النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
٨٨- (إِقَمَةُ الصَّلْبِ فِي الرَّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧
المبتدإ، فإنها بيان لمراد اللَّه من عموم الأمر بطاعته، وطاعة رسوله وَلّر، فلا فرق بين
بيان هذا المراد، وبين بيان المراد من الصلاة والزكاة والحج والطواف وغيرها، بل هذا
بیان المراد من شيء، وذاك بيان المراد من أعم منه .
فالتغريب بيان محض للمراد من قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]،
وقد صرح النبي ◌ُّر بأن التغريب بيان لهذا السبيل المذكور في القرآن، فكيف يجوز رده
بأنه مخالف للقرآن معارض له.
ويقال: لو قلبناه لأبطلنا به حكم القرآن، وهل هذا إلا قلب للحقائق، فإن حكم
القرآن العام والخاص يوجب علينا قبوله فرضا، لا يسعنا مخالفته، فلو خالفناه لخالفنا
القرآن، ولخرجنا عن حكمه ولا بد، ولكان في ذلك مخالفة للقرآن والحديث معًا.
يوضحه (الوجه الثاني): أن اللَّه تعالى نصب رسول اللّه وَ ل منصب المبلغ المبين
عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن اللَّه أن هذا شرعه ودينه، ولا فرق بين ما
يبلغه عنه من كلامه المتلوّ، ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع،
ومخالفة هذا كمخالفة هذا.
يوضحه (الثالث): أن الله تعالى أمرنا بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت،
وصوم رمضان، وجاء البيان عن رسول اللّه وَ ل بمقادير ذلك، وصفاته، وشروطه،
فوجب على الأمة قبوله، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب علينا قبول الأصل.
المفصل، وهكذا أمر الله تعالى بطاعته، وطاعة رسوله، فإذا أمر الرسول بأمر كان
تفصيلا، وبيانا للطاعة المأمور بها، وكان فرض قبوله كفرض قبول الأصل المفصل،
ولا فرق بينهما.
يوضحه (الوجه الرابع): أن البيان من النبي ◌ّر أقسام:
(أحدها): بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعدأن كان خفيا.
(الثاني): بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك، كما بين أن الظلم المذكور في
قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] هو الشرك، وأن الحساب اليسير هو
العرض، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار، وسواد الليل، وأن الذي رآه
نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل، كما فسر قوله: ﴿أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ
ءَايَتِ رَبِّكْ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أنه طلوع الشمس من مغربها، وكما فسر قوله: ﴿أَمْ تَرَ
كَيَّفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةُ طِيِّبَةٌ﴾ [إبراهيم: ٢٤] بأنها النخلة، وكما فسر قوله: ﴿يُثَبِّتُ
اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاَلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَّةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]أن ذلك
في القبر حين يسأل مَنْ ربك؟، وما دينك؟. وكما فسر الرعد بأنه ملك من الملائكة

= ٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
موكل بالسحاب. وكما فسر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم، ورهبانهم أربابا من دون الله
بأن ذلك باستحلال ما أحلوه من الحرام، وتحريم ما حرموه عليهم من الحلال، وكما
فسر القوة التي أمر اللَّه أن نُعِدّها لأعدائه بالرمي، وكما فسر قوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ
بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بأنه ما يُجزى به العبد في الدنيا من النصب والهم والخوف
واللأواء، وكما فسر الزيادة بأنه النظر إلى وجه الله الكريم، وكما فسر الدعاء في قوله:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] بأنه العبادة، وكما فسر إدبار النجوم
بأنه الركعتان قبل الفجر، وإدبار السجود بالركعتين بعد المغرب، ونظائر هذا.
(الثالث): بيانه بالفعل، كما بين أوقات الصلوات للسائل بفعله.
(الرابع): بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن، فنزل القرآن ببيانها،
كما سئل عن قذف الزوجة، فجاء القرآن باللعان، ونظائره.
(الخامس): بيان ما سئل عنه بالوحي، وإن لم يكن قرآنا، كما سئل عن رجل أحرم
في جُبَّة بعد ما تَضَمَّخَ بالْخَلُوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة، ويغسل أثر الْخَلُوق.
(السادس): بيانه للأحكام بالسنة ابتداء من غير سؤال، كما حرم عليهم لحوم
الْحُمُر، والمتعة، وصيد المدينة، ونكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأمثال ذلك.
(السابع): بيانه جوازَ الشيء بفعله هو له، وعدم نهيهم عن التأسي به.
(الثامن): بيانه جوازَ الشيء بإقراره لهم على فعله، وهو يشاهده، أو يَعلَمُهُم
يفعلونه .
(التاسع): بيانه إباحةَ الشيءِ عفوًا بالسكوت عن تحريمه، وإن لم يأذن فيه نطقًا.
(العاشر): أن يحكم القرآن بإيجاب شيء، أو تحريمه، أو إباحته، ويكون لذلك
الحكم شروط، وموانع، وقيود، وأوقات مخصوصة، وأحوال، وأوصاف، فيحيل
الرب سبحانه وتعالى على رسوله بَّله في بيانه، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءُ
ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فالحِلُّ موقوف على شروط النكاح، وانتفاء موانعه، وحضور
وقته، وأهلية المحل، فإذا جاءت السنة ببيان ذلك كله لم يكن شيء منه زائدًا على
النص، فيكونَ نسخا له، وإن كان رفعا لظاهر إطلاقه.
فهكذا كل حكم منه بََّ زائدًا على القرآن هذا سبيله سواءً بسواءٍ، وقد قال الله
تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمِّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَبَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، ثم جاءت
السنة بأن القاتل، والكافر، والرقيق لا يرث، ولم يكن نسخا للقرآن مع أنه زائد عليه
قطعا، أعني في موجبات الميراث، فإن القرآن أوجبه بالولادة وحدها، فزادت السنة مع
وصف الولادة اتحاد الدين، وعدم الرقّ والقتل.

