النص المفهرس

صفحات 221-240

١١٧- (بَابُ القُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْح) - حديث رقم ١٠٧١
٢٢١ =
١١٧ - (بَابُ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ
الصُّبْح)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية القنوت في صلاة الصبح.
١٠٧١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ
مَالِكِ، سُئِلَ، هَلْ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌ّه فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: قَبْلَ
الرُّكُوعِ، أَوْبَعْدَهُ؟ قَالَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/١.
٢- (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت حجة [٨] تقدم ٣/٣.
٣- (أيوب) بن أبي تميمة السختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت فقيه [٥] تقدم ٤٢/
٤٨ .
٤ - (ابن سيرين) هو محمد، أبو بكر البصري الإمام الحجة الثبت [٣] تقدم ٤٦ / ٥٧.
٥- (أنس بن مالك) رَّه تقدم في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات نبلاء،
وأنهم من رجال الجماعة، وأنهم بصريون، سوى شيخه، فبغلاني، وأن فيه رواية
تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن) محمد (ابن سيرين، أن أنس بن مالك) رَظيه (سئل) بالبناء للمفعول، ولمسلم
من طريق إسماعيل، عن أيوب: ((قلت لأنس))، فعرف بذلك أنه السائل له، فأبهم نفسه
(هل قنت رسول اللّه ◌َ لّ في صلاة الصبح؟، قال: نعم) أي قنت في الصبح (فقيل له:
قبل الركوع، أوبعده؟) أي أقنت ربَّر قبل الركوع، أو بعد الركوع؟ (قال: بعد الركوع)
أي قنت بعد الركوع. وفي رواية البخاري: ((قال: بعد الركوع يسيرا)). قال في ((الفتح)):
قد بين عاصم في روايته مقدار هذا اليسير، حيث قال: ((إنما قنت بعد الركوع شهرا)).
وفي ((صحيح ابن خزيمة)) من وجه آخر عن أنس: ((أن النبي ◌َّلتر كان لا يقنت إلا إذا دعا
لقوم، أو دعا على قوم)). انتهى.

٢٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
[قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه]: هذا الحديث متفق عليه. وقد تقدم بيان المسائل
المتعلقة به في حديث الباب الماضي. وإنما أبين هنا الاختلاف في حكم القنوت في
الصبح، فأقول - وبالله تعالى التوفيق -:
(مسألة): اختلف أهل العلم في القنوت في صلاة الصبح:
فذهب جماعة من العلماء إلى أنه مشروع في صلاة الفجر، وقد حكاه الحازمي عن
أكثر الناس من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من علماء الأمصار، ثم عد من الصحابة
الخلفاء الأربعة إلى تمام تسعة عشر من الصحابة، ومن المخضرمين أبو رجاء
العطاردي، وسويد بن غَفَلَة، وأبو عثمان النهدي، وأبو رافع الصائغ. ومن التابعين اثنا
عشر. ومن الأئمة والفقهاء أبو إسحاق الفزاري، وأبو بكر بن محمد، والحكم بن
عتيبة، وحماد، ومالك بن أنس، وأهل الحجاز، والأوزاعي، وأكثر أهل الشام،
والشافعي، وأصحابه. وعن الثوري روايتان. ثم قال: وغير هؤلاء خلق كثير.
وزاد العراقي عبدالرحمن بن مهدي، وسعيد بن عبدالعزيز التنوخي، وابن أبي ليلى،
والحسن بن صالح، وداود، ومحمد بن جرير، وحكاه عن جماعة من أهل الحديث:
منهم أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وأبو عبدالله الحاكم، والدارقطني،
والبيهقي، والخطابي، وأبو مسعود الدمشقي،. وحكاه الخطابي في ((المعالم)) عن
أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. وحكى الترمذي عنهما خلاف ذلك. وقال
النووي في ((شرح المهذب)): القنوت في الصبح مذهبنا، وبه قال أكثر السلف، ومن
بعدهم، أو کثیر منهم. انتهى.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: (واعلم): أنه قد وقع الاتفاق على ترك
القنوت في أربع صلوات من غير سبب، وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء،
ولم يبق الخلاف إلا في صلاة الصبح من المكتوبات، وفي صلاة الوتر من غيرها. أما
القنوت في الوتر فسيأتي الكلام عليه في ((أبواب الوتر)). إن شاء الله تعالى.
وأما القنوت في صلاة الصبح، فاحتج المثبتون له بحجج: منها حديث أنس وَلّ
المذكور في الباب، وحديث البراء بَّ الآتي بعد باب. ويجاب أنه لا نزاع في وقوع
القنوت منه ◌َّر، إنما النزاع في استمرار مشروعيته.
فإن قالوا: لفظ ((كان)) يدل على استمرار المشروعية. قلنا: قد قدمنا عن النووي ما حكاه
عن جمهور المحققين أنه لا يدل على ذلك. سلمنا فغايته مجرد الاستمرار، وهو لا ينافي
الترك آخرا، كما صرحت بذلك الأدلة الآتية، على أن هذين الحديثين فيهما أنه كان يفعل
ذلك في الفجر والمغرب، فما هو جوابكم عن المغرب، فهو جوابنا عن الفجر.

١١٧ - (بابُ القُنُوْتِ فِي صَلاَةِ الصُّبْح) - حديث رقم ١٠٧١
٢٢٣ =
وأيضا في حديث أبي هريرة ◌َظّه المتفق عليه - وهو الآتي في الباب التالي - أنه
كان يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة، والصبح. فما هو جوابكم
عن مدلول لفظ ((كان)) ههنا فهو جوابنا.
قالوا: أخرج الدارقطني، وعبدالرزاق، وأبو نعيم، وأحمد، والبيهقي، والحاكم،
وصححه عن أنس رَ ◌ّ ((أن النبي وَلّ قنت شهرا يدعو على قاتلي أصحاب بئر معونة،
ثم ترك، فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا)). وأول الحديث في
((الصحيحين))، ولو صح هذا لكان قاطعا للنزاع، ولكنه من طريق أبي جعفر الرازي،
قال فيه عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس بالقوي. وقال علي بن المديني: إنه يخلط.
وقال أبو زرعة: يهم كثيرا، وقال عمرو بن علي الفلاس: صدوق سيىء الحفظ. وقال
ابن معين: ثقة، ولكنه يخطىء. وقال الدوري: ثقة، ولكنه يغلط. وحكى الساجي أنه
صدوق، ليس بالمتقن، وقد وثقه غير واحد، ولحديثه هذا شاهد، ولكن في إسناده
عمرو بن عبيد، وليس بحجة.
قال الحافظ ◌َخْذَلهُ: ويَغْكُر على هذا ما رواه الخطيب من طريق قيس بن الربيع، عن
عاصم بن سليمان، قلنا لأنس: إن قوما يزعمون أن النبي وَلّ لم يزل يقنت في الفجر،
فقال: كذبوا، إنما قنت شهرا واحدا، يدعو على حي من أحياء المشركين. وقيس، وإن
كان ضعيفا لكنه لم يتهم بالكذب. وروى ابن خزيمة في (صحيحه)) من طريق سعيد،
عن قتادة، عن أنس ◌َّ ((أن النبي ◌ِّر لم يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم)).
فاختلفت الأحاديث عن أنس، واضطربت، فلا يقوم بمثل هذا حجة. انتهى(١).
قال الشوكاني ◌َخَّهُ: إذا تقرر لك هذا علمت أن الحق ما ذهب إليه من قال: إن
القنوت مختص بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تُخُصّ به صلاة دون صلاة،
وقد ورد ما دل على هذا الاختصاص من حديث أنس تَظّمه عند ابن خزيمة في
(صحيحه)، وقد تقدم، ومن حديث أبي هريرة تظمفيه عند ابن حبان بلفظ: ((كان لا
يقنت إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو على أحد))، وأصله في البخاري، قال: وقد حاول
جماعة من حُذّاق الشافعية الجمع بين الأحاديث بما لا طائل تحته، وأطالوا الاستدلال
على مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير طائل، وحاصله ما عرفناك. انتهى كلام
الشوكاني رحمه الله تعالى(٢).
وقد أطال البحث في هذه المسألة الإمام المحقق، والعلامة المدقق ابن قيم الجوزية
(١) ((التلخيص الحبير)) ج١ ص٢٤٤-٢٤٥ .
(٢) ((نيل الأوطار)) جـ ٢ ص ٣٣٩٩-٤٠١.

