة مع تحليق الإبهام
مع الوسطى، وحديثة، وهي المعروفة اليوم بين أهل الحساب. والله أعلم. انتهى كلام
العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
المسألة السادسة: في بيان معنى عقد ثلاث وخمسين الوارد في حديث التشهد:
أخرج الإمام مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) من حديث ابن عمر رضي الله
تعالى عنهما: ((أن رسول اللّه ◌َ ار كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته
اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة)).
قال النووي ◌َخْذّلهُ: (واعلم): أن قوله: ((وعقد ثلاثا وخمسين)) شرطه عند أهل
الحساب أن يضع طرف الخنصر على البنصر، وليس ذلك مرادا ههنا، بل المراد أن
يضع الخنصر على الراحة، ويكون على الصورة التي يسميها أهل الحساب تسعة
وخمسين. والله أعلم انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: (اعلم): أن للعرب طريقة مشهورة اصطلحوا عليها
في عقود الحساب، وهي أنواع: آحاد، وعشرات، وألوف.
وقد بين ذلك العلامة الفقيه الحنفي محمد أمين المعروف بـ((ابن عابدين)) رحمه الله
تعالى، في رسالته ((رفع التردد)): وخلاصة ما قاله فيها:
أن للواحد: ضم الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكف ضما مُحْكَمًا، وللاثنين:
ضم البنصر معها كذلك، وللثلاثة: ضمهما مع الوسطى كذلك، وللأربعة: ضمهما،
ورفع الخنصر، وللخمسة: ضم الوسطى فقط، وللستة: ضم البنصر فقط، وللسبعة:
ضم الخنصر فقط مع مدها حتى تصل إلى لحمة أصل الإبهام، وللثمانية: ضم البنصر
(١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ج١ ص ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٢) (شرح صحيح مسلم)) ج٥ ص ٨٠- ٨٢ .

٩٣
١٩٠- (كَيْفَ التَّشَهُّدُ الأوَّ) - حديث رقم ١١٦٢
معها كذلك، وللتسعة: ضمهما مع الوسطى كذلك.
وللعشرة: جعل طرف السبابة على باطن نصف الإبهام، وللعشرين: إدخال الإبهام
بين السبابة والوسطى بحيث يكون ظفرها بين عقدتي السبابة، وللثلاثين: إلزاق طرف
السبابة بطرف الإبهام، وللأربعين: وضع باطن الإبهام على ظاهر السبابة، وللخمسين:
عطف الإبهام كأنها راكعة، وللستين: تحليق السبابة على طرف الإبهام الراكعة،
وللسبعين: وضع طرف الإبهام على وسط السبابة مع عطف السبابة إليها قليلا،
وللثمانين: مد الإبهام والسبابة كأنهما ملتصقتان خلقة، وللتسعين: ضم طرف السبابة إلى
أصلها، وعطف الإبهام عليها .
ثم انقل الحساب إلى اليد اليسرى، واجعل المائة كعقد الواحد، وهكذا دواليك.
والحاصل أن عقد الخنصر، والبنصر، والوسطى من اليد اليمنى للآحاد، والسبابة
والإبهام للعشرات، بتبديل كيفية الوضع، وكذلك عقد الخنصر، والبنصر، والوسطى
من اليد اليسرى للمئات، والسبابة، والإبهام منها للألوف.
فغاية ما تجمعه اليمنى من العدد تسعة وتسعون، وما تجمعه اليسرى تسعمائة وتسعة
آلاف. انتهى كلام ابن عابدين رحمه اللَّه تعالى(١) ..
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أما حكم تحريك السبابة عند الإشارة فسيأتي الكلام
عليه حيث يترجم له المصنف رحمه الله تعالى في ١٢٧٥/٣٩- إن شاء الله تعالى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٩٠- (كَيْفَ التَّشَهُدُ الأَوَّلُ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لفظة ((كيف))ساقطة من بعض النسخ، وفي بعضها
(باب التشهد الأول)).
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالّة على صيغ التشهد في الجلوس الأول، وإنما خص
الأول، وإن كانت الكيفية المذكورة لا تخصه، لأن الكلام فيه، وأما التشهد الأخير
فسيأتي له باب يخصه. والله أعلم بالصواب.
