النص المفهرس

صفحات 281-300

١٢٧ - (بَابُ أَوَّلِ مَا يَصِلُ إِلَى الأَرْض ... - حديث رقم ١٠٩٠
٢٨١
أبو عبدالله المدني، الملقّب بـ((النفس الزكية))، ثقة [٧].
روى عن أبيه، وأبي الزناد، ونافع مولى ابن عمر. وعنه عبدالعزيز الدراوردي،
وعبدالله بن نافع الصائغ، وعبدالله بن جعفر المخرمي، وزيد بن الحسن الأنماطي.
خرج بالمدينة على المنصور، فبعث إليه عيسى بن موسى، فقتله. وقال الآجري عن
أبي داود: قال أبو عوانة: محمد، وإبراهيم، خارجيان. قال أبو داود: بئسما قال، هذا
رأي الزيدية. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال الزبير بن بكار:
قتله عيسى بن موسى بالمدينة سنة (٤٥) وهو ابن (٥٣) سنة، وفيها قتل أخوه إبراهيم
بالبصرة. وقال ابن سعد، وغير واحد: قتل، وهو ابن (٤٥) سنة، ويقال: إن أمه
حملت به أربع سنين، وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة، وقال: كان قليل الحديث،
وكان يلزم البادية، ويحب الخلوة. وقال محمد بن عمر: غلب على المدينة ليومين بقيا
من جمادى الآخرة سنة (٤٥) وقتل في نصف شعبان، وله (٥٣) سنة. انتهى.
أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وله عندهم حديث الباب فقط، وأعاده
المصنف بعده .
٤- (أبو الزناد) عبدالله بن ذكوان القرشي، أبو عبدالرحمن المدني، ثقة فقيه [٥]
تقدم ٧/ ٧ .
٥- (الأعرج) عبدالرحمن بن هرمز، أبو داود المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧ / ٧ .
٦- (أبو هريرة) الصحابي الشهير رضي اللّه تعالى عنه تقدم١/١ . والله تعالى
أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رواته كلهم ثقات،
ومن رجال الجماعة، غير عبدالله بن نافع، فما أخرج له البخاري، إلا في ((الأدب
المفرد»، ومحمد بن عبدالله، فما أخرج له الشيخان، وابن ماجه (ومنها): أنه مسلسل
بالمدنيين، غير شيخه، فبغلاني (ومنها): أن محمد بن عبدالله من المقلين في الرواية،
ليس له عندهم سوى حديث الباب (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي (ومنها): أن
فيه من لقب بصورة الكنية، فأبو الزناد لقب لعبدالله بن ذكوان، وكنيته أبو عبدالرحمن
(ومنها): أن فيه أبا هريرة رَّ أكثر الصحابة رواية، روى (٥٣٧٤) حديثا. واللَّه تعالى
أعلم .

٢٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول اللَّه وَه: يعمدُ
أحدكم؟) هو على حذف أداة الاستفهام الإنكاري، أَيْ أَيَعْمِدُ؟، أي يَقْصِدُ. يقال:
عَمَدتُ للشيء، عَمْدًا، من باب ضَرَبَ، وعَمَدْتُ إليه: قصدته، وتعَمَّدته: قصدت إليه
أيضًا. قاله الفيومي.
(في صلاته) متعلق بـ((يعمد)) (فيبرُكَ) بضم الراء، يقال: بَرَكَ البَعِيرُ بُرُوكًا، من باب
فَعَدَ: وَقَعَ على بَرْكِهِ، وهو صَدْرُه، وأبركته أنا. وقال بعضهم: هو لغة، والأكثر أَنَخْتُهُ،
فَبَرَك .
وهو منصوب على أنه جواب الاستفهام، كما قال في «الخلاصة)):
وَبَعْدَ نَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَخْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
(كما يبرك الجَمَل) بفتحتين: هو من الإبل بمنزلة الرجل، يختص بالذَّكَر، قالوا:
ولا يسمَّى بذلك إلا إذا بَزَلَ. أي طلع نابه بدخوله في السنة التاسعة. أفاده في
«المصباح)).
وجمعه جمال بالكسر، وأَجَال، وأَجُلٌ، وجَمَالَة بالهاء.
والجار والمجرور متعلق بمحذوف على أنه مفعول مطلق، أي وقُوعًا مثل وُقُوع
الجملِ على بَرْكه. و((البرك)) بفتح، فسكون: هو الصدر، كما مرّ آنفًا.
والمراد به النهي عن بُرُوك الجمل، وهو أن يضع ركبتيه على الأرض قبل يديه، كما
سيجيء التصريح به في الرواية التالية، حيث قال فيها: ((إذا سجد أحدكم، فليضع يديه
قبل ركبتيه، ولا يبرُكْ بُرُوكَ البعير)).
وبهذا استدلّ القائلون بتقديم اليدين على الركبتين، وهو القول الراجح؛ لصحة
الحديث.
ومنهم من حمل النهي في هذا الحديث على الكراهة، لتقديمه ێ ركبتیه علی یدیه،
كما مر في حديث وائل تَظّه، لكن الأول هو الأرجح، لضعف حديث وائل، كما
تقدم تحقيقه في الحديث السابق.
[ فإن قيل]: كيف شَبَّه وضع الركبتين قبل اليدين ببروك الجمل، مع أن الجمل يضع
يديه قبل رجليه؟
[أجيب]: بأن ركبة الإنسان في الرّجل، وركبة الدواب في اليد، فإذا وضع ركبتيه
(١) انظر ((شرح السندي)) ج٢ ص ٢٠٧-٢٠٨.

