النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ ١٧١ - (بَأَبُ مَوْضِع السُّجُودِ) - حديث رقم ١١٤٠ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. ومنها: فضل ثوبان رضي اللّه تعالى عنه، حيث لم يستعجل في الجواب، بل تأخر حتى يستحضر الجواب المقرون بدليله، فينبغي للعالم إذا سئل عن مسألة أن لا يستعجل في الجواب، بل يتثبت حتى يستحضر الأدلة، فيجيب على ضوئها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٧١ - (بَابُ مَوْضِعِ السُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل مواضع السجود. والمراد بـ ((موضع السجود)) الأعضاء التي يجب أن يسجد عليها، وهل المراد به الأعضاء السبعة كلها، أم الوجه فقط؟ فيه خلاف، والأول هو المختار، كما قال النووي ◌َخْلُهُ، وعليه فـ((موضع)) في كلام المصنف بمعنى المواضع، إذ هو مفرد مضاف، فيعم. وسيأتي تمام البحث فيه، إن شاء الله تعالى. ١١٤٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ بِالْمِصْيصَةِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَالثُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا إِلَى أَبِي هُرَيْرَةً، وَأَبِي سَعِيدٍ، فَحَدَّثَ أَحَدُهُمَا حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، وَالآخَرُ مُنْصِتْ، قَالَ: فَتَأْتِي الْمَلَائِكَةُ، فَتَشْفَعُ، وَتَشْفَعُ الرُّسُلُ، وَذَكَرَ الصُّرَاطَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، فَإِذَا فَرَغَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَأَخْرَجَ مِنَ النَّارِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ، أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ وَالرُّسُلَ أَنْ تَشْفَعَ، فَيُعْرَفُونَ بِعَلَامَاتِهِمْ، إِنَّ النَّارَ تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ مِنِ ابْنِ آدَمَ، إِلَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مِنْ مَاءِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِيَ حَمِيلِ السَّيْلِ))). رجال هذا الإسناد : ثمانية : ١- (محمد بن سليمان لُوَيْن) بن حبيب بن جبير الأسدي، أبو جعفر العلّاف الكوفي، ثم المصيصي، لقبه (لُوَين)) بالتصغير، ثقة [١٠]. روى عن مالك، وابن أبي الزناد، وسليمان بن بلال، وحماد بن زيد، وغيرهم. = ٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ وعنه أبو داود، والنسائي، وروى النسائي عن أبي داود سليمان بن سيف الحزّاني، وعثمان بن خُرَّزاذ الأنطاكي عنه، وأبو حاتم، وغيرهم. قال البلاذري: سمعت ابن جرير، يقول: إنما لقب بـ(لوين)) لأنه كان يبيع الدّواب، فيقول: هذا الفرَس له لُوَين(١)، هذا الفرس له فديد، فلقّب بـ(لوين)). وقال محمد بن القاسم الأزدي. قال لوين لقْبتني أمي لُوَينًا، وقد رضيتُ. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه صالح صدوق، وقيل له: ثقة؟ فقال: صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال أبو نعيم الأصفهاني: كان ممن يرابط بالثغور، وآثر المصِيصَة، وكان لا يكره أن يُلَقَّبَ بـ((لوين))، وذكر أن له حلقة في ((الفرائض)) أيام ابن عيينة. وقال أحمد بن القاسم بن نصر: حدثنا محمد بن سليمان سنة (٢٤٠) ثم قال: قال له أبي: كم لك؟ قال: مائة وثلاث عشرة. وقال أبو جعفر محمد بن علي الطرائفي: مات سنة (٢٤٥) بالثغر، وكنت فيمن صلى عليه. وقال القاسم بن إبراهيم ابن أحمد المَلَطيّ: مات سنة (٤٦) بأَذَنَةَ، وحمل إلى المصيصة، فدفن بها، وفيها أرّخه محمد بن يحيى الصُّولي. وقال مسلمة: كان ثقة. والله تعالى أعلم. أخرج له أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث. [تنبيه]: قوله: ((بالمِصِيصَة)) متعلق بـ((أخبرنا)). وهي بكسر الميم، وتشديد المهملة الأولى، وتخفيف الثانية: نسبة إلى المصيصة مدينة على ساحل البحر. اهـ ((لب اللباب)) ج٢ ص ٢٦١ . ٢- (حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل الجهضمي البصري، ثقة ثبت عابد [٨] تقدم ٣/ ٣ . ٣- (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، ثم اليمني، ثقة ثبت [٧] تقدم ١٠/١٠. ٤- (النعمان بن راشد) الجزري، أبو إسحاق الرَّقي مولى بني أمية، يقال: إنه أخو إسحاق بن راشد، وقال أبو حاتم: لم يصحّ عندي ذلك. صدوق سيء الحفظ [٦]. روى عن الزهري، وأخيه عبدالله بن مسلم بن شهاب، وعبدالملك بن أبي محذورة، وميمون بن مهران. وعنه ابن جريج من أقرانه، ووهيب بن خالد، وحماد بن زيد، وغيرهم. قال ابن المديني: ذكره يحيى القطان، فضعفه جدًا. وقال عبدالله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال: مضطرب الحديث، روى أحاديث مناكير. وقال ابن معين: ضعيف، (١) تصغير لَوْنٍ. ٢٣ ١٧١ - (بَأَبُ مَوْضِعِ السُّجُودِ) - حديث رقم ١١٤٠ وقال مرة: ليس بشيء. وقال البخاري، وأبو حاتم: في حديثه وَهَم كثير، وهو في الأصل صدوق. وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في الضعفاء، فسمعت أبي يقول: يحول منه. وقال أبو داود: ضعيف. وقال النسائي: ضعيف كثير الغلط، وقال في موضع آخر: أحاديثه مقلوبة، وقال أيضًا: صدوق، فيه ضعف، قال: وقال ابن معين مرةً: ضعيف مضطرب الحديث، وقال مرة: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال العُقَيلي: ليس بالقوي، يعرف فيه الضعف. وقال ابن عديّ: احتمله الناس. علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث. [تنبيه]: قوله: ((والنعمان بن راشد)) مجرور عطفا على ((معمر))، فما يوجد في النسخ المطبوعة مضبوطا بالرفع بضبط القلم فغلط، فتبصر. فحماد بن زيد يروي عن معمر والنعمان كليهما، وهما يرويان عن الزهري، ولذا يقدر عند قراءة السند كلمة ((كلاهما)) قبل قوله: ((عن الزهري))، كما هو مقرر في مصطلح الحديث، وقد تقدم بيان هذا غير مرة. فتنبه. واللَّه تعالى ولي