(١) ((رفع التردد)) من مجموع رسائل ابن عابدين ج١ ص ١٢٩ - ١٣٠.

=
٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
١١٦٢- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، عَنِ الأَشْجَعِيّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ نَقُولَ إِذَا جَلَسْنَافِي
الرَّكْعَتَيْنِ ((الثَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ،
وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (يعقوب بن إبراهيم الدورقي) أبو يوسف البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٢٢/٢١.
[تنبيه]: قوله: ((الدَّوْرَقي)) بفتح أوله، والراء، وقاف: نسبة إلى دَوْرق بلد
بخُوزِسْتَان، وإلى القلانس الدَّوْرقية. وإلى دَوْرَقَةَ بلد بالأندلس.
واختلف في نسبة يعقوب، وأخيه أحمد، فقيل: إن أصلهما من فارس، وقيل: نسبا
إلى لبس القلانس الدورقية. انتهى ((اللب)) ج١ ص، ٣٢٥ واللباب)) ج١ ص٥١٢. والله
تعالى أعلم.
٢- (الأشجعي) عبيدالله بن عبيد الرحمن، أبو عبدالرحمن الكوفي، ثقة مأمون،
أثبت الناس كتابا في الثوري، من كبار [٩].
روى عن هشام بن عروة، ومالك بن مغول، وشعبة، والثوري، وغيرهم. وعنه ابن
المبارك، ويحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل، وابن معين، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي،
وغيرهم .
قال الأشجعي: سمعت من الثوري ثلاثين ألف حديث. وقال ابن سعد: رَوَى كُتُبَ
الثوري على وجهها، وروى عنه ((الجامع))، وكان من أهل الكوفة، وقدم بغداد، فمات
بها، وقال قَبيصة: لما مات الثوري أرادوا الأشجعي على أن يَقْعُدَ مكانه، فأبى. وقال
أبو بكر الأعين: سألت أحمد عن أصحاب الثوري؟ فقال: يحيى، وعبدالرحمن،
ووكيع، ثم الأشجعي. وقال أبو داود عن أحمد: كان يكتب في المجلس، فمن ثَمَّ
صح حديثه. وقال ابن محرز عن ابن معين: ما كان بالكوفة أعلم بسفيان من الأشجعي.
وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة مأمون. وقال النسائي: ثقة. وقال العجلي: كان ثقة
ثبتا متقنا عالما بحديث الثوري رجلا صالحا أرفع من روى عن سفيان. وقال ابن شاهين
في (الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: كان أثبت الناس في الثوري إذا أخرج كتابه.
وقال ابن سعد: أشجعي من أنفسهم، وكان ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال:
يغرب، وينفرد. قال أبو داود: مات سنة (١٨٢) في أولها. أخرج له الجماعة سوى أبي
داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١١٦٢) وحديث رقم (٣١٨٦).
٣- (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحافظ الحجة الثبت [٧] تقدم ٣٧/٣٣ .

٩٥
١٩٠- (كَيْفَ التَّشَهُّدُ الأوَّل) - حديث رقم ١١٦٢
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبدالله السبيعي الكوفي، ثقة عابد مدلس واختلط بآخره
[٣] تقدم٣٨/ ٤٢ .
٥- (الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة فقيه مخضرم مكثر [٢] تقدم ٢٩/ ٣٣ .
٦- (عبدالله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه تقدم ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى الأشجعي، فما أخرج له
أبو داود.
ومنها: أنه مسلسل بالکوفیین، سوی شیخه، فبغدادي.
ومنها: أن شيخه أحد من اتفق أصحاب الأصول الستة بالرواية عنهم بلا واسطة .
ومنها: أن فيه روايةَ تابعي، عن تابعي، أبو إسحاق، عن الأسود. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبدالله) بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قال: عَلَّمَنَا رسولُ اللَّه وَلَ) وفي
راوية علقمة الآتية ١١٦٨ - كنا إذا صلينا مع رسول اللَّه ◌َلهل نقول: السلام على اللَّه،
السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال رسول اللَّه وَليقول: ((لا تقولوا: السلام
على اللّه، فإن اللَّه هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله الخ)) ...