٢٨٣
١٢٧ - (بَأَبُ أَوَّلِ مَا يَصِلُ إِلَى الأَرْض ... - حديث رقم ١٠٩٠
أوَّلًا، فقد شابه الجمل في البروك. كذا في ((المفاتيح)) (١) ..
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى هذا صحيح.
[فإن قيل]: في سنده عبدالله بن نافع الصائغ، وهو ثقة، صحيح الكتاب، في حفظه
شيء، كما قاله في ((ت))، فكيف يصح حديثه؟ .
[أجيب]: بأنه لم ينفرد به، بل تابعه عبدالعزيز الدَّراوزديّ، كما في الرواية الآتية بعد
هذا، وله شاهد من حديث ابن عمر رَوليها، صححه ابن خزيمة، فلهذا جعله الحافظ في
((بلوغ المرام)»: إنه أقوى من حديث وائل بن حُجْر، وقال ابن سيد الناس: أحاديث
وضع اليدين قبل الركبتين أرجح، وكذلك رجحه ابن التركماني في ((الجوهر النقيّ))،
والقاضي أبو بكر ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)).
والحاصل أن حديث أبي هريرة تَّه هذا صحيح، بلا ريب. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا - ١٢٨/ ١٠٩٠ - وفي ((الكبرى)) - ٦٧٦/٣٦ - عن قتيبة، عن عبدالله بن
نافع، عن محمد بن عبدالله بن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. وفي -
١٠٩١- و((الكبرى)) -٦٧٧ - عن هارون بن محمد بن بكار بن بلال، عن مروان بن
محمد، عن عبدالعزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عبدالله المذكور به. بلفظ :
((إذا سجد أحدكم، ليضع يديه قبل ركبتيه، ولا يبرُك بُرُوك البعير)). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه :
أخرجه (د) في ((الصلاة)) عن قتيبة به. وعن سعيد بن منصور، عن عبدالعزيز
الدراورديّ به. (ت) فيه عن قتيبة به .
وأخرجه (أحمد) ٢/ ٣٨١ (والدارمي) برقم-١٣٢٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قد تكلم بعض الناس في حديث أبي هريرة تَ ◌ّه هذا، وأعلوه
بوجوه عديدة، كلها مخدوشة:
(الوجه الأول): أنه منسوخ بما أخرجه ابن خزيمة عن مصعب بن سعد بن أبي
وقاص، عن أبيه رَّه، قال: ((كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا أن نضع الركبتين
قبل الیدین)).
(والجواب عنه): أن دعوى النسخ بهذه الرواية غير صحيحة، فإنها من رواية إبراهيم

٢٨٤ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
ابن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كُھَيْل، وهو يرويه عن أبيه، وقد تفرد به عنه، وهما
ضعيفان جِدًّا، فلا يصلح الاحتجاج بهما، قال في ((صة)) في ترجمة إبراهيم هذا: اتهمه
أبو زرعة. وقال في ((ت)): في ترجمة إسماعيل والد إبراهيم: متروك، فإعلال الحديث
الصحيح بمثل هذا في غاية السقوط.
(الوجه الثاني): أن في حديث أبي هريرة قلبا من الراوي، قيل: ولعله كان أصله
((وليضع ركبتيه قبل يديه))، فانقلب على بعض الرواة.
ويدلّ عليه أول الحديث، وهو قوله: ((فلا يبرك كما يبرك البعير))، فإن المعروف من
بروك البعير تقديمُ اليدين على الرجلين. قاله ابن القيم في ((زاد المعاد))، قال: ولما عَلِمَ
أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبتا البعير في يديه، لا في رجليه، فهو إذا برك وضع
ركبته أوّلًا، فهذا هو المنهي عنه. قال: وهو فاسد لوجوه، وحاصلها أن البعير إذا برك
يضع يديه، ورجلاه قائمتان، وهذا هو المنهي عنه، وأن القول بأن ركبتي البعير في يديه
لا يعرفه أهل اللغة، وأنه لو كان الأمر كما قالوا، لقال النبي وَله: فليبرك كما يبرك
البعير، لأن أول ما يمس الأرض من البعير يداه. انتهى.
(والجواب عنه): إن قوله: في حديث أبي هريرة قلب الراوي غير صحيح، إذ لو
فتح هذا الباب، وقبلت هذه الدعوى بغير حجة بينة لم يبق اعتماد على حديث أيّ را و
ثقة مع صحته.
وأما قوله: كون ركبتي البعير في يديه لا يعرفه أهل اللغة، فقد أجاب عنه
المباركفوري رحمه الله تعالى، حيث قال: ما حاصله: فيه أنه قد وقع في حديث هجرة
النبي وَّر قول سُرَاقة: ((ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين)). رواه
البخاري في ((صحيحه))(١).
فهذا دليل واضح على أن ركبتي البعير تكونان في يديه، انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وأيضا قد نصّ أهل اللغة على أن ركبتي البعير في يديه، فقد قال
ابن منظور: وركبة البعير في يده، وقد يقال لذوات الأربع كلها من الدواب: رُكَب، ورکبتا
يدي البعير: المَفْصلان اللذان يليان البطن: إذا برك، وأما المفصلان الناتئان من خَلْفُ،
فهما الْعُرْقوبَان، وكلّ ذي أربع رُكبتاه في يديه، وعُرْقُوباه في رجليه. انتهى(٢)
فهذا نص صريح في كون ركبتي البعير في يديه معروفا لدى أهل اللغة، فبطل دعوى
كونه غير معروف لديهم. فتبصر. والله تعالى أعلم.
(١) «صحيح البخاري» ج٥ ص ٧٧ .
(٢) ((لسان العرب)) ج٣ ص ١٧١٤ - ١٧١٥".