٨٣
٨٨- (إِقَامَةُ الصُّلْبِ فِي الرَّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧
فهلًا قلتم: إن هذا زيادة على النص، فيكون نسخا، والقرآن لا يُنسَخُ بالسنة، كما
قلتم ذلك في كل موضع تركتم فيه الحديث، لأنه زائد على القرآن.
(الوجه الخامس): أن تسميتكم للزيادة المذكورة نسخا لا توجب، بل لا تُجُوِّزُ
مُخالَفتَهَا، فإن تسمية ذلك نسخا اصطلاح منكم، والأسماء المتواضع عليها التابعة
للاصطلاح منكم لا توجب رفع أحكام النصوص، فأين سمَّى الله ورسوله ذلك نسخا،
وأين قال رسول اللَّه ◌َلَّ إذا جاءكم حديثي زائدا على ما في كتاب الله فردوه، ولا
تقبلوه، فإنه يكون نسخا لكتاب الله؟ وأين قال اللّه: إذا قال رسولي قولا زائدا على
القرآن، فلا تقبلوه، ولا تعملو به، ورُدُّوه؟، وكيف يسوغ رد سنن رسول اللَّه ◌َله
بقواعدَ قَعَّد تموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.
(الوجه السادس): أن يقال: ما تعنون بالنسخ الذي تضمنته الزيادة بزعمكم؟ أتعنون
أن حكم المزيد عليه من الإيجاب والتحريم والإباحة بطل بالكلية؟ أم تعنون به تغير
وصفه بزيادة شيء عليه من شرط، أو قيد، أو حال، أو مانع، أو ما هو أعم من ذلك؟.
فإن عنيتم الأول، فلا ريب أن الزيادة لا تتضمن ذلك، فلا تكون ناسخة، وإن عنيتم
الثاني، فهو حق، ولكن لا يلزم منها بطلان حكم المزيد عليه، ولا رفعه، ولا
معارضته، بل غايتها مع المزيد عليه كالشروط، والموانع، والقيود، والمخصصات،
وشيء من ذلك لا يكون نسخا يوجب إبطال الأول، ورفعه رأسا.
وإذا كان نسخا بالمعنى العامّ الذي يسميه السلف نسخا، وهو رفع الظاهر
بتخصيص، أو تقييد، أو شرط، أو مانع، فهذا كثير من السلف يسميه نسخا، حتى
سمى الاستثناء نسخا، فإن أردتم هذا المعنى، فلا مُشاخَّةً في الاسم، ولكن ذلك لا
يسوغ ردَّ السنن الناسخة للقرآن بهذا المعنى، ولا ينكر أحد نسخ القرآن بالسنة بهذا
المعنى، بل هو متفق عليه بين الناس، وإنما تنازعوا في جواز نسخه بالسنة النسخَ
الخاصَّ الذي هو رفع أصل الحكم وجملته بحيث يبقى بمنزلة ما لم يشرع البتة.
وإن أردتم بالنسخ ما هو أعم من القسمين، وهو رفع الحكم بجملته تارة، وتقييد
مطلقه، وتخصيص عامه، وزيادة شرط، أو مانع تارة كنتم قد أدرجتم في كلامكم
قسمين: مقبولا، ومردودا، كما تبين، فليس الشأن في الألفاظ، فسموا الزيادة ما
شئتم، فإيطال السنن بهذا الاسم مما لا سبيل إليه.
يوضحه (الوجه السابع): أن الزيادة لو كانت ناسخة لما جاز اقترانها بالمزيد، لأن
الناسخ لا يقارن المنسوخ، وقد جوزتم اقترانها به، وقلتم: تكون بيانا، أو تخصيصا،
فهلا كان حكمها مع التأخير كذلك، والبيان لا يجب اقترانه بالمبين، بل يجوز تأخيره

== ٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
إلى وقت حضور العمل، وما ذكرتموه من إيهام اعتقاد خلاف الحق، فهو منتقض
بجواز، بل وجوب تأخير الناسخ، وعدم الإشعار بأنه سينسخه، ولا محذور في اعتقاد
موجب النص ما لم يأت ما يرفعه، أو يرفع ظاهره، فحينئذ يعتقد موجبه كذلك، فكان
كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
يوضحه (الوجه الثامن): أن المكلف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيدا بعدم
ورود ما يرفع ظاهره، كما يعتقد المنسوخ مؤبدا اعتقادا مقيدا بعدم ورود ما يبطله، وهذا
هو الواجب عليه الذي لا یمکنه سواه.
(الوجه التاسع): أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخا، وإن
تضمن رفع الإجزاء بدونه، كما صرح بذلك بعض أصحابكم، وهو الحق، فكذلك
إيجاب كل زيادة، بل أولى أن لا تكون نسخا، فإن إيجاب الشرط يرفع إجزاء المشروط
عن نفسه، وعن غيره، وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة.
(الوجه العاشر): أن الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا يكون
نسخا، وذلك أن الأحكام لم تشرع جملة واحدة، وإنما شرعها أحكم الحاكمين شيئا بعد
شيء، وكل منها زائد على ما قبله، وكان ما قبله جميع الواجب، والإثم محطوط عمن
اقتصر عليه، وبالزيادة تغير هذان الحكمان، فلم يبق الأول جميعَ الواجب، ولم يُحَطّ
الإثم عمن اقتصر عليه، ومع ذلك فليس الزائد ناسخا للمزيد عليه، إذ حكمه من
الوجوب وغيره باق، فهذه الزيادة المتعلقة بالمزيد لا تكون نسخا له، حيث لم ترفع
حكمه، بل هو باق على حكمه، وقد ضُمَّ إليه غيرُهُ.
يوضحه (الوجه الحادي عشر): أن الزيادة إن رفعت حكما خطابيا كانت نسخًا،
وزيادة التغريب، وشروط الحكم، وموانعه (١) لا ترفع حكم الخطاب، وإن رفع حكم
الاستصحاب .
يوضحه (الوجه الثاني عشر): أن ما ذكروه من كون الأول جميع الواجب، وكونه
مجزئا وحده، وكون الإثم محطوطا عمن اقتصر عليه إنما هو من أحكام البراءة
الأصلية، فهو حكم استصحابي، لم نستفده من لفظ الأمر الأول، ولا أريدَ به، فإن
معنى كون العبادة مجزئة أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها، وحط الذم عن فاعلها: معناه أنه
قد خرج من عهدة الأمر، فلا يلحقه ذمّ، والزيادة - وإن رفعت هذه الأحكام- لم ترفع
حكما دل عليه لفظ المزيد.
(١) هنا يوجد في النسخة كلمة: ))وحراحق))، ولم يظهر لي معناها. وكتب بهامشها ما لفظه: ((هكذا
بكل نسخة)).

٨٥
٨٨- (إِقَامَةُ الصَّلْبِ فِي الرَّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧
يوضحه (الوجه الثالث عشر): أن تخصيص القرآن بالسنة جائز، كما أجمعت الأمة
على تخصيص قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَى لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بقوله وَّ:
((لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها))(١)، وعموم قوله: تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ
فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١ ] بقوله ◌َّ: ((لايرث المسلم الكافر)) (٢)، وعموم قوله
تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] بقوله ◌َّر: ((لا قطع في
ثَمَر، ولا كَثَر))(٣) ونظائر ذلك كثير، فإذا جاز التخصيص، وهو رفع بعض ما تناوله
اللفظ، وهو نقصان من معناه، فلأن تجوز الزيادة التي لا تتضمن رفع شيء من مدلوله،
ولا نقصانه بطريق الأولى والأحرى.
(الوجه الرابع عشر): أن الزيادة لا توجب رفع المزيد لغة، ولا شرعا، ولا عرفا،
ولا عقلا، ولا تقول العقلاء لمن ازداد خيره، أو ماله، أو جاهه، أو علمه، أو ولده:
إنه قد ارتفع شيء مما في الكيس .
(الوجه الخامس عشر): أن الزيادة قررت حكم المزيد، وزادته بيانا وتأكيدا، فهي
كزيادة العلم والهدى والإيمان، قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبٍّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقال:
﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيمَنَا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، وقال: ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدِّى﴾
[الكهف: ١٣]، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ آَهْتَدَوْاْ هُدَى﴾ [مريم: ٧٦]، فكذلك
زيادة الواجب على الواجب إنما يزيد قوة وتأكيدا وثبوتا، فإن كانت متصلة به اتصال
الجزاء والشرط كان ذلك أقوى له، وأثبت، وآكد، ولا ريب أن هذا أقرب إلى المعقول
والمنقول والفطرة من جعل الزيادة مبطلة للمزيد عليه، ناسخة له.
(الوجه السادس عشر): أن الزيادة لم تتضمن النهي عن المزيد، ولا المنع منه،
وذلك حقيقة النسخ، وإذا انتفت حقيقة النسخ استحال ثبوته.
(الوجه السابع عشر): أنه لا بد في النسخ من تنافي الناسخ والمنسوخ، وامتناع
اجتماعهما، والزيادة غير منافية للمزيد عليه، ولا اجتماعهما ممتنع.
(الوجه الثامن عشر): أن الزيادة لو كانت نسخا لكانت إما نسخا بانفرادها عن
المزيد، أو بانضمامها إليه، والقسمان محال، فلا يكون نسخا:
أما الأول فظاهر، فلأنها لا حكم لها بمفردها البتة، فإنها تابعة للمزيد عليه في حکمه.
(١) أخرجه الجماعة.
(٢) أخرجه الجماعة.
(٣) صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان. والكَثَر
بفتحتين -: الجُمَّار.

٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
وأما الثاني فكذلك أيضا، لأنها إذا كانت ناسخة بانضمامها إلى المزيد، كان الشيء
ناسخا لنفسه، ومبطلا لحقيقته، وهذا غير معقول.
· وأجاب بعضهم عن هذا بأن النسخ يقع على حكم الفعل دون نفسه وصورته، وهذا
الجواب لا يُجدي عليهم شيئا، والإلزام قائم بعينه، فإنه يوجب أن يكون المزيد عليه قد
نسخ حكم نفسه، وجعل نفسه إذا انفرد عن الزيادة غير مجزىء بعد أن كان مجزئا.
(الوجه التاسع عشر): أن النقصان من العبادة لايكون نسخا لما بقي منها، فكذلك
الزيادة عليها لا تكون نسخا لها، بل أولى لما تقدم.
(الوجه العشرون): أن نسخ الزيادة للمزيد عليه، إما أن يكون نسخا لوجوبه، أو
الإجزائه، أو لعدم وجوب غيره، أو لأمر رابع، وهذا كزيادة التغريب مثلا على المائة
جلدة، لا يجوز أن تكون ناسخة لوجوبها، فإن الوجوب بحاله، ولا لإجزائها، لأنها
مجزئة عن نفسها، ولا لعدم وجوب الزائد، لأنه رفع لحكم عقلي، وهو البراءة
الأصلية، فلو كان رفعها نسخا كان كلما أوجب اللَّه شيئا بعد الشهادتين، قد نسخ به ما
قبله، والأمر الرابع غير متصور، ولا معقول، فلا يحكم عليه.
[فإن قيل]: بل ههنا أمر رابع معقول، وهو الاقتصار على الأول، فإنه نسخ بالزيادة،
وهذا غير الأقسام الثلاثة .
[فالجواب]: أنه لا معنى للاقتصار غيرُ عدم وجوب غيره، وكونه جميع الواجب،
وهذا هو القسم الثالث بعينه، غَيَّرْتُم التعبير عنه، وكسوتموه عبارة أخرى.
(الوجه الحادي والعشرون): أن الناسخ والمنسوخ لا بد أن يتواردا على محل واحد
يقتضي المنسوخ ثبوته، والناسخ رفعه، أوبالعكس، وهذاغير متحقق في الزيادة على
النص .
(الوجه الثاني والعشرون): أن كل واحد من الزائد والمزيد عليه دليل قائم بنفسه،
مستقل بإفادة حكمه، وقد أمكن العمل بالدليلين، فلا يجوز إلغاء أحدهما، وإبطاله،
وإلقاء الحرب بينه وبين شقيقه وصاحبه، فإن كل ما جاء من عند الله فهو حق، يجب
اتباعه، والعمل به، ولا يجوز إلغاؤه، وإبطاله إلا حيث أبطله الله ورسوله وَّل بنص آخر
ناسخ له، لا يمكن الجمع بينه وبين المنسوخ، وهذا - بحمد اللَّه- منتف في مسألتنا،
فإن العمل بالدليلين ممكن، ولا تعارض بينهما، ولا تناقض بوجه، فلا يسوغ لنا إلغاء
ما اعتبره اللَّه وَالّ ورسوله وَليل، كما لا يسوغ لنا اعتبار ما ألغاه، وبالله تعالى التوفيق.
(الوجه الثالث والعشرون): أنه إن كان القضاء بالشاهد واليمين ناسخا للقرآن،
وإثبات التغريب ناسخا للقرآن، فالوضوء بالنبيذ أيضا ناسخ للقرآن، ولا فرق بينهما

٨٧
٨٨- (إِقَمَةُ الصَّلْبِ فِي الرَّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧
البتة، بل القضاء بالنكول، ومعاقد القُمُط يكون ناسخا للقرآن، وحينئذ فنسخ كتاب الله
بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها أولى من نسخه بالرأي والقياس،
والحديثِ الذي لا يثبت. وإن لم يكن ناسخا للقرآن لم يكن هذا ناسخاً له، وأما أن
يكون هذا نسخا، وذاك ليس بنسخ، فتحكم باطل، وتفريق بين متماثلين.
(الوجه الرابع والعشرون): أن ما خالفتموه من الأحاديث التي زعمتم أنها زيادة على
نص القرآن، إن كانت تستلزم نسخه، فقطع رجل السارق في المرة الثانية نسخ، لأنه
زيادة على القرآن، وإن لم يكن هذا نسخا، فليس ذلك نسخا.
(الوجه الخامس والعشرون): إنكم قلتم: لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم،
وذلك زيادة على ما في القرآن، فإن اللَّه وَّ أباح استحلال البُضْع بكل ما يسمى مالا،
وذلك يتناول القليل والكثير، فزدتم على القرآن بقياس في غاية الضعف، وبخبر في
غاية البطلان، فإن جاز نسخ القرآن بذلك، فلم لا يجوز نسخه بالسنة الصحيحة
الصريحة، وإن كان هذا ليس بنسخ لم يكن الآخر نسخًا.
(الوجه السادس والعشرون): إنكم أوجبتم الطهارة للطواف بقوله بَ الى: ((الطواف
بالبيت صلاة))، وذلك زيادة على القرآن، فإن اللَّه ◌َ لّ إنما أمر بالطواف، ولم يأمر
بالطهارة، فكيف لم تجعلوا ذلك نسخا للقرآن، وجعلتم القضاء بالشاهد واليمين،
والتغريبَ في حد الزنا نسخا للقرآن.
(الوجه السابع والعشرون): إنكم مع الناس أوجبتم الاستبراء في جواز وطء المَسْبيّة
بحديث ورد زائدٍ على كتاب الله، ولم تجعلوا ذلك نسخاله، وهو الصواب بلا شك،
فهلّا فعلتم ذلك في سائر الأحاديث الزائدة على القرآن.
(الوجه الثامن والعشرون): إنكم وافقتم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها
وبين خالتها بخبر الواحد، وهو زائد على ما في كتاب الله تعالى قطعا، ولم يكن ذلك
نسخا، فهلا فعلتم ذلك في خبر القضاء بالشاهد واليمين، والتغريب، ولم تعدوه
نسخا، وكل ما تقولونه في محل الوفاق يقوله لكم منازعوكم في محل النزاع حرفا
بحرف .
(الوجه التاسع والعشرون): أنكم قلتم: لا يفطر المسافر، ولا يقصر في أقل من ثلاثة
أيام، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَاءٍ
أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤] وهذا يتناول الثلاثة، وما دونها، فأخذتم بقياس ضعيف، أو أثر لا
يثبت في التحديد بالثلاث، وهو زيادة على القرآن، ولم تجعلوا ذلك نسخا، فكذلك
الباقي .

٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاح
(الوجه الثلاثون): أنكم منعتم قطع من سرق ما يُسرع إليه الفسادُ من الأموال، مع أنه
سارق حقيقة، ولغة، وشرعا، لقوله: ((لا قطع في ثمر، ولا كَثَرَ))، ولم تجعلوا ذلك
نسخا للقرآن، وهو زائد عليه.
(الوجه الحادي والثلاثون): إنكم رددتم السنن الثابتة عن رسول اللّه وَّل في المسح
على العمامة، وقلتم: إنها زائدة على نص الكتاب، فتكون ناسخة له، فلا تقبل، ثم
ناقضتم، فأخذتم بأحاديث المسح على الخفين، وهي زائدة على القرآن، ولا فرق
بينهما، واعتذرتم بالفرق بأن أحاديث المسح على الخفين متواترة، بخلاف المسح على
العمامة، وهو اعتذار فاسد،، فإن من له اطلاع على الحديث لا يشك في شهرة كل
منهما، وتعدد طرقها، واختلاف مخارجها، وثبوتها عن النبي وَّر قولا وفعلا.
(الوجه الثاني والثلاثون): إنكم قبلتم شهادة المرأة الواحدة على الرضاع والولادة،
وعيوب النساء، مع أنه زائد على ما في القرآن، ولم يصح الحديث به صحته بالشاهد
واليمين، ورددتم هذا ونحوه بأنه زائد على القرآن.
(الوجه الثالث): إنكمٍ رددتم السنة الثابتة عن رسول اللَّه ◌َّ في أنه لا يُحَرِّم أقلُّ من
خمس رضعات، ولا تُحرِّمُ الرضعة، والرضعتان، وقلتم: هي زائدة على القرآن، ثم
أخذتم بخبر لا يصح بوجه مّا في أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم، أو ما يساويها،
ولم تَرَوْه زيادة على القرآن، وقلتم: هذا بيان للفظ السارق، فإنه مجمل، والرسول وَل
بينه بقوله: ((لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم)).
فيا للعجب كيف كان هذا بيانا، ولم يكن حديث التحريم بخمس رضعات بيانا
لمجمل قوله: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: ٢٣]، ولا تأتون بعذر في آية
القطع إلا كان مثله، أو أولى منه في آية الرضاع سواءً بسواءٍ.
(الوجه الرابع والثلاثون): إنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول اللَّه ◌َ لّ بالمسح على
الجوربين، وقلتم: هي زائدة على القرآن، وجوزتم الوضوء بالخمر المحرمة من نبيذ
التمر المسكر بخبر لا يثبت، وهو بخلاف القرآن.
(الوجه الخامس والثلاثون): إنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول اللّه وَّل في الصوم
عن الميت، والحج عنه، وقلتم: هو زائد على قوله: ﴿وَأَنْ لَّئْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾،
ثم جوزتم أن تُعمَلِ أعمالُ الحج كلها عن المغمى عليه، ولم تروه زائدا على قوله:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وأخذتم بالسنة الصحيحة، وأصبتم في
حمل العاقلة الدية عن القاتل خطأ، ولم تقولوا: هو زائد على قوله: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ
أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، واعتذاركم

=
٨٩
٨٨- (إِقَآَمَةُ الصُّلْبِ فِي الرّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧
بأن الإجماع ألجأكم إلى ذلك لا يفيد، لأن عثمان الْبَتِّيّ، وهو من فقهاء التابعين يرى أن
الدية على القاتل، وليس على العاقلة منها شيء، ثم هذا حجة عليكم أن تُجمِعَ الأمةُ
على الأخذ بالخبر، وإن كان زائدا على القرآن.
(الوجه السادس والثلاثون): إنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول اللّه وَ ل في اشتراط
المحرم أن يحل حيث حبس، وقلتم: هو زائد على القرآن، فإن اللَّه أمر بإتمام الحج
والعمرة، والإحلال خلاف الإتمام، ثم أخذتم، وأصبتم بحديث تحريم لبن الفحل،
وهو زائد على ما في القرآن قطعا.
(الوجه السابع والثلاثون): ردكم السنة الثابتة عن رسول اللَّه وَلّ بالوضوء من مس
الفرج، وأكل لحوم الإبل، وقلتم: ذلك زيادة على القرآن، لأن اللّه تعالى إنما ذكر
الغائط، ثم أخذتم بحديث ضعيف في إيجاب الوضوء من القهقهة، وخبر ضعيف في
إيجابه من القيء، ولم يكن ذاك زائدا على ما في القرآن، إذ هو قول متبوعكم.
فمن العجب إذا قال من قلدتموه قولا زائدا على ما في القرآن قبلتموه، وقلتم: ما
قاله إلا بدليل، وسهل عليكم مخالفة ظاهر القرآن حينئذ، وإذا قال رسول اللّه وَل قولا
زائدا على ما في القرآن قلتم: هذا زيادة على النص، وهو نسخ، والقرآن لا ينسخ
بالسنة، فلم تأخذوا به، واستعصيتم خلاف ظاهر القرآن، فهان خلافه إذا وافق قول من
قلد تموه، وصعب خلافه إذا وافق قول رسول اللَّه وَلّ !.
(الوجه الثامن والثلاثون): إنكم أخذتم بخبر ضعيف، لا يثبت في إيجاب المضمضة
والاستنشاق في الغسل من الجنابة، ولم تروه زائدا على القرآن، ورددتم السنة الصحيحة
الصريحة في أمر المتوضىء بالاستنشاق، وقلتم: هو زائد على القرآن، فهاتوا لنا الفرق
بين ما يقبل من السنن الصحيحة، وما يرد منها، فإما أن تقبلوها كلها، وإن زادت على
ما القرآن، وإما أن تردوها كلها، إذا كانت زائدة على ما في القرآن، وأما التحكم في
قبول ما شئتم منها، ورد ما شئتم منها، فمما لم يأذن به الله، ولا رسوله وَّل، ونحن
نُشْهِدُ اللَّهَ شهادة يسألنا عنها يوم نلقاه أنا لا نرد لرسول اللّه ◌َ ل سنة واحدة صحيحة
أبدا، إلا بسنة صحيحة مثلها، نعلم أنها ناسخة لها.
(الوجه التاسع والثلاثون): إنكم رددتم السنة الصحيحة عن رسول اللّه وَّل في القسم
للبكر سبعا، يفضلها بها على من عنده من النساء، وللثيب ثلاثا، إذا أعرس بهما،
وقلتم: هذا زائد على العدل المأمور به في القرآن، ومخالف له، فلو قبلنا كنا قد نسخنا
به القرآن، ثم أخذتم بقياس فاسد واهٍ، لا يصح في جواز نكاح الأمة لواجد الطَّوْل غير
خائف العَنَت، وإذا لم تكن تحته حرة، وهو خلاف ظاهر القرآن، وزائد عليه قطعا.

٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
(الوجه الأربعون): ردكم السنة الثابتة عن رسول اللّه وَ له بإسقاط نفقة المبتوتة
وسكناها، وقلتم: هو مخالف للقرآن، فلو قبلناه كان نسخا للقرآن به، ثم أخذتم بخبر
ضعيف، لا يصح أن عدة الأمة قُرآنٍ، وطلاقها طلقتان، مع كونه زائدا على ما في
القرآن قطعا .
(الوجه الحادي والأربعون): ردكم السنة الثابتة عن رسول اللّه ◌َالية في تخيير ولي الدم
بين الدية، أو القَوَد، أو العفو، بقولكم: إنها زائدة على ما في القرآن، ثم أخذتم بقياس
من أفسد القياس أنه لو ضربه بأعظم دَبُّوس(١) يوجد حتى يَنتُرَ دماغه على الأرض، فلا
قود عليه، ولم تَرَوْا ذلك مخالفا لظاهر القرآن، واللَّه تعالى يقول: ﴿أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ويقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾
[البقرة: ١٩٤].
(الوجه الثالث والأربعون): إنكم أخذتم بخبر لا يصح عن رسول اللَّه ◌َلّ في أنه:
((لا جمعة، إلا في مصر جامع)) (٢)، وهو مخالف لظاهر القرآن قطعا، وزائد عليه،
ورددتم الخبر الصحيح الذي لا شك في صحته عند أحد من أهل العلم في أن كل بَيِّعَين
فلا بيع بينهما حتى يتفرقا، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في وجوب الوفاء بالعقد.
(الوجه الرابع والأربعون): إنكم أخذتم بخبر ضعيف: ((لا تقطع الأيدي في الغزو))،
وهو زائد على القرآن، وعَدَّيتموه إلى سقوط الحدود عمن فعل أسبابها في دار الحرب،
وتركتم الخبر الصحيح الذي لا ريب في صحته في المصرّاة، وقلتم: هو خلاف ظاهر
القرآن من عدة أوجه.
(الوجه الخامس والأربعون): إنكم أخذتم بخبر ضعيف، بل باطل في أنه لا يؤكل
الطافي من السمك، وهو خلاف القرآن، إذ يقول تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ
وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، فصيده ما صِيدَ منه حيا، وطعامه قال أصحاب رسول الله
وَالر: هو ما مات فيه، صح ذلك عن الصديق، وابن عباس، وغيرهما ، ثم تركتم
الخبر الصحيح المصرح بأن ميتته حلال، مع موافقته لظاهر القرآن.
(الوجه السادس والأربعون): إنكم أخذتم، وأصبتم بحديث تحريم كل ذي ناب من
السباع، وذي مِخْلَب من الطير، وهو زائد على ما في القرآن، ولم تروه ناسخا، ثم
تركتم حديث حل لحوم الخيل الصحيح الصريح، وقلتم: هو مخالف لما في القرآن،
زائد علیه، وليس كذلك.
(١) ((الدّبُّوس)) كتَثُّور، واحد الدبابيس: المقامع. اهـ ((ق)).
(٢) ضعيف مرفوعا، وإنما هو من قول علي تمليه. انظر ((إتمام الدراية)) ج١ ص٢١٤.

٩١
٨٨- (إِقَامَةُ الصُّلْبِ فِي الرَّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧
(الوجه السابع والأربعون): إنكم أخذتم بحديث المنع من توريث القاتل، مع أنه
زائد على القرآن، وحديث عدم القود على قاتل ولده، وهو زائد على ما في القرآن مع
أن الحديثين ليسا في الصحة بذاك، وتركتم الأخذ بحديث إعتاق النبي وَالّ لصفية،
وجعل عتقها صداقها، فصارت بذلك زوجة، وقلتم: هذا خلاف ظاهر القرآن،
والحديث في غاية الصحة.
(الوجه الثامن والأربعون): إنكم أخذتم بالحديث الضعيف الزائد على ما في القرآن،
وهو: ((كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه))، فقلتم: هذا يدل على وقوع طلاق المكره
والسكران، وتركتم السنة الصحيحة التي لا ريب في صحتها فيمن وجد متاعه بعينه عند
رجل، قد أفلس، فهو أحق به، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوَا
أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، والعجب أن ظاهر القرآن والحديث متوافقان
متطابقان، فإن منع البائع من الوصول إلى الثمن، وإلى عين ماله إطعام له بالباطل
الغرماءَ، فخالفتم ظاهر القرآن مع السنة الصحيحة الصريحة.
(الوجه التاسع والأربعون): إنكم أخذتم بالحديث الضعيف، وهو: ((من كان له إمام
فقراءة الإمام له قراءة))، ولم تقولوا: هو زائد على القرآن في قوله: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِسَنِ إِلَّا
مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وتركتم الحديث الصحيح في بقاء الإحرام بعد الموت، وأنه لا
ينقطع به، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[النمل: ٩]، وخلاف ظاهر قوله وَلّر: ((إذا مات ابن آدم انقطع منه عمله، إلا من
ثلاث)) .
(الوجه الخمسون): رد السنة الثابتة عن رسول اللَّه ◌َ ليل في وجوب الموالاة، حيث
أمر الذي تركَ لُمعة من قدمه بأن يعيد الوضوء والصلاة(١)، وقالوا: هو زائد على كتاب
اللّه، ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على كتاب اللَّه في أن أقل الحيض ثلاثة أيام،
وأكثره عشرة .
(الوجه الحادي والخمسون): رد الحديث الثابت عن رسول اللّه وَّ ر في أنه لا نكاح
إلا بولي، وأنّ مَنْ أنكحت نفسها، فنكاحها باطل، وقالوا: هو زائد على ما في كتاب
الله، فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال:
﴿فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىَّ أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ثم
أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على القرآن قطعًا في اشتراط الشهادة في صحة النكاح،
(١) حديث صحيح أخرجه أبو داود.

٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
والعجب أنهم استدلوا على ذلك بقوله: (( لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل))، ثم
قالوا: لا يفتقر إلى حضور الولي، ولا عدالة الشاهدين، فهذا طرف من بيان تناقض مَنْ
رَدَّ السننَ بكونها زائدة على القرآن، فتكون ناسخة، فلا تقبل.
(الوجه الثاني والخمسون): إنكم تُجوّزون الزيادة على القرآن بالقياس الذي أحسن
أحواله أن يكون للأمة فيه قولان: أحدهما: أنه باطل مناف للدين. والثاني: أنه صحيح
مؤخر عن الكتاب والسنة، فهو في المرتبة الأخيرة، ولا تختلفون في جواز إثبات حكم
زائد على القرآن به، فهلّا قلتم: إن ذلك يتضمن نسخ الكتاب بالقياس.
[فإن قيل]: قد دل القرآن على صحة القياس، واعتباره، وإثبات الأحكام به، فما
خرجنا عن موجب القرآن، ولا زدنا على ما في القرآن إلا بما دلنا عليه القرآن.
[قيل]: فهلّا قلتم مثل هذا في السنة الزائدة على القرآن، وكان قولكم ذلك في السنة
أسعد، وأصلح من القياس الذي هو محل آراء المجتهدين، وعُرضةٌ للخطأ، بخلاف
قول من ضُمِنَتْ لنا العصمة في قوله، وفرض اللَّه علينا اتباعه وطاعته.
[فإن قيل]: القياس بيان لمراد الله سبحانه وتعالى، ورسوله وَ له من النصوص، وأنه
أريد بها إثبات الحكم في المذكور في نظيره، وليس ذلك زائدا على القرآن، بل تفسير
له، وتبیین.
[قيل]: فهلا قلتم: إن السنة بيان لمراد الله سبحانه وتعالى من القرآن تفصيلا لما
أجمله، وتبيينا لما سكت عنه، وتفسيرا لما أبهمه، فإن اللَّه سبحانه وتعالى أمر بالعدل
والإحسان والبر والتقوى، ونهى عن الظلم والفواحش والعدوان والإثم، وأباح لنا
الطيبات، وحرم علينا الخبائث، فكل ما جاءت به السنة، فإنها تفصيل لهذا المأمور به،
والمنهي عنه، والذي أَحَلَّ لنا هو الذي حَرَّمَ علينا. انتهى كلام العلامة ابن القيم رحمه
الله تعالی.(١)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد دافع هذا الإمام رحمه اللّه تعالى عن السنة دفاعا
لا نظير له، وبَيَّنَ تناقضات القائلين بعدم قبول السنة الصحيحة إذا كانت زائدة على
الكتاب بدعوى أن ذلك يؤدي إلى النسخ، حيث إنهم يقبلونها إذا وافقت قول إمامهم،
ويلتمسون لها مخارج، وتأويلات لا رَوَاج لها عند النقد، والتحقيق، فلقد كشف رَخْدُ ثُ
عَوَارَهُم، وأبان خللهم، وفَنَّدَ أباطيلهم بما لا تجده في كتاب غيره، فجزاه الله تعالى عن
السنة أحسن الجزاء .
(١) ((إعلام الموقعين عن رب العالمين)) جـ ٢ ص ٣١٩-٣٤٧.

٩٣
٨٩- الاعتدالُ فِي الركوع - حديث رقم ١٠٢٨
وإنما نقلت كلامه بطوله لما فيه من الفوائد الحسان، وليمكنني الإحالةُ إليه في كل
موضع يخالفون فيه السنة، ويدفعونها، ويدافعون عن مذهبهم، فیتیسر الرجوع إليه،
والوقوف عليه، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٨٩- الاعْتِدالُ فِ الرُّكَوع
أي هذا باب ذكر الحديث الدَّالّ على مشروعية الاعتدال في حال الركوع.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الاعتدال)): مصدر اعتدل: إذا استقام. والمراد به
هنا: استواء الظهر والعنق، فلا يرفع رأسه، ولا يطأطئه، بل يجعله متساويا مع ظهره.
والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠٢٨- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي
عَرُوبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَّةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بَلَّ، قَالَ: اعْتَدِلُوا فِي
الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ، كَالْكَلْبٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (سويد بن نصر) أبو الفضل، لقبه الشَّاه، المروزي، راوية ابن المبارك، ثقة
[١٠] ت ٢٤٠ (ت س) تقدم ٤٥ / ٥٥ .
٢- (عبدالله بن المبارك) الحنظلي المروزي الإمام الحافظ الحجة الثبت [٨] ت١٨١
(ع) تقدم ٣٦/٣٢ .
٣- (سعيد بن أبي عروبة) مهران أبو النضر البصري، ثقة ثبت اختلط بآخره [٦] ت
١٥٦ (ع) تقدم ٣٨/٣٤ .
٤- (حماد بن سلمة) بن دينار أبو سلمة البصري، ثقة عابد، تغير حفظه في آخره،
من كبار٨ - ت١٦٧ (ع) تقدم ٢٨٨/١٨١.
٥- (قتادة) بن دعامة، السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، رأس الطبقة [٤]
ت سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم ٣٤/٣٠ .
٦ - (أنس) بن مالك بن النضر الأنصاري الصحابي الشهير وظيفته تقدم ٦/٦.

٩٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الاقْتِتَاح
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف تَخْدَهُ (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن
رجال الجماعة، سوی شیخه، فانفرد به هو والترمذي، وأنهم بصریون، سوی شیخه،
وابن المبارك، فمروزيان (ومنها): أنه يُقَدَّر قبل قوله: ((عن قتادة)) لفظ ((كلاهما))،
فيقال: كلاهما عن قتادة، يعني أن كلا من سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة يرويان
هذا الحديث عن قتادة (ومنها): أن فيه أنسا رَّه أحد المكثرين السبعة، روى -
٢٢٨٦- حديثا، وهو آخر من مات من الصحابة له بالبصرة، مات سنة ١ أو ٢
أو ٩٣- والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك تَظّه، وفي الرواية الآتية ١١١٠/٥٣ من طريق شعبة، عن
قتادة التصريح بسماع قتادة، عن أنس رَّه (عن رسول اللَّه ◌َّر) أنه (قال: اعتدلوا في
الركوع) أي تو سطوا فيه بين الاتفاع والانخفاض، وقد تقدم في أول الباب أن المراد به
استواء الظهر والعنق (و) اعتدلوا في (السجود) أي استووا فيه بوضع الكفين على
الأرض، ورفع المرفقين عنها، والبطنِ عن الفخذين. أفاده الطيبي.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((اعتدلوا في السجود)): أي كونوا متوسطين بين الافتراش
والقبض. وقال ابن دقيق العيد رخّلهُ: لعل المراد بالاعتدال هنا وضع هيئة السجود
على وفق الأمر، لأن الاعتدال الحسي المطلوب في الركوع لا يتأتى هنا، فإنه هناك
استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي. قال: وقد ذكر
الْحُكم هنا مقرونا بعلته، فإن التشبه بالأشياء الخسيسة يناسب تركه في الصلاة. انتهى.
والهيئة المنهي عنها أيضا مشعرة بالتهاون، وقلة الاعتناء بالصلاة. انتهى (١).
(ولا يبسط) ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم بها، وهو من باب نصر (أحدكم) بالرفع على
الفاعلية (ذراعيه) بالنصب على المفعولية (كالكلب) أي مثل بسط الكلب، وهو وضع
المرفقين مع الكفين على الأرض. وشبهه بالكلب للتنفير عنه. قال القرطبي كمّلهُ: لا
شك في كراهة هذه الهيئات، ولا في استحباب نقيضها.
والحكمة في النهي عن ذلك أن رفع ذراعيه عن الأرض أقرب إلى التواضع، وأبلغ
في تمكين الجبهة، والأنف من الأرض في السجود، وأبعد عن هيئات الكسالى، فإن
الباسط يشعر حاله بالتهاون بالصلاة، وقلة الاعتناء بها (٢). والله سبحانه وتعالى أعلم
(١) (فتح)) جـ٢ ص ٥٦٣ .
(٢) راجع ((المنهل)) جه ص ٣٤٨.

٩٥
٨٩- الاعتدالُ فِي الرَّكُوع - حديث رقم ١٠٢٨
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث أنس رَّ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا-١٠٢٨/٨٩- وفي ((الكبرى)) - ١١٠١/٣٦ - عن سويد بن نصر، عن
ابن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، كلاهما عن قتادة، عنه. وفي
١١١٠/٥٣- و((الكبرى)»- ٦٩٨/٥٢-عن إسحاق بن إبراهيم،، عن عبدة بن سليمان،
عن سعيد به بلفظ: ((أتمّوا الركوع والسجود، فو الله إني لأراكم من خلف ظهري في
ركوعكم، وسجودكم)). وعن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث الْهُجَيمي،
عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسا به. وفي ١١٠٣/١٤٠، و((الكبرى)) ٦٩٠/٤٨
عن إسحاق بن إبراهيم، عن يزيد بن هارون، عن أبي العلاء، عن قتادة، عنه، بلفظ:
((لا يفترش أحدكم ذراعيه في السجود افتراش الكلب)). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه :
أخرجه (خ) في ((الصلاة)) عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة به.
(م) فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع- وعن محمد بن المثنى، وابن بشار،
كلاهما عن محمد بن جعفر - وعن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث- ثلاثتهم عن
شعبة به. (د) فيه عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة به. (ت) فيه عن محمود بن غيلان،
عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به. (ق) فيه عن نصر بن علي، عن عبدالأعلى، عن
سعيد بن أبي عروبة، به.
وأخرجه (أحمد) ١١٥/٣ و١٧٧ و١٧٩ و٢٠٢ و٢٧٤ و٢٩١ و١٩١ و٢١٤ و١٠٩
و٢٣١. (والدارمي) برقم ١٣٢٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو الاعتدال في الركوع، ومعناه
استواء الظهر والعنق، والظاهر أن الأمر للوجوب، إذ لا صارف له. (ومنها): الاعتدال
في السجود، والظاهر أن الأمر فيه أيضا للوجوب، لكن ذكر بعضهم فيه صارفا عن
الوجوب، وسيأتي ما فيه في [باب الاعتدال في السجود] ١١١٠/٥٣ إن شاء الله
تعالى. (ومنها): النهي عن مشابهة الكلب في بسط الذراعين في السجود، وقد تقدم قريبا
حكمة النهي عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٩٦.
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
٩٠- (بَابُ التَّطْبِيقِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التطبيق في الصلاة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا هو الذي في النسخة ((الهندية))، وأما ما وقع في
النسخة المطبوعة في المطبعة الميمنية بمصر سنة (١٣١٢) من كتابة الترجمة بلفظ:
((كتاب التطبيق))، وهو الذي وقع في ((الكبرى)) أيضًا، وجرى عليه أصحاب الترقيمات،
مثل ((المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبويّ، و((مفتاح كنوز السنة))، و((تيسير المنفعة
بكتابي مفتاح كنوز السنة، والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبويّ)» فمما لا وجه له؛
لأن التطبيق ليس أنواعا حتى يعنون له بالكتاب)) يتنوع إلى أبواب، فالمناسب أن يُترجم
له ب(باب))، ويُجعل تابعًا للكتاب السابق، فتأمل، والله تعالى أعلم.
و ((التطبيق)): مصدر طَبَّقَ: قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: هو أن يجمع بين أصابع
يديه، ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع والتشهّد. انتهى(١).
وقال في ((مختار الصحاح)): التطبيقُ في الصلاة: جعلُ اليدين بين
الفخذين. انتهى (٢).
وحاصل المعنى الذي تفيده مجموع الروايات: أن التطبيق هو جمع الكفين، وتشبيك
أصابعهما، حتى تختلف، ثم وضعهما بين الركبتين في حالة الركوع. والله تعالى أعلم
بالصواب.
١٠٢٩- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ،
عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالأَسْوَدِ، أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ عَبْدِاللَّهِ
فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلَاءِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَأَمَّهُمَا، وَقَامَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَّا إِقَامَةٍ،
قَالَ: إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةٌ، فَاضْنَعُوا هَكَذَا، وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ،
وَلْيَفْرِشْ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَّافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ◌َِّ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَحدَري، البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢ / ٤٧.
(١) ((النهاية))٣/ ١١٤.
(٢): مختار الصحاح ص ١٦٣.

٩٧
٩٠- (بَابُ التَّطْبِيقِ) - حديث رقم ١٠٢٩
٢- (خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢ / ٤٧.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصري [٧] تقدم ٢٦/٢٤.
٤- (سليمان) بن مهران الأعمش الإمام الحافظ الحجة الكوفي [٥] تقدم ١٨/١٧.
٥- (إبراهيم) بن يزيد النخعي الفقيه الكوفي، ثقة حجة [٥] تقدم ٣٣/٢٩.
٦ - (علقمة) بن قيس بن عبدالله النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [٢] تقدم ٦١/
٧٧ .
٧- (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي مخضرم ثقة مكثر فقيه[٢] تقدم٢٩/
٣٣ .
٨- (عبدالله) بن مسعود الهذلي الصحابي الشهير رَبّه تقدم ٣٩/٣٥ . والله تعالى
أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف تَخَّهُ (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال
الجماعة، سوى شيخه، فقد انفرد هو به (ومنها): أن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون
كوفيون (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: سليمان الأعمش،
عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، والأسود كليهما (ومنها): أن فيه عبدالله مهملا، وقد
تقدم غير مرة أنه إذا أطلقه أهل الكوفة، فهو عبدالله بن مسعود رَظاليه والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سليمان) الأعمش، أنه (قال: سمعت إبراهيم) أي النخعي (يحدث) جملة في
محل نصب على الحال، وقيل: مفعول ثان ((سمع))، لأنها من أخوات ((ظن)) (عن
علقمة) بن قيس النخعي (والأسود) ابن يزيد بن قيس النخعي، وهو ابن أخي علقمة
(أنهما كانا مع عبدالله) بن مسعود رَوثي (في بيته) أي بيت عبداللّه نَّ (فقال: أصلى
هؤلاء) يعني الأمير، والذين يتبعونه، وفيه إشارة إلى إنكار تأخيرهم الصلاة (قلنا: نعم)
أي صلوا، وفيه مخالفة لما تقدم في ٧١٩/٢٧ - من طريق عيسى بن يونس، عن
الأعمش، ففيه: ((قلنا: لا))، فيحتمل أن الواقعة كانت مرتين، أو أرادا بقولهما: نعم
بعض من صلى مراعاة لأول الوقت، وبقولهما: ((لا)) الذين أخروا متابعة للأمير. والله
تعالى أعلم.
(فأمهما) أي صلى ابن مسعود بعلقمة، والأسود إماما، وقد تقدم في شرح الحديث-
٧٩٩- أن الصلاة التي صلى بهما هي الظهر (وقام بينهما) أي توسط في القيام للصلاة

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاح
بين علقمة، والأسود، وفي الرواية السابقة -٧١٩/٣٧ -: ((فذهبنا لنقوم خلفه، فجعل
أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله)). وهذا مذهب ابن مسعود رَّه ، وقد خالفه فيه
جمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان،
وقفا وراءه صفا، وتقدم عليهما، وقد تقدم تحقيق هذا بأدلته في ١٨/ ٧٩٩ -.
(بغير أذان، ولا إقامة) وهذا أيضا مذهبه رَظنّه وبعض السلف من أصحابه، وغيرهم
أنه لا يشرع الأذان، ولا الإقامة لمن صلى وحده ممن لم يصل في مسجد الجماعة،
وتقدم في ٧١٩/٣٧ - أن الراجح مشروعيتهما لكل مصل.
(قال) أي ابن مسعود رَّ (إذا كنتم ثلاثة، فاصنعوا هكذا) يعني القيام مع الإمام
صفا واحدا (وإذا كنتم أكثر من ذلك، فليؤمكم أحدكم) أي ليتقدم أحدكم عليكم إماما،
وصفوا أنتم وراءه. وفي رواية مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش: ((وإذا كنتم
ثلاثة، فصلوا جميعا، وإذا كنتم أكثر من ذلك، فليؤمكم أحدكم)). (وليفرش) بفتح الياء،
يقال: فَرَشْت البساطَ، وغيرَهُ، فَرْشًا، من باب قتل، وفي لغة من باب ضَرَب: إذا
"بَسَطْه. قاله في ((المصباح)). وقال السندي في شرحه: من ((أفرش))، يعني أنه بضم الياء
رباعيا، أي ليجعلهما كالفراش. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ولا أظنه يصح رباعيا بالمعنى المناسب هنا، فتأمل.
والله تعالى أعلم.
(كفيه على فخذيه) الظاهر أنه أراد بالكفين هنا الذراعين، يبين ذلك ما في رواية
مسلم: ((وإذا ركع أحدكم، فليَفْرش ذراعيه على فخذيه، ولْيَجْنَا، وليطبق بين كفيه،
فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول اللَّه ◌َلّ، فأراهم)). ومعنى قوله: ((فليجنا))- بفتح
الياء، وسكون الجيم، آخره همزة -: لينعَطِفْ.
(فكأنما أنظر إلى اختلاف أصابع رسول اللَّه بِّ) ((كأنما)) لتشبيه الحالة، وشدة
حضورها في ذهنه بحالة رؤيته لها بحاسة البصر، تنبيها على تحقق الأمر، ووقوعه.
وهذا الكلام يتعلق بالتطبيق، ففي رواية المصنف اختصار، كما بينته رواية مسلم
المذكورة: ((وليطبق بين كفيه، فلكأني الخ.
هذا الذي ذكرته من شرح هذا الموضع هو الموافق لما في سائر الروايات، وقد
شرحه السندي بما هو بعيد عن المعنى المراد، فَعَدَل، لكنه ذكر أخيرا ما ذكرته،
فَعَدَّل. انظر شرحه جـ٢ ص ١٨٤ . والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبدالله بن مسعود رَّه هذا أخرجه مسلم.
وقد تقدم بيان ما يتعلق به من المسائل في ٧١٩/٣٧ و٧٩٩/١٨ - بما فيه الكفاية،

٩٩
٩٠- (بابُ التَّطبيق) - حديث رقم ١٠٣٠
وسأذكر ما يتعلق بحكم التطبيق في الباب التالي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٣٠ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الرِّبَاطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:
أَنْبَأَنَا عَمْرٌو - وَهُوَ ابْنُ أَبِي قَيْسٍ (١) - عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ،
وَعَلْقَمَةَ، قَالَا: صَلَّيْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي بَيْتِهِ، فَقَامَ بَيْتَنَا، فَوَضَعْنَا(٢) أَيْدِيَنَا عَلَى
رُكَبِنَا، فَتَزَعَهَا(٣)، فَخَالَفَ بَيْنَ أَصَابِعِنَا، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَفْعَلُهُ).
رجال هذا الإسناد : ثمانية :
(أحمد بن سعيد) بن إبراهيم الرباطي، أبو عبدالله الأشقر المروزي، نزيل نيسابور،
ثقة حافظ [١١] .
روى عن أبي أحمد الزبيري، وأبي داود الطيالسي، والنضر بن شُمَيل، ووهب بن
جرير، وغيرهم. وعنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وابنُ خزيمة، والسراجُ، وغيرُهم.
قال النسائي: ثقة. وقال ابن خراش: ثقة ثقة. وقال الخطيب: ورد بغداد في أيام
أحمد، وجالس بها العلماء، وذاكرهم، وكان ثقة فهما عالما فاضلا. وقال أبو حاتم
الرازي: أدركته، ولم أكتب عنه، وكتب إلي بأحاديث، وكان يتولى على الرباطات.
وقال الخليلي في ((الإرشاد)): ثقة عالم حافظ متقن. وقال أبو علي الحافظ: كان والله
من الأئمة المقتدى بهم. وقال محمد بن عبدالسلام: لم أر بعد إسحاق بن إبراهيم مثله.
مات سنة (٢٤٥) وقيل: سنة (٢٤٦) في المحرم بقُومَس. روى عنه الجماعة، سوى
ابن ماجه(٤) وله عند المصنّف عشرة أحاديث ..
[تنبيه]: قوله: ((الرباطي)) بكسر الراء المهملة، بعدها موحدة: نسبة إلى موضع رباط
الخيل، وملازمة أصحابها الثغر لحفظه من عدو الإسلام، فيقال لفاعل ذلك مرابط. قاله
في ((اللباب)). (٥)
٢- (عبدالرحمن بن عبدالله) بن سعد بن عثمان الدَّشْتَكِيّ، أبو محمد المقرىء
الرازي، ثقة [١٠].
روى عن أبيه، وأبي خيثمة، وعمرو بن أبي قيس، وإبراهيم بن طهمان، وغيرهم.
(١) سقط من بعض النسخ قوله: ((وهو ابن أبي قيس)).
(٢) وفي بعض النسخ: ((فوضعنا- يعني أيدينا-)).
(٣) وفي بعض النسخ: ((فنزعهما)) .
(٤) (تهذيب التهذيب)) جـ ١ ص ٣٠ .
(٥) ((اللباب)) جـ ٢ ص ١٤ و((الأنساب)) جـ٣ ص ٣٩-٤١ .

١٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
وعنه ابناه أحمد، وعبدالله، وأحمد بن سعيد الرباطي، وأحمد بن أبي سُرَيج،
وغيرهم. ورآه أبو حاتم، وسمع كلامه، وسئل عنه؟ فقال: صدوق، كان رجلا
صالحا. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: هو وعمرو بن أبي قيس لا بأس بهما، قلت:
ثقتان؟ قال: ثقتان. وقال محمد بن سعيد بن سابق: لو خالفني، وأنا أحفظ سماعي،
لتركت حفظي لحفظه. وذكره ابن حبان في (الثقات)). أخرج له الجماعة، وعلق له
البخاري في آخر ((جزء القراءة خلف الإمام)). (١) وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث فقط:
هذا، وحديث رقم ١٧٣٠ و٢٨٥٢.
[تنبيه]: ((الدشتكي)) بفتح الدال المهملة، وسكون الشين المعجمة، وفتح التاء
المثناة: نسبة إلى دَشْتَك قرية بالريّ، ومحلة باستراباذ. قاله في ((لب اللباب)). (٢)
٣- (عمرو بن أبي قيس) الأزرق الكوفي، نزيل الري، صدوق، له أوهام [٨].
روى عن أبي إسحاق السبيعي، ومنصور بن المعتمر، والمنهال بن عمرو، وأيوب
السختياني، والزبير بن عدي، وغيرهم. وعنه عبدالرحمن بن عبدالله الدشتكي،
وحَكّام بن سَلْم، ومحمد بن سعيد بن سابق، وغيرهم. قال عبدالصمد بن عبدالعزيز
المقرىء: دخل الرازيون على الثوري، فسألوه الحديث؟ فقال: أليس عندكم ذلك
الأزرق -يعني عمرو بن أبي قيس- وقال الآجري، عن أبي داود في حديثه خطأ، وقال
في موضع آخر: لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن شاهين في
((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به، كان يهم في الحديث قليلا. وقال أبو
بكر البزار في ((السنن)): مستقيم الحديث. أخرج له الأربعة، وعلق له البخاري. (٣)
وله عند المصنف حديثان فقط: هذا، وحديث رقم ٢٨٥٢ .
٤- (الزبير بن عدي) الهمداني اليامي، أبو عدي الكوفي، ولي قضاء الري، ثقة [٥]
ت ١٣١ (ع) تقدم ١ / ٤٥١ .
والباقون تقدموا في السند الماضي. وكذا شرح الحديث.
وقوله: ((فنزعها)» ظاهره أنه فعل ذلك، وهو يصلي.
وقوله: ((فخالف بين أصابعنا))، أي بالتشبيك، وهو معنى التطبيق.
وقوله: ((رأيت رسول اللّه ◌َ ل يفعله)). يعني التطبيق الذي عبر عنه بالمخالفة بين
الأصابع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) (تهذيب التهذيب)) ج٦ ص ٢٠٧ .
(٢) جـ١ ص ٣٢٠.
(٣) (تهذيب التهذيب)) ج٨ ص ٩٣-٩٤ .