(أن نقول) في تأويل المصدر مفعول ثان ((علم)) و((نا)) هو المفعول الأول (إذا جلسنا
في الركعتين) ((إذا)) متعلق بـ((نقول))، والجار والمجرور متعلق بـ((جلس)).
أي عَلَّمَنا القولَ وقت جلوسنا في رأس كل ركعتين من الصلاة الثنائية، أو الرباعية،
وترك ذكر القعدة الأخيرة من الثلاثية لقلتها، وظهور أن حكمها كحكم غيرها من
القَعَدَات في هذا الذكر، فلا يرد أن الحديث لا يشمل القعدة الأخيرة من الثلاثية.
ثم إن المصنف ◌َخّْلهُ قدم تشهد ابن مسعود رضي اللَّه عنه لما صرحوا به من أنه
أصح التشهدات ثبوتا بالاتفاق، فهو أحق بالاعتناء به. والله تعالى أعلم. قاله السندي
رحمه اللّه تعالى(١).
(التحيات لله) جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب مقول القول.
و(التحيّات)) جمع تحية: ومعناها السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل:
السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك. وقال أبو سعيد الضرير: ليست التحية
(١) (شرح السندي)) ج٢ ص ٢٣٨.

٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
الملكَ نفسه، لكنها الكلام الذي يُحَيًّا به الملك. وقال ابن قتيبة: لم يكن يُحَيّا إلا
الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه، فلهذا جُمعَت، فكان المعنى التحيات التي
كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مُستَحَقَّةٌ للَّه. وقال الخطابي، ثم البغوي: ولم يكن
في تحيتهم شيء يصلح للثناء على الله، فلهذا أبهمت ألفاظها، واستعمل منها معنى
التعظيم، فقال: قولوا: التحيات لله، أي أنواع التعظيم له .. وقال المحب الطبري:
يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركا بين المعاني المقدم ذكرها، وكونها بمعنى السلام
أنسب هنا. قاله في ((الفتح))(١).
وقال البدر العيني رحمه الله تعالى: وقال الخطابي ◌َخْذَلُهُ: ((التحيات)» كلمات
مخصوصة كانت العرب تُحيّي بها الملوك، نحو قولهم: أَبَيتَ اللعنَ، وقولهم: انعَم
صباحا، وقول العجم: وزى ده هزار سال، أي عِشْ عشرةَ آلاف سنة(٢) ، ونحوها من
عاداتهم في تحية الملوك عند الملاقات، وهذه الألفاظ لا يصلح شيء منها للثناء على الله
تعالى، فتُركَتْ أعيان تلك الألفاظ، واستعمل منها معنى التعظيم، فقيل: قولوا:
((التحيات لله))، أي أنواع التعظيم للَّه، كما يستحقه، وروي عن أنس رضي الله تعالى
عنه في أسماء الله تعالى السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الأحد الصمد،
قال: التحيات لله بهذه الأسماء، وهي الطيبات، لا يُحَيّا بها غيره.
واللام في ((للَّه)) لام الملك والتخصيص، وهي للأول أبلغ، وللثاني أحسن. انتهى
كلام البدر العيني رحمه الله تعالى(٣).
وقال ابن منظور تَخّْلهُ: والتحيّة: السلام، وقد حيّاه تحيةً، وحكى اللُخياني: حيّاك
اللَّه تحيّةَ المؤمن، والتحيةُ: البقاء، والتحية: المُلك، وقول زُهير بن جناب الكلبي:
[من مجزو الكامل]
وَلَكُلُّ مَا نَالَ الْفَتَى قَدْ نِلْتُهُ إِلَّ الثَّحِيَّة
قيل: أراد الملك. وقال ابن الأعرابي: أراد البقاء، لأنه كان مَلكا في قومه. قال ابن
بَرِّيّ: زهير هذا هو سيد كَلْب في زمانه، وكان كثير الغارات، وعُمِّر عمرًا طويلا، وهو
القائل لمّا حضرته الوفاة:
أُبَنِيَّ إِنْ أَهْلِكْ فَإِنْ نِي قَدْ بَتَيْتُ لَكُمْ بَنِهَة
(١) «فتح» ج٢ ص ٥٧٧ .
(٢) سيأتي في ((عبارة اللسان)) ما يخالف هذا، وأنه ألف عام، فلعله مما اختلف فى معناه. والله تعالى
أعلم.
