النص المفهرس

صفحات 1-20

شرح
سُ النَّّائِيّ
المُسَمَّى
ذَخِيَرَةَ الْعُقْبَى فِي شَرَّح المُجْتَبَى
لجامِعِه الفَقِيُ إلى مَوْلَهِ الفَنِىّ القَدِيُر
مَابِالشّيخ العَّ ◌َة ◌َ بْآدَمَ بُوَ الأُونِي الوَلَّيّ
المُدُّسْ بَدَارُ الحَديثُ الخيريَّة بمَلّة المكرّمة
عَفَا اللّه عَنْه وَعَنْ وَالَيَّه آمِينٌ
الجزء الثّالثُ عَشر
مَكْبِ تنسيق وتَحْرِ يج ويتحقيق
** رَحْيُصْ اعُلاز رقم: ٠ ٢٥٢٤
دارآل بَروم للنشر وَالتّوزيعُ

بسمالله الرحمن الرحيم

شرح
سُبْ لِنَّائي

جميع الحقوق محفُوظُنّة
الطَّبَعَّة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م
دَازال بُرُوي للنشروَ التوزيع
المملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرمة - المكتب الرئيسيّ التشغيُ
صَربْ: ٤١٤٥- (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - حوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

٨٢- (بَابُ مَدِّ الصَّوْتِ بالقِرَاءَةٍ) - حديث رقم ١٠١٤
٨٢- (بَابُ مَدِّ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ)
أي هذا باب تطويل الصوت بقراءة القرآن، والمراد به مد الصوت بالحرف الصالح
للإطالة، لا كل حرف، فإن ذلك يكون لحنا، فتفطن.
قال الحافظ ◌َحْدَتْهُ - عند قول البخاري ◌َخْذَلهُ: [باب مدّ القراءة] -: ما نصه: المدُّ
عند القراء على ضربين: أصلي، وهو إشباع الحرف الذي بعده ألف، أو واو، أو ياء،
وغير أصلي، وهو ما إذا عَقَبَ (١) الحرفَ الذي هذه صفته همزةٌ، وهو متصل،
ومنفصل، فالمتصل ما كان من نفس الكلمة، والمنفصل ما كان من كلمة أخرى،
فالأول يؤتى فيه بالألف، والواو، والياء ممكنات من غير زيادة، والثاني يزاد في تمكين
الألف، والواو، والياء زيادة على المدّ الذي لا يمكن النطق بها إلا به من غير إسراف،
والمذهب الأعدل أنه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمده أوّلًا، وقد يزاد على ذلك
قليلا، وما أفرط فهو غير محمود، والمراد بالترجمة الضرب الأول. انتهى. وبالله تعالى
التوفيق .
١٠١٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ
حَازِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسّا، كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولَ اللَّهِ ◌َ؟ قَالَ: كَانَ يَمُدُّ
صَوْتَهُ مَداً).
رجال هذا الإسناد: خمسة
١- (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة حافظ [١٠] ت
٢٤٩ (ع) تقدم ٤ / ٤.
٢- (عبدالرحمن) بن مهدي الإمام الحافظ الحجة البصري [٩] تقدم ٤٩/٤٢.
٣- (جرير بن حازم) بن زيد بن عبدالله بن شجاع الأزدي، ثم العَتّكي، وقيل:
الجَهْضَمي، أبو النضر البصري، والد وهب بن جرير، وابن أخي جرير بن زيد، ثقة،
لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه [٦].
روى عن أبي الطفيل، وأبي رجاء العطاري، والحسن، وابن سيرين، وقتادة،
وأيوب، وثابت، وغيرهم. وعنه الأعمش، وأيوب شيخاه، وابنه وهب، وحسين بن
محمد، وابن المبارك، وابن وهب، ووكيع، وغيرهم.
-
(١) يقال: عقَبَ زيد عَقْبا، من باب قتل: أتى بعده. أفاده في ((المصباح)).

٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
قال قراد: قال لي شعبة: عليك بجرير بن حازم، فاسمع منه. وقال محمود بن
غيلان، عن وهب بن جرير: كان شعبة يأتي أبي، فيسأله عن حديث الأعمش، فإذا
حدثه قال: هكذا والله سمعته من الأعمش. وقال علي، عن ابن مهدي: جرير بن
حازم أثبت عندي من قرة بن خالد. وقال أحمد بن سنان، عن ابن مهدي: جرير بن
حازم اختلط، وكان له أولاد، أصحاب حديث، فلما أحسوا ذلك منه حجبوه، فلم
يسمع أحد منه في حال اختلاطه شيئا. وقال أبو حاتم (١): تغير قبل موته بسنة. وقال
موسى بن إسماعيل: ما رأيت حماد بن سلمة يعظم أحدا تعظيمة جرير بن حازم. وقال
عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال الدوري: سألت يحيى عن جرير بن حازم،
وأبي الأشهب؟ فقال: جرير أحسن حديثا منه، وأسند. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن
معين: جرير أمثل من أبي هلال، وكان صاحب كتاب. وقال عبدالله بن أحمد: سألت
ابن معين عنه؟ فقال: ليس به بأس، فقلت: إنه يحدث عن قتادة عن أنس، أحاديث
مناكير، فقال: ليس بشيء هو عن قتادة ضعيف. وقال وهب بن جرير: قرأ أبي على
أبي عمرو بن العلاء، فقال له: أنت أفصح من معدّ. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال
النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال ابن عديّ: جرير بن
حازم من أجلّة أهل البصرة ورُفَعائهم، وزيد بن درهم، والد حماد بن زيد اشتراه جرير
ابن حازم، فأعتقه، وزوجه، فوُلِد له حماد بن زيد، وقد حدث عن جرير من الكبار:
أيوب السختياني، والليث بن سعد نسخة طويلة، وله أحاديث كثيرة عن مشايخه، وهو
مستقيم الحديث، صالح فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي عنه أشياء لا يرويها غيره.
قال الكلاباذي: حكى عنه ابنه أنه قال: مات أنس، سنة (٩٠) وأنا ابن خمس سنين،
ومات جرير سنة (١٧٠) هكذا قال البخاري في ((تاريخه)) عن سليمان بن حرب وغيره.
وقد قيل: مات سنة (١٦٧) وقال مهنا عن أحمد: جرير كثير الغلط. وقال ابن حبان في
((الثقات)): كان يخطىء، لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه، وكان شعبة يقول: ما رأيت
أحفظ من رجلين، جرير بن حازم، وهشام الدستوائي. وقال الساجي: صدوق حدث
بأحاديث، وَهِمَ فيها، وهي مقلوبة، حدثني حسين، عن الأثرم: قال: قال أحمد:
جرير بن حازم حدث بالوَهَم بمصر، ولم يحفظ(٢)، وحدثني عبدالله بن خراش: ثنا
صالح، عن علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أبو الأشهب أحب إليك ، أم
(١) وفي (تهذيب التهذيب)): ((وقال أبو نعيم))، فليحرّر.
(٢) قال الحافظ الذهبي رحمه الله: اغتفرت أوهامه في سعة ما روى، وقد ارتحل في الكهولة إلى
مصر، وحمل الكثير، وحدث بها. اهـ (سير أعلام النبلاء)) جـ٧ ص ١٠٠.

٧
٨٢- (بابُ مَدِّ الصَّوْتِ بِالقِرَاءَةِ) - حديث رقم ١٠١٤
جرير بن حازم؟ قال: ما أقربهما، ولكن جرير أكبرهما، وكان يهم في الشيء، وكان
يقول في حديث الضبع عن جابر، عن عمر، ثم صيره عن جابر، عن النبي وَّ، قال:
وحدثت عن عبدالله بن أحمد: حدثني أبي عن عفان، قال: راح أبو جُزَيّ نصر بن
طريف إلى جرير يشفع لإنسان يحدثه، فقال جرير: ثنا قتادة، عن أنس، قال: ((كانت
قبيعة سيف رسول اللَّه وَلّ من فضة)). فقال أبو جزي: ما حدثناه قتادة إلا عن سعيد ابن
أبي الحسن، قال أبي: القول قول أبي جزي، وأخطأ جرير. قال الساجي: وجرير ثقة.
وقال الحسن بن علي الحلواني: ثنا عفان، ثنا جرير بن حازم: سمعت أبا فروة يقول:
حدثني جار لي أنه خاصم إلى شريح، قال عفان: فحدثني غير واحد عن الأعصف،
قال: سألت جريرا عن حديث أبي فروة هذا؟ فقال: حدثنيه الحسن بن عمارة. وذكر
العقيلي من طريق عفان، قال: اجتمع جرير بن حازم، وحماد زيد، فجعل جرير يقول:
سمعت محمدا يقول، وسمعت شريحا يقول، فقال له حماد: يا أبا النضر محمد، عن
شريح. وقال الميموني، عن أحمد: كان حديثه عن قتادة غير حديث الناس، يوقف
أشياء، ويسند أشياء، ثم أثنى عليه. وقال صالح صاحب سنة وفضل. وقال الأزدي:
جرير صدوق، خرّج عنه بمصر أحاديث مقلوبة، ولم يكن بالحافظ، حمل رِشْدِين
وغيره عنه مناكير، ووثقه أحمد بن صالح. وقال البزار في مسنده: ثقة. وقال ابن
سعد: كان ثقة، إلا أنه اختلط في آخر عمره. وذكره ابن المديني في الطبقة الخامسة من
أصحاب نافع، وقال ابن المديني: سمعت ابن مهدي يقول: جرير عندي أوثق من قرة
ابن خالد. ونسبه يحيى الحماني إلى التدليس. أخرج له الجماعة. (١) له عند المصنّف
أحد وعشرون حديثًا .
٤ - (قتادة) بن دِعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت [٤] تقدم ٣٤/٣٠ .
٥- (أنس) بن مالك، أبو حمزة الأنصاري الصحابي الخادم تَظّه، تقدم ٦ /٦.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف ◌َخّْلهُ (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم
من رجال الصحيح، بل من رجال الجماعة (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين
(ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الستة الذين يروون عنهم بلا واسطة، وقد تقدموا قريبا
(ومنها): أن فيه أنسا وَّه أحد المكثرين السبعة، روى -٢٢٨٦ - حديثا، وهو آخر من
(١) ((تهذيب الكمال)) ج٤ ص ٥٢٤- ٥٣٠. ((تهذيب التهذيب)) ج٢ ص ٦٩-٧٢ .

٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة -١ أو [٢] أو ٩٣ -. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي، أنه (قال: سألت أنسا) رَّه، هذه الرواية تُبَيِّنُ
السائل المبهم في رواية البخاري من طريق همام، عن قتادة، قال: ((سئل أنس)) ...
بأنه قتادة الراوي (كيف كانت قراءة رسول اللّه ◌َلّ؟) (كيف)) في محل نصب خبر ((كان
((مقدم وجوبا، وجملة ((كان)) في محل نصب مفعول ((سأل))، معلق عنها العامل.
والمعنى على أي صفة كانت قراءة رسول اللَّه وَلّر، أكانت مدّا، أم كانت قصرا؟
(قال) أنس رَبّه (كان يمد صوته مداً) ولفظ البخاري: ((كان يمدّ مداً)). أي كان يطيل
صوته بالحروف الصالحة للإطالة، وهي كل حرف بعده ألف، أو واو، أو ياء، كما في
قوله تعالى: ﴿نُوحِهَا﴾ [هود: ٤٩].
والمد المصطلح عليه عند القراء على ضربين: أصلي، وهو إشباع الحرف الذي
بعده ألف، أو واو، أو ياء، وليس بعد كلّ منها همز، أو سكون، وهو المسمى بالمد
الطبيعي .
والفرعي ما زيد فيه بعد الألف، والواو، والياء همز، أو سكون، كلفظ ((جاء))،
و((نستعين)).(١)
قال الإمام الشاطبي رَّتُهُ في ((حرز الأماني)):
إِذَا أَلِفٌ أَوْ يَاءُ هَا بَعْدَ كَسْرَةٍ أَوُ اْوَاوُ عَنْ ضَمِّ لَقِي الْهَمْزَ طُوَّلَا
قال أبو شامة رَخْذَتُهُ: ومعنى ((طول)): مُدّ، لأن حرف المدّ كلما طول ازداد مدّا، ثم
قال: فإذا اتفق وجود همزة بعد أحد هذه الحروف طول ذلك المد، استعانة على النطق
بالهمزة محققا، وبيانا لحرف المدّ، خوفا من سقوطه عند الإسراع، لخفائه، وصعوبة
الهمزة بعده، وهذا عام لجميع القراء إذا كان ذلك في كلمة واحدة، نص على ذلك
جماعة من العلماء المصنفين في علم القراءة من المغاربة والمشارقة. انتهى. (٢)
وقال شمس الدين الجزري ◌َّلهُ في ((مقدمته)) :
وَجَائِزٌ وَهْوَ وَقَصْرٌ ثَبَئًا
وَالْمَدُّ لَازِمٌ وَوَاجِبٌ أَتَى"
سَاكِنُ حَالَيْنٍ وَبِالُولِ يُمَذْ
فَلَازِمٌ إِنْ جَاءَ بَعْدَ حَرْفٍ مَدّ
مُتَّصِلَا إِنْ هُعَا فِي كِلْمَةٍ
وَوَاجِبٌ إِنْ جَاءَ قَبْلَ هَمْزَةٍ
(١) تقدم نحو هذا الكلام عن الحافظ في أول الباب.
(٢) ((إبراز المعاني من حرز الأماني)) ص ١١٣.