٢٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
في كتابه الممتع ((زاد المعاد في هدي خير العباد))، ودونك تحقيقه المفيد:
قال: وقَنَتّ في الفجر بعد الركوع شهرا، ثم ترك القنوت، ولم يكن من هديه
القنوتُ فيها دائما، ومن المحال أن رسول اللّه وَلير كان في كل غداة بعد اعتداله من
الركوع يقول: ((اللَّهم اهدني فيمن هديت، وتولني فيمن توليت ... )) الخ، ويرفع بذلك
صوته، ويُؤَمِّن عليه أصحابه دائما إلى أن فارق الدنيا، ثم لا يكون ذلك معلوما عند
الأمة، بل يضيعه أكثر أمته، وجمهور أصحابه، بل كلهم، حتى يقول من يقول منهم: إنه
مُحْدَث، كما قال سعد بن طارق الأشجعي: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف
رسول اللَّه وَّليره، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي * ههنا، بالكوفة منذ خمس
سنين، فكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: أي بني محدث. رواه أهل السنن، وأحمد،
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وذكر الدارقطني عن سعيد بن جبير، قال: أشهد
أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة (١). وذكر البيهقي عن
أبي مِجْلَز، قال: صليت مع ابن عمر صلاة الصبح، فلم يقنت، فقلت: لا أراك
تقنت؟، فقال: لا أحفظه عن أحد من أصحابنا(٢) .
ومن المعلوم بالضرورة أن رسول اللَّه وَ ل لو كان يقنت كل غداة، ويدعو بهذا
الدعاء، ويؤمن الصحابة
لكان نقل الأمة لذلك كلهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها،
وعددها، ووقتها، وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها، جاز عليهم تضييع ذلك،
ولا فرق، وبهذا الطريق علمنا أنه لم يكن هديه الجهر بالبسملة كلَّ يوم وليلة خمس
مرات دائماً مستمرا، ثم يضيِّعُ أكثر الأمة ذلك، ويخفى عليها، وهذا من أمحل
المحال، بل لو كان ذلك واقعا، لكان نقله كنقل عدد الصلوات، وعدد الركعات،
والجهر والإخفات، وعدد السجدات، ومواضع الأركان وترتيبها. والله الموفق.
والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه وَّر جهر، وأسرّ، وقنت، وترك، وكان
إسراره أكثر من جهره، وتركه القنوت أكثر من فعله، فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء
القوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لَمَّا قدِم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم
من دعا عليهم، وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت، ولم
يختص بالفجر، بل كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب، ذكره البخاري في ((صحيحه))
عن أنس ◌َظنّه. وقد ذكره مسلم عن البراء تَظّه . وذكر الإمام أحمد عن ابن عباس
رَوَلَّهَا، قال: قنت رسول اللَّه وَ﴿ شهرا متتابعا في الظهر، والعصر، والمغرب،
(١) في سنده عبدالله بن ميسرة ، وهو ضعيف.
(٢) (السنن الكبرى للبيهقي)) ج٢ ص ٢١٣.

١١٧- (بَأَبُ الْقُنُوتِ فِي صَلَةِ الصُّبْح) - حديث رقم ١٠٧١
٢٢٥ =
والعشاء، والصبح في دبر كل صلاة، إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) من الركعة
الأخيرة، يدعو على حي من بني سليم، على رعل، وذكوان، وعُصيّة، ويؤمن مَنْ
خلفه. ورواه أبو داود(١) .
وكان هديه ◌َّير القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ولم يكن يخصه
بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل، ولاتصالها بصلاة
الليل، وقربها من السَّحَر، وساعة الإجابة، وللتنزل الإلهي، ولأنها الصلاة المشهودة
التي يشهدها الله وملائكته، أو ملائكة الليل والنهار، كما روي هذا، وهذا في تفسير
قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: آية ٧٨].
وأما حديث ابن أبي فُدَيك، عن عبدالله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة ◌َّه، قال: كان رسول اللّه وَلوإذا رفع رأسه من الركوع من صلاة
الصبح في الركعة الثانية، يرفع يديه فيها، فيدعو بهذا الدعاء: ((اللَّهم اهدني فيمن
هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر
ما قضيت، إنك تقضي، ولا يقضى عليك، إنه لا يذلّ من واليت، تباركت ربَّنَا،
وتعاليت)). فما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحا، أو حسنا، ولكن لا يحتج بعبدالله
هذا(٢)، وإن كان الحاكم صحح حديثه في القنوت عن أحمد بن عبدالله المزني: حدثنا
يوسف بن موسى، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي فُدَيك ... فذكره.
نعم صح عن أبي هريرة ◌َّ أنه قال: والله لأنا أقربكم صلاةً برسول اللَّه ◌َلّ،
فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعد ما يقول: ((سمع الله لمن
حمده))، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار(٣).
ولا ريب أن رسول اللَّه ◌َ لّ فعل ذلك، ثم تركه، فأحب أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل
هذا القنوت سنة، وأن رسول اللَّه ◌َ ل فعله، وهذا ردّ على أهل الكوفة الذين يكرهون
القنوت في الفجر مطلقا عند النوازل(٤) وغيرها، ويقولون: هو منسوخ، وفِعلُهُ بدعة،
فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء، وبين من استحبه عند النوازل وغيرها، وهم أسعد
بالحديث من الطائفتين، فإنهم يقنتون حيث قنت رسول اللَّه ◌َّر، ويتركونه حيث تركه،
(١) وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ج١ ص٢٢٥، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) قال في ((ت)): عبدالله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري متروك.
(٣) متفق عليه.
(٤) فيه نظر لأن الثابت عن الحنفية أنه يشرع القنوت للنوازل في صلاة الفجر، كما قاله الطحاوي
وغيره ، انظر ((حاشية ابن عابدين على الدر المختار)) ج٢ ص ١١ .