(٣) ((عمدة القاري)) ج٦ ص ١١١ .

٩٧
١٩٠ - (كَيْفَ التَّشَهُّدُ الأوَّ) - حديث رقم ١١٦٢
وَرِيَّهْ
زِدْنَاكُمُ
أَوْلَادَ سَا دَاتٍ
وَتَرَكْتُكُمْ
وَلَكُلُّ مَا نَالَ الْفَتَى قَدْ نِلْتُهُ إِلَّ الثَّحِيَّة
قال: والمعروف بالتحية هنا إنما هي بمعنى البقاء، لا بمعنى الملك.
وقال سيبويه: تحيّة: تَفْعِلَة، والهاء لازمة، والمضاعف من الياء قليل، لأن الياء قد
تُثَقَّلُ وحدها لاما، فإذا كان قبلها ياء كانت أثقل لها. وقال أبو عبيد: والتحية في غير
هذا: السلام. وقال الأزهري: قال الليث: في قولهم في الحديث: ((التحيات للَّه)):
معناه: البقاء لله، ويقال: الملك لله. وقيل: أراد بها السلام، يقال: حَيّاك الله: أي
سلّم عليك، والتحية تفعلة من الحياة، وإنما أدغمت لاجتماع الأمثال، والهاء لازمة
لها، والتاء زائدة. وقولهم: حيّاك اللَّه، وبَيّاك: اعتَمَدَك بالملك، وقيل: أضحكك.
وقال الفرّاء حياك اللّه: أبقاك اللَّه، وحياك اللَّه: أي ملْكَك اللَّه، وحياك الله: أي سلَمَّ
عَليك، قال: وقولنا في التشهد ((التحيات للَّه)) يُتْوَى بها البقاء لله، والسلام من الآفات،
والملك للَّه، ونحو ذلك. وقال أبو عمرو: التحية: الملك، وأنشد قول عمرو بن
مَعْدِكَرِب: [من الوافر]
أَسِيرُ بِهِ إِلَى النُّغْمَانِ حَتَّى أُنِيخَ عَلَى شِيَّتِهِ بِجُنْدِي
يعني على ملكه. وقال خالد بن يزيد: لو كانت التحيّة الملك لَمَا قيل: التحيات لله،
والمعنى السلامات من الآفات كلِّها، وجَمعَهَا لأنه أراد السلامة من كلّ آفة. وقال
القُتَيبي: إنما قيل: التحيات للَّه على الجمع، لأنه كان في الأرض ملوك يُحَيَّونَ بتحيات
مختلفة، يقال لبعضهم: أَبَيتَ اللّغْنَ، ولبعضهم: اسْلَمْ، وانْعَمْ، وعِشْ ألفَ سنة،
ولبعضهم: انْعَمْ صَبَاحًا، فقيل لنا: قولوا: (التحيات للَّه)). أي الألفاظ التي تَدُلُّ على
الملك والبقاء، ويكنى بها عن الملك فهي لله عز وجل.
وروي عن أبي الْهَيْثَم أنه يقول: التحيّة في كلام العرب ما يُحَيِّ به بعضهم بعضا إذا
تلاقَوا، قال: وتحية اللَّه التي جعلها في الدنيا والآخرة لمؤمني عباده إذا تلاقوا، ودعا
بعضهم لبعض بأجمع الدعاء أن يقولوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال الله عز
وجل: ﴿يَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، وقال في تحية الدنيا: ﴿وَإِذَا خُيِّيِثُمْ
بِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦]، وقيل في قوله:
التَّحِيَّة
نِلْتُهُ إِلَّا
قَدْ
يريد إلا السلامة من المَنيّة والآفات، فإن أحدا لا يسلم من الموت على طول البقاء،
فَجَعَلَ معنى التحيات لله: أي السلامُ له من جميع الآفات التي تلحق العباد من العناء،
وسائر أسباب الفناء.