التوفيق. ٥- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/١ ٦ - (عطاء بن يزيد) الليثي الجُنْدَعي، المدني، نزيل الشام، ثقة [٣] تقدم ٢١/٢٠. ٧- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/١ . ٨- (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدري الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٢٦٢/١٦٩ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، سوى النعمان، فمتكلم فيه، وأنهم من رجال الجماعة، سوی شیخه، فانفرد هو به وأبو داود. ومنها: أن شيخه مصيصي، وحمادا بصري، ومعمرا بصري ثم يمني، والنعمان جزري، ثم رَقّي، وعطاء مدني، ثم شامي، والباقون مدنيون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، عن صحابيين. ومنها: أن صحابييه من المكثرين السبعة، فأبو هريرة روى (٥٣٧٤) حديثا، وأبو سعيد روى (١١٧٠) حديثا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عطاء بن يزيد) الليثي نَّلهُ، أنه (قال: كنت جالسا إلى أبي هريرة، وأبي ٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ سعيد) رَزيتهنا، أي في مكان يقرب من مكانهما، فـ((إلى)) بمعنى ((في))، ويحتمل أن تكون بمعنى ((مع))، أي جلست معهما (فحدث أحدهما حديث الشفاعة) وفي نسخة («بحديث الشفاعة)). أي حدث أحد الصحابيين، وهو أبو هريرة تني - كما سيأتي التصريح به في الحديث الذي سأذكره- بالحديث المشتمل على ذكر الشفاعة، فإضافة ((حديث)) إلى ((الشفاعة)) لأدنى ملابسة، أو الإضافة بمعنى ((في))، أي بالحديث الذي ورد في ذكر الشفاعة . و((الشفاعة)): مصدر ((شفع)): إذا طلب. قال ابن منظور رحمه الله تعالى: وشَفَعَ لي يشفَعُ شَفَاعَةً، وتشفَّعَ: طلب، والشفيعُ: الشافع، والجمع شُفَعَاء، واستشفع بفلان على فلان، وتشفع له إليه، فشَفَّعَه فيه. وقال الفارسي: استشفعه: طلب منه الشفاعةً، أي قال له: كن لي شافعا. وفي التنزيل: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَّةُ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِّئَةٌ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. وروي عن المبرد وثعلب أنهما قالا في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ،﴾ [البقرة: ٢٥٥]: الشفاعة: الدعاء ههنا. والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره. وشَفَعَ إليه: في معنى طَلَبَ إليه. والشافعُ: الطالب لَغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال: تشفعت بفلان إلى فلان، فشَفَّعَني فيه، واسم الطالب شَفيع، قال الأعشى: [من البسيط] وَاسْتَشْفَعَتْ مِنْ سَرَاةِ الْحَيِّ ذَا ثِقَةٍ فَقَدْ عَصَاهَا أَبُوهَا وَالَّذِي شَفَعَا واستشفعته إلى فلان: أي سألته أن يشفع لي إليه، وتشفَّعتُ إليه في فلان، فشَفَّعَني فيه تشفيعًا، قال حاتم يخاطب النعمان: [من الطويل] فَكَكْتَ عَدِيًّا كُلَّهَا مِنْ إِسَارِهَا فَأَفْضِالْ وَشَفِّعْنِي بِقَيْسِ بْنِ جَحْدَرِ وقد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجَرَائم، والمشفّع بالكسر: الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع بالفتح: الذي تُقبَل شفاعته. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى. وقال بعضهم: أصل الشفاعة من قولنا: شَفَعَ كذا بكذا: إذا ضمه إليه، وسمي الشافع شافعًا لأنه يضم طلبه ورجاءه إلى طلب المشفوع له. [تنبيهان]: الأول: قال في ((الفتح)): قال ابن بطال رحمه اللّه تعالى: أنكرت المعتزلة والخوارج الشفاعة في إخراج من أدخل النار من المذنبين، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وغير ذلك من الآيات. ٢٥ ١٧١ - (بابُ مَوْضِعِ السُّجُودِ) - حديث رقم ١١٤٠ وأجاب أهل السنة بأنها في الكفار، وجاءت الأحاديث في إثبات الشاعة المحمدية متواترة، ودلّ عليها قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) [الإسراء: ٧٩]، والجمهور على أن المراد به الشفاعة. وبالغ الواحدي، فنقل الإجماع، ولكنه أشار إلى ما جاء عن مجاهد، وزَيَّفَه، وقال الطبري تَخْلُهُ: قال أكثر أهل التأويل: المقام المحمود هو الذي يقومه النبي ◌ُّ، ليريحهم من كرب الموقف. انتهى . ما في ((الفتح)) باختصار. وقال بعضهم: والشفاعة من الأمور التي ثبتت بالكتاب والسنة، وأحاديثها متواترة. قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ، إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فنفيُ الشفاعةِ بلا إذن إثباتٌ لها من بعد الإذن، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِ السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَعَفُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدٍ أَن يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَبَرْضَ﴾ [النجم: ٢٦]، فبين اللّه تعالى أن الشفاعة الصحيحة هي التي تكون بإذنه، ولمن يرضى قوله وعمله. وأما ما يتمسك به الخوارج، والمعتزلة في نفي الشفاعة من مثل قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ﴾، وقوله: ﴿وَلَا يُقْبَّلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنَفَعُهَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقوله: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ﴾ الآية [الشعراء: ١٠٠]، فإن الشفاعة المنفية هنا هي الشفاعة في أهل الشرك، وكذلك الشفاعة الشركية التي يثبتها المشركون لأصنامهم، ويثبتها النصارى للمسيح والرهبان، وهي التي تكون بغير إذن الله ورضاه. انتهى(١) .. [الثاني]: أنه اختلف العلماء في عدد الشفاعة لاختلاف الآثار: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى: وله ◌َ لّ في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يُقضَى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء، آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم، عن الشفاعة حتى تنتهي إليه. وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له . وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحقّ النار، وهذه الشفاعة له، ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها. انتهى (٢) . وقال في ((الفتح)): وقال النووي تبعا لعياض رحمهما الله تعالى: الشفاعة خمس: في الإراحة من هول الموقف، وفي إدخال قوم الجنة بغير حساب، وفي إدخال قوم (١) ((فتح)) ج١٣ ص٢٤٨ . (٢) راجع ((العقيدة الواسطية)) ص ١٤٠- ١٤١. ٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ حوسبوا، فاستحقوا العذاب أن لا يعذبوا، وفي إخراج من أُدخل النار من العصاة، وفي رفع الدرجات. قال الحافظ ◌َّهُ: وأشار عياض إلى استدراك شفاعة سادسة، وهي التخفيف عن أبي طالب في العذاب. وزاد بعضهم شفاعة سابعة، وهي الشفاعة لأهل المدينة، لحديث سعد رَّه، رفعه: ((لا يَثْبُتُ على لأوائها أحد إلا كنت له شهيدا، أو شفيعا)). أخرجه مسلم، ولحديث أبي هريرة ◌َظ ◌ّيه رفعه: ((من استطاع أن يموت بالمدينة، فليفعل، فإني شفيع لمن مات بها)). أخرجه الترمذي. قال الحافظ: وهذه غير واردة لأن متعلقها لا يخرج عن واحدة من الخمس الأُوَل، ولو عُدَّ مثل ذلك لعدّ حديث عبدالملك بن عباد: ((سمعت النبي وَ ل يقول: أول من أشفع له أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف)). أخرجه البزار والطبراني، وأخرج الطبراني من حديث ابن عمر رفعه: ((أول من أشفع له أهل بيتي، ثم الأقرب، فالأقرب، ثم سائر العرب، ثم الأعاجم)). وذكر القزويني في ((العروة الوثقى)) شفاعته لجماعة من الصلحاء في التجاوز عن تقصيرهم، ولم يذكر مستندها، ويظهر لي أنها تندرج في الخامسة . وزاد القرطبي أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، وهذه أفردها النقّاش بالذكر، وهي واردة. وزاد النقاش أيضا شفاعته في أهل الكبائر من أمته، وليست واردة، لأنها تدخل في الثالثة، أو الرابعة. قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: وظهر لي بالتتبع شفاعة أخرى، وهي الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيآته أن يدخل الجنة، ومستندها ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس رَها، قال: السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي وَّةِ. وقد ثبت أن أرجح الأقوال في أصحاب الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيآتهم. وشفاعة أخرى، وهي شفاعته فيمن قال: لا إله إلا الله، ولم يعمل خيرا قطّ، ومستندها رواية الحسن، عن أنس رَميه، وفيه: ((فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا اللَّه))، ولا يمنع مِنْ عَدِّها قول الله تعالى له: ((ليس ذلك إليك))، لأن النفي يتعلق بمباشرة الإخراج، وإلا فنفس الشفاعة منه قد صدرت، وقبولها قد وقع، وترتب عليها أثرها، فالوارد على الخمسة أربعة، وما عداها لا يرد، كما ترد(١) الشفاعة في التخفيف (١) هكذا نسخة ((الفتح)) ((كما ترد الشفاعة)) الخ، ولعل الصواب ((كما لا ترد)) الخ بزيادة ((لا)). ٢٧ ١٧١- (بَابُ مَوْضِعِ السُّجُودِ) - حديث رقم ١١٤٠ عن صاحبي القبرين، وغير ذلك، لكونه من جملة أحوال الدنيا. انتهى ما في ((الفتح)) بنوع تصرف(١). (والآخر منصت) جملة في محل نصب على الحال من)) أحدهما»، أي والحال أن الآخر، وهو أبو سعيد ساكت مستمع لتحديثه، ولا يعترض عليه. و((المنصتُ)) اسم فاعل من أنصت له رباعيًّا: إذا سكت مستمعًا، ويقال أيضًا: نصت له ثلاثيا من باب ضرب. كما في «المصباح)) . (قال) أي أحدهما (فتأتي الملائكة، فتشفع، وتشفع الرسل، وذكر الصراط) أي ذكر أحدهما ضرب الصراط على ظهراني جهنم. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هكذا اختصر المصنف رحمه الله تعالى حديث الشفاعة، وهو مذكور في ((الصحيحين)) وغيرهما بطوله، وأحببت أن أسوقه من ((صحيح البخاري)) تتميما للفائدة، قال رحمه الله تعالى في ((باب فضل السجود)) من ((كتاب الصلاة)) : حدثنا أبو اليمان، قال أخبرني شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: ((هل تُمَارُون في القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب؟)) قالوا: لا يا رسول الله. قال: ((فهل تُمارُون في الشمس ليس دونها سحاب؟)) قالوا: لا. قال: ((فإنكم ترونه كذلك، يُحشَرُ الناسُ يوم القيامة، فيقول(٢): من كان يعبد شيئا فليتّبع، فمنهم من يتّبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها، فيأتيهم اللَّه عز وجلّ، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم اللَّه، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيدعوهم، فيُضرَب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكونُ أولَ من يَجُوزُ من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللَّهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليبُ مثل شوك السَّعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟» قالوا: نعم، قال: ((فإنها مثل شوك السعدان، غيرَ أنه لا يعلم قدر عِظَمِهَا إلا اللّه، تَخَطَفُ الناسَ بأعمالهم، فمنهم من يوبَقُ بعمله، ومن يُخَردَلُ، ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر اللَّه الملائكة أن يُخرِجُوا من كان يعبد اللَّه، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرّم اللَّه على النار أن تأكل أثَّرَ السجود، (١) ((فتح)) ج١٣ ص ٢٥٠-٢٥١. (٢) الفاعل ضمير يعود إلى اللّه، وفي رواية البخاري في ((الرقاق)) ((يجمع اللَّه الناس، فيقول)) ... ۔۔۔ ٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ فيخرجون، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود، فيخرجون من النار، قد امتَحَشُوا، فيُصبُّ عليهم ماءُ الحياة، فينبتون كما تنبت الْحِبَّة في حَمِيل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار- وهو آخر أهل النار دخولًا الجنةَ- مقبلًا بوجهه قِبَلَ النار، فيقول: يارب اصرف وجهي عن النار، قد قَشَبَني(١) ريحها، وأحرقني ذَكَاؤها(٢)، فيقول: هل عسيت إن فعلتُ ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا، وعزتك، فيعطي اللَّهَ ما يشاءُ من عَهْد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى بُهُجَتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا ربّ قَدِّمني عند باب الجنة، فيقول اللَّه له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب لا أكونُ أشقى خلقك، فيقول: فما عسيتَ إن أعطيت ذلك أن لا تسأل غيره، فيقول: لا، وعزتك، لا أسألُ غيرَ ذلك، فيعطي رَبَّهُ ما شاء من عهد وميثاق، فيقدّمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها، فرأى زَهْرَتها، وما فيها من النَّضْرَة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله تعالى: ويحك يا ابن آدم، ما أغدرك؟ أليس قد أعطيت العهد والميثاق أن لا تسأل غير الذي أُعْطِيتَ؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك اللَّه عز وجلّ منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول له: تَمَنَّ، فيتمنى، حتى إذا انقطع أُمنيّتُه قال الله عزّ وجلّ: زد من كذا وكذا، أقبل يذكّرُه ربُّه عزّ وجلّ، حتى إذا انتهت به الأماني، قال الله تعالی: لك ذلك، ومثله معه)). قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة رَؤيتها: إن رسول اللّه وَ ل قال: ((قال الله عز وجلّ: لك ذلك وعشرة أمثاله))، قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول اللَّه وَل إلا قوله: ((لك ذلك، ومثله معه))، قال أبو سعيد الخدري: إني سمعته يقول: ((لك ذلك، وعشرة (٣) أمثاله)) . انتھی" . (قال) أي أحدهما، وفي نسخة بإسقاط لفظة ((قال)) (قال رسول اللّه وَعليه: فأكون أول من يُجيز) من الإجازة، وفي رواية البخاري)) فأكون أنا وأمتي أول من يجيز)). قال في ((الفتح)): في رواية شعيب ((يجوز بأمته))، وفي رواية إبراهيم بن سعد ((يُجِيزها))، والضمير لجهنم. قال الأصمعي ◌َّلهُ: جاز الوادي مشى فيه، وأجازه قطعه. وقال غيره: جاز، (١) ((قشبني)) آذاني، وأهلكني. (٢) ((ذكاؤها)) بالمد، واقصر، وهو الأشهر: أي لهبها، وشدة اشتعالها. (٣) ((صحيح البخاري)) ج٢ ص٥٥١-٥٥٢. بنسخة الفتح. ٢٩ ١٧١ - (بَأَبُ مَوْضِعِ السُّجُودِ) - حديث رقم ١١٤٠ وأجاز بمعنى واحد. وقال النووي تَخْذَتُهُ: المعنى أكون أنا وأمتي أولَ من يمضي على الصراط، ويقطعه، يقال: جاوز الوادي، وأجازه: إذا قطعه، وخَلَّفَه. وقال القرطبي: يحتمل أن تكون الهمزة هنا للتعدية، لأنه لما كان هو وأمته أوّل من يجوز على الصراط لزم تأخير غيرهم عنهم حتى يجوز، فإذا جاز هو وأمته، فكأنه أجاز بقيةَ الناس. انتهى. ووقع في حديث عبدالله بن سلام عند الحاكم: ((ثم ينادي مناد أين محمد وأمته؟ فيقوم، فتتبعه أمته بَرُّها وفاجرها، فيأخذون الجِسْرَ، فيطمس اللَّه أبصار أعدائه، فيتهافتون من يمين وشمال، وينجو النبي والصالحون)). وفي حديث ابن عباس تَطريقها يرفعه ((نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب))، وفيه ((فتُفْرِج لنا الأممُ عن طريقنا، فنمرّ غُرّا مُحَجلين من آثار الطهور، فتقول الأمم: كادت (١) هذه الأمة أن يكونوا أنبياء)). انتهى (فإذا فرغ اللَّهُ عز وجلّ من القضاء بين خلقه) أي أتم القضاء بدخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. وفي نسخة ((من القسط)) بدل ((القضاء)). و((القسط)): العدل (وأخرج من النار من أراد أن يُخرج) الظاهر أن معنى قوله: ((أخرج)) أراد أن يخرج من النار، لأن أمره بالشفاعة إنما يكون لأجل إخراج من أراد إخراجه من النار. والله تعالى أعلم. فـ((مَنْ)) من قوله: ((من أراد)) موصولة مفعول ((أخرج)). (أمر الملائكة والرسل أن تشفع، فيعرفون) عطف على مقدر، أي فيشفعون، ويعرفون. وهو بالبناء للمفعول، والواو ضمير ((مَنْ)) في قوله: ((من أراد أن يُخرج)). ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والواو ضمير الملائكة والرسل، والمفعول محذوف، أي يعرفونهم. (بعلاماتهم) متعلق بـ((يعرفون)). وفي رواية البخاري ((فيعرفونهم بعلامة آثار السجود)»، وفي رواية له ((فيعرفونهم في النار بأثر السجود)). قال الزين ابن المُنَيِّر: تُعْرَفُ صفةُ هذا الأثر مما ورد في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمِ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ لأن وجوههم لا تؤثر فيها النار، فتبقى صفتها باقية. وقال غيره: بل يعرفونهم بالغُرَّة. وفيه نظر، لأنها مختصة بهذه الأمة، والذين يخرجون أعم من ذلك(٢) .. (أن النار تأكل) بفتح ((أن)) بتقدير لام الجر، أي لأن النار تأكل الخ، أو بدل من (١) ((فتح)) ج١٣ ص ٢٨٠ (٢) المصدر المذكور ج١٣ ص ٢٧٥ . ٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ ((علاماتهم)). ويحتمل أن يكون بكسر ((إنَّ)) على الاستئناف. (كل شيء) بالنصب على أنه مفعول ((تأكل))، أي تأكل جميع الأعضاء (من ابن آدم) متعلق بمحذوف صفة (شيء)) (إلا موضع السجود) الاستثناء متصل، والمراد من موضع السجود العضو الذي يقع عليه السجود، وهو الوجه، أو جميع الأعضاء السبعة، كما اختاره النووي رحمه اللَّه تعالى، على ما سيأتي، وهو الراجح عندي، ولا يشكل على هذا إفراد ((موضعٌ))، لأنه مفرد مضاف، فيعمّ. وتسميته موضعَ السجود على سبيل المجاز، وذلك لأن السجود لا يتحقق إلا بوضع هذه الأعضاء، فكأنها مكان له. والله تعالى أعلم. وفي رواية الشيخين: ((فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم اللَّه على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود)). قال في ((الفتح)): قوله: ((وحرم اللَّه على النار)) جواب عن سؤال مقدر تقديره كيف يُعرَف أثر السجود مع قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم ((فأماتهم اللَّه إماتة، حتى إذا كانوا فَحْمًا أَذِنَ اللَّهُ بالشفاعة))، فإذا صاروا فَحْمًا كيف يتميز محل السجود من غيره حتى يعرف أثره. وحاصل الجواب تخصيص أعضاء السجود من عموم الأعضاء التي دلّ عليها هذا الخبر، وأن اللَّه منع النار أن تحرق أثر السجود من المؤمن. وهل المراد بأثر السجود نفس العضو الذي يسجد، أو المراد مَنْ سَجَدَ؟ فيه نظر، والثاني أظهر. قال القاضي عياض ◌َخّْتُهُ: فيه دليل على أن عذاب المؤمنين المذنبين مخالف لعذاب الكفار، وأنها لا تأتي على جميع أعضائهم، إما إكراما لموضع السجود، وعظم مكانهم من الخضوع لله تعالى، أو لكرامة تلك الصورة التي خُلِقَ آدم والبشر عليها، وفضلوا بها على سائر الخلق. قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: الأول منصوص، والثاني محتمل، لكن يشكل عليه أن الصورة لا تختص بالمؤمنين، فلو كان الإكرام لأجلها لشاركهم الكفار، وليس كذلك. قال النووي رحمه الله تعالى: وظاهر الحديث أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة، وهي الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان. وبهذا جزم بعض العلماء. وقال عياض تَخْذَتُهُ: ذكر الصورة، ودارات الوجوه يدلّ على أن المراد بأثر السجود الوجه خاصة، خلافا لمن قال: يشمل الأعضاء السبعة، ويؤيد اختصاص الوجه أن في ٣١ ١٧١ - (بابُ مَوْضِعِ السُّجُودِ) - حديث رقم ١١٤٠ بقية الحديث: ((ان منهم من غاب في النار إلى نصف ساقيه))، وفي حديث سمرة رضّه عند مسلم ((وإلى ركبتيه))، وفي رواية هشام بن سعد في حديث أبي سعيد رَّه ((وإلى حقويه). قال النووي تَخّْلهُ: وما أنكره هو المختار، ولا يمنع من ذلك قوله في الحديث الآخر في مسلم: ((إن قوما يخرجون من النار، يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم)»، فإنه يحمل على أن هؤلاء قوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار، فيكون الحديث خاصًّا بهم، وغيره عاماً، فيحمل على عمومه، إلا ما خُصَّ منه. قال الحافظ رَّتُهُ : إن أراد أن هؤلاء يخصون بأن النار لا تأكل وجوههم كلها، وأن غيرهم لا تأكل منهم محل السجود خاصة، وهو في الجبهة، سَلِمَ من الاعتراض، وإلا يلزمه تسليم ما قال القاضي في حق الجميع إلا هؤلاء، وإن كانت علامتهم الغرّة كما تقدم النقل عمن قاله، وما تعقبه بأنها خاصة بهذه الأمة، فيضاف إليها التحجيل، وهو في اليدين والقدمين مما يصل إليه الوضوء، فيكون أشمل مما قاله النووي من جهة دخول جميع اليدين والرجلين، لا تخصيص الكفين والقدمين، ولكن ينقص منه الركبتان. وما استدل به القاضي من بقية الحديث لا يمنع سلامة هذه الأعضاء مع الانغمار، لأن تلك الأحوال الأخروية خارجة عن قياس أحوال أهل الدنيا. ودلّ التنصيص على دارات الوجوه أن الوجه كله لا تؤثر فيه النار، إكراما لمحلّ السجود، ويحمل الاقتصار عليها على التنويه بها لشرفها . وقد استنبط ابن أبي جمرة من هذا أن من كان مسلما، ولكنه لا يصلي لا يخرج، إذ لا علامة له. لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة، لعموم قوله: ((لم يعملوا خيرا قطّ)) وهو مذكور في حديث أبي سعيد رَنّ، أخرجه البخاري ◌َّتُهُ في ((كتاب التوحيد)). وهل المراد بمن يسلم من الاحتراق من كان يسجد، أو أعمّ من أن يكون بالفعل، أو القوة؟ الثاني أظهر، ليدخل فيه من أسلم مثلا، وأخلص، فبغته الموت قبل أن يسجد. قال الحافظ نَّلهُ: ووجدت بخط أبي رحمه الله تعالى، ولم أسمعه من نظمه ما يوافق مختار النووي، وهو قوله [من الكامل]: يَارَبِّ أَعْضَاءُ السُّجُودِ عَتَقْتَهَا (١) مِنْ عَبْدِكَ الْجَانِي وَأَنْتَ الْوَاقِي وَالْعِثْقُ يَسْرِي بِالْغِنَى يَا ذَا الْغِنَى فَامْنُنْ عَلَى الْفَانِي بِعِثْقِ الْبَاقِي انتهى ما في ((الفتح)) (٢). (١) قوله: ((عتقها)) هكذا في البيت عتق ثلاثيًّا، وهو محل نظر؛ إذ لم يُثْبِتْ أَهلُ اللغة عتق ثلاثيًا متعديًا، وإنما هو لازم، يتعدى بالهمزة، فليُتَنَبَّه. (٢) ج١٣ ص ٢٨٦ . ٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ (فيصب عليهم من ماء الجنة) ببناء الفعل للمجهول، وهو عطف على محذوف، أي فيُخرَجُون من النار، فيصب عليهم بعد الإخراج من ماء الجنة. وفي بعض النسخ ((من ماء الحياة)) . وفي رواية للبخاري: ((فيُخرِجونهم، قد امتَحَشُوا، فيصب عليهم ماء، يقال له: ماء . الحياة)). وقوله: ((امتحشوا)) بفتح الحاء، وضم المعجمة، كاحتَرَقُوا وزناً ومعنى. وظاهر قوله: ((من ماء الجنة)) أن الماء يصب من داخل الجنة. وفي حديث أبي سعيد تَظ ◌ّه ، عند البخاري: («فيُلقَون في نهر بأفواه الجنة، يقال له ماء الحياة)). وفي رواية لمسلم ((على نهر، يقال له: الحيوان، أو الحياة))، وفي أخرى له: ((فليقيهم في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة)). ولا تنافي بين هذه الروايات، لإمكان الجمع بكون أصل ذلك النهر من الجنة. والله تعالى أعلم. قال في ((الفتح)): وفي تسمية ذلك النهر به إشارة إلى أنهم لا يحصل لهم الفناء بعد ذلك. انتهى (١) .. (فينبتون) بفتح الياء، مضارع نَبَتَ، من باب قَتَلَ (كما تنبت الحِبَّة) بكسر الحاء .. المهملة، وتشديد الموحدة: هي بُزُور الصحراء، والجمع حِبَبٌ بكسر المهملة، وفتح الموحدة، بعدها مثلها. وأما الحَبَّة بفتح أوله: هو ما يزرعه الناس، فجمعها حُبُوب بضمتين. ووقع في حديث أبي سعيد رَّه ((فينبتون في حافتيه))، وفي رواية لمسلم ((كما تنبت الغُثَاءة)) بضم الغين المعجمة، بعدها مثلثة مفتوحة، وبعد الألف همزة، ثم هاء تأنيث، هو في الأصل كلُّ ما حمله السيل، من عيدان، وورق، وبزور، وغيرها، والمراد هنا ما حمله السيل من البزور خاصة. قاله في ((الفتح)). (في حميل السيل) بالحاء المهملة المفتوحة، والميم المكسورة: أي ما يحمله السيل. وفي نسخة بإسقاط لفظة ((حميل)). وفي رواية أبي سعيد عند البخاري: ((إلى جانب السيل)). والمراد أن الغُثَاء الذي يجيء به السيل يكون فيه الحِبّة، فيقع في جانب الوادي، فتصبح من يومها نابتة . ووقع في رواية لمسلم ((حمئة السيل)) بعد الميم همزة، ثم هاء، وقد تُشْبَع الميم، فيصير بوزن عظيمة، وهو: ما تغيّر لونه من الطين، وخُصَّ بالذكر، لأنه يقع فيه النبت غالبا. (١) ((فتح)) ج١٣ ص ٢٨٧ . ٣٣ ١٧١ - (بأبُ مَوْضِعِ السُّجُودِ) - حديث رقم ١١٤٠ قال ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: فيه إشارة إلى سرعة نباتهم، لأن الحبّة أسرع في النبات من غيرها، وفي السيل أسرع، لما يجتمع فيه من الطين الرخوِ الحادث مع الماء مع ماخالطه من حرارة الزبل المجذوب معه، قال: ويستفاد منه أنه تمّ كان عارفا بجميع أمور الدنيا بتعليم من اللّه تعالى، وإن لم يباشر ذلك. وقال القرطبي رحمه الله تعالى: اقتصر المازَري ◌َّلهُ على أن موقع التشبيه السرعة، وبقي عليه نوع آخر، دلّ عليه قوله في الطريق الأخرى ((ألا ترونها تكون إلى الحجر ما يكون منها إلى الشمس أصفر وأخضر، وما يكون منها إلى الظلّ يكون أبيض)). وفيه تنبيه على أن ما يكون إلى الجهة التي تلي الجنة يسبق إليه البياض المستحسن، وما يكون منهم إلى جهة النار يتأخر النُّصُوع عنه، فيبقى أُصَيفِر وأُخَيضِر إلى أن يتلاحق البياض، ويستوي الحسن والنور، ونضارة النعمة عليهم. قال: ويحتمل أن يشير بذلك إلى أن الذي يباشر الماء، يعني الذي يُرَشّ عليهم يسرع نُصُوعه، وأن غيره يتأخر عنه النصوع، لكنه يسرع إليه. والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة، وأبي سعيد تعرّ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بیان مواضع ذکر المصنف له: أخرجه هنا- ١٧١ / ١١٤٠ - وفي ((الكبرى)) -٧٢٦/٧٨ - عن محمد بن سليمان لُوَين، عن حماد بن زيد، عن معمر، والنعمان بن راشد، كلاهما عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عنهما. وفي)) التفسير)) من ((الكبرى))-١١٤٨٨ - عن عيسى بن حماد، عن ليث، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب به بأكثر الحديث عن أبي هريرة وحده. و-١١٦٣٧ - عن محمد بن عبدالأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر ببعضه. وفي ((النعوت)) منه - ٧٧٦٣ - عن عمرو بن يزيد، عن سيف بن عبيدالله، قال: وكان ثقة، عن سلمة بن عَيَّار، عن سعيد بن عبدالعزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه، وليس فيه ذكر عطاء بن يزيد، وهو مختصر. والله تعالى أعلم .. (١) ج١٣ ص ٢٨٧ -٢٨٨ . ٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه : أخرجه (خ) عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري به. وعن عبدالعزيز بن عبدالله، عن إبراهيم بن سعد به. وعن محمود بن غيلان، عن عبدالرزاق، عن معمر به. (م) عن أبي اليمان به. وعن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه به. (ق) عن محمد بن عبادة الواسطي، عن يعقوب بن محمد الزهري، عن إبراهيم بن سعد به. وأخرجه (أحمد) ٢٧٥/٢ و٢٩٣ (الدارمي) برقم ٢٨٠٤ . والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده : منها: ما بوب له المصنف رحمه اللَّه تعالى، وهو فضل موضع السجود، حيث إن الله تعالى حرمه على النار، وكان علامةً يعرف بها المسلم عند الإذن بالشفاعة. ومنها: ما كان عليه الصحابة ، من كمال الأدب، حيث ينصت بعضهم إلى تحديث الآخرين، وإن كانوا يعلمون ذلك الحديث. ومنها: ثبوت الشفاعة للملائكة والرسل، وإن أنكر ذلك المعتزلة والخوارج. ومنها: إثبات الصراط، وأن المؤمنين يَجُوزونه . ومنها: بيان فضل النبي ◌َّة، وأمته حيث إنهم أول من يجيز على الصراط قبل سائر الأمم. ومنها: أن بعض المؤمنين يعذبون بدخول النار، ثم يرحمهم الله تعالى بالخروج منها . ومنها: أن عذاب المؤمن يخالف عذاب الكفار، حيث إنه لا يعم جميع أجسادهم، بل يسلم لهم أثر السجود، حتى يكون علامة لهم، فيعرفهم الشفعاء به، فيخرجونهم من النار . ومنها: أن الذين يخرجون بالشفاعة يموتون في النار، ثم إذا خرجوا منها ألقوا في نهر الحياة، فينبتون كنبات البزور طَورًا بعد طور، حتى يتكامل خَلْقُهُم ثم يدخلون الجنة . اللَّهم إنا نسألك الجنة، وما قرّب إليها من قول، أو عمل، ونعوذ بك من النار، وما قرّب إليها من قول، أوعمل، برحمتك، يا أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٧٢ - (بَأَبِّ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ - حديث رقم ١١٤١ ٣٥ ١٧٢- (بَابٌ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سَجْدَةٌ أَطْوَلَ مِنْ سَجْدَةٍ؟) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواب الاستفهام بـ«هل يجوز أن تطوّل سجدة على أخرى؟)). والحديث المذكور في الباب يدلّ على الجواز. والله تعالى أعلم. ١١٤١- (أَخْبَرَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّام، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْبَصْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّ فِي إِحْدَى صَلَاتَي الْعِشَاءِ، وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنَا، أَوْ حُسَيْنَا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ، فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبِّرَ لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةَ أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَإِذَالصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللّهِ وَرَه وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ نَّرِ الصَّلَاةَ، قَالَ النَّاسُ: يَارَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا، حَتَّىٍ ظَنَنَا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ؟، قَالَ: ((كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عبدالرحمن بن محمد بن سلام) -بالتشديد- ابن ناصح البغدادي، ثم الطَّرَسُوسي، أبو القاسم مولى بني هاشم، وقد ينسب إلى جدّه، لا بأس به [١١]. روى عن يزيد بن هارون، وحجاج الأعور، وزيد بن الحُبَاب، وغيرهم. وعنه أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، ومطَّيِّن، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ثقة، وقال مرة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما خالف. وقال الدارقطني: طَرَسُوسي ثقة. وأرخ صاحب ((الزهرة)) وفاته سنة (٢٣١). انفرد به أبوداود، والمصنف، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثًا. ٢- (يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد [٩] تقدم ١٥٣ /٢٤٤ . ٣- (جرير بن حازم) بن زيد بن عبدالله، الأزدي، أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه [٦] ت ٣٦ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ سنة (١٧٠) بعد ما اختلط، لكن لم يحدث في حال اختلاطه، وتقدم في ١٠١٤/ ٨٢. ٤- (محمد بن أبي يعقوب) هو محمد بن عبدالله بن أبي يعقوب، التيمي البصري، نسب لجده، ثقة [٦]. روى عن عبدالله بن شداد، والحسن بن سعد، ورجاء بن حيوة، وغيرهم. وعنه جرير بن حازم، ومهدي بن ميمون، وهشام بن حسان، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال شعبة في رواية: حدثنا محمد بن أبي يعقوب سيد بني تميم. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال العجلي: بصري ثقة. وقال ابن نمير: ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦) أحاديث. ٥- (عبدالله بن شدّاد) بن الهاد الليثي المدني، ولد في عهد النبي ◌ََّ، ثقة فقيه [٢] تقدم ٤٣/ ٧٣٨ ٠ ٦٠- (شداد بن الهاد) الليثي المدني، والد عبدالله بن شدّاد بن الهاد، من بني بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة بن خُزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. قيل: اسمه أسامة بن عمرو، وشداد لقبه، واسم الهاد عمرو. وقال خليفة بن خيّاط: اسم الهاد أسامة بن عمرو بن عبدالله بن جابر بن بشر بن عتوارة بن عامر بن مالك بن ليث بن بكر. وقال غيره: إنما قيل له: الهاد لأنه كان يوقد النار بالليل لمن سلك الطريق للأضياف. روى عن النبي ◌َّر، وعن ابن مسعود. وعنه ابنه عبدالله، وعبدالرحمن بن عبدالله بن أبي عمّار، وإبراهيم بن محمد بن طلحة. قال الآجري: قلت لأبي داود: عبدالله بن شداد بن الهاد، عن أبيه سمع النبي وَّ؟ فقال: قد رُويَ، وما أدري. وقال غيره: كان سلفاً(١) لرسول اللّه وَل، ولأبي بكر، كانت تحته سلمى بنت عميس، أخت أسماء بنت عميس، وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها. سكن المدينة، ثم تحول إلى الكوفة. وقال البخاري: له صحبة. وذكره ابن سعد فيمن شهد الخندق. انفرد به المصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا (١١٤١) وحديث رقم (١٩٥٣). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم موثقون، وأن شيخه بغدادي، ثم طرسوسي، ويزيد واسطي، وجرير، ومحمد بن أبي يعقوب بصريان، وعبدالله مدني، (١) سلف الرجل بفتح، فكسر، أو بكسر، فسكون: زوج امرأته. أفاده في ((ق)). ١٧٢ - (بَأَبّ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ... - حديث رقم ١١٤١ ٣٧ وأبوه مدني، سكن الكوفة، وأن صحابيه من المقلين، ليس له إلا ثلاثة أحاديث، وانفرد بإخراجها المصنف من بين أصحاب الأصول. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبدالله بن شدّاد، عن أبيه) شدّاد بن الهاد رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قال: خرج علينا رسول اللَّه ◌َ لّ في إحدى صلاتي العشاء) أراد المغرب والعشاء، وفي نسخة ((في إحدى صلاتي العشي)). و((العشي)): قيل: ما بين الزوال إلى غروب الشمس، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا العَشيّ. وقيل: هو آخر النهار. وقيل: العشي من الزوال إلى الصباح. وقيل: العشي والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة. قاله في ((المصباح)). (وهو حامل حسنا، أوحسينا) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي خرج، والحال أنه حامل حسن بن علي بن أبي طالب، أو أخاه حسينا، وَطيهتنا . أما الحسن، فهو الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف، الهاشمي سبط رسول اللّه ◌ِّر، وريحانته، أمير المؤمنين أبو محمد. وُلد في شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة. وقيل: في شعبان منها. وقيل: سنة أربع. وقيل: سنة خمس، والأول أثبت، وقد صحب النبي ◌َّل، وحفظ عنه، مات بالسم سنة ع (٤٩) وهو ابن (٤٧) وقيل: بل مات سنة (٥٠) وقيل: بعدها. وستأتي ترجمته مبسوطة في ١٧٤٥ - إن شاء الله تعالى. وأما الحسين، فهو ابن علي بن أبي طالب أخو الحسن أصغر منه، استشهد بكربلاء يوم عاشوراء سنة (٦١) وله (٥٦) سنة، تقدمت ترجمته في - ٧٨/ ٩٥. (فتقدّم رسول اللَّه وَّ) ليصلي بالناس (فوضعه) أي الحسن، أو الحسين، رَوَّ (ثم كبر للصلاة، فصلى) أي شرع في الصلاة (فسجد بين ظهراني صلاته) أي أثناء صلاته. وفي نسخة («بين ظهري صلاته)). قال ابن منظور تَّلهُ تعالي: وهو نازل بين ظَهْرَيهم، وظَهْرَانَيهم، بفتح النون، ولا يكسر: بين أَظْهُرهم. وفي الحديث: ((فأقاموا بين ظهرانيهم))، و(بين أظهرهم)). قال ابن الأثير تَخّْلهُ: تكررت هذه اللفظة في الحديث، والمراد بها أنهم أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد لهم، وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدا، ومعناه أن ظهرا منهم قُدّامه، وظهرا وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ومن جوانبه، إذا قيل: بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا. وكلّ ما كان في وسط شيء ومُعظمه فهو بين ظهريه وظهرانيه. ٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ وقال الأزهري عن الفرّاء: فلان بين ظَهْرَيْنَا، وظَهْرَانَيْنَا، وأظهُرِنا بمعنى واحد، قال: ولا يجوز بين ظهرانينا بكسر النون، ويقال: رأيته بين ظهراني الليل، أي بين العشاء إلى الفجر. ويقال للشيء إذا كان في وسط شيء: هو بين ظَهْرَيه، وظَهْرَانَيه. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى باختصار. (سجدة أطالها) (سجدة)) منصوب على أنه مفعول مطلق مبين للنوع، وجملة ((أطالها)) في محل نصب صفة له. يعني أنه طَوَّلَ من بين سجدات تلك الصلاة سجدة واحدة، وهذا هو محل الاستدلال من الحديث، حيث طول النبي وَالر السجدة من بين أخواتها، فدلّ على جواز ذلك . (قال أبي) هو شدّاد بن الهاد رَاليه (فرفعت رأسي) أي ظنا منه أنه بَّر رفع رأسه دون أن يسمع منه التكبير، أو فعل ذلك خوفا أن يحدث أمر، كما سيأتي قولهم: ((حتى ظننا أنه قد حدث أمر)). (وإذا الصبي على ظهر رسول اللّه وَلِّ) ((إذا)) هي الفجائية، و((الصبي)) مبتدأ خبره الجار والمجرور بعده، أي ففجاءني كون الصبي على ظهر رسول اللّه ◌َله. (وهو ساجد) جملة في محل نصب على الحال (فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول اللَّه ◌َ ليل الصلاة) أي انتهى منها، وسلم (قال الناس) أي الذين صلوا معه (يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك)وفي نسخة ((بين ظهري صلاتك)) (سجدة أطلتها، حتى ظننا أنه قد حدث أمر) كناية عن الموت، أو المرض (أو أنه يوحى إليك) ببناء الفعل للمفعول، وجملة ((أن)) عطف على ((أمر))، أى أو حدث وَخْيٌ إليك. (قال) وَّرَ (كلُّ ذلك) إشارة إلى المذكور من حدوث أمر، أو حدوث وحي، و((كل)) مرفوع على الابتداء، وخبره جملة قوله (لم يكن) أي لم يحصل، فـ(يكن)) تامة تكتفي بمرفوعها، ولا تحتاج إلى منصوب، كما قال ابن مالك تَخّْلهُ في ((خلاصته)): وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي ٠٠٠ ٠ ٠. وقال الحريري رحمه في «ملحته)) : : وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمٍ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَزْ والمعنى أنه لم يحصل، ولم يوجد شيء مما ظننتم من حدوث أمر، أو حدوث وحي، ثم بين لهم سبب الإطالة بقوله (ولكن ابني ارتحلني) (لكن)) يحتمل أن تكون مشددة النون، فتكون من أخوات ((إنّ)) و((ابني)) اسمها، و((ارتحلني)) خبرها، أو بتخفيف النون حرف استدراك، وما بعدها جملة من مبتدأ وخبر .. ١٧٢ - (بَابِّ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ... - حديث رقم ١١٤١ ٣٩ والمراد بابنه هو الحسن، أو الحسين رضي الله تعالى عنهما، وفيه إطلاق الابن على ابن البنت . ومعنى ((ارتحلني)): أى جعلني كالراحلة، فركب على ظهري، يقال: ارتحل فلان فلانًا: إذا علا ظهره، وركبه. أفاده في ((اللسان)). (فكرهت أن أعجله) من التعجيل، أو الإعجال. أي أحمله على العَجَلَة. قال ابن منظور رحمه الله تعالى: والاستعجال، والإعجال، والتعجّلُ واحد: بمعنى الاستحثاث، وطلب العَجَلَة. وأعْجَلَه، وعَجَّلَه تعجيلا: إذا استَحَثَّه. انتهى. (حتى يقضي حاجته) متعلق بـ(أعجله))، أي إلى أن ينتهي، من حاجته، وهي الركوب على ظهر . ◌َالتر . وإنما قضى النبي ◌َّر حاجة الصبي، وإن كان فيه تطويل على المأمومين، لأن ذلك لا يضر بهم، إذ اشتهاء الصبيان للشيء سريع الزوال، فلا يكون التطويل بذلك القدر مضرًا بالمأمومين، والله تعالى أعلم والحديث يدلّ على أن تطويل سجدة على سجدة لا يضرّ بالصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته : حديث شداد بن الهاد رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا- ١٧٢ / ١١٤١ - وفي ((الكبرى))-٧٢٧/٧٩ - بالسند المذكور. وأخرجه (أحمد)٣/ ٤٩٣. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز كون سجدة أطول من سجدة . ومنها: عدم بطلان صلاة المأموم برفع رأسه قبل الإمام ظنا منه أنه رفع، أو لغير ذلك، إذا عاد إلى المتابعة . ومنها: ما كان عليه النبي ◌َّل﴾ من الرحمة، وحسن الملاطفة للأطفال، حيث لم يقطع على الصبي قضاء وطره من الركوب عليه حتى يكون هو الذي ينزل باختياره. ومنها: جواز تسمية ابن البنت ابنا من حيث القرابة، وإن لم يكن كالابن من حيث الإرث، وأما قول القائل: [من الطويل]: ٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَثَاتُنَا بَثُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ فأراد به أن أبناء البنات في الإرث ليسوا كالأبناء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٧٣ - (بَابُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرَّفْع مِنَ السُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية التكبير عند رفع الرأس من السجود. ١١٤٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، وَيَحْتِى بْنُ آدَمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ ابْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَلْقَمَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ يُّكَبْرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعٍ، وَقِيَامِ، وَقُعُودٍ، وَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خُدِّهِ، قَالَ: وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، ◌َهَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: تسعة : ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإمام الثقة الحجة [١٠] تقدم ٢/٢ . ٢- (الفضل بن دُكَين) أبو نعيم الكوفي، ثقة ثبت، من كبار شيوخ البخاري [٩] تقدم ١١ / ٥١٦ . ٣- (يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي، أبو زكريا، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] تقدم ٤٥١/١ . ٤- (زهير) بن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الجعفي الكوفي، ثقة ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأَخَرَة [٧] تقدم ٤٢/٣٨ . ٥- (أبو إسحاق) عمرو بن عبدالله السبيعي الكوفي، ثقة مكثر عابد، اختلط بآخره [٣] تقدم ٤٢/٣٨. ٦- (عبدالرحمن بن الأسود)النخعي الكوفي، ثقة [٣] تقدم ٤٢/٣٨. ٧- (الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة مخضرم مكثر فقيه [٢] تقدم ٣٣/٢٩ .