٢٨٥ ==
١٢٧ - (بَأَبُ أَوَّلِ مَا يَصِلُ إِلَى الأَرْض ... - حديث رقم ١٠٩٠
قال المباركفوري تَخّْلهُ: ما حاصله: وأما قوله: لوكان الأمر كما قالوا، لقال النبي
وَلَى: فليبرك كما يبرك البعير. ففيه أنه ثبت كون ركبتي البعير في يديه، ومعلوم أن ركبتي
الإنسان في رجليه، وقد قال ◌َليل في آخر الحديث: ((وليضع يديه قبل ركبتيه))، فكيف
يقول في أوله: فليبرك كما يبرك البعير، أي فليضع ركبتيه قبل يديه؟. انتهى.
(والوجه الثالث): دعوى كون حديث أبي هريرة وظّ ضعيفا، لأن الدار قطني قال:
تفرد به الدراوردي، عن محمد بن عبدالله بن حسن. انتهى. والدراوردي، وإن وثقه
يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهما، لكن قال أحمد بن حنبل: إذا حدث من
حفظه ◌ِهِمُ. وقال أبو زرعة: سيء الحفظ، فتفرد الدراوردي عن محمد بن عبدالله
مُورث للضعف. وقال البخاري: محمد بن الحسن لا يتابع عليه، وقال: لا أدري
أَسَمِعَ من أبي الزناد، أم لا؟ انتهى.
(والجواب عنه): أن هذه العلل غير مقبولة:
أما قول الدارقطني: تفرد به الدراوردي فليس مورثا للضعف، لأنه قد احتج به
مسلم، وأصحاب السنن، ووثقه أئمة هذا الشأن: يحيى بن معين، وعلي بن المديني،
وغيرهما، كما تقدم قريبا.
وأما قول البخاري: محمد بن عبدالله بن الحسن لا يتابع عليه، فليس بمضرّ، فإنه
ثقة، ولحديثه شاهد من حديث ابن عمر، وصححه ابن خزيمة، قال ابن التركماني في
((الجوهر النقي)): محمد بن عبدالله بن الحسن وثقه النسائي، وقول البخاري: لا يتابع
على حديثه ليس بصريح في الجرح، فلا يعارض توثيق النسائي. انتهى. وكذا لا يضر
قوله: لا أدري أسمع من أبي الزناد، أم لا؟، فإن محمد بن عبداللَّه ليس بمدلس،
وسماعه من أبي الزناد ممكن، فإنه قتل سنة (١٤٥)، وهو ابن (٤٥) سنة، وأبو الزناد
مات سنة (١٣٠) فيحمل عنعنته على السماع على القول الراجح، كما حققه مسلم في
(مقدمة صحيحه)).
(الوجه الرابع): أن حديث أبي هريرة ◌َظميه مضطرب، فإنه رواه ابن أبي شيبة في
((مصنفه))، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) عن عبدالله بن سعيد، عن جده، عن أبي
هريرة، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إذا سجد أحدكم، فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك
كبروك الفحل)). فهذه الرواية تخالف رواية الباب، بحيث لا يمكن الجمع بينهما،
والاضطراب مورث للضعف.
(والجواب عنه): أن رواية ابن أبي شيبة، والطحاوي هذه منكرة، فإن مدارها على
عبدالله بن سعيد، وقد تقدم أنه متروك ذاهب الحديث، فلا اضطراب بسببه في حديث

٢٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
الباب، لأن شرط الاضطراب استواء وجوه الاختلاف، فلا تعلّ الرواية الصحيحة
بالرواية الواهية، كما تقرر في محله.
(الوجه الخامس): أن حديث وائل بن حجر رَظنّه أقوى، وأثبت من حديث أبي
هريرة رَاليه .
قال ابن تيمية رَخْذّلهُ في ((المنتقى)): قال الخطابي تَخّْلهُ: حديث وائل بن حجر
أثبت من هذا. انتهى.
(والجواب عنه): أن هذا القول غير صحيح، فإن حديث وائل تقدم أنه ضعيف،
لتفرد شريك به، ومخالفته غيره من الثقات، وأما حديث أبي هريرة تظنّه ، فصحيح،
لأن الأوجه التي ذكروها في تضعيفه كلها ضعيفة، ومع صحته فله شاهد من حديث ابن
عمر رَّ، صححه ابن خزيمة، كما تقدم، فكيف يصح قول الخطابي: إن حديث
وائل أقوى وأثبت؟.
وقد تقدم أن الأئمة: كالقاضي أبي بكر بن العربي، وابن سيد الناس، وابن
التركماني، والحافظ رحمهم الله تعالى رجحوا حديث أبي هريرة على حديث وائل
رَضِ لّا.
[فإن قيل]: إن كان لحديث أبي هريرة شاهد، فلحديث وائل شاهدان:
(أحدهما): ما رواه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، عن عاصم الأحول، عن أنس
رَوّه، قال: «رأيت رسول اللّه وَ ليل انحطّ بالتكبير، فسبقت ركبتاه يديه)). قال الحاكم:
هو على شرطهما، ولا أعلم له علة.
(وثانيهما): ما أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) عن مصعب بن سعد بن أبي
وقاص، عن أبيه، قال: ((كنا نضع اليدين قبل الركبتين)) ... الحديث. وقد تقدم.
(أجيب): بأن هذين الحديثين ضعيفان، لا يصلحان شاهدين لحديث وائل.
فأما حديث أنس، فقد تفرد به العلاء بن إسماعيل العطار، وهو مجهول، كما قال
الدارقطني وغيره، عن حفص بن غياث، وقد ساء حفظه في الآخر. فتصحيح الحاكم
له، وقوله: لا أعلم له علة غیر صحیح.
وأما حديث سعد فقد تقدم فيما سبق أنه تفرد به إبراهيم بن إسماعيل، عن أبيه،
وهما ساقطان، والمحفوظ من حديثه نسخ التطبيق، فتقوية حديث وائل برواية مثلهما
أوهى من بيت العنكبوت(١).
(١) راجع ((إرواء الغليل)) للشيخ الألباني جـ٢ ص ٧٥ - ٨٠. و((تحفة الأحوذي)) للمباكفوري
جـ ٢ ص ١٣٨ - ١٤١.

١٢٧ - (بَأَبُ أَوَّلِ مَا يَصِلُ إِلَى الأَرْض ... - حديث رقم ١٠٩١
٢٨٧
والحاصل أن حديث أبي هريرة تظلّه المذكور في الباب صحيح، وأقوى، وأثبت،
وأرجح من حديث وائل رضي اللّه تعالى عنه، فإنه ضعيف. فتبصر بالإنصاف، ولا
تتحير بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل .
١٠٩١ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْارِ بْنِ بِلَالٍ مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ،
عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ: ((إِذَا سَجَدَ
أَحَدُكُمْ، فَلْيَضَغْ يَدَيْهِ قَبْلَ زَّكْبَتَيْهِ، وَلَا يَبْرُكْ بُرُوَ الْبَعِيرِ)) ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (هارون بن محمد بن بَكَّار بن بلال) العامليّ الدمشقي، صدوق [١١].
روى عن أبيه، وعمه جامع، وأبي مسهر، ومروان بن محمد، وغيرهم. وعنه أبو
داود، والنسائي، وأبو حاتم، وابن أبي عاصم، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق.
وقال النسائي: لا بأس به. وكذا قال مَسْلَمَة بن قاسم، تفرد به أبو داود، والمصنف،
ورو،ى عنه في هذا الكتاب (٩) أحاديث.
٢- (مروان بن محمد) بن حَسّان الأسدي، أبو بكر، ويقال: أبو حفص، ويقال: أبو
عبدالرحمن الطَّاطَريّ(١) الدمشقي، ثقة [٩].
روى عن سعيد بن عبدالعزيز، وعبدالله بن العلاء بن زبر، وسعيد بن بشير،
ومالك، واللیث، والدراوردي، وغيرهم.
وعنه بقية، وهو أكبر منه، وابنه إبراهيم، وهارون بن محمد بن بكار، وغيرهم.
قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأحمد بن حنبل: بلغني أنك تثني على مروان بن
محمد، قال: إنه كان يذهب مذهب أهل العلم. وقال أبو حاتم، وصالح بن محمد:
ثقة. وقال عبدالله بن يحيى بن معاوية: أدركت ثلاث طبقات، إحداها طبقة عبدالعزيز،
ما رأيت فيهم أخشى من مروان بن محمد. وقال أبو سليمان الداراني: ما رأيت مسلما
خيرًا من مروان، قيل له: ولا معلمه سعيد بن عبدالعزيز؟ قال: لا. وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: ولد سنة (١٤٧) وقال البخاري: مات سنة (٢١٠).
وقال أبو زرعة الدمشقي: قال لي أحمد: عندكم ثلاثة أصحاب حديثٍ: مروان بن
(١) ((الطّاطَري)) بمهملتين مفتوحتين- قال الطبري: كل من يبيع الكرابيس بدمشق يقال له: الطاطري.
اهـ تت ج١ ص ٩٥ .

٢٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
محمد الطاطري، والوليد بن مسلم، وأبو مسهر. وقال الدوري، عن ابن معين: لا
بأس به، وكان مرجئًا. وقال الدارقطني: ثقة.
قال الحافظ: وضعفه أبو محمد بن حزم، فأخطأ، لأنا لا نعلم له سلفا في تضعيفه
إلا ابن قانع، وقول ابن قانع غير مقنع. انتهى. روى له الجماعة، سوى البخاري، وله
في هذا الكتاب (٨) أحاديث.
٣- (عبدالعزيز بن محمد) بن عُبَيد الدَّرَاوَزْدِيّ، أبو محمد الْجُهَنِيّ مولاهم المدني،
صدوق، كان يحدث من كتب غيره، فيخطىء [٨] تقدم ٨/ ١٠١ . والباقون تقدموا في
السند الماضي .
والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به ت في الحديث
الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٢٩ - (بَابُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ
فِي السُّجُودِ )
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الأمر بوضع اليدين مع الوجه على الأرض في
حال السجود.
١٠٩٢ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ دَلُّويَهْ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَفَعَهُ، قَالَ: ((إِنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ، فَإِذَا وَضَعَ
أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ، فَلْيَضَغْ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَهُ، فَلْيَرْفَعْهُمَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (زياد بن أيوب دلويه) البغدادي، أبو هاشم الطوسي الأصل، ودلويه لقبه، وكان
يغضب منها، ولقّبه أحمد شعبةَ الصغير، ثقة حافظ [١٠] تقدم ١٠١/ ١٣٢.
٢- (ابن عُلَئَةَ) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسدي مولاهم، أبو بِشْر
البصري، و((عُليّة)) اسم أمه، وكان يكره النسبة إليها، ثقة حافظ [٨] تقدم ١٩/١٨.
٣- (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، ثقة حجة، من كبار
الفقهاء العُبّاد [٥] تقدم ٤٢ /٤٨ .

٢٨٩
١٢٩- (بَأَبُ وَضْعِ الْدَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ فِي ... - حديث رقم ١٠٩٢
٤- (نافع) مولى ابن عمر العدوي، أبو عبداللّه المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور [٣]
تقدم ١٢/١٢ .
٥- (ابن عمر) هو: عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما، تقدم ١٢ /
١٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن
رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له مسلم، وابن ماجه، وأن شيخه بغدادي،
وابن علية، وأيوب بصريان، والباقيان مدنيان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه ابن
عمر رَّها أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) رضي اللّه تعالى عنهما (رفعه) جملة في محل نصب على الحال من
((ابن عمر))، أي حال كونه رفع الحديث إلى النبي بَّر، وهذه اللفظة من الصِّيَغ التي
تستعمل للرفع حكما، كما قال الحافظ السيوطي رحمه اللّه تعالى في ((ألفية المصطلح))
عند ذكر الصيغ التي تستعمل للرفع حكما:
وَهَكَذَا يَرْفَعُهُ يَثْمِيهِ رِوَايَةً يَبْلُغْ بِهِ يَرْوِيهِ
وقد جاء التصريح برفعه من طريق وُهيب عن أيوب، فقال: ((عن ابن عمر، عن النبي
وَلَه). أخرجه البيهقي ١٠٢/٢ وابن الجارود ١٠٧ والسرّاج.
(قال: إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه) هذا ذكره تعليلا مقدما لقوله: ((فليضع
يديه)) والمراد بـ((اليدين)) الكفان (فإذا وضع أحدكم وجهه) أي على ما يسجد عليه
(فليضع يديه) فيه دليل لمن قال بوجوب وضع اليدين في السجود على ما يسجد عليه،
وأجاب عنه الجمهور بأن الأمر فيه للندب، لصحة صلاة المكتوف بالإجماع.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: في استدلالهم بصلاة المكتوف نظر لا يخفى، كيف
يقاس حال الاختيار بحال الاضطرار، هذا غريب. والصواب عندي ما قاله الأولون.
والله تعالى أعلم.
(وإذا رفعه) أي رفع الوجه (فليرفعهما) أي يرفع اليدين، والأمر فيه للوجوب عند
الأكثرين، لأن رفعهما فرض، فلا يعتدل ساجدا مَنْ لا يرفعهما عن الأرض.
فالاعتدال في الركوع والسجود، وفي الرفع منهما فرض عند الجمهور، لأمر النبي
وَلجر المسيءَ صلاته بذلك، ولمواظبته وَّل عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه

٢٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتَِاحِ
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٢٩/ ١٠٩٢- وفي ((الكبرى)) -٦٧٩/٣٧ - عن زياد بن أيوب، عن
ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عنه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) في ((الصلاة)) عن أحمد بن حنبل، عن ابن علية به.
وأخرجه (أحمد) ج٣/ ص٦ (وابن خزيمة) رقم ٦٣٠ . (والحاكم) ٢٢٦/١ وعنه
(البيهقي) ٢/ ١٠١ والسّاج في ((مسنده))، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين،
ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي، وابن الجارود، والسراج من طريق وهيب، عن أيوب
به، وصرح برفعه إلى النبي وَّ، فقال: ((عن ابن عمر، عن النبيِ وَلا)).
وأخرجه مالك في ((الموطا)) عن نافع موقوفا. ولا يقدح ذلك في رفعه، لأن الرفع
زيادة من ثقة حافظ، وهو أيوب السختياني،، رواه عنه ثقتان، ابن علية، ووهيب.
فوجب قبولها(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٣٠ - (بَابٌ عَلَى كَمْ السُّجُودُ؟)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على كم أعضاء يكون السجود؟.
١٠٩٣- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
قَالَ: أُمِرَ النّبِيُّ نَِّ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءِ، وَلَا يَكُفَّ شَغْرَهُ، وَلَا ثِيَابَهُ).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/١.
(١) انظر (الإرواء)) للشيخ الألباني، حفظه الله ج٢ ص ١٧ -١٨ .