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
قال الأزهري: وهذا الذي قاله أبو الهيثم حسن، ودلائله واضحة، غير أن التحية،
وإن كانت في الأصل سلاما، كما قال خالد، فجائز أن يسمى المُلْك في الدنيا تحية،
كما قال الفرّاء وأبو عمرو، لأن المَلِكَ يُحَيّا بتحية المُلك المعروفة للملوك التي يباينون
فيها غيرهم، وكانت تحية ملوك العجم نحوا من تحية ملوك العرب، كان يقال لملكهم:
زِهْ هَزَارْ سَالْ: المعنى: عش سالما ألف عام، وجائز أن يقال للبقاء تحية، لأن من سلم
من الآفات فهو باق، والباقي في صفة اللَّه عز وجلّ من هذا، لأنه لا يموت أبدا. انتهى
المقصود من كلام ابن منظور رحمه اللَّه تعالى(١).
(والصلوات) قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعمّ من ذلك من الفرائض والنوافل في
كل شريعة. وقيل: العبادات كلها. وقيل: الدعوات. وقيل: الرحمة. وقيل:
((التحيات)) العبادات القولية، و((الصلوات)): العبادات الفعلية، و((الطيبات)): العبادات
المالية(٢) ..
(والطيبات) أي ما طاب من الكلام وحَسُنَ أن يُثنَى به على اللَّه دون ما لا يليق بصفاته
مما كان الملوك يحيون به. وقيل: الطيبات ذكرُ اللَّه. وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء
والثناء. وقيل: الأعمال الصالحة، وهو أعمّ.
قال ابن دقيق العيد رَخْذَّلهُ: إذا حمل التحية على السلام، فيكون التقدير: التحيات
التي تعظم بها الملوك مثلا مُستَحَقَّةٌ للَّه تعالى، وإذا حمل على البقاء، فلا شك في
اختصاص اللَّه به، وإذا حمل على الملك والعظمة، فيكون معناه الملك الحقيقي التامّ
لله، والعظمة الكاملة للَّه، لأن ما سوى ملكه وعظمته تعالى فهو ناقص.
قال: و ((الصلوات)) يحتمل أن يراد بها الصلوات المعهودة، ويكون التقدير أنها واجبة
لله تعالى، لا يجوز أن يُقصَدَ بها غيره، أو يكون ذلك إخبارا عن إخلاصنا الصلوات له،
أي إن صلواتنا مخلصة له، لا لغيره، ويحتمل أن يراد بالصلوات الرحمة، ويكون معنى
قوله: ((للَّه)) أي المتفضل بها، والمعطي لها هو اللَّه لأن الرحمة التامة للَّه تعالى، لا
لغيره. يؤتيها من يشاء. وإذا حملت على الدعاء فظاهر.
وقرربعض المتكلمين في هذا فصلا، بأن قال: ما معناه: إن كل من رحم أحدا،
فرحمته له بسبب ما حصل له عليه من الرقة، فهو برحمته دافع لألم الرقّة عن نفسه،
بخلاف رحمة اللّه تعالى، فإنها لمجرد إيصال النفع إلى العبد.
وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال الطيبات، ولعل تفسيرها بما هو أعمّ أولى، أعني
(١) ((لسان العرب)) ج٢ ص ١٠٧٨ - ١٠٧٩.
(٢) انظر ((الفتح)) ج٢ ص ٥٧٧ .

٩٩
١٩٠- (كَيْفَ التَّشَهُدُ الأول) - حديث رقم ١١٦٢
=
الطيبات من الأفعال والأقوال والأوصاف، وطيبُ الأوصاف كونها بصفة الكمال،
وخلوصها عن شوائب النقص. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه اللَّه تعالى(١).
وقال القرطبي: قوله: (للَّه)) فيه تنبيه على الإخلاص في العبادة، أي أن ذلك لا يُفعَل
إلا لله. ويحتمل أن يراد به الاعتراف بأن مُلكَ الملوك وغير ذلك مما ذكر كله في
الحقيقة لله تعالى.
وقال البيضاوي: يحتمل أن يكون ((والصلوات))، ((والطيبات)) عطفا على ((التحيات))،
ويحتمل أن تكون ((الصلوات)) مبتدأ، وخبره محذوف، و((الطيبات)) معطوفة عليها،
والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على الجملة.
وقال ابن مالك: إن جعلت ((التحيات)) مبتدأ، ولم تكن صفة لموصوف محذوف كان
قولك: ((والصلوات)) مبتدأ، لئلا يعطف نعت على منعوته، فيكون من باب عطف
الجمل بعضها على بعض، وكلّ جملة مستقلّة بفائدتها، وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط
الواو(٢).
(السلام عليك أيها النبي) قيل: معناه التعويذ بالله، والتحصين به سبحانه وتعالى،
فإن ((السلام)) اسم له سبحانه وتعالى، تقديره: اللَّه حفيظ عليك وكفيل، كما يقال: الله
معك، أي بالحفظ والمعونة واللطف. وقيل: معناه السلامة والنجاة لك، ويكون
مصدرا كاللذاذة واللذاذ كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَسَلَهٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ أَلْيَمِينِ﴾
[الواقعة: ٩١](٣). وقيل: الانقياد لك، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ
تَسَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
قال الإمام ابن دقيق العيد رَكّْلهُ: وليس يخلو بعض هذا من ضعف، لأنه لا يتعدى
السلام ببعض هذه المعاني بكلمة ((على)). انتهى (٤).
وقال النووي رحمه الله تعالى: (واعلم): أن ((السلام)) الذي في قوله: ((السلام
عليك أيها النبي)) ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)) يجوز فيه حذف الألف
واللام، فيقال: ((سلام عليك أيها النبي))، و((سلام علينا))، ولا خلاف في جواز الأمرين
هنا، ولكن الألف واللام أفضل، وهو الموجود في روايات صحيحي البخاري ومسلم،
(١) ((إحكام الأحكام)) ج٣ ص ٨ -١٠ زيادة من ((الفتح)).
(٢) راجع ((الفتح)) ج٢ ص ٥٧٧ .
(٣) انظر ((شرح النووي على صحيح مسلم)) ج٤ ص ١١٧ .
(٤) ((إحكام الأحكام)) ج٣ ص ١١ - ١٢ . بنسخة الحاشية .

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
وأما الذي في آخر الصلاة، وهو سلام التحلل، فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من جوّز
الأمرين فيه هكذا، ويقول: الألف واللام أفضل، ومنهم من أوجب الألف واللام، لأنه
لم ينقل إلا بالألف واللام، ولأنه تقدم ذكره في التشهد، فينبغي أن يعيده بالألف
واللام، ليعود التعريف إلى سابق كلامه، كما يقول: جاءني رجل، فأكرمت الرجل.
انتھی(١) .
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود
بحذف الألف واللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس رضيها، وهو من أفراد
مسلم . انتهى .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لا ينقضي عجبي من النووي نَخّْلهُ، كيف ذكر
الخلاف في جواز الحذف المذكور، وهو يعلم أنه لم يثبت في شيء من الروايات إلا
معرفا، ثم لا يتعقبه؟ إن هذا لشيء عجيب !.
اللَّهم إلا أن يكون مراه حديث ابن عباس تعَويّا، لكن ظاهر عبارته يأبى ذلك !.
والحاصل أن القول بالحذف المذكور مخالف للتعليم النبوي، ومنابذ للسنة، فلا
يجوز القول به. فتبصر، ولا تتحير، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال الطيبي ◌َّلهُ: أصل سلام عليك سلّمتُ عليك سلاما، ثم حذف الفعل، وأقيم
المصدر مقامه، وعُدلَ عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى
واستقراره.
. ثم التعريف إما للعهد التقديري، أي ذلك السلام الذي وُجِّهَ إلى الرسل والأنبياء
عليك أيها النبي، وكذلك السلام الذي وُجِّهَ إلى الأمم السالفة علينا، وعلى إخواننا.
وإما للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كلّ واحد عمن يصدر، وعلى
من ينزل عليك وعلينا.
ويجوز أن يكون للعهد الخارجي، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ
أَصْطَفَىَّ﴾ [النمل: ٥٩] قال: ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النكرة. انتهى.
وحكى صاحب ((الإقليد)) عن أبي حامد أن التنكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه
الترجيح، لا يقصر عن الوجوه المتقدمة.
وقال البيضاوي: علمهم أن يفردوه ◌َّل بالذكر، لشرفه، ومزيد حقه عليهم، ثم
علمهم أن يخصصوا أنفسهم أوّلًا، لأن الاهتمام بها أهمّ، ثم أمرهم بتعميم السلام على
(١) (شرح صحيح مسلم)) ج٤ ص ١١٧