٢٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فعله سنة، وتركه سنة، ومع هذا، فلا ينكرون
على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعلَه مخالفا للسنة، كما
لا ينكرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة، ولا تاركه مخالفا للسنة،
بل من قنت، فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن، وركن الاعتدال محل الدعاء والثناء،
وقد جمعهما النبي ◌َّر فيه، ودعاء القنوت دعاء وثناء، فهو أولى بهذا المحل، وإذا جهر
به الإمام أحيانا ليعلم المأمومين، فلا بأس بذلك، فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم
المأمومين، وجهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة، ومن هذا
أيضا جهر الإمام بالتأمين، وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنّف فيه من فعله، ولا
من تركه، وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه(١)، وكالخلاف في أنواع التشهدات،
وأنواع الأذان والإقامة، وأنواع النسك من الإفراد، والقران، والتمتع. وليس مقصودنا
إلا ذكر هديه ول# الذي كان يفعله هو، فإنه قبلة القصد، وإليه التوجه في هذا الكتاب،
وعليه مدار التفتيش والطلب، وهذا شيء، والجائز الذي لا ينكر فعله، وتركه شيء،
فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز، ولما لا يجوز، وإنما مقصودنا فيه هدي
النبي ◌َّ الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل الهدي وأفضله، فإذا قلنا: لم يكن من
هديه المداومة على القنوت في الفجر، ولا الجهر بالبسملة، لم يدل ذلك على كراهة
غيره، ولا أنه بدعة، ولكن هديه وَّ أكمل الهدي وأفضله، والله المستعان.
وأما حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أنس، قال: ((ما زال رسول
اللَّه وَ ◌ّر يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا»، وهو في ((المسند))، والترمذي، وغيرهما،
فأبو جعفر قد ضعفه أحمد وغيره. وقال ابن المديني: كان يخلط. وقال أبو زرعة: كان
يهم كثيراً. وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير.
وقال لي شيخنا ابن تيمية قدس الله روحه: وهذا الإسناد نفسه هو إسناد حدیث:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: آية ١٧٢] حديث أبي بن كعب
رَّه الطويل، وفيه: وكان روح عيسىظلَّل من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد
والميثاق في زمن آدم، فأرسل تلك الروح إلى مريم عليها السلام حين انتبذت من أهلها
مكانا شرقيا، فأرسله الله في صورة بشر، فتمثل لها بشرا سويا، قال: فحملت الذي
(١) قلت: في تسويته رفع اليدين وتركه ، ومثله الجهر بالتأمين مع أنواع التشهدات، وأنواع الأذان،
وأنواع النسك فيه نظر، إذترك رفع اليدين، وعدم الجهر بالتأمين مخالف للسنة مخالفة بينة، فيعد
فاعله مخالفا للسنة، فينكر عليه، وأما أنواع التشهدات، وأنواع الأذان، والنسك، فكلها ثابتة ،
فمن أخذ بواحدة منها، فقد أخذ بالسنة، فلا ينكر عليه. فتأمل. والله تعالى أعلم.

٢٢٧ =
١١٧ - (بابُ القُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْح) - حديث رقم ١٠٧١
يخاطبها، فدخل من فيها. وهذا غلط محض، فإن الذي أرسل إليها الملك الذي قال
لها: ﴿إِنَّمَا أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩]، ولم يكن الذي
خاطبها بهذا هو عيسى ابن مريم، هذا محال.
والمقصود أن أبا جعفر الرازي صاحب مناكير، لا يَخْتَج بما تفرد به أحدٌ من أهل
الحديث البتة، ولو صح لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة، فإنه ليس فيه أن
القنوت هذا الدعاء، فإن القنوت يطلق على القيام، والسكوت، ودوام العبادة،
والدعاء، والتسبيح، والخشوع، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ
قَسِنُونَ﴾ [الروم: آية ٢٦] وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ فَنِتُ ءَانَآءَ الَِّلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ
اُلْآَخِرَةَ وَيَرْجُوْ رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: آية ٩] وقال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ،
وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ﴾ [التحريم: آية ١٢] وقال ◌َّ: ((أفضل الصلاة طول القنوت))(١).
وقال زيد بن أرقم ◌َظّه: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدْنِتِينَ﴾ [البقرة: آية ٢٣٨]
أمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام(٢). وأنس رَمَّه لم يقل: لم يزل يقنت بعد الركوع
رافعا صوته: ((اللَّهم اهدني فيمن هديت ... )) الخ، ويؤمن من خلفه، ولا ريب أن
قوله: ((ربنا ولك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد،
أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد ... )) إلى آخر الدعاء والثناء الذي كان يقوله
قنوت، وتطويلُ هذا الركن قنوت، وتطويل القراءة قنوت، وهذا الدعاء المعين قنوت،
فمن أين لكم أن أنسا إنما أراد هذا الدعاء المعين، دون سائر أقسام القنوت؟!
ولا يقال: تخصيصه القنوت بالفجر دون غيرها من الصلوات دليل على إرادة الدعاء
المعين، إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترك بين الفجر وغيرها، وأنس خص
الفجر، دون سائر الصلوات بالقنوت، ولا يمكن أن يقال: إنه الدعاء على الكفار، ولا
الدعاء للمستضعفين من المؤمنين، لأن أنسا قد أخبر أنه قنت شهرا، ثم تركه، فتعين أن
يكون هذا الدعاء المعين الذي داوم عليه هو القنوت المعروف، وقد قنت أبو بكر،
وعمر، وعثمان، وعلي، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعبدالله بن عباس، وأبو
موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وغيرهم.
والجواب من وجوه:
(أحدها): أن أنسا رَّه قد أخبر أنه وَّرَ كان يقنت في الفجر والمغرب، كما ذكره
البخاري، فلم يخصص القنوت بالفجر، وكذلك ذكر البراء بن عازب رَضِّها سواء، فما
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)). وقد تقدم.
(٢) متفق عليه .

٢٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
بال القنوت اختص بالفجر؟!
فإن قلتم: قنوت المغرب منسوخ، قال لكم منازعوكم من أهل الكوفة: وكذلك
قنوت الفجر سواء، ولا تأتون بحجة على نسخ قنوت المغرب إلا كان دليلا على نسخ
قنوت الفجر سواء، ولا يُمكنُّكم أبدا أن تقيموا دليلا على نسخ قنوت المغرب، وإحكام
قنوت الفجر .
فإن قلتم: قنوت المغرب كان قنوتا للنوازل، لا قنوتا راتبا، قال منازعوكم من أهل
الحديث: نعم كذلك هو، وكذلك قنوت الفجر سواء، وما الفرق؟ قالوا: ويدل على أنّ
قنوت الفجر كان قنوت نازلة، لا قنوتا راتبا أن أنسا نفسه أخبر بذلك، وعمدتكم في
القنوت الراتب إنما هو أنس، وأنس أخبر أنه كان قنوت نازلة، ثم تركه، ففي
((الصحيحين)) عن أنس رَّه قال: قنت رسول اللَّه ◌َ ل شهرا يدعو على حي من أحياء
العرب، ثم تركه.
(الثاني): أن شبابة روى عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان، قال: قلنا
لأنس بن مالك: إن قوما يزعمون أن النبي وّلم يزل يقنت بالفجر، قال: كذبوا، وإنما
قنت رسول اللّه وَ ليل شهرا واحدا يدعو على حيّ من أحياء العرب، وقيس بن الربيع، وإن
كان يحيى بن معين ضعفه، فقد وثقه غيره، وليس بدون أبي جعفر الرازي، فكيف
يكون أبو جعفر حجة في قوله: لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، وقيس ليس بحجة في
هذا الحديث، وهو أوثق منه، أو مثله، والذين ضعفوا أبا جعفر أكثر من الذين ضعفوا
قيسا، فإنما يعرف تضعيف قيس عن يحيى، وذكر سبب تضعيفه، فقال أحمد بن سعيد
ابن أبي مريم: سألت يحيى عن قيس بن الربيع؟ فقال: ضعيف لا يكتب حديثه، كان
يحدث بالحديث عن عبيدة، وهو عنده عن منصور، ومثل هذا لا یوجب رد حدیث
الراوي، لأن غاية ذلك أن يكون غلط ووهم في ذكر عبيدة بدل منصور، ومَن الذي
يسلم من هذا من المحدثين؟
(الثالث): أن أنسا أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون، وأن بدء القنوت هو قنوت النبي وَلّ
يدعو على رعل وذكوان، ففي ((الصحيحين)) من حديث عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس
رَوعليه قال: بعث رسول اللَّه وَ له سبعين رجلا لحاجة يقال لهم: القراء ... فذكر
الحديث، وفيه: «فدعا رسول اللَّه ◌َ لّ عليهم شهرا في صلاة الغداة، فذلك بدء
القنوت، وما كنا نقنت)).
فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه وَّلر القنوت دائما، وقول أنس: فذلك بدء
القنوت، مع قوله: قنت شهرا، ثم تركه دليل على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوت

٢٢٩ =
١١٧ - (بَابُ الْقُتُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْح) - حديث رقم ١٠٧١
النوازل، وهو الذي وقّته بشهر، وهذا كما قنت في صلاة العتمة شهرا، كما في
((الصحيحين)) عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رَظمفيه أن رسول
اللَّه وَّر قنت في صلاة العتمة شهرا، يقول: ((اللَّهم أنج عياش بن الوليد ...
الحديث(١).
فقنوته في الفجر كان هكذا لأجل أمر عارض ونازلة، ولذلك وقته أنس بشهر.
وقد روي عن أبي هريرة ◌َّه أنه قنت لهم أيضا في الفجر شهرا، وكلاهما
صحيح، وقد تقدم ذكر حديث عكرمة، عن ابن عباس: قنت رسول اللّه وَلجر شهرا
متتابعا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح. ورواه أبو داود وغيره،
وهو حديث صحيح.
وقد ذكر الطبراني في ((معجمه)) من حديث محمد بن أنس، حدثنا مطرف بن
طريف، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب، أن النبي وَر كان لا يصلي صلاة
مكتوبة، إلا قنت فيها (٢). قال الطبراني: لم يروه عن مطرف إلا محمد بن أنس.
انتھی .
وهذا الإسناد، وإن كان لا تقوم به حجة، فالحديث صحيح من جهة المعنى، لأن
القنوت هو الدعاء، ومعلوم أن رسول اللّه وَ له لم يصل صلاة مكتوبة إلا دعا فيها، كما
تقدم، وهذا هو الذي أراده أنس في حديث أبي جعفر الرازي إن صح أنه لم يزل يقنت
حتى فارق الدنيا، ونحن لا نشك، ولا نرتاب في صحة ذلك، وأن دعاءه استمرّ في
الفجر إلى أن فارق الدنيا.
(الوجه الرابع): أن طرق أحاديث أنس تبين المراد، ويصدق بعضها بعضا، ولا
تتناقض. وفي ((الصحيحين)) من حديث عاصم الأحول، قال: سألت أنس بن مالك عن
القنوت في الصلاة؟ فقال: قد كان القنوت، فقلت: كان قبل الركوع، أو بعده؟ قال:
قبله، قلت: وإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت: قنت بعده، قال: كذب، إنما قلت:
قنت رسول اللَّه وَ ◌ّر بعد الركوع شهرا.
وقد ظن طائفة أن هذا الحديث معلول، تفرد به عاصم، وسائر الرواة عن أنس
خالفوه، فقالوا: عاصم ثقة جدًّا، غير أنه خالف أصحاب أنس في موضع القنوتين،
والحافظ قد يهم، والجواد قد يعثر، وحكوا عن الإمام أحمد تعليله، فقال الأثرم: قلت
لأبي عبدالله- يعني أحمد بن حنبل- أيقول أحد في حديث أنس: إن رسول اللَّه وَالخل
(١) هو الحديث الآتي للمصنف بعد هذا.
(٢) قال أبو بكر الهيثمي رحمه الله في ((مجمع الزوائد»: رجاله موثقون.

٢٣٠ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول؟ فقال: ما علمت أحدا يقوله غيره(١). قال
أبو عبدالله: خالفهم عاصم كُلَّهُم، هشامٌ، عن قتادة، عن أنس، والتيميُّ، عن أبي
مجلز، عن أنس، عن النبي وَ لّر: قنت بعد الركوع، وأيوبُ عن محمد بن سيرين،
قال: سألت أنسا، وحنظلةُ السدوسي، عن أنس، أربعة وجوه. وأما عاصم، فقال:
قلت له؟ فقال: كذبوا، إنما قنت بعد الركوع شهرا، قيل له: من ذكره عن عاصم؟ قال:
أبو معاوية وغيره. قيل لأبي عبداللَّه: وسائر الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع؟
فقال: بلى كلها عن خُفَاف بن إيماء بن رَحَضَة، وأبي هريرة. قلت لأبي عبدالله: فلم
ترخص إذا في القنوت قبل الركوع، وإنما صح الحديث بعد الركوع؟ فقال: القنوت في
الفجر بعد الركوع، وفي الوتر يُختار بعد الركوع، ومن قنت قبل الركوع، فلا بأس،
لفعل أصحاب النبي وَلّ واختلافهم، فأما في الفجر، فبعد الركوع.
فيقال: من العجب تعليل هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته، ورواه أئمة
ثقات أثبات حفاظ، والاحتجاج بمثل حديث أبي جعفر الرازي، وقيس بن الربيع،
وعمرو بن أيوب، وعمرو بن عبيد، ودينار، وجابر الجعفي، وقلّ مَنْ تحمل مذهبا،
وانتصر له في كل شيء إلا اضطرّ إلى هذا المسلك.
فنقول -وبالله التوفيق -: أحاديث أنس كلها صحاح، يصدق بعضها بعضا، ولا
تتناقض، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير القنوت الذي ذكره بعده، والذي وَقُّتَه غیر
الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة، وهو الذي قال فيه النبي
وَالر: ((أفضل الصلاة طول القنوت)). والذي ذكره بعده، هو إطالة القيام للدعاء، فعله
شهرا، يدعو على قوم، ويدعو لقوم، ثم استمرّ يُطيل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن
فارق الدنيا، كما في ((الصحيحين)) عن ثابت، عن أنس، قال: إني لا أزال أصلي بكم
كما كان رسول اللَّه ◌َل* يصلي بنا، قال: وكان أنس يصنع شيئا لم أركم تصنعونه، كان
إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من
السجدة يمكث حتى يقول القائل: قد نسي، فهذا هو القنوت الذي ما زال عليه حتى
فارق الدنيا .
(١) لكن قال في ((الفتح)): قد وافق عاصما على روايته هذه عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس، كما عند
البخاري في ((المغازي))، ولفظه: ((سأل رجل أنسا عن القنوت بعد الركوع، أو عند الفراغ من
القراءة؟ قال: لا، بل عند الفراغ من القراءة)). ومجموع ما جاء عن أنس من ذلك أن القنوت
للحاجة بعد الركوع لا خلاف عنه في ذلك، وأما لغير الحاجة فالصحيح عنه أنه قبل الركوع، وقد
اختلف عمل الصحابة في ذلك، والظاهر أنه من الاختلاف المباح. انتهى ((فتح)) جـ٢ ص ٥٦٩ .