٩
٨٢- (بَأَبُ مَدِّ الصَّوْتِ بِالقِراءة) - حديث رقم ١٠١٤
وَجَائِزْ إِذَا أَتَى مُنْفَصِلَا أَوْ عَرَضَ السُّكُونُ وَقْفًا مُسْجَلَا
وتفاصيل ذلك يعلم من كتب القراءة.
والحكمة في المد في القراءة الاستعانة على تدبر المعاني، والتفكر فيها، وتذكير من
یتذکر.(١)
وفي رواية البخاري من طريق همام عن قتادة، قال: سئل أنس، كيف كانت قراءة
النبي ◌َّ؟ فقال: كانت مدّا، ثم قرأ ((بسم الله الرحمن الرحيم))، يمدّ ببسم الله، ويمد
بالرحمن، ويمد بالرحيم)).
قال في ((الفتح)): قوله في الرواية الأولى: ((كان يمد مداً)) بَيَّنَ في الرواية الثانية المراد
بقوله: ((يمد بسم الله)) الخ. يمد اللام التي قبل الهاء من الجلالة، والميم التي قبل النون
من الرحمن، والحاء من الرحيم.
وقوله في الرواية الثانية: ((كانت مداً))، أي كانت ذات مدّ. ووقع عند أبي نعيم من
طريق أبي النعمان، عن جرير بن حازم في هذه الرواية: (( كان يمد صوته مدا)). وكذا
أخرجه الإسماعيلي من ثلاثة طرق أخرى عن جرير بن حازم. وكذا أخرجه ابن أبي داود
من وجه آخر عن جرير، وفي رواية له: ((كان يمد قراءته)). وأفاد أنه لم يرو هذا الحديث
عن قتادة إلا جرير بن حازم، وهمام بن يحيى.
وقوله في الرواية الثانية: ((يمد ببسم الله)). كذا وقع بموحدة قبل الموحدة التي في
((بسم الله))، كأنه حكى لفظ: ((بسم الله))، كما حكى لفظ ((الرحمن)) في قوله: ((ويمد
بالرحمن)). أو جعله كالكلمة الواحدة عَلَمًا لذلك. (٢)
ووقع عند أبي نعيم من طريق الحسن الحلواني، عن عمرو بن عاصم شيخ البخاري
فيه: (( يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم))، من غير موحدة في الثلاثة.
وأخرجه ابن أبي داود عن يعقوب بن إسحاق، عن عمرو بن عاصم، عن همام،
وجرير جميعا عن قتادة، بلفظ: ((يمد ببسم الله الرحمن الرحيم)) بإثبات الموحدة في أوله
أيضا، وزاد في الإسناد جريرا مع همام في رواية عمرو بن عاصم.
وأخرج ابن أبي داود من طريق قطبة بن مالك: ((سمعت رسول اللّه وَل قرأ في الفجر
﴿فَّ﴾ فمر بهذا الحرف ﴿لَمَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ فمد ﴿نَضِيدٌ﴾ [ق١٠]، وهو شاهد جيد
لحديث أنس، وأصله عند مسلم، والترمذي، والنسائي من حديث قطبة نفسه.
(١) ((المنهل العذب المورود)) ج٨ ص ١٢٤- ١٢٥.
(٢) هذا هو وجه الحكاية، أي إنما حكي لكونه كالكلمة الواحدة، فقوله: ((أو جعله)) الخ ليس وجها
مستقلا، فكان الأولى في العبارة أن يقول: لأنه جعله كالكلمة الواحدة الخ. فتبصر. والله أعلم.

=
١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
وفي هذا الحديث استحباب مد الصوت بالقراءة، وقد تقدم أن الحكمة فيه هو
الاستعانة على التدبر في معاني القرآن، والتفكر فيها، وتذكير من يتذكر. والله تعالى
أعلم .
[تنبيه]: استدل بعضهم بهذا الحديث على أن النبي وَله كان يقرأ ((بسم الله الرحمن
الرحيم)) في الصلاة، ورام بذلك معارضة حديث أنس رضي اللَّه أيضا المخرج في
((صحيح مسلم)) أنه وَلّر كان لا يقرؤها في الصلاة. وفي الاستدلال لذلك بحديث الباب
نظر، لأنه لا يلزم من وصفه بأنه كان إذا قرأ البسملة يمد فيها أن يكون قرأ البسملة في
أول الفاتحة في كل ركعة، ولأنه إنما ورد بصورة المثال، فلا تتعين البسملة، والعلم عند
اللَّه تعالى. قاله في (الفتح)). (١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس ◌َمّه هذا أخرجه البخاري.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا- ٨٢ / ١٠١٤ - وفي ((الكبرى)) -١٠٨٧/٢٩- بالسند المذكور.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) في ((فضائل القرآن)) (د) في الصلاة) كلاهما عن مسلم بن إبراهيم، عن
جريربن حازم، عن قتادة، عنه. (تم (٢)) عن بندار، عن وهب بن جرير، عن أبيه به.
(ق) في الصلاة عن محمد بن المثنى، عن عبدالرحمن بن مهدي، عن جرير به. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) جـ ١٠ ص ١١٢ - ١١٣ .
(٢) (تم)) رمز للترمذيّ في ((الشمائل)).

١
٨٣- (تَزْبِينُ القُرْآنِ بِالصَّوْتِ) - حديث رقم ١٠١٥
٨٣- (تَزْيِينُ الْقُرْآنِ بِالصَّوْتِ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على استحباب تزيين القرآن بتحسين الصوت.
والتزيين مصدر (زّيَّنَ))، وإضافته إلى ((القرآن)) من إضافة المصدر إلى مفعوله،
و((بالصوت)) متعلق بالتزيين.
وفي نسخة: ((تزيين القراءة بالصوت)). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠١٥- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ
مُصَرِّفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((زَيِّنُوا
الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ)»).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- علي بن حجر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] ت٢٤٤ تقدم
١٣/١٣ ٠
٢- (جرير) بن عبدالحميد الضبي الكوفي، ثقة صحيح الكتاب [٨] تقدم ٢/٢ .
٣- (الأعمش) سليمان بن مهران، ثقة حجة [٥] تقدم ١٨/١٧.
٤- (طلحة بن مصرف) بن عمرو بن كعب اليامي الكوفي، ثقة قارىء فاضل [٥] ت
١١٢ أو بعدها (ع) تقدم ٣٠٦/٢٠٠.
٥- (عبدالرحمن بن عَوْسجة) الهمداني الكوفي، ثقة [٣] قتل بالزاوية مع ابن
الأشعث سنة (٨٢) (بخ ٤) تقدم ٢٥/ ٨١١.
٦- (البراء) بن عازب الصحابي ابن الصحابي رضي اللّه تعالى عنهما، نزل الكوفة،
ومات سنة (٧٢)، تقدم ٨٦/ ١٠٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة،
سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود(ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين (ومنها): أن
فيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: الأعمش، عن طلحة، عن عبدالرحمن،
وأن رواية الأعمش عن طلحة من رواية الأقران، فكلاهما من الطبقة الخامسة. واللّه
تعالى أعلم.

١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
شرح الحديث
(عن البراء) بن عازب رَّهَا، أنه (قال: قال رسول اللَّه وَ ل زينوا القرآن بأصواتكم)
أي زينوا القرآن بتحسين أصواتكم عند القراءة، فإن الكلام الحسن يزداد حسنا وزينة
بالصوت الحسن. ويؤيده ما رواه ابن نصر، والحاكم عن البراء وَظّمه أيضا مرفوعا:
((حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا)).(١)
وروى أيضا من طريق علقمة، قال: كنت رجلا قد أعطاني اللَّه حسن صوت
بالقرآن، فكان عبد اللَّه بن مسعود يستقرئني، ويقول لي: اقرأ، فداك أبي وأمي، فإني
سمعت رسول اللّه وَ ل يقول: ((إن حسن الصوت تزيين للقرآن)). (٢)
والحديث يدل على تحسين التلاوة بالصوت . والحكمة في ذلك المبالغة في تدبر
المعاني، والتفطن لما تضمنته الآيات من الأوامر، والنواهي، والوعد، والوعيد، لأن
النفس ميّالة طبعا إلى استحسان الأصوات، وربما يتفرغ الفكر مع حسن الصوت عن
الشوائب، فيكون الفكر مجتمعًا، وإذا اجتمع حصل المطلوب من الخشوع والخضوع.
وقال في ((الفتح)): ولا شك أن النفس تميل إلى سماع القرآن بالترنم أكثر من ميلها
لمن لا يترنم، لأن للتطريب تأثيرا في رقة القلب، وإجراء الدمع. انتهى. (٣) والمراد
بتحسين الصوت هو التحسين الذي يبعث على الخشوع، لا أصوات ألحان الغناء واللَّهو
التي تخرج عن حدّ القراءة، كما سيأتي تحقيق ذلك، إن شاء الله تعالى.
ورأى قوم أن الحديث مقلوب، والأصل: زينوا أصواتكم بالقرآن، وقالوا: إن
القرآن أعظم من أن يحسن بالصوت، بل الصوت أحق أن يحسن بالقرآن.
قال الخطابي ◌ّْتُهُ: هكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث، وزعموا أنه من باب
المقلوب، كما قالوا: عرضتُ الناقةَ على الحوض، أي عرضت الحوض على الناقة،
وكقولهم: إذا طلع الشِّعْرَى، واستوى العود على الحرباء، أي استوى الحِرْبَاء على
العود، وكقول الشاعر: [من الطويل]
وَتَرْكَبُ خَيْلًا لَا هَوَادَةَ بَيْئَهَا وَتَشْقَى الرِّمَاحُ بِالضَّيَاطِرَةِ الْحُمْرِ (٤)
(١) أخرجه الدارمي، وابن نصر في ((الصلاة))، والحاكم في ((المستدرك)) من حديث البراء رضى الله تعالى
عنه. وهو حديث صحيح. راجع ((صحيح الجامع)) للشيخ الألباني جـ ١ ص ٦٠١ رقم ٣١٤٥.
(٢) حديث حسن أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. انظر ((صحيح الجامع)) ج١
ص٦٠١ .
(٣) ((فتح)) جـ١٠ ص٨٨ .
(٤) الضياطرة : هم الضُّخَام الذين لا غَنَاء عندهم، الواحد ضَيْطار أفاده في ((اللسان)).

١٣
٨٣- (تَزْبِينُ القُرْآنِ بِالصَّوْتِ) - حديث رقم ١٠١٥
وإنما هو: تشقى الضياطرة بالرماح
وأخبرنا ابن الأعرابي، ثنا عباس الدوري، ثنا يحيى بن معين، ثنا أبو قَطَن، عن
شعبة، قال: نهاني أيوب أن أحدث: ((زينوا القرآن بأصواتكم)). قلت: ورواه معمر،
عن منصور، عن طلحة، فقدم الأصوات على القرآن، وهو الصحيح. أخبرناه محمد بن
هاشم، حدثنا الدبري، عن عبدالرزاق، أخبرنا معمر، عن منصور، عن طلحة، عن
عبدالرحمن بن عوسجة، عن البراء، أن رسول اللَّه وَ الر قال: ((زينوا أصواتكم
بالقرآن)). والمعنى اشْغَلُوا أصواتكم بالقرآن، والْهَجُوا بقراءته، واتخذه شِعارا لكم،
وزينة. انتهى كلام الخطابي. (١)
[قال لجامع عفا الله عنه]: الأرجح عندي إبقاء حديث الباب على ظاهره، كما فسره
الأولون، كما هو صريح حديث البراء، وحديث ابن مسعود المذكوران آنفا، فإن قوله
وَ له: ((فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسْنا)، وكذا قوله وَلّر: ((إن حسن الصوت
تزيين للقرآن)). صريحان في هذا المعنى.
وقد مدح النبي ◌ّ الصوت الحسن، والتغني به في قراءة القرآن، كما يأتي في
حديث أبي هريرة تَوفيه: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت، يتغنى
بالقرآن)) ... وحديثه: ((لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داودَّالَُّ)). وكذلك في حديث
عائشة ◌َّها، وغير ذلك، فهذه النصوص ظاهرة واضحة الدلالة على أن المراد هو
ظاهر معنى الحديث، ولا داعي لإخراجه عن ظاهر معناه بلا حجة نَيِّرَةٍ.
وأما ما صححه الخطابي من أن الصواب في متن الحديث: ((زينوا أصواتكم
بالقرآن))، ثم أخرجه بسنده كذلك، فليس كما قال، فإن الحفاظ : الأعمش، وشعبة،
ومحمد بن طلحة عند أحمد ج٤ ص ٢٨٥، ومنصورا - فيما رواه عنه الثوري عند أحمد
أيضا ج٤ ص ٢٩٦ - أربعتهم عن طلحة اتفقوا على أنه: ((زينوا القرآن بأصواتكم)).
فرواية الخطابي شاذة لاتصح. فتبصر بإنصاف،، ولا تتحير بالاعتساف. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث البراء تطلّه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
(١) ((معالم السنن)) ج٢ ص ١٣٧ - ١٣٨ .

١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
أخرجه هنا -١٠١٥/٨٣ - وفي ((الكبرى)) ٣٠ / ١٠٨٨ - عن علي بن حجر، عن
جرير، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن عبدالرحمن بن عوسجة، عنه.
و١٠١٦ و((الكبرى)) ١٠٨٩- عن عمرو، عن يحيى، عن شعبة، عن طلحة به. وفي
((فضائل القرآن (( - ٨٠٥٠/٣٨- عن علي بن حجر، عن جرير، عن الأعمش، وذكر
آخر، عن طلحة به. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) في ((الصلاة)) عن عثمان بن أبي شيبة، عن جريربه. (ق) في ((الصلاة)) عن
بندار، عن يحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة به. وأخرجه (أحمد)
٢٨٣/٤ و٢٨٥ و٢٩٦ و٣٠٤. (الدارمي) رقم ٣٥٠٣ (البخاري) في ((خلق أفعال
العباد)) ص ٣٣ و٣٤. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠١٦- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْبَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
حَدَّثَنِي طَلْحَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه
وَلَهُ : ((زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ)).
قَالَ ابْنُ عَوْسَجَةَ: كُنْتُ نَسِيتُ هَذِهِ: ((زَيِّنُوا الْقُرْآنَ))، حَتَى ذَكَّرَنِي الضَّخَّاكُ بْنُ
مُزَاحِم)
رجالَ هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن علي) الفلاس، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢/٢ .
٢- (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة [٩] تقدم ٢/ ٢ .
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة [٧] تقدم ٢٦/٢٤.
والباقون تقدموا في السند الماضي. وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به.
وقوله: ((قال ابن عوسجة)) كنت نسيت هذه: ((زينوا القرآن))، حتى ذكرني الضحاك
ابن مزاحم .
معناه أنه كان سمع الحديث بطوله عن البراء، ثم نسي الجملة المذكورة من جملته،
فذكّره الضحاك رحمه الله تعالى.
وقد أخرج الحديث أحمد رحمه الله تعالى في مسنده مطولا: فقال: حدثنا يحيى،
ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة، قال: ثنا طلحة بن مصرف، عن عبدالرحمن بن
عوسجة، عن البراء بن عازب، قال ابن جعفر: ثنا شعبة، قال: سمعت طلحة اليامي،
قال: سمعت عبدالرحمن بن عوسجة، قال: سمعت البراء بن عازب، يحدث عن النبي

١٥
٨٣- (تَزْيِينُ القُرْآنِ بِالصَّوْتِ) - حديث رقم ١٠١٧
وَّ قال: ((من مَنَحَ مَنِيحةَ ورِق، أو هدّى زقاقا، أو سقى لبنا كان له عدل رقبة، -أو
نسمة- ومن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على
كل شيء قدير، عشر مرار كان له عدل رقبة - أو نسمة)) - وكان يأتينا إذا قمنا إلى
الصلاة، فيمسح صدورنا -أو عواتقنا- يقول: (( لا تختلفْ صفوفكم، فتختلف
قلوبكم))، وكان يقول: ((إن اللَّه، وملائكته يصلون على الصف الأَوَّل - أو الصفوف
الأُوَل))، وقال: ((زينوا القرآن بأصواتكم)). كنت نسيتها، فذكرنيها الضحاك بن
مزاحم. انتهى.(١)
فتبين بهذا أن الذي نسيه ابن عوسجة ((زينوا القرآن بأصواتكم)) من جملة الحديث
الطويل. والله تعالى أعلم. و((الضحاك بن مُزاحم)): هو الهلالي، أبو القاسم، أو أبو
محمد الخراساني، صدوق كثير الإرسال [٥] ت بعد المائة (٤). يقال: إنه لم يثبت له
سماع من أحد الصحابة ، وتذكيره لعبد الرحمن بن عوسجة هنا أنه کان يحدث
بالحديث كاملا، فنسي بعضه، فذكره الضحاك ما كان سمعه منه سابقا، فتذكر، لا أن
الضحاك سمعه من البراء، فحدثه به، وهذا لا يضر بصحة الحديث. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠١٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورِ الْمَكْيُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، أَنَّهُ سُّمِعَ رَسُوَّلَ اللّهُ
وَهَ يَقُولُ: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيِّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ))).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (محمد بن زُنبُور) بن أبي الأزهر، أبو صالح المكي، واسم زُنبور: جعفر،
صدوق له أوهام [١٠] ت في آخر سنة ٢٤٨ (س) تقدم ٧٣ / ٩٠ .
٢- (ابن أبي حازم) عبد العزيز بن أبي حازم/ سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه
[٨] ت١٨٤ وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم ٤٤/٤٠.
٣- (يزيد بن عبدالله) بن أسامة بن الهاد الليثي، أبو عبدالله المدني، ثقة مكثر [٥]
ت ١٣٩ (ع) تقدم ٧٣ / ٩٠ .
٤- (محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي، أبو عبدالله المدني، ثقة له
أفراد [٤] ت١٢٠ على الصحيح (ع) تقدم ٦٠ / ٧٥.
٥- (أبو سلمة) بن عبدالرحمن بن عوف المدني، ثقة فقيه مكثر [٣] ت٩٤ (ع)
(١) ((المسند)) جـ ٤ ص ٣٠٤.

١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ.
تقدم ١/ ١ .
٦- (أبو هريرة) رَّه تقدم١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون، ومن رجال
الجماعة، سوى شيخه، فانفرد هو به (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه،
فمكي (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة
(ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة (ومنها): أن فيه
أبا هريرة رئيس المكثرين، روى - ٥٣٧٤ - حديثا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رَثيه (أنه سمع رسولَ اللَّه ◌َلَو يقول: ما أذن اللَّه لشيءٍ) بكسر
الذال المعجمة، أي ما استمع اللَّه عزّ وجل لشي مما يُسمَع (ما أذن لنبي) أي كاستماعه
لنبي، فـ(ما)) الأولى نافية، والثانية مصدرية، ونكر ((نبيًّا)) لأن المراد به الجنس. ووقع
في رواية أبي ذرّ لصحيح البخاري: ((للنبي)) بالتعريف، قال في ((الفتح)): فإن كانت
محفوظة فهي للجنس، ووهم من ظنها للعهد، وتوهم أن المراد نبينا محمد وَله فقال:
ما أذن للنبي بَلّر وشرحه على ذلك. انتهى (حسن الصوت) بالجر صفة ((نبي)) (يتغنى
بالقرآن) جملة فعلية في محل نصب حال من: ((نبي)). أي يحسّن صوته به حال قراءته، أو
هو بمعنى الجهر، فيكون قوله: (( يجهر به)) تفسيرا له، أو بمعنى يلين ، ويرقق صوته،
ليجلب به إلى نفسه وإلى السامعين الحزن والبكاء، وينقطع به عن الخلق إلى الخالق عز
وجل. أفاده السندي وَخَّلهُ. (١) وسيأتي ذكر اختلاف العلماء في معنى التغني في
المسائل إن شاء اللّه تعالى.
ووقع عند المصنف في ((الفضائل))، وهي رواية عند البخاري أيضا من طريق ابن
شهاب، عن أبي سلمة: ((أن يتغنى)) بزيادة ((أن)).
قال في الفتح: وزعم ابن الجوزي أن الصواب حذف ((أن))، وأن إثباتها وَهَم من
بعض الرواة، لأنهم كانوا يروون بالمعنى، فربما ظن بعضهم المساواة، فوقع الخطأ،
لأن الحديث لو كان بلفظ ((أن)) لكان من الإذن بكسر الهمزة، وسكون الذال بمعنى
الإباحة والإطلاق، وليس ذلك مرادا هنا، وإنما هو من الأَذَن بفتحتين، وهو الاستماع.
وقوله: ((أَذِنَ)) : أي استمع.
(١) ((شرح السندي)) جـ٢ ص ١٨٠.

=
١٧
٨٣- (تَزْيِينُ القُرْآنِ بِالصَّوْتِ) - حديث رقم ١٠١٧
والحاصل أن لفظ ((أَذِنَ)) بفتحة، ثم كسرة في الماضي، من باب تَعِبَ: مشترك بين
الإطلاق والاستماع، تقول: أذنت آذَنُ بالمدّ، فإن أردت الإطلاق، فالمصدر بكسرة،
ثم سكون، وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين، قال عديّ بن زيد: [من الرمل]:
أَا الْقَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ(١) إِنَّ هَمْي فِي سَمَاعٍ وَأَذَنْ
أي في سماع، واستماع.
وقال القرطبي: أصل الأَذَنِ - بفتحتين- أن المستمع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه،
وهذا المعنى في حق اللَّه تعالى لا يراد به ظاهره، وإنما هو على سبيل التوسع على ما
جرى به عرف المخاطب، والمراد به في حق الله تعالى إكرام القارىء، وإجزال ثوابه،
لأن ذلك ثمرة الإصغاء. انتهى (٢)
[قال الجامع عفا الله عنه]: هذا الذي قاله القرطبي في المعنى المراد بالأذَن هنا أنه
بمعنى الإكرام، وإجزال الثواب أرادبه أن الكلام من باب المجاز، لا من باب الحقيقة،
وهذا غير صحيح، لأنه يستلزم عدم إثبات صفة الأَذَن للَّه سبحانه وتعالى وقد أثبتها له
هذا النص الصحيح، فالصواب إثباتها على حقيقتها اللائقة بجلاله سبحانه وتعالى، ولا
يلزم من ذلك تشبيهه بمخلوقاