النص المفهرس
صفحات 1-20
شرح سُبْنِ النَّائِيّ المَُمَّى ذَخِيرَة الْعُقْبَى فِي شَرِح المجَّتَبَى لجامِعِه الفَقِيْرُ إِى مَوْلَاهِ الغَنِيّ القَدِير مُحَ بِ الشّيخ العَّ ◌َة ◌َ بْ آَمْ بُوَ الْأُوْنِي الْوَلَّوحيّ المُدُّسُ بَدَارُ الحَديثُ الخيريَّة بمكّة المكرّمة عَفَا اللّه عَنْه رَعَنْ وَالَيْهِ آمِينٌ الجزء الرابع عشر مَكتب تنسيق وتخريج وتحقيق » قم ٢٥٢٤٠ دَارآلْ بُروم للنشر وَالتّوزيع " وَخْصْ العلاِى ◌ُّنْ شرح سُبْ النَّائي جميع الحقوق محفُوطُعَّة الطَّبَعَّة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م دَ ارُالْ بُرُوسِم للنشروَ التَّوْرْخ المملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التنعيم صَبُ: ٤١٤٥- (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - حوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦) ١٦٨- (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللهِ ...- حديث رقم ١١٣٧ ١٦٨- (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على بيان أقرب أحوال العبد من اللَّه عز وجل. فـ((ما)) مصدرية، كما يأتي بيان ذلك قريبا، إن شاء الله تعالى. ١١٣٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرٍو، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ سُمَيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ))). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (محمد بن سلمة) المرادي الجَمَلي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم ٢٠/١٩ ٠ ٢- (ابن وهب) هو عبدالله، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣- (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم، أبو أيوب المصري، ثقة فقيه حافظ [٧] تقدم ٦٣ / ٧٩ . ٤- (عُمَارة بن غَزِيّة) - بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، بعدها تحتانية ثقيلة - ابن الحارث بن عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة بن خنساء بن مبذول بن غنم بن مازن بن النجّار الأنصاري المازني المدني، ثقة [٦]. روى عن أنس، وأبيه غزية، وعباس بن سهل، وسُمَيّ، وغيرهم. وعنه عمرو بن الحارث، وسليمان بن بلال، ووهيب بن خالد، وغيرهم. قال أحمد، وأبو زرعة: ثقة. وقال يحيى بن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، كان صدوقا. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال البَرْقَاني عن الدارقطني: لم يلحق عمارةُ بن غزية أنسا، وهو ثقة، وكذا قال الترمذي: لم يلق أنسا. وذكره ابن حبان في ((الثقات)) في أتباع التابعين. وقال العجلي: أنصاري ثقة. وذكره العقيلي في ((الضعفاء))، فلم يورد شيئا يدلّ على وهنه. وقال ابن حزم: ضعيف. قال الحافظ رَّتُهُ: وقال الحافظ أبو عبدالله الذهبي فيما قرأت بخطه: ما علمت أحدا ضعفه غيره، ولهذا قال عبدالحق: ضعفه المتأخرون، ولم يقل العقيلي فيه شيئا، سوى قول ابن عيينة: جالسته كم من مرة، فلم نحفظ عنه شيئا. فهذا تغفل من العقيلي، إذ ظن أن هذه العبارة تليين، لا والله. انتهى. 1 ٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة (١٤٠). علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٩) أحاديث. ٥- (سُمَيّ) مولى أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام المدني، ثقة [٦] تقدم ٥٤٠/٢٢ . ٦- (أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٤٠/٣٦. ٧- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه، تقدم ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن الثلاثة الأولين مصريون، والباقون مدنيون، وفيه قوله: (يعني ابن الحارث)) العناية فيه من شيخ المصنف، أو منه. وقد تقدم غير مرة الكلام على مثل هذه العناية، وفيه أبو هريرة أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) رضي اللّه تعالى عنه (أن رسول اللّه وَ له قال: أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجلّ، وهو ساجد) الأقرب أن ((ما)) مصدرية، و((كان)) تامة، والجارّ والمجرور متعلق بـ((أقرب))، وليست ((من)) تفضيلية، فلا يرد أن اسم التفضيل لا يستعمل إلا بأحد أمور ثلاثة، لا بأمرين، كالإضافة، و((من))، فكيف استعمل ههنا بأمرين. فافهم. والأمور الثلاثة هي كونه بـ((من))، أو بـ((أل))، أو بالإضافة، وإلى هذه الأحوال أشار ابن مالك في ((خلاصته)) حيث قال: تَقْدِيرَ اوْ لَفْظًا بِمِنْ إِنْ جُرِّدًا وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدًا أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَخَّدَا وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدًا أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهُ وَتِلْوَ أَنْ طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَهْ وخبر ((أقرب)) محذوف، وجوبا، لسد الحال بعده مسدّه، كما قال ابن مالك تَخْذَتهُ في ((الخلاصة)) عند ذكر مواضع حذف الخبر وجوبا: وَقَبْلَ حَالٍ لَا يَكُونُ خَبَرَا عَنِ الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا كَضَرْبِيَ الْعَبْدَ مُسِيئًا وَأَتَمُّ تَبْبِينِيَ الْحَقَّ مَنُوطًا بِالْحِكَمْ والتقدير حاصل له، وجملة ((وهو ساجد)) حال من ضمير ((حاصل))، أو من ضمير ((له)) . ٧ ١٦٨- (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللهِ . .- حديث رقم ١١٣٧ ٠ E والمعنى أقرب أكوان العبد من ربه، تبارك وتعالى حاصل له حين كونه ساجدا. ولا يرد على الأول أن الحال لا بدّ أن يرتبط بصاحبه، ولا ارتباط ههنا، لأن ضمير (هو ساجد)) ((العبد))، لا لـ((أقرب))، لأنا نقول: يكفي في الارتباط وجود الواو من غير حاجة إلى الضمير، مثل ((جاء زيد، والشمس طالعة)). أفاده السندي رحمه الله تعالى. وقال الحافظ السيوطي ◌َّلهُ في ((عقود الزبرجد)) نقلا عن ابن مالك يَخّْتُهُ: ما نصه: قوله: ((وهو ساجد)) جملة حالية سدت مسد خبر المبتدإ، ونظيره ((ضربي زيدا قائما))، التزمت العرب حذف خبر المبتدإ، وتنكير ((قائما))، وجعلت المبتدأ عاملا في ضمير صاحب الحال، ويشهد بأن ((كان)) المقدرة تامة، و((قائما)) حال من فاعله التزامُ العرب تنكيرَ ((قائما))، وإيقاعُ الجملة الاسمية المقرونة بواو الحال مَوْقعَه في هذا الحديث، والمبتدأ فيه مؤوّل يُفَسِرُ صاحبَ الحال، يعني بالمصدر المقدر، لأن لفظ ((ما يكون)» مؤول بـ((الكون))، والتقدير أقرب الكون كونُ ... انتهى(١). وقال يس الحمْصِيّ ◌َخْذَلَّهُ: في قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائما: ما نصه: ((ما)) مصدرية عند الجمهور، التقدير: أخطب أكوان الأمير، وإنما قدرناه بالأكوان لأجل إضافة أفعل التفضيل، ضرورة أنه بعض ما يضاف إليه، فلا بد من تعدده، ولا يقدر بین ((ما)) والمصدر شيء، وبعضهم يقدر بين ((ما)) والمصدر شيئا، وبعضهم يقدر محذوفا، أي أخطب أزمان كون الأمير قائما. وقيل: ((ما)) نكرة موصوفة بالجملة بعدها، وهي ((يكون الأمير))، والضمير الرابط بين الصفة والموصوف محذوف، والتقدير: أخطب شيء يكون الأمير فيه خطيبا إذا كان قائما، فـ((فيه)) الذي قدرته خبر ((يكون))، والهاء من ((فيه)) هو العائد إلى الموصوف المذكور. انتهى كلام يس رحمه اللَّه تعالى(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: إنما كان العبد في السجود أقرب إلى ربه من سائر أحوال الصلاة وغيرها، لأن العبد بقدر ما يبعد عن نفسه بمخالفتها يقرب من ربه، والسجودُ فيه غاية التواضع، وترك الكبر، وكسر النفس، لأنها لا تأمر صاحبها بالمذلة، ولا ترضى بها، ولا بالتواضع، فإذا سجد فقد خالف نفسه، وبعُدَ عنها، فإذا بعُد عن نفسه قرب من ربه . وقال السندي رحمه الله تعالى: ما حاصله: قيل: وجه أقربية العبد من ربه في السجود، أن العبد داع لربه فيه، لكونه مأمورا به، والله تعالى قريب من السائلين، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]. ولأن السجود (١) ((عقود الزبرجد)) ج٢ ص٢٥٧-٢٥٨. (٢) ((حاشية مجيب النّدَا على قطر النَّدَى)) ج ١ ص٢٥٩. ٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ غاية في الذل والانكسار وتعفير الوجه، وهذه الحالة أحب أحوال العبد، كما رواه الطبراني في ((الكبير)) بسند حسن عن ابن مسعود رَّه، ولأن السجود أول عبادة أمر اللَّه تعالى بها بعد خلق آدمّالَّلهُ، فالمتقرب بها أقرب، ولأن فيه مخالفة إبليس في أول ذنب عصى الله به. وقال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة، لا المسافة والمساحة، لأنه تعالى منزه عن المكان والزمان. وقال البدر ابن الصاحب في ((تذكرته)): في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى، وأن العبد في الانخفاض يكون أقرب إلى الله تعالى. انتهى. قال السندي: قلت: بنى ذلك على أن الجهة المتوهم ثبوتها له تعالى جهة العلو، والحديث يدلّ على نفيها، وإلا فالجهة السفلى لا ينافيها هذا الحديث، بل يوهم ثبوتها، بل قد يبحث في نفي الجهة العليا بأن القرب إلى العالي يمكن حالة الانخفاض بنزول العالي إلى المنخفض، كما جاء نزوله تعالى كل ليلة إلى السماء، على أن المراد القرب مكانةً، ورتبةً، وكرامةً، لا مكانا، فلا تتم الدلالة أصلا، ثم الكلام في دلالة الحديث على نفي الجهة، وإلا فكونه تعالى منزها عن الجهة معلوم بأدلته. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في قول السندي ◌َّلهُ: فكونه تعالى منزها عن الجهة معلوم بأدلته. نظر، إذ الأدلة تدل على أنه تعالى في جهة العلو، كقوله العقل للجارية: ((أين الله؟)) قالت: في السماء. وقد حققت هذا الموضوع في غير موضع من هذا الشرح، فاستفد منه. والله تعالى أعلم. (فأكثروا الدعاء) أي في السجود، وفيه الأمر بالإكثار من الدعاء في حال السجود، لكون العبد فيه أقرب من ربه، فيكون حقيقا بالإجابة، وقد تقدم في حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما مرفوعا - ١١٢٠/١٥٢ -: ((وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قَمِن أن یستجاب لكم)). وفيه دليل لمن يقول: إن كثرة السجود أفضل من طول القيام، وسائر الأركان، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة تظمفي هذا أخرجه مسلم. = ٩ ١٦٨- (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ ...- حديث رقم ١١٣٧ (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا - ١٦٨/ ١١٣٧ - وفي ((الكبرى))-٧٢٣/٧٥ - عن محمد ابن سلمة، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي، عن أبي صالح، عنه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة ): فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) عن هارون بن معروف، وعمرو بن سوّاد، كلاهما عن ابن وهب به. (د) عن أحمد بن صالح، وأحمد بن عمرو بن السرح، ومحمد بن سلمة، كلهم عن ابن وهب به . وأخرجه (أحمد) ٤٢١/٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم هل السجود أفضل من القيام، وسائر الأركان، أم العكس؟ : قال الإمام النووي رحمه اللّه تعالى: في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: (أحدها): أن تطويل السجود، وتكثير الركوع والسجود أفضل، حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة، وممن قال بتفضيل تطويل السجود ابن عمر رَّوليّا . (والمذهب الثاني): مذهب الشافعي رضي الله عنه وجماعة أن تطويل القيام أفضل، لحديث جابر رَّهُ في ((صحيح مسلم): أن النبي وَّر قال: ((أفضل الصلاة طول القنوت)). والمراد بالقنوت القيامُ، ولأن ذكر القيام القراءةُ، وذكر السجود التسبيحُ، والقراءة أفضل، ولأن المنقول عن النبي والر أنه كان يطول القيام أكثر من تطويل السجود . (والمذهب الثالث): أنهما سواء. وتوقف أحمد بن حنبل ◌َظّه في المسألة، ولم يقض فيها بشيء. وقال إسحاق بن راهويه تَخّْلهُ: أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما في الليل فتطويل القيام، إلا أن يكون للرجل جزء بالليل يأتي عليه، فتكثير الركوع والسجود أفضل، لأنه يقرأ جزءه، ويربح كثرة الركوع والسجود. وقال الترمذي وحَّلهُ: إنما قال إسحاق هذا لأنهم وصفوا صلاة النبي ◌َّر بالليل بطول القيام، ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وصف بالليل. والله أعلم، انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى(١). وقال العلامة الشوكاني رحمه اللّه تعالى في شرح حديث ((أفضلُ الصلاة طولُ القنوت))، أي القيام: ما نصه: والحديث يدلّ على أن القيام أفضل من السجود والركوع (١) ((شرح مسلم)) ج٤ ص ٢٠٠ -٢٠١ . ١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ وغيرهما، وإلى ذلك ذهب جماعة منهم الشافعي، كما تقدم، وهو الظاهر، ولا يعارض حديث الباب، وما في معناه الأحاديث المتقدمة في فضل السجود، لأن صيغة ((أفعل)) الدالة على التفضيل إنما وردت في فضل طول القيام، ولا يلزم من فضل الركوع والسجود أفضليتهما على طول القيام. وأما حديث ((ما تقرب العبد إلى اللَّه بأفضل من سجود خفيّ)) فإنه لا يصحّ لإرساله، كما قال العراقي، ولإن في إسناده أبا بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف. وكذلك أيضا لا يلزم من كون العبد أقرب إلى ربه حال سجوده أفضليته على القيام، لأن ذلك إنما هو باعتبار إجابة الدعاء. وقال الحافظ العراقي ◌َخْذّلهُ: الظاهر أن أحاديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا تشرع فيها الجماعة، وعلى صلاة المنفرد، فأما الإمام في الفرائض والنوافل فهو مأمور بالتخفيف المشروع، إلا إذا علم من حال المأمومين المحصورين إيثار التطويل، ولم يحدث ما يقتضي التخفيف من بكاء صبي ونحوه، فلا بأس بالتطويل، وعليه يحمل صلاته وقّير في المغرب بـ((الأعراف))، كما تقدم. انتهى ((نيل الأوطار))(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الشوكاني رحمه الله تعالى من كون طول القيام أفضل من كثرة السجود هو الراجح عندي؛ لظاهر نصّ «أفضلُ الصلاة طولُ االقنوت))، ولأن صلاة النبي ◌ّلر موصوفة بطول القيام، لا بكثرة السجود، فقد صح عنه أنه كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة، ويقرأ في ركعة بـ(البقرة))، و((آل عمران))، و(النساء))، ومن المعلوم أنه لا يختار إلا الأفضل، فاتفق فعله مع قوله في ذلك، فكان هو الأفضلَ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٦٩- (فَضْلُ السُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل السجود. ١١٣٨- (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ هِقْلِ بْنِ زِيَادِ الدُّمَشْقِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، (١) ((نيل)) ج٣ ص ٩٢ . = ١ ١٦٩ - (فَضْلُ السُّجُودِ) - حديث رقم ١١٣٨ قَالَ: حَدَّثَنَا (١) يَخْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبِ الأَسْلَمِيُّ، قَالَ: كُنْتُ آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ بِّه ◌ِوَضُوئِهِ، وَبِحَاجَتِهِ، فَقَالَ: ((سَلْنِي))، قُلْتُ: مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: ((أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟))، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: ((فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ))). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (هشام بن عَمَّار) السلمي الدمشقي، الخطيب، صدوق مقرىء، كبر، فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، من كبار [١٠] تقدم ٢٠٢/١٣٤. ٢- (هِقْل بن زياد) -بكسر أوله، وسكون القاف، ثم لام- ابن عبيدالله، ويقال: ابن عبيد، السَّكْسَكِيّ مولاهم، الدمشقي، نزيل بيروت، قيل: هو لقب، واسمه محمد، وقيل: عبدالله، وكان كاتب الأوزاعي، ثقة [٩]. روى عن الأوزاعي، وحَرِيز بن عثمان، وخالد بن دُرَيك، وغيرهم. وعنه ابنه محمد، والليث بن سعد، وهو أكبر منه، وهشام بن عمار، وغيرهم. قال حنبل بن إسحاق، عن أحمد: لا يكتب حديث الأوزاعي عن أوثق من هقل. وقال عبدالله بن أحمد، عن أبيه: كان أبو مسهر يرضاه. وقال أبو زرعة الدمشقي: قال أبو مسهر: هو المقدَّم. وقال ابن معين: قال أبو مسهر: ما كان ههنا أحد أثبت في الأوزاعي من هقل. وقال عبدالخالق بن منصور، عن ابن معين: ثقة صدوق. وقال الغلابي، عن ابن معين: ما كان بالشام أوثق منه. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو صالح، حدثني الهقل بن زياد، وهو ثقة من الثقات من أعلى أصحاب الأوزاعي. وقال مروان بن محمد: كان أعلم الناس بالأوزاعي عشرة، أولهم هقل. وقال أبو زرعة الرازي، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن عمّار: الهقل من أثبت أصحاب الأوزاعي. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال أبو سليمان بن زبر، عن أبيه، عن إسحاق بن خالد: سمعت أبا مسهر يقول: ومن أصحابه الأثبات الهقلُ بن زياد، وكان الأوزاعي أوصى إليه، وكان حافظا متقنا. مات سنة (١٧٩) ببيروت. وكذا قال ابن يونس في تاريخ وفاته. وقال ابن قانع: مات سنة (١٨١) وهو ثبت. أخرج له الجماعة سوى البخاري، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. (فائدة): قوله: ((الدمشقي)) - بكسر الدال المهملة، وفتح الميم، وسكون الشين المعجمة: نسبة إلى دمشق، وهي أحسن مدينة بالشام. انتهى ((لباب)) جـ١ ص ٥٠٨ . (١) وفي نسخة ((عن)) يحيى. = ١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ و((السَّكْسَكي)) -بفتح المهملتين، وسكون الكاف الأولى -: نسبة إلى السكاسك، بطن من كندة. انتهى (لب اللباب)) جـ٢ ص ٢١ . ٣- (الأوزاعي) عبدالرحمن بن عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل [٧] تقدم ٤٥٪ ٥٦ . ٤- (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، يدلس، ويرسل [٥] تقدم ٢٤/٢٣ . ٥- (أبو سلمة بن عبدالرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/١. ٦- (ربيعة بن كعب) بن مالك الأسلمي، أبو فراس المدني. كان من أهل الصُّفَّة، خَدَمَ النبي ◌َّه ونزل بعد موته على بريد من المدينة. وروى عن النبي وَ الر وعنه أبو سلمة بن عبدالرحمن، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وحنظلة بن علي الأسلمي، ونعيم المجمر. ويقال: إنه أبو فراس الذي روى عنه أبو عمران الجَوْني، وقد رُوِيَ عن أبي عمران، عن ربيعة . قال الحافظ نَّهُ: قلت: وصوّب الحاكم أبو أحمد، وابن عبد البرّ تبعا للبخاري أن ربيعة بن كعب غير أبي فراس الذي روى عنه أبو عمران. وذكر مسلم، والحاكم في ((علوم الحديث)) أن ربيعة تفرّد بالرواية عنه أبو سلمة، وليس ذلك بجيد، لما تراه من ذكر رواية هؤلاء عنه، لكن قول المزي: إن محمد بن عمرو بن عطاء روى عنه ليس بجيد، لأنه لم يأخذ عنه، وإنما روى عن نعيم المجمر عنه، كما هو في ((مسند أحمد)) وغيره. والله أعلم. قال: هكذا تعقّبه شيخنا - يعني العراقي - في ((النكت على ابن الصلاح))، وقد وردت رواية محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي فراس الأسلمي عند ابن مندة في ((المعرفة)) وغيره، فمن قال: إن أبا فراس هو ربيعة، فوحدهما أثبت رواية محمد بن عمرو بن عطاء عنه بهذا، ومن زعم أنهما اثنان أمكن اثنان، قال الشيخ، لكن الحديث الذي أورده ابن مندة هو متن الحديث الذي أورده مسلم لربيعة بن كعب، وإن كان في ألفاظه اختلاف، فيقوى أنه واحد، وكذلك روى الحاكم في ((المستدرك)) من طريق المبارك بن فضالة، حدثني أبو عمران الجوني، حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أخدم النبي ◌َّة، فقال لي: ((يا ربيعة، ألا تزوج»، وهذا هو الحديث الذي روي عن أبي عمران، عن أبي فراس، فيتجه أنه هو، والله تعالى أعلم. ذكر غير واحد أنه مات سنة (٦٣) بعد الحَرَّة. - ١٦٩- (فضلُ السُّجُودِ) - حدیث رقم ١١٣٨ = ١٣ أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، والباقون، له عندهم حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له مسلم، وهقل، فما أخرج له البخاري (ومنها): أن الثلاثة الأولين دمشقيون، ويحيى يمامي، والباقيان مدنيان (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. يحيى عن أبي سلمة (ومنها): أن صحابيه من المقلين، ليس له في الكتب الستة إلا حديث الباب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي سلمة بن عبدالرحمن) أنه (قال: حدثني ربيعة بن كعب الأسلميُّ) رضي الله تعالى عنه (قال: كنت آتَي رسول اللَّه ◌ََّ) وفي رواية مسلم: «كنت أبيت مع رسول الله وَالر فأتيته بوضوئه)) ... والحديث اختصره مسلم وأصحاب السنن، وقد ساقه في ((مسند أحمد)) مطولا، قال عبدالله بن أحمد رحمهما الله تعالى جـ٤ ص٥٩ : حدثني أبي، حدثنا يعقوب، يعني ابن إبراهيم بن سعد- قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن عمرو بن عطاء، عن نعيم بن مجمر، عن ربيعة بن كعب، قال: كنت أَخدُم رسول اللّه وَلّ، وأقوم له في حوائجه نهاري أجمعَ حتى يصلي رسول اللّه وَ ل العشاء الأخيرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تحدث لرسول اللّه وَ ل حاجةٌ، فما أزال أسمعه يقول رسول اللّه وَله: ((سبحان الله، سبحان اللّه، سبحان اللَّه، وبحمده)) حتى أملَّ، فأرجع، أو تغلبني عيني، فأرقد، قال: فقال لي يوما لما يرى من خِفَّتي له، وخدمتي إياه: ((سلني يا ربيعة، أعطك)) قال: فقلت: أنظر في أمري يا رسول اللّه، ثم أعلمك ذلك، قال: ففكرت في نفسي، فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن لي فيها رزقًا سيكفيني، ويأتيني، قال: فقلت: أسأل رسول اللَّهِ وَلَّ لآخرتي، فإنه من الله عز وجلّ بالمنزل الذي هو به، قال: فجئت، فقال: ((ما فعلت يا ربيعة؟))، قال: فقلت: نعم يا رسول الله، أسألك أن تشفع لي إلى ربك، فيعتقني من النار، قال: فقال: ((من أمرك بهذا يا ربيعة؟)) قال: فقلت لا واللَّه الذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد، ولكنك لَمَّا قلت: سلني أعطك، وكنت من اللَّه بالمنزل الذي أنت به، نظرت في أمري، وعرفت أن الدنيا منقطعة، وزائلة، وأن لي فيها رزقا ١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ سيأتيني، فقلت: أسأل رسول اللّه وَ ل لآخرتي، قال: فصمت رسول اللَّه ◌َلِّ طويلا، ثم قال لي: ((إني فاعل، فأعني على نفسك بكثرة السجود)). (بوضوئه) بفتح الواو، أي بالماء الذي يتوضأ به (وبحاجته) أي بما يحتاج إليه في أمر الطهارة وغيرها، فهو من عطف العامّ على الخاصّ (فقال) بَلير (سلني) - بفتح السين، وسكون اللام- فعل أمر من سَالَ يَسَالُ، لغة في سَأَلَ يسْأَلُ مهموز العين. يقال: سال يسال من باب خاف يخاف، والأمر منه سَلْ، وفي المثنى والمجموع سَلَا، وسَلُوا على غير قياس، لأن القياس يقتضي أن يقال: سالا، وسالوا، كقولهم: خافا، وخافوا. انتهى ((المصباح)) بزيادة من هامشه. أي اطلب مني حاجتك (قلت: مرافقتك في الجنة) بالنصب مفعول لفعل محذوف دلّ عليه قوله: ((سلني))، أي أسألك مرافقتك وصحبتك في الجنة، والجملة في محل نصب مقول القول. (قال) وَ له (أو غير ذلك) يحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام، دخلت على واو العطف، و((غير)) مفعول لفعل مقدر، أي أتسأل غير ذلك من أمور الدنيا، كالغنى، ونحوه، ويحتمل أن تكون ((أو)) بسكون الواو للإضراب بمعنى ((بل))، أي بل اسأل غير ذلك من الحوائج (قلت: هو ذاك) أي المسؤول الذي أطلبه هو الذي ذكرته لك من المرافقة لك في الجنة، لا غير، فـ(هو)) مبتدأ، و((ذاك)) خبره، والجملة مقول القول. (قال) وَيّر (فأعني) الفاء فصيحية، أي إذا كان مطلوبك ما ذكر فأعني (على نفسك بكثرة السجود) الجاران متعلقان بـ((أعني))، أي كن عونا لي على تحصيل مراد نفسك التي هي المرافقة لي في الجنة بكثرة الصلاة، وخص السجود بالذكر لأنه مُذلٌّ للنفس، وقاهر لها، لما فيه من وضع أشرف الأعضاء، وأعلاها على الأرض، وأيّ نفس خضعت لله تعالى استحقت رحمته وإحسانه. ولأن الساجد أقرب إلى الله تعالى، لقول الله عز وجلّ: ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتِبِ﴾ [العلق: ١٩]، ولما تقدم في حديث أبي هريرة ◌َظّه المذكور في الباب الماضي مرفوعًا: ((أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)). وقال السندي رحمه الله تعالى: والمراد تعظيم تلك الحاجة، وأنها تحتاج إلى معاونة منك، ومجرد السؤال مني لا يكفي فيها. أو المعنى: فوافقني بكثرة السجود قاهرا بها على نفسك. وقيل: أَعِنِّي على قهر نفسك بكثرة السجود، كأنه أشار إلى أن ما ذكرتَ لا يحصل إلا بقهر نفسك التي هي أعدى عدوك، فلا بد لي من قهر نفسك بصرفها عن الشهوات، ولا بدلك أن تعاونني فيه . = ١٥ ١٦٩ - (فَضْلُ السُّجُودِ) - حديث رقم ١١٣٨ وقيل: معناه كن لي عونا في إصلاح نفسك، وجَعْلِها طاهرة مستحقة لما تطلب، فإني أطلب إصلاح نفسك من اللَّه تعالى، وأطلب منك أيضا إصلاحها بكثرة السجود اللَّه، فإن السجود كاسر للنفس، ومُذِلٌّ لها، وأيّ نفس انكسرت، وذلت استحقت الرحمة. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ربيعة بن كعب الأسلمي رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-١١٣٨/١٦٩- وفي ((الكبرى)) -٧٢٤/٧٦- عن هشام بن عمّار، عن هقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنه. وفي -٩/ ١٦١٨- و((الكبرى)) ١٣١٨/١٦ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر والأوزاعي، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به بلفظ: كنت أبيت عند حجرة رسول الله وَالر، فكنت أسمعه إذا قام من الليل يقول: سبحان اللَّه رب العالمين الهُوِيَّ(١)، ثم يقول: ((سبحان الله وبحمده)) الهُويّ. وفي ((عمل اليوم والليلة)) رقم ٨٦٢- عن محمود بن خالد، عن عمر بن عبدالواحد، عن الأوزاعي به، بلفظ: كنت أبيت مع رسول اللّه وَ الر آتيه بوَضوئه، وبحاجته، فكان يقوم من الليل، فيقول: ((سبحان الله وبحمده، سبحان ربي العظيم، وبحمده، سبحان ربي، وبحمده))، ثم يقول: ((سبحان رب العالمين، سبحان رب العالمين)). والله تعالى أعلم . (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) عن الحكم بن موسى، عن هقل بن زياد به. (د) عن هشام بن عمار به. (ت) جزء التسبيح عن إسحاق بن منصور، عن النضر بن شميل، ووهب بن جریر، وأبي عامر العقدي، وعبدالصمد بن عبدالوارث، كلهم عن هشام الدستوائي، عن يحيى ابن أبي کثیر به. (ق) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام، عن شيبان، عن يحيى به، بجزء التسبيح . (١) ((الهوي)) كغني، ويضم: الساعة. أفاده في ((ق)). ج٥ ص ٣٢٢٩. = ١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ وأخرجه (أحمد) ٥٧/٤ ٥٩. وقد تقدم لفظه بطوله. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): الحثُّ على كثرة السجود، والترغيب فيه، والمراد به السجود في الصلاة (ومنها): أن فيه دليلا لمن يقول: كثرة السجود أفضل من إطالة القيام، وقد تقدم الخلاف في المسألة، وأن الراجح أن إطالة القيام أفضل من كثرة السجود في الباب الماضي (ومنها): اهتمام الرئيس بأمر مرؤوسيه، وسؤاله إياهم ما يحتاجون إليه (ومنها): جواز طلب الرُّتَب الرفيعة (ومنها): أن من عامة الناس من يكون مع الأنبياء في الجنة (ومنها): الحث على مجاهدة النفس، وقهرها بكثرة الطاعة، وعلى أن نيل المراتب العلية بمخالفة النفس الدَّنيَّة (ومنها): مزيد فضل الصلاة، وأن الإكثار منها سبب لعلو الدرجات، ومصاحبته وَّر في دار الكرامة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٧٠ - (بَابُ ثَوَابٍ مَنْ سَجَدَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَجْدَةً) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على ثواب من سجد سجدةً مخلصًا لله عز وجل. ١١٣٩- (أَخْبَرَنَا أَبُو عَمَّارِ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامِ الْمُعَيْطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْدَانُ بَّنُ طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيُّ، قَالَ: لَقِيتُ ثَوْيَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَقُلْتُ: دُلَنِي عَلَى عَمِلٍ، يَنْفَعُنِي، أَوْ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَسَكَتَ عَنِّي مَلِيًّا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بَالسُّجُودِ، فَإِنِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ، يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ، يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً)). قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيْتُ أَبَا الدَّزِدَاءِ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّا سَأَلْتُ عَنْهُ ثَوْبَانَ؟ فَقَالَ لِي: عَلَيْكَ بِالسُّجُودِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ، يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ، يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً))). ١٧ ١٧٠ - (بَأَبُ ثَوَابٍ مَنْ سَجَدَ لِلَّهِ ... - حديث رقم ١١٣٩ رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (أبو عمّار الحسين بن حُرَيث) الخُزَاعي مولاهم المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٤/ ٥٢ . ٢- (الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية [٨] تقدم ٤٥٤/٥. ٣- (الأوزاعي) عبدالرحمن بن عمرو المذكور في الباب الماضي. ٤- (الوليد بن هشام)بن معاوية بن هشام بن عُقْبة بن أبي معيط - بالتصغير - الأموي، أبو يَعيش المُعَيطي، ثقة [٦]. روى عن عمر بن عبدالعزيز، وكان عامله على قنّسرين، وعن أبان بن الوليد بن عقبة، وعبدالله بن محيريز، ومعدان بن أبي طلحة، وأم الدرداء، وغيرهم. وعنه ابنه يعيش، والأوزاعي، والوليد بن سليمان، وغيرهم. قال ابن معين، والعجلي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس بحديثه، ثنا دُحَيم، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، حدثني الوليد بن هشام، وهو ثقة عدل. وذكره ابن حبان في (الثقات)). قال ابن عساكر بلغني أنه عاش إلى دولة مروان بن محمد. أخرج له الجماعة، سوى البخاري، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥- (معدان بن طلحة)، ويقال: ابن أبي طلحة اليَعْمَري الشامي، ثقة [٢] تقدم ١٧ / ٧٠٨ . [تنبيه]: قوله: ((اليعمري)) بفتح أوله والميم، وسكون المهملة، آخره راء: نسبة إلى يعمَر بطن من كندة. أهـ ((لب اللباب)) ج٢ ص ٣٤٠. ٦- (ثَوْبَان) بن بُجْدُد، ويقال: ابن جَحْدَر، أبو عبدالله، ويقال: أبو عبدالرحمن الهاشمي، مولى رسول اللَّه وَلَّ، من أهل السَّرَاة، والسَّرَاةُ: موضع بين مكة واليمن. وقيل: إنه من حميّر. وقيل: من أَلْهَان. وقيل: من حَكَم بن سعد العشيرة. أصابه سباء، فاشتراه رسول اللَّه وَلّ، فأعتقه، فلم يزل معه في الحضر والسفر حتى توفي، فخرج إلى الشام، فنزل بالرَّمْلَة، ثم انتقل إلى حمص، فابتنى بها دارا، ولم يزل بها إلى أن مات. وقال أحمد بن محمد بن عيسى صاحب ((تاريخ حمص)): ونزلها من موالي قريش: ثوبان بن جَحْدَر، ويقال: ابن بُجْدُد، يكنى أبا عبدالله، رجل من ألهان، أصابه السِّبَاء، فأعتقه رسول اللَّه وَّله، فقال له: ((يا ثوبان: إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم، فعلت، فأنت منهم، وإن شئت أن تثبت، فأنت منا أهل البيت))، فثبت على ولاء رسول ١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ اللَّهِ وَّ حتى قُبض بحمص في إمارة عبدالله بن قُرْط. روى عن النبي وَّ. وعنه أبو أسماء الرَّحَبِيّ، ومعدان بن أبي طلحة اليَعْمَري، وأبو حَيّ المؤذن، وراشد بن سعد، وجُبَير بن نُفَير،، وعبدالرحمن بن غَنْم، وأبو عامر الألهاني، وأبو إدريس الخَوْلاني، وجماعة. قال صاحب ((تاريخ حمص)): بلغنا أن وفاته كانت سنة (٥٤) وكذا قال ابن سعد، وغير واحد. أخرج له الجماعة، سوى البخاري، فأخرج له في ((الأدب المفرد)»، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف ◌َّهُ (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فمروزي (ومنها): أنه مسلسل بالإخبار، والإنباء، والتحديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن معدان بن طلحة اليَعْمَري ◌َّثُ تعالى أنه (قال: لقيت ثوبان) تظلّه أي استقبلته، يقال: لَقِيتُهُ ألقاه، من باب تَعِبَ لُقِيًّا، والأصل على فُعُول، ولُقَّى بالضم مع القصر، ولِقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء استقبل شيئًا، أو صادفه، فقد لقيه. ومنه لِقَاءُ البيتٍ: وهو استقباله. قاله في ((المصباح)). (مولى رسول اللَّه بِّه، فقلت دُلَّني) فعل أمر، من دَلَّه على الشيء أو إليه، يدلُّهُ من باب قتل: إذا أرشده. أي أرشدني (على عمل) متعلق بـ((دُلِّني)) (ينفعني) جملة في محل جرّ صفة لـ((عمل)) (أو) للشك من بعض الرواة (يدخلني الجنة) أي أو قال: ((دلني على عمل يدخلني الجنة)) (فسكت عني) أي صَمَتَ، وأمسك عن الكلام معي. وفي نسخة ((فأسكت عني)) بالألف، وهي لغة، قال الفيّومي ◌َخّْثُ: سكت سَكْتًا، وسُكُوتًا: صَمَتَ، ويتعدّى بالألف، والتضعيف، فيقال: أُسْكَتُهُ، وسَكَّتُهُ، واستعمال المهموز لازما لغةٌ. وبعضهم يجعله بمعنى أطرق، وانقطع. انتهى(١). (مليًّا) بفتح الميم، وتشديد الياء - قال في (النهاية)): هي طائفة من الزمان لا حدّ لها. انتھی . وقال ابن منظور رحمهِ اللَّه تعالى: ومرّ مَلِيّ من الليل: وهو ما بين أوله إلى ثلثه. وقيل: هو قطعة منه لم تُحدَّ، والجمع أَمْلاءٌ، وتكرر في الحديث. ومرّ عليه ملًا من الدهر: أي قطعة، والمَلِيُّ: الْهُوِيّ من الدهر، يقال: أقام مَلِيًّا من الدهر، ومضى ملِيٍّ (١) ((المصباح)) ص ٢٦٤. ١٩ ١٧٠ - (بَابُ ثَوَابٍ مَنْ سَجَدَ لِلِهِ - حديث رقم ١١٣٩ من النهار: أي ساعة طويلة. انتهى. والهوَي كُغَنِيّ ويضم: الساعة. والمعنى هنا أنه سكت عن رد الجواب علي مقدارا من الزمان. (ثم التفت إليّ، فقال: عليك بالسجود) أي الزَم السجودَ، وأراد بذلك كثرةَ السجود. ف(عليك)) اسم فعل أمر بمعنى ((الزم))، كما قال في ((الخلاصة)): وَالْفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْكَا وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إَلَيْكًا وهو منقول من الجارّ والمجرور، ويتعدى بنفسه، نحو عليك زيدا، أي الزمه، فـ(زيدًا)) منصوب على المفعولية، ويتعدى بالباء، كما في هذا الحديث، وكـاعليك بذات الدين))، فيكون بمعنى استمسك مثلا، وقيل: إن الباء زائدة، لأنها تزاد كثيرا في مفعول اسم الفعل، لضعف عمله، وأما الكاف، فهي ضمير عند الجمهور، لا حرف خطاب، كما هو مبسوط في محله من كتب النحو. ثم ذكر دليله على الأمر بكثرة السجود، فقال (فإني سمعت رسول اللّه وَليّ) فالفاء تعليلية، أي لأني سمعت رسول اللّه وَ ل (يقول: ما من عبد، يسجد لله سجدة، إلا رفعه الله عز وجلّ بها درجة) ((ما)) نافية، و((من)) زائدة، كما قال في ((الخلاصة)): وَزِيدَ فِي نَفْي وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَمَا لِيَاغْ مِنْ مَفَرُ و((عبدٍ)) مبتدأ، وجملة ((يسجد)) الخ في محلّ جرّ صفة لـ((عبد))، و((سجدة)) مفعول مطلق أريد به بيان الوحدة، أي سجدة واحدة و((إلا)) أداة استثناء ملغاة، وجملة ((رفعه الله) الخ خبر المبتدإ. و((درجة)) منصوب على التمييز. والمعنى أنه ليس عبد ساجد لله تعالى سجدة واحدة، إلا رفعه اللَّه تعالى بسببها درجة، فإنه لما تواضع لله تعالى غاية التواضع، حيث وضع أشرف أعضائه على الأرض، وباعد نفسه من الكبر جازاه الله تعالى بأن رفعه درجة. والله تعالى أعلم. وقال النووي رحمه اللّه تعالى: وسبب الحث على السجود ما سبق في الحديث الماضي ((أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد))، وهو موافق لقول الله تعالى ﴿وَأَسْجُدْ وَاقْتِبِ﴾ [العلق: ١٩]، ولأن السجود غاية التواضع والعبودية لله تعالى، وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان، وأعلاها، وهو وجهه من التراب الذي يُداسُ، ويُمتَهَن. والله تعالى أعلم. انتهى(١). (وحط عنه بها خطيئة) يقال: حط الرَّخْلَ وغيرَه حَطًّا من باب قتل: أنزله من علو إلى (١) ((شرح صحيح مسلم)) ج٥ ص٢٠٤ . = ٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ سفل، وحططت من الدَّين: أسقطت منه. والمناسب هنا المعنى الثاني، أي أزال عنه بسببها ذنبه. و((خطيئة)) مفعول ((حط))، والجملة في محل رفع عطف على الخبر. (قال معدان) بن طلحة (ثم لقيت أبا الدّرداء) عُوَيمر بن قيس بن زيد، وقيل: غيره، الأنصاري، الصحابي المشهور، أول مشاهده أحد، وكان عابدا، مات في خلافة عثمان أ رضي الله تعالى عنهما، وقيل: عاش بعد ذلك. تقدم ٤٨/ ٨٤٧ . أي استقبلت أبا الدرداء تنظمثم بعد ما لقيت ثوبان تظلّه ، وجرى بيني وبينه ما تقدم (فسألته عما سألت عنه ثوبان) أي عن الشيء الذي سألت عنه ثوبان رَظنّه ، وهو أن يدله على عمل ينفعه، أو يدخله الجنة (فقال لي) وسقطت لفظة ((لي)) في بعض النسخ. أي قال أبو الدرداء ◌َّه لمعدان (عليك بالسجود) أي الزم السجود، واستكثر منه (فإني سمعت رسول اللَّه وَ لّه يقول: ((ما من عبد، يسجد لله سجدةً، إلا رفعه الله بها درجةً، وحط عنه بها خطيئةً))) فاتفق جواب كلّ من الصحابيين رَوّها. وفيه فضل السجود، وأنه من أسباب رفع الدرجات، وحط الخطيئات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ثوبان رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا- ١١٣٩/١٧٠ - وفي («الكبرى» -٧٢٥/٧٧- عن الحسين بن حُرَيث، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الوليد بن هشام الْمُعَيطِيّ، عن معدان بن طلحة، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم به. (ت) عن الحسين بن حريث به. (ق) عن عبدالرحمن بن إبراهيم دُحَيم، عن الوليد بن مسلم به. وأخرجه (أحمد) ٢٧٦/٥ و٢٨٠ و٢٧٦ و ٢٨٣. (ابن خزيمة) رقم ٣١٦. والله. تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان ثواب من سجد لله تعالى. ومنها: ما كان عليه السلف من الحرص على سؤال ما ينفعهم في آخرتهم، إذهي الدار الباقية، وهي الحياة الأبدية الدائمة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