١١٧ - (بَأَبُ القُنُوْتِ فِي صَلَاةِ الصُّنْح) - حديث رقم ١٠٧١
٢٣١ =
ومعلوم أنه لم يكن يسكت في مثل هذا الوقوف الطويل، بل كان يُثني على ربه،
ويمجده، ويدعوه، وهذا غير القنوت المؤقت بشهر، فإن ذلك دعاء على رعل،
وذَكْوَان، وعُصَيّة، وبني لِحْيَان، ودعاء للمستضعفين الذين كانوا بمكة.
وأما تخصيص هذا بالفجر، فبحسب سؤال السائل، فإنما سأله عن قنوت الفجر،
فأجابه عما سأله عنه، وأيضا، فإنه كان يطيل صلاة الفجر دون سائر الصلوات، ويقرأ
فيها بالستين إلى المائة، وكان - كما قال البراء بن عازب- ركوعه، واعتداله، وسجوده،
وقيامه متقاربا. وكان يظهر من تطويله بعد الركوع في صلاة الفجر ما لا يظهر في سائر
الصلوات بذلك، ومعلوم أنه يدعو ربه، ويثني عليه، ويمجده في هذا الاعتدال، كما
تقدمت الأحاديث بذلك، وهذا قنوت منه، لا ريب، فنحن لا نشكّ، ولا نرتاب أنه لم
يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا.
ولما صار القنوت في لسان الفقهاء، وأكثرِ الناس، هو هذا الدعاء المعروف: ((اللَّهم
اهدني فيمن هديت ... )) إلى آخره، وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق
الدنيا، وكذلك الخلفاء الراشدون، وغيرهم من الصحابة # حملوا القنوت في لفظ
الصحابة على القنوت في اصطلاحهم، ونشأ مَنْ لا يعرف غيرَ ذلك، فلم يشكَّ أن
رسول اللَّهِ وَله، وأصحابه له كانوا مداومين عليه كل غداة، وهذا هو الذي نازعهم
فيه جمهور العلماء، وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب، بل ولا يثبت عنه أنه فعله.
وغاية ما روي عنه في هذا القنوت، أنه علمه للحسن بن علي رَّت، كما في
(المسند))، و((السنن)) الأربع عنه، قال: علمني رسول اللَّه ◌َ لل كلمات أقولهن في قنوت
الوتر: «اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتو لني فيمن توليت، وبارك
لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي، ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من
واليت، تباركت ربنا، وتعاليت)) (١).
قال الترمذي: حديث حسن، ولا نعرف ذلك في القنوت عن النبي ◌َّلّ شيئا أحسن
من هذا، وزاد البيهقي بعد (( ولا يذل من واليت)): و((لا يعز من عاديت)).
ومما يدلّ على أن مراد أنس بالقنوت بعد الركوع هو القيام للدعاء والثناء ما رواه
سليمان بن حرب: حدثنا حنظلة إمام مسجد قتادة- قلت: هو السدوسي - قال:
اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلاة الصبح، فقال قتادة: قبل الركوع، وقلت أنا:
بعد الركوع، فأتينا أنس بن مالك، فذكرنا له ذلك، فقال: أتيت النبي ◌َّ في صلاة
(١) حديث صحيح سيأتي للمصنف في أبواب الوتر برقم ٣/ ٢٤٨، ويأتي الكلام عليه هناكو إن شاء
اللَّه تعالى .

٢٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
الفجر، فكبر، وركع، ورفع رأسه، ثم سجد، ثم قام في الثانية، فكبر، وركع، ثم رفع
رأسه، فقام ساعة، ثم وقع ساجدا(١). وهذا مثل حديث ثابت عنه سواء، وهو یبین مراد
أنس بالقنوت، فإنه ذكره دليلا لمن قال: إنه قنت بعد الركوع، فهذا القيام والتطويل هو
مراد أنس رَّه ، فاتفقت أحاديثه كلها. وبالله التوفيق.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وهو يبين مراد أنس تظنّ الخ، فيه نظر، إذ هذا
الحديث إسناده ضعيف، فلا يصلح بيانا لمراد أنس رضيه ، فتأمل. والله تعالى أعلم.
قال: وأما المروي عن الصحابة ** ، فنوعان:
(أحدهما): قنوت عند النوازل، كقنوت الصديق تَظّه في محاربة الصحابة
لمسيلمة، وعند محاربة أهل الكتاب، وكذلك قنوت عمر تَّه، وقنوت علي دَوله
عند محاربته لمعاوية وأهل الشام.
(الثاني): مطلق، مراد من حكاه عنهم به تطويل هذا الركن للدعاء والثناء. والله
تعالى أعلم. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى(٢).
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: خلاصة هذه المسألة أن الراجح أن القنوت
المشروع هو القنوت عند النوازل، وأما القنوت الوارد في الصبح، أو غيره، فالمراد به
تطويل القيام بالأذكار، فبهذا تتفق الأحاديث والآثار المروية في الباب، وقد تقدم قول
العلامة الشوكاني أخْذّلهُ: إذا تقرر لك هذا علمت أن الحق ما ذهب إليه من قال: إن
القنوت مختص بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تخص به صلاة دون صلاة،
وقد ورد ما دل على هذا الاختصاص من حديث أنس ◌َظ عند ابن خزيمة في
(صحيحه): ((أن النبي وَّر كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم)). ومن
حديث أبي هريرة تظنّه عند ابن حبان بلفظ: ((كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو
على أحد)). قال: وقد حاول جماعة من حُذّاق الشافعية الجمع بين الأحاديث بما لا
طائل تحته، وأطالوا الاستدلال على مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير طائل.
انتھی .
هذا كله في غير الوتر، وأما القنوت فيه، فسيأتي الكلام عليه في محله، إن شاء الله
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) إسناده ضعيف فيه أبو هلال الراسبي، محمد بن سليم، قال في ((ت)): صدوق فيه لين من
السادسة. وفيه حنظلة السدوسي ضعفه أحمد، وقال: يروي عن أنس أحاديث مناكير، وقال ابن
معين، والنسائي: ضعيف. قال في ((ت)): ضعيف من السابعة. اهـ.
(٢) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ج١ ص ٢٧١- ٢٨٥.