١٣٠ - (بَأَبِّ عَلَى كَمْ السُّجُودُ؟) - حديث رقم ١٠٩٣
٢٩١ ==
٢- (حماد) بن زيد بن درهم الأزدي الْجَهْضَميّ، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت
فقيه، من كبار [٨] تقدم ٣/٣ .
٣- (عمرو) بن دينار الجمحي مولاهم، أبو محمد الأثرم المكي، ثقة ثبت [٤] تقدم
١٥٤/١١٢.
٤- (طاوس) بن كَيْسَان الحِمْيَري مولاهم، أبو عبدالرحمن اليماني، قيل: اسمه
ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل [٣] تقدم ٣١/٢٧ .
٥- (ابن عباس) عبداللَّه الحبر البحر، رَها، تقدم ٣١/٢٧.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات،
وكلهم من رجال الجماعة (ومنها): أنهم مابين بغلاني، وهو شيخه، وبصري، وهو
حماد، ومكي، وهو عمرو بن دينار، ويمني، وهو طاوس، ومدني، ثم بصري، ثم
طائفي، وهو ابن عباس ◌َّا (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، عمرو، عن
طاوس (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد
المكثرين السبعة روى (١٦٩٦) حديثا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قال: أمر النبي ◌َِّ أن يسجد) ((أُمِرَ))
بالبناء للمفعول، و((أن)) مصدرية، و(يسجد)) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير النبي بَلآل،
والجملة صلة ((أن)).
وقال السندي رحمه اللّه تعالى: ((أمر)) على بناء المفعول، و((أن يسجد))
على بناء الفاعل، ويحتمل أن يُعكس، ويحتمل بناؤهما للفاعل على أن ضمير
((يسجد)) للمصلي. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذه الاحتمالات لا بد أن تصح روايةً، والظاهر أن
الأول هو الرواية، كما صرح به الحافظ حيث أخرجه البخاري رَّتُهُ من طريق سفيان،
عن عمرو، فقال في ((الفتح)): قوله: ((أمر)) الخ بضم الهمزة في جميع الروايات بالبناء لما
لم يُسَمَّ فاعله، والمراد به الله جل جلاله. قال البيضاوي: عُرِف ذلك بالعرف، وذلك
يقتضي الوجوب. قيل: وفيه نظر، لأنه ليس فيه صيغة ((افْعَلْ)). انتهى (٢).
(١) ((شرح السندي)) ج٢ ص٢٠٨ .
(٢) ((فتح)) ج٢ ص ٥٥٥ - ٥٥٦ .

-٢٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
وفي الرواية الآتية من طريق عبدالله بن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي
وَالّ، قال: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بأمره بَّلير ما يعمه هو وأمته، بدليل التفسير
الآتي في الباب التالي.
ولظاهر رواية البخاري من طريق شعبة، عن عمرو بن دينار، بلفظ: ((أمرنا أن نسجد
على سبعة أعظم)) ... الحديث.
ثم إن الظاهر أنه للوجوب، لكن قال في ((الفتح)): قيل: وفيه نظر، لأنه ليس فيه
صيغة ((افعل)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا النظر غير صحيح، لأنه لا فرق بين قوله: افعل
كذا، وقوله: أمرتك أن تفعل كذا.
قال العلامة الشوكاني ◌َخّْلهُ تعالى ردا على هذا النظر: ما نصه: وهو ساقط، لأن
لفظ ((أمر)) أدلّ على المطلوب من صيغة ((افعل))، كما تقرر في الأصول، ولكن الذي
يتوجه على القول باقتضائه الوجوب على الأمة أنه لا يتم إلا على القول بأن خطابه وَالتر
خطاب لأمته، وفيه خلاف معروف، ولا شك أن عموم أدلة التأسي تقتضي ذلك، وقد
أخرجه البخاري في ((صحيحه)) من رواية شعبة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن
ابن عباس بلفظ: ((أمرنا)) وهو دال على العموم. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله
تعالى(١) .
(على سبعة أعضاء) متعلق بـ(يسجد))
و((الأعضاء)): جمع عضو بضم العين، على الأشهر، وتكسر، وهو كلُّ عظم وافر من
الجسد. قاله في ((المصباح)).
وفي النسخة الهندية: ((أَعْظُم)) بدل ((أعضاء))، وهو الذي في (الكبرى)).
وكأنه سَمَّى كلّ واحد من هذه الأعضاء عظما باعتبار الجملة، وإن اشتمل کل واحد
منها على عظام، فهو من باب إطلاق اسم الجزء على الكل.
وقال العلامة الصنعاني ◌َّلهُ في ((حاشية العمدة)): قوله: ((على سبعة أعضاء)) أي
معتمدا عليها في أداء واجب السجود، وهو إيصال المكلف جبهته إلى الأرض تعظيما
للَّه تعالى، والساجد هو الشخص، ونسبة السجود إلى الوجه في مثل ((سجد وجهي))،
وحديث ابن عمر المتقدم ((إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه)) مجاز عما يقع به
(١) ((نيل الأوطار)) ج٢ ص ٢٩٩.

١٣٠ - (بَبِّ عَلَى كَمْ السُّجُودُ؟) - حديث رقم ١٠٩٣
٢٩٣
السجود. انتهى .
وسيأتي تفسيرتلك الأعضاء في الرواية الآتية في حديث العباس بن عبدالمطلب
رضي الله تعالى عنه، في الباب التالي، وفي حديث ابن عباس رَوّها من طريق عبدالله
ابن طاوس، عن أبيه، عنه - ١٠٩٦/١٣٣ .
(ولا يكف شعره، ولا ثيابه) بنصب ((يكف)) عطفا على قوله: ((يسجد)). وهو من
باب قتل، يقال: كفّ عن الشيء كَفًّا: تركه، وكَفَفتُهُ كَفّا: منعته، فَكَفّ، يتعدى، ولا
يتعدّى، وما هنا من المتعدي، فلذا نصب ((شعرَهُ، وثيابَهُ».
والمرادبالشعر شعر الرأس.
والمعنى: لا يضم، ولا يجمع عند السجود شعره، ولا ثيابه، صونًا لهما عن
التراب، بل يرسلهما، ويتركهما على حالهما حتى يقعا إلى الأرض، فيكون الكل
ساجدا لله تعالى.
وسيأتي من طريق الزهري، عن ابن طاوس، عن أبيه - ١٠٩٨/١٣٥ - بلفظ: ((ونهي
أن يكفت الشعر والثياب)).
و((الْكَفْتُ)) بمثناة في آخره هو الضم، وهو بمعنى الكَفّ.
قال في ((الفتح)): وظاهره يقتضي أن النهي عنه في حال الصلاة، وإليه جنح
الداودي، وترجم المصنف -يعني البخاري- بعد قليل: [باب لا يكف ثوبه في
الصلاة]، وهي تؤيد ذلك.
ورده عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي، سواء فعله
في الصلاة، أو قبل أن يدخل فيها، واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة. لكن حكى ابن
المنذر عن الحسن وجوب الإعادة.
قيل: الحكمة في ذلك أنه إذا رفع ثوبه وشعره عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في النهي عن كف الشعر والثياب في
محله -١١١٣/١٤٦ - و-١١١٥/١٤٨. إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث :
(المسألة الأولى): في درجته :
(١) ((فتح)) جـ ٢ صـ٦ ٥٥.

٢٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا-١٠٩٣/١٣٠ - وفي ((الكبرى)) -٦٨٠/٣٨- عن قتيبة، عن حماد بن
زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عنه. وفي ١٠٩٦/١٣٣ - و((الكبرى)) ٤١/
٦٨٣ - عن أحمد بن عمرو بن السرح، ويونس بن عبد الأعلى، والحارث بن مسكين،
كلهم عن ابن وهب، عن ابن جريج، عن عبدالله بن طاوس، عن أبيه به. وفي - ١٣٤/
١٠٩٧ - و((الكبرى)) ٦٨٤/٤٢- عن عمرو بن منصور، عن المعلّى بن أسد، عن
وُهيب، عن ابن طاوس به. وفي - ١٠٩٨/١٣٥ - و ((الكبرى)) -٦٨٥/٤٣- عن محمد
ابن منصور المكي، وعبدالله بن محمد بن عبدالرحمن الزهري، كلاهما عن ابن عيينة،
عن ابن طاوس به. وفي - ١١١٣/١٤٦ و((الكبرى)) ٧٠٠/٥٤ - عن حُميد بن مَسعَدة،
عن يزيد ا بن زريع، عن شعبة، وروح بن القاسم، كلاهما عن عمرو بن دينار به.
وفي ١١١٥/١٤٨ - و((الكبرى)) ٧٠٢/٥٦ - عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة به.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) في ((الصلاة)) عن قبيصة، عن سفيان- وعن مسلم بن إبراهيم، عن
شعبة- وعن أبي النعمان، عن حماد بن زيد- وعن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة-
أربعتهم عن عمرو بن دينار به. وعن معلّى بن أسد، عن وُهَيب، عن عبدالله بن طاوس
به .
(م) فيه عن يحيى بن يحيى، وأبي الربيع الزهراني، كلاهما عن حماد بن زيد به.
وعن محمد بن بشار، عن غندر، عن شعبة به. وعن عمرو الناقد، عن ابن عيينة به.
وعن محمد بن حاتم، عن بهز، عن وهيب به. وعن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن
ابن جریج به .
(د) فیه عن مسدد، وسليمان بن حرب، كلاهما عن حماد به. وعن محمد بن کثیر،
عن شعبة به .
(ت) فيه عن قتيبة به. (ق) فيه عن بشر بن معاذ، عن أبي عوانة، وحماد ابن زيد به.
وعن هشام بن عمار، عن سفيان به.
وأخرجه (الحميدي) برقم ٤٩٣ و٤٩٤ (وأحمد) ٢٢١/١ و٢٥٥ و٢٧٠ و٢٧٩ و ٢٨٥
و٢٨٦ و٣٢٤ و٢٢٢ و٢٩٢ و٣٠٥. (وعبد بن حميد) برقم ٦١٧ (والدارمي) ١٣٢٤
و١٣٢٥ (وابن خزيمة) ٦٣٢ و٧٨٢ و٦٣٣ و٦٣٤ و٦٣٥ و٦٣٦. والله تعالى أعلم.

١٣١ - (تَفْسِيرُ ذِلَّكَ) - حديث رقم ١٠٩٤
=
٢٩٥ =
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): بيان ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو عدد الأعضاء التي يسجد
عليها المصلي، وهي سبعة.
(ومنها): النهي عن كف الشعر في حالة السجود، والمراد شعر رأسه.
(ومنها): النهي عن كف الثياب في حالة السجود، والحكمة في النهي عنهما أن
كفهما في حالة السجود يشبه فعل المتكبر، فينافي معنى السجود، وهو التواضع لله
تعالى بجميع أعضاء المصلي، وما يتصل به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
١٣١- (تَفْسِيرُ ذَلِكَ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على تبيين، وتوضيح ما أجملَ في الحديث المذكور
في الباب المتقدم، من قوله: ((سبعة أعضاء)). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠٩٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَلِبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ يَقُولُ: ((إِذَا سَجَدَ
الْعَبْدُّ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ: وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.
٢- (بكر) بن مُضَر بن محمد بن حكيم المصري، أبو محمد، أو أبو عبدالملك، ثقة
ثبت [٨] تقدم ١٢٢ / ١٧٣ .
٣- (ابن الهاد) هو يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهاد الليثي، أبو عبدالله المدني،
ثقة مكثر [٥] تقدم ٧٣ / ٩٠ .
٤- (محمد بن إبراهيم) بن الحارث التيمي، أبو عبدالله المدني، ثقة له أفراد [٤]
تقدم ٦٠/ ٧٥ .
٥- (عامر بن سعد) بن أبي وقّاص الزهري المدني، ثقة [٣] ٦٧٩/٣٨ .

٢٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
٦- (العباس بن عبدالمطلب) بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو الفضل
المكي، عم رسول اللَّه وَلّل .
أمه نُتَيْلَة بنت جناب بن كلب. وُلدَ قبل رسول اللَّه ◌َل بسنتين، وضاع وهو صغير،
فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت، فوجدته، فكست البيت الحرير، فهي أول من
کساه ذلك.
قال الزبير بن بكّار: كان أسنّ من رسول اللَّه ◌ُ ل بثلاث سنين.
وكان إليه في الجاهلية السِّفَارة، والعِمَارة، وحضر بيعة العَقَبَة مع الأنصار قبل أن
يسلم، وشهد بدرًا مع المشركين مُكْرَهًا، فأَسِرَ، فافتدى نفسه، وافتدى ابن أخيه عقيل
بن أبي طالب، ورجع إلى مكة، فيقال: إنه أسلم، وكتم قومه ذلك، وصار يكتب إلى
النبي وَلير بالأخبار، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح، وثبت يوم حنين. وقال
النبي وَّ: ((من آذى العباس، فقد آذاني، فإنما عمّ الرجل صِنْوُ أبيه)). أخرجه الترمذي
في قصة.
وقد حدث عن النبي وَلجر بأحاديث. روى عنه أولاده: عبدالله، وعبيدالله، وكثير،
وأم كلثوم، ومولاه صهيب، وعامر بن سعد، والأحنف بن قيس، وعبدالله بن
الحارث، وغيرهم.
وقال ابن المسيب، عن سعد: كنا مع النبي وَلَّ، فأقبل العباس. فقال: ((هذا
العباس أجود قريش كَفًّا، وأوصلها)). أخرجه النسائي، وعن أبي سفيان بن الحارث بن
عبدالمطلب، قال: كان العباس أعظم الناس عند رسول اللَّه وَله، والصحابة يعترفون
للعباس بفضله، ویشاورونه، ويأخذون رأيه.
وفي ((تت)): وأسلم قبل خيبر، وكان أنصر الناس لرسول اللّه وَ ل بعد أبي طالب،
وكان جوادا مطعما، وَصُولًا للرحم، ذا رأي حسن، ودعوة مرجوة، وكان لا يمرّ
بعمر، وعثمان، وهما راكبان إلا نزلا حتى يَجُوزا، إجلالا له. انتهى.
ومات بالمدينة في رجب، أو رمضان سنة (٣٢) وله (٨٨) سنة، وقيل: غير ذلك في
وفاته، وصلى عليه عثمان، ودفن بالبقيع، وكان طويلا جميلا أبيض.
روى له الجماعة. راجع ((الإصابة)) ج٥ ص٣٢٨-٣٢٩. و(تك)) ج١٤ ص٢٢٥-
٢٢٩. و(تت)) ج٥ص١٢٢-١٢٣ . وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده
برقم (١٠٩٩). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف ◌َّهُ (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن

٢٩٧
١٣١ - (تَفْسِيرُ ذَلَكَ) - حديث رقم ١٠٩٤
رجال الجماعة (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبلخي، وبكر، فمصري
(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، ابن الهاد، ومحمد بن
إبراهيم، وعامر بن سعد. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن العباس بن عبدالمطلب) رضي الله تعالى عنه (أنه سمع رسول اللّه ◌َلّه يقول:
إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب) هذه الجملة خبرية لفظا، إنشائية معنىّ، بدليل
حديث ابن عباس الماضي، أي فليسجد معه سبعة أعضاء.
و((الآراب)) بهمزة ممدودة: الأعضاء، وهو جمع إرب بكسر، فسكون، كحمْلٍ
وأَحْمَال.
(وجهه) بالرفع بدل من ((سبعة))، أو خبر لمبتدإ محذوف، أي هي الوجه، ويحتمل
النصب، إن صح روايةً، على أنه مفعول لفعل محذوف: أي أعني وجهه.
والمراد بالوجه الجبهة والأنف، كما صرح به في رواية ابن عباس الآتية: («الجبهة
والأنف)).
(وكفاه) هكذا وقع هنا بلفظ ((الكفين))، ووقع في حديث ابن عباس رَوّهنا بلفظ
((اليدين))، فقال ابن دقيق العيد وَخّهُ: المراد بهما الكفان، لئلا يدخل تحت المنهي
عنه، من افتراش السبع والكلب. انتهى.
(وركبتاه، وقدماه) ووقع في حديث ابن عباس رضيها بلفظ: ((وأطراف القدمين))، فهو
مبين للمراد بالقدمين هنا، فإن المراد نصب أطراف القدمين على الأرض. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث العباس بن عبدالمطلب رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٠٩٤/١٣١ - وفي ((الكبرى)) - ٦٩١/٣٩- عن قتيبة، عن بكر بن
مضر، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عنه. وفي -
١٠٩٩/١٣٦ - و((الكبرى)) - ٦٨٦/٤٤- عن محمد بن عبدالله بن عبدالحكم، عن
شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن الهاد به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:

٢٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
أخرجه (دت) كلاهما عن قتيبة به. (ق) عن يعقوب بن حميد بن كاسب، عن
عبدالعزيز بن أبي حازم، عن یزید بن الهاد به.
وأخرجه (أحمد) ٢٠٦/١ و٢٠٨ (وابن خزيمة) برقم ٦٣١ . والله تعالى أعلم.
(تنبيه): أشار الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) ج٤
ص٢٦٥ - أن حديث العباس وظّه هذا أخرجه مسلم في ((صحيحه)) فقال الحافظ ولي
الدين رحمه الله تعالى في كتابه ((الإطراف بأوهام الأطراف)) ص١١٣ -: لم أقف عليه
في ((الصلاة)) في ((صحيح مسلم)). والله أعلم. وأقر الحافظ رحمه الله تعالى كلام ولي
الدين في ((النكت الظراف))، ولم يتعقبه بشيء.
والظاهر أن المباركفوري في ((تحفته))، ومحمود محمد خطاب السبكي في ((منهله))،
والشيخ الألباني في ((صحيح النسائي))، قلدوا المزي في ذلك فإنهم أشاروا كلهم إلى أن
مسلما أخرجه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى في شرح حديث ابن
عباس ◌ًَّا: ما نصه: ظاهره يدلّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء، لأن الأمر
للوجوب .
والواجب عند الشافعي ◌َّلهُ منها الجبهة، لم يتردد قوله فيه، واختلف قوله في
اليدين والركبتين والقدمين، وهذا الحديث يدلّ للوجوب، وقد رجح بعض أصحابه
عدم الوجوب، ولم أرهم عارضوا هذا بدليل قويّ، أقوى من دلالته، فإنه استدلّ لعدم
الوجوب بقوله وقال في حديث رفاعة من حديث المسيء صلاته: ((ثم يسجد، فيمكن
جبهته))، وهذا غايته أن تكون دلالته دلالة مفهوم، وهو مفهوم لقب، أو غاية،
والمنطوق الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدم عليه، وليس هذا من باب
تخصيص العموم بالمفهوم، كما مرّ لنا في قوله بَله: ((جعلت لي الأرض مسجدا
وطهورا))، مع قوله: ((جعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا))، فإنه ثمة
يُعمَل بذلك العموم من وجه، إذا قدمنا دلالة المفهوم، وههنا إذا قدمنا دلالة المفهوم
أسقطنا الدليل على وجوب السجود على هذه الأعضاء-أعني اليدين، والركبتين،
والقدمين- مع تناول اللفظ لها بخصوصها.
وأضعف من هذا ما استدلّ به على عدم الوجوب من قوله وَّر: (سجد وجهي للذي
خلقه (( قالوا: فأضاف السجود إلى الوجه، فإنه لا يلزم من إضافة السجود إلى الوجه
انحصار السجود فيه .
وأضعف من هذا الاستدلال على عدم الوجوب بأن مسمى السجود يحصل بوضع

١٣١ - (تَفْسِيرُ ذَلَكَ) - حديث رقم ١٠٩٤
٢٩٩ ==
الجبهة، فإن هذا الحديث يدلّ على إثبات زيادة على المسمى، فلا تترك.
وأضعف من هذا: المعارضة بقياس شبهي، ليس بقوي، مثل أن يقال: أعضاء لا
يجب كشفها، فلا يجب وضعها كغيرها من الأعضاء، سوى الجبهة .
وقد رجح المحاملي من أصحاب الشافعي القول بالوجوب، وهو أحسن عندنا من
قول من رجح عدم الوجوب.
وذهب أبو حنيفة رَّهُ : إلى أنه إن سجد على الأنف وحده كفاه، وهو قول في
مذهب مالك وأصحابه.
وذهب بعض العلماء إلى أن الواجب السجود على الجبهة والأنف معا، وهو قول في
مذهب مالك أيضا، ويحتج لهذا المذهب بحديث ابن عباس رَويثبت هذا، فإن في بعض
طرقه («الجبهة والأنف معا))، وفي هذه الطرق التي ذكرها المصنف - يعني صاحب
العمدة- ((الجبهة))، وأشار بيده إلى أنفه، فقيل: معنى ذلك أنهما جعلا كالعضو الواحد،
ويكون الأنف كالتبع للجبهة، واستدلّ على هذا بوجهين :
(أحدهما): أنه لو كان كعضو منفرد عن الجبهة حكما، لكانت الأعضاء المأمور
بالسجود عليها ثمانية، لا سبعة، فلا يطابق العدد المذكور في أول الحديث.
(الثاني): أنه قد اختلفت العبارة مع الإشارة إلى الأنف، فإذا جعلاكعضو واحد أمكن
أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، فتطابق الإشارة العبارة، وربما استنتج
من هذا أنه إذا سجد على الأنف وحده أجزأه، لأنهما إذا جعلا كعضو واحد كان
السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة، فيجزىء.
والحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة والأنف. لكونهما داخلين تحت
الأمر، وإن أمكن أن يُعتَد أنهما كعضو واحد من حيث العدد المذكور، فذلك في
التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دلّ عليه الأمر.
وأيضًا فإن الإشارة قد لا تعين المشار إليه، فإنها إنما تتعلق بالجبهة، فإذا تفاوت ما
في الجبهة أمكن أن لا يعين المشار إليه يقينًا، وأما اللفظ فإنه معين لما وضع له،
فتقديمه أولى. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه اللّه تعالى ((إحكام الأحكام)) ج٢
ص٣٠٦-٣١١ . بنسخة الحاشية.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة ما أشار إليه ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى
وجوب العمل بمقتضى منطوق الحديث، وهو تقرير حسن، فلا يجوز الاقتصار على
الجبهة دون الأنف، ولا العكس. وسنحقق الخلاف في المسألة التالية، إن شاء الله
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٣٠٠
==
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الساجد على الجبهة دون الأنف،
أو على الأنف دون الجبهة :
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الساجد على
الجبهة، دون الأنف:
فممن أمر بالسجود على الأنف ابن عباس، وعكرمة، وعبدالرحمن بن أبي ليلى.
وقال سعيد بن جبير: من لم يضع أنفه على الأرض في سجوده لم تتم صلاته. وقال
طاوس: الأنف من الجبين. وقال النخعي: السجود على الجبهة والأنف. وكقول
النخعي قال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأحمد.
وقال أحمد: لا يجزيه السجود على أحدهما دون الآخر.
وقال إسحاق: إذا سجد على الجبهة دون الأنف عمدا فصلاته فاسدة. وقال أبو
خيثمة، وابن أبي شيبة: لا يجزيه السجود على أحدهما دون الآخر. وقال الأوزاعي
وسعيد بن عبدالعزيز: يسجد على سبع، وأشارا بأيديهما الجبهة إلى ما دون الأنف،
وقالا: هذا من الجبهة .
وقالت طائفة: يجزىء على جبهته دون أنفه، هذا قول عطاء، وطاوس، وعكرمة،
ومحمد بن سيرين، والحسن البصري، وبه يقول الشافعي، وأبو ثور، ويعقوب،
ومحمد .
وقال قتادة: رخص في ذلك. وقال سفيان الثوري: يجزيه، ولا أرى له. وقال
أحمد: إذا لم يسجد على أنفه ما أجتري أن أحكم.
قال ابن المنذر تَحّْلهُ: وهذا مع ما ذكرناه عنه اختلاف من قوله.
وقالت طائفة: إن وضع جبهته، ولم يضع أنفه، أووضع أنفه، ولم يضع جبهته، فقد
أساء، وصلاته تامّة. هذا قول النعمان، وهو قول، لا أحسب أحدا سبقه إليه، ولا تبعه
عليه. وقال يعقوب، ومحمد: إن سجد على أنفه دون جبهته، وهو يقدر على السجود
على جبهته لم يجزه ذلك. انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى. ((الأوسط)) ج٣
ص١٧٤ - ١٧٧ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي من هذه الأقوال قول من قال بوجوب
السجود على الجبهة والأنف، لظاهر حديث الباب، فإنه سَوَّى بين هذه الأعضاء في
الأمر بالسجود عليها، فلا يجوز الاكتفاء ببعضها بلا حجة تجيز ذلك، ولا ضرورة
تلجىء إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى أيضا: قد يستدلّ بهذا