١١٧ - (بَابُ الْقُنُوْتِ فِي صَلَاةِ الصُّنْح) - حديث رقم ١٠٧٢
٢٣٣
١٠٧٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ يُونُسَ،
عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا
قَالَّ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، قَامَ هُنَيْهَةً).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدري البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢ / ٤٧ .
٢- (بشر بن المفضل) بن لاحق الرَّقَاشي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت عابد [٨]
تقدم ٦٦/ ٨٢ .
٣- (يونس) بن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع [٥]
ت ١٣٩ (ع) تقدم ١٠٩/٨٨ .
٤- (ابن سيرين) هو محمد المذكور في السند الماضي.
٥- (بعض من صلى مع رسول اللَّه ٣) هو أنس بن مالك رضيّ المذكور في السند
الماضي.
وقوله: ((هنيهة)) بالتصغير، أي قدرا يسيرا. ولفظ أبي داود: ((هنية)) بضم الهاء،
وفتح النون، وتشديد المثناة التحتانية- تصغير ((هَنَّةٍ)). وقد تقدم الكلام على ضبطها،
ومعناها مستوفى في ٨٩٥/١٥ - فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
[قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه]: [فإن قلت]: من أين أخذ المصنف رحمه الله
تعالى القنوت في صلاة الصبح من هذا الحديث؟.
[قلت]: الذي يظهر أنه يرى أن هذا الحديث مختصر من الحديث السابق، فقوله :
((قام هنيهة))، أي قام بعد الركوع يسيرا؛ لأجل القنوت. هذا هو الظاهر من تصرفه،
ومثله صنيع أبي داود في ((سننه)) حيث أورده في [باب القنوت في الصلوات))، وإليه
يشير الحافظ المزي، في (تهذيبه))، والحافظ في (تهذيبه))، و((تقريبه)). كما سيأتي قريبا.
لكنه محل نظر وتأمل، إذ قيامه هنيهةً لا يستلزم القنوت، بل يحتمل أن يقول في تلك
الهنيهة الأذكارَ التي ثبتت في الاعتدال، كما تقدم بيانها. والله تعالى أعلم.
وقال السندي رحمه الله تعالى: يستدل به من يقول بالقنوت سرّا، ولا دلالة فيه على
ذلك، لما علم أن قيامه بين الركوع والسجود بقدر الركوع والسجود، وكان يجمع بين
التسميع والتحميد. والله تعالى أعلم. انتهى(١).
(١) ((شرح السندي)) جـ٢ ص ٢٠١ .

٢٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
[تنبيه]: هذا الحديث صحيح، أخرجه المصنف هنا-١٠٧٢/١١٧ - وفي ((الكبرى))
٦٥٩/٢٥- عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضل، عن يونس بن عبيد، عن
ابن سيرين، عن بعض من صلى مع رسول اللّه بَلّر صلاة الصبح، وهو أنس بن مالك
رَطفيه، كما في ((ت)) ص ٤٦٢. و(تهذيب التهذيب)). ج٣٨٣/١٢. و((تهذيب
الكمال)) جـ٣٥/ ١٠١ .. وأخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن مسدد، عن بشر بن
المفضل به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
١٠٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَِِّّ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، مِنْ
صَلَاةِ الصُّبْحِ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي
رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةً، اَللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ
گَسِنِي يُوسُفَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن منصور) الْجَوَّاز المكي، ثقة [١٠] تقدم ٢١/٢٠.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت [٨] تقدم ١/١.
٣- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الثبت الحجة رأس [٤] تقدم ١/١.
٤ - (سعيد) بن المسيب بن حَزْن الحافظ الثبت الفقيه الحجة من كبار [٣] تقدم ٩ / ٩ .
٥- (أبو هريرة) رَظمه تقدم١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله، كلهم ثقات نبلاء، وأنهم من رجال
الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، وأن شیخه، وسفيان مكیان، والباقون مدنيون،
وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وأنه من أصح أسانيد أبي هريرة تظلّه.
وقوله: ((حفظناه)) من الزهري، هو من كلام ابن عيينة: أي سمعنا هذا الحديث من
الزهري، فحفظناه منه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) تنبيه، أنه (قال: لما رفع رسول اللَّه وَلّل رأسه من الركعة الثانية من
صلاة الصبح، قال: اللَّهم أنج) من الإنجاء رباعيا، أي خَلْضُه، يقال: نَجَا من الهلاك
يَنْجُو نَجَاةً: خَلَصَ. والاسم النَّجاء بالمدّ، وقد يُقصَرُ، فهو ناج، والمرأة ناجية، وبها

١١٧ - (بَابُ الْقُتُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْح) - حديث رقم ١٠٧٣
٢٣٥=
سميت قبيلة من العرب، ويتعدى بالهمز والتضعيف، فيقال: أنجيته، ونَجَيْتُه. قاله
(١)
الفيومي(١).
(الوليد بن الوليد) بفتح الواو، وكسر اللام في اللفظين، وهو الوليد بن الوليد بن
المغيرة بن عبدالله المخزومي، أخو خالد بن الوليد، وكان ممن شهد بدرًا مع
المشركين، وأُسِرَ بها، أسره عبدالله بن جحش، وفَدَى نفسَهُ، ثم أسلم، فقيل له: هلّا
أسلمت قبل أن تفتدي، فقال: كرهت أن يُظَن بي أني أسلمت جَزَعا، فحُبِسَ بمكة، ثم
تواعد هو وسلمة، وعيّاش المذكوران معه، وهربوا من المشركين، فعلم النبي ◌َلّ
بمخرجهم، فدعا لهم. أخرجه عبدالرزاق بسند مرسل، ومات الوليد المذكور لما قدم
على النبي وَالقول .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: روينا ذلك في ((فوائد الزياديات)) من حديث الحافظ
أبي بكر بن زياد النيسابوري بسنده عن جابر ◌َمّه، قال: رفع رسول اللَّه وَ ل من
الركعة الأخيرة من صلاة الصبح صبيحةً خمسة عشرة من رمضان، فقال: ((اللَّهم أنج
الوليد بن الوليد)) ... الحديث. وفيه فدعا بذلك خمسة عشر يوما، حتى إذا كان
صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء، فسأله عمر، فقال: ((أَوَ ما عَلِمْت أنهم قَدِموا؟))، قال:
بينما هو يذكرهم انفتح عليهم الطريق يسوق بهم الوليد بن الوليد، قد نكت إصبعه
بالحرة، وساق بهم ثلاثا على قدميه، فنهج بين يدي النبي وَّحتى قضى، فقال النبي
وَله: «هذا الشهيد، أنا على هذا شهيد)). ورَثَتْهُ أمّ سَلَمَة زوج النبي ◌َّلَه بأبيات مشهورة.
انتھی(٢).
(وسلمة بن هشام) بالنصب عطفا على («الوليد»، أي أنج سلمة بن هشام بن المغيرة،
وهو ابن عم الذي قبله، وهو أخو أبي جهل، وكان من السابقين إلى الإسلام، وعذب
في اللَّه، ومنعوه أن يهاجر إلى المدينة. واستشهد في خلافة أبي بكر تؤ يّ بالشام سنة
أربع عشرة(٣).
قال الحافظ الذهبي تَخّْلهُ: هاجر إلى الحبشة، ثم قدم مكة، فمنعوه من الهجرة،
وعذبوه، ثم هاجر بعد الخندق، وشهد مُؤْتة، واستشهد بمَزج الصفرة، وقيل:
(٤)
بأجنادين (٤).
(١) ((المصباح)) ص ٥٩٥ .
(٢) ((فتح)) جـ٩ ص ٩٣ - ٩٤. و((عمدة القاري)) ج٦ ص ٨٠ .
(٣) ((فتح)) ج٩ ص٩٤ . بزيادة من العمدة.
(٤) ((عمدة القاري)) ج٦ ص ٨٠.

٢٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافتتاح
(وعَيَّاشَ بن أبي ربيعة) بفتح العين، وتشديد التحتانية، وبعد الألف شين معجمة،
وأبو ربيعة اسمه: عمرو بن المغيرة، فهو عم الذي قبله أيضا، وهو أخو أبي جهل أيضا
لأمه، وكان من السابقين إلى الإسلام أيضا، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل،
فرجع إلى مكة، فحبسه، ثم فرّ مع رفيقيه المذكورين، وعاش إلى خلافة عمر وطنه ،
فمات، قيل: سنة خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك. والله تعالى أعلم (١).
وهؤلاء الثلاثة أسباط المغيرة كل واحد منهم ابن عم الآخر (٢).
(والمستضعفين بمكة) أي وأنج المستضعفين من المؤمنين بمكة، الذين حبسهم
الكفار عن الهجرة، وآذوهم، فكانوا يعذبونهم بأنواع العذاب. وهو من عطف العام
على الخاص، عكس قوله: ﴿وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَحِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨].
(اللَّهم اشده) بضم الدال، أمر من شَدَّ الشيءَ يشِده، من باب قَتَلَ: إذا أوثقه(٣)
(وطأتك) أي بأسك، وعذابك. قال الفيومي: (الْوَطْأَةَ ((مثلُ الأخْذَةِ وزنا ومعنى (٤) ..
وقال في ((الزهر)): ((الوطأة)) بفتح الواو، وأصلها: الدَّوْس بالقدم، سمي بها
الإهلاك، لأن من يطؤ على شيء برجله، فقد استقصى في هلاكه. والمعنى خذهم
أخذا شديدا(٥).
وقال ابن منظور: و((الوطأة)) موضع القَدَم، وهي أيضا كالضَّغْطَة، و((الوَطْأَة)):
الأخذة الشديدة. وفي الحديث: ((اللَّهم اشدد وطأتك على مضر))، أي خذهم أخذًا
شديدًا، وذلك حين كذبوا النبي ◌َّر، فدعا عليهم، فأخذهم اللَّه بالسنين، ومنه قول
الشاعر [من الكامل]:
وَوَطِأْتَنَا وَطْئًا عَلَى حَنَقِ وَطْءَ الْمُقَهْدِ نَابِتَ الْهَرْمِ
وكان حماد بن سلمة يروي هذا الحديث: ((اللَّهم اشدُدْ وَطْدَتَكَ على مضر))، والْوَطْدُ
-أي بالدال -: الإثباتُ والغَمْزُ في الأرض. انتهى (٦).
(على مضر) بضم الميم، وفتح الضاد المعجمة، اسم قبيلة، سميت باسم مضر بن
نزار بن معد بن عدنان. وهو غير منصرف للعلمية والعدل، كما قال ابن مالك في
(١) ((فتح)) ج٩ ص ٩٤ . بزيادة.
(٢) ((عمدة)) ج٦ ص ٨٠ .
(٣) ((المصباح)) ص ٣٠٧ .
(٤) أفاده في ((المصباح)) ص ٦٦٤ .
(٥) ((زهر الربى)) جـ٢ ص ٢٠١ .
(٦) ((لسان العرب)) ج٦ ص ٤٨٦٣.

١١٧ - (بَابُ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْح) - حديث رقم ١٠٧٣
٢٣٧ =
(الخلاصة)) :
وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ إِنْ عُدِلَا كَفُعَلِ التَّوْكِيدِ أَوْ كَثُعَلَا
وقال العيني تَخْذَلهُ: وهو شعب عظيم، فيه قبائل كثيرة، كقريش، وهذيل، وأسد،
وتميم، وضَبَّةَ، ومُزَينة، والضباب، وغيرهم، ومضر شعب رسول اللّه وَّه واشتقاقه
من اللبَنِ الْمَضِير، وهو الحامض. قاله ابن دريد. انتهى(١).
وقال ابن منظور: قال ابن سِيدَه: مضر اسم رجل، قيل: سمي به لأنه كان مُولَعًا
بشرب اللبن المَاضِرِ - وهو الحامض الشديد الْحُمُوضَة- وقيل: سمي به لبياض لونه،
من مَضِيرَة الطَِّيخ، وهي مُرَيقَة، تُطْبَخُ بِلَبَنٍ وأشياء. انتهى(٢)
(واجعلها) قال الطيبي: الضمير للوطأة، أو للأيام، وإن لم يجر لها ذكر، لما دل
عليه المفعول الثاني الذي هو ((سنين)) جمع السنة التي هي بمعنى القحط، وهي من
الأسماء الغالبة، كالبيت، والكتاب(٣) (عليهم) أي على قبيلة مضر (سنين) جمع سنة،
وهي الجَذْبُ، يقال: أخذتهم السنة: إذا أجدبوا، وأَقْحِطُوا (كسني يوسف)َلُ، أي
كالسنين السبع الشداد التي كانت في زمن يوسف عٌ لِّلُ التي ذكرها اللَّه عزّ وجلّ في
قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَمْتُمْ لَهُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٤٨].
ووجه الشبه امتداد زمان المحنة، والبلاء، والبلوغ غاية الشدة، والضرّاء.
[فائدة]: جمع السنة بالواو والنون شاذ، من جهة أنه ليس لذوي العقول، ومن جهة
تغيير مفرده بكسر أوله، وهذا الاستعمال مع شذوذه هو الغالب في اللغة، فهو ملحق
بجمع المذكر السالم في الإعراب بالواو والياء، وسقوط النون عند الإضافة، وقد يُجرَى
مجرَى ((حين)) في لزوم الياء، والإعراب على النون، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فَإِنَّ سِنِينَهُ لَعِبْنَ بِنَا شِيبًا وَشَيَّبْئَنَا مُزْدَا
وإلى قواعد جمع المذكر السالم، وملحقاته أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في
«خلاصته)) بقوله :
سَالِمَ جْعٍ عَامِرٍ وَمُذْنِبٍ
وَارْفَعْ بِوَاوِ وَبِيَا اجْرُرْ وَانْصِبٍ
وَالأَهْلُونَا
وَبَابُهُ أُلْحِقَ
وَشِبْهِ ذَيْنِ وَبِهِ عِشْرُونَا
وَأَرَضُونَ شَذَّ وَالسُّنُونَا
أُلُوِ وَعَالَمُونَ عِلْيُونَا
(١) ((عمدة)) ج٦ ص ٨٠ .
(٢) ((لسان العرب)) ج٦ ص ٤٢٢٠ .
(٣) ((عقود الزبرجد)) جـ٢ ص ٣٢٨.

٢٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
وَبَابُهُ وَمِثْلَ حِينٍ قَدْ يَرِدْ ذَا الْبَابُ وَهْوَ عِنْدَ قَوْم يَطَّرِدْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ◌َظّه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١١٧/ ١٠٧٣ - وفي ((الكبرى)) ٦٦٠/٢٥-عن محمد بن منصور، عن
ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه. و-١٠٧٤ - و((الكبرى)) - ٦٦١ -
عن عمرو بن عثمان، عن بقية بن الوليد، عن شعيب ابن أبي حمزة، عن ابن شهاب،
عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبدالرحمن، كلاهما عنه. و-١٠٧٥/١١٨ -
و ((الكبرى))- ٢٦/ ٦٦٢- عن سليمان بن سَلْم، البَلْخِيّ، عن النضر بن شُمَيل، عن هشام
الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه :
أخرجه (خ) عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن
سعيد، وأبي سلمة، به. وعن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن ابن عيينة، به. وعن معاذ
ابن فَضَالة، عن هشام الدستوائي، به. وعن أبي نعيم، عن شيبان، عن يحيى بن أبي
کثیر به. وعن یحیی بن بکیر، عن اللیث، عن خالد بن یزید، عن سعيد بن أبي هلال،
عن هلال بن أسامة، عن أبي سلمة به. وعن قتيبة، عن المغيرة بن عبدالرحمن- وعن
قبيصة، عن سفيان الثوري، - وعن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، -ثلاثتهم
عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. وأبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي بكر
بن عبدالرحمن، وأبي سلمة، كلاهما عنه. (م) عن أبي الطاهر، وحرملة، كلاهما عن
ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة به.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما عن ابن عيينة به. وعن محمد بن
مِهْران الرازي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي - وعن زهير بن حرب، عن حسين
ابن محمد، عن شيبان- كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به. وعن محمد بن المثنى، عن
معاذ بن هشام، عن أبيه به. (د) عن عبدالرحمن بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم به.
وعن داود بن أمية، عن معاذ بن هشام به .. (ق) عن أبي بكر بن أبي شيبة به.
(الحميدي) رقم ٩٣٩. (أحمد) ٢٥٥/٢ و٢٣٩ و٤٧٠ و٥٢١ و٢٧١ و٥٠٢
و٤١٨ و٤٠٧ و ٣٣٧ و٣٩٦ . (الدارمي) برقم ١٦٠٣ (ابن خزيمة) ٦١٩ و٦١٥ و٦١٧

٢٣٩ =
١١٧ - (بَأَبُ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْح) - حديث رقم ١٠٧٣
و٦٢١ و٦٢٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): ما بوب له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو مشروعية القنوت في صلاة
الصبح للنازلة (ومنها): كون محله بعد الركوع (ومنها): جواز الدعاء لقوم بتعيين
أسمائهم، وأسماء آبائهم، وأنه لا يبطل الصلاة، خلافا للحنفية (ومنها): جواز لعن
الكفار والمنافقين في الصلاة، والدعاء عليهم بإنزال العذاب الذي يضعف شوكتهم، من
الجوع والمرض (ومنها): استحباب الجهر بالقنوت للإمام، وفي رواية للبخاري:
(يجهر بذلك)). ولأبي داود من حديث ابن عباس ◌َّا، في قنوته وَّ في الصلوات
الخمس: ((ويؤمن من خلفه))، فقد صرح بأنه وَ لّر جهر به، وأن الصحابة أمنوا خلفه.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال الحافظ ولي الدين رحمه اللّه تعالى: قد أول صاحب
((المفهم)) هذا الدعاء- يعني المذكور في حديث أبي هريرة ◌َّه في هذا الباب -
بحديث ابن مسعود ◌َّيه، فقال: واستجيب له وَّر فيهم، فأجدبوا سبعا، أكلوا فيها كل
شيء، وذكر الحديث، وقال فيه: حتى جاء أبو سفيان، فكلم النبي ◌َّ، فدعا لهم،
فسُقُوا، على ما ذكرناه عن ابن مسعود في ((كتاب التفسير)). انتهى كلام القرطبي.
قال: وفيه أوهام: (أحدها): في قوله: ((فأجدبوا سبعا)). وليس ذلك في واحد من
((الصحيحين))، وليس بصحيح أيضا، فإنه كشف عنهم قبل بدر، وكانت في السنة الثانية
من الهجرة، وأيضا فأبو هريرة ◌َّه راوي الحديث شهد قنوت النبي ◌َّ، ودعاءه
عليهم بذلك، وإنما أسلم أبو هريرة بعد خيبر، فلا يصح حمله على دعائه على قريش
قبل وقعة بدر، وحديث ابن مسعود الذي أشار إليه في ((الصحيحين)) أن رسول اللَّه وَل
لما رأى قريشا استَعصَوا عليه، فقال: ((اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف))، فأخذتهم
السنة حتى حَصَّت كلَّ شيءٍ، حتى أكلوا العظام، والجلود. وفي رواية ((الميتة)) بدل
((العظام))، وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان، فقال: أي محمدُ
إن قومك هلكوا، فادع الله أن يكشف عنهم، فدعا، وفي رواية: فدعا ربه، فكشف
عنهم، فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر.
ففي هذا الحديث أن دعاءه على قريش قبل وقعة بدر، وهذا لم يشهده أبو هريرة.
والذي أوقع القرطبي في ذلك أن حديث ابن مسعود في بعض طرقه في ((الصحيحين))
ذكر مضر، فذكر أول الحديث إلى قوله: وحتى أكلوا العظام، فأتى النبي ◌َّ رجل،
فقال: يا رسول اللّه، استسق لمضر، فإنهم قد هلكوا، فقال: (لمضر؟، إنك لَجَرِيء))،

٢٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
قال: فدعا لهم، فأنزل اللَّه وَجِهِ: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمُ عَبِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]،
فذكر الحديث، فظن صاحب ((المفهم)) أنها قصة واحدة، وليس كذلك، فقصة الدعاء
على قريش كانت قبل بدر، ولم ينقل فيها قنوت، ولم يشهدها أبو هريرة تظنته ،
وقريش هي من مضر، وقصة القنوت كانت بعد خيبر، بعد إسلام أبي هريرة، وكان
دعاؤه فيها على مضر، وهو اسم حامع لقريش وغيرها، وكان سبب القنوت قصة بئر
معونة التي قتل فيها السبعون من القراء، فقنت النبي وَّر شهرا يدعو عليهم، وعمم
الدعاء على مضر، وليس بدعائه عليهم قبل بدر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ولي
الدين العراقي رحمه الله تعالى(١) ..
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله وليّ الدين رحمه الله تعالى تعقّب
وجيه، وحاصله أن قصّة أبي هريرة غير قصّة ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، وهو
ظاهر، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
١٠٧٤ - (أَخْبَرَنَا(٢) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيْبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا
هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ حِينَ يَقُولُ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ، رَبَّنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ))، ثُمَّ يَقُولُ - وَهُوَ قَائِمٌ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ -: ((اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ
الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِّينَ، اللَّهُمَّ
اشْدُدْ وَطَأَتَكَ عَلَى مُضَرُّ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ))، ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ))،
فَيَسْجُدُ. وَضَوَاحِيَةُ مُضَرَ يَوْمَئِذٍ مُخَالِفُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
(عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصي،
صدوق [١٠] تقدم ٢١/ ٥٣٥.
٢- (بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي، أبو يُحمِد الحمصي، صدوق كثير
التدليس عن الضعفاء [٨] تقدم ٤٥/ ٥٩٢ .
٣- (ابن أبي حمزة) هو شعيب الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي، ثقة ثبت عابد
[٧] تقدم ٦٩ / ٨٥.
(١) ((طرح التثريب)) جـ٢ ص ٢٩٢-٢٩٣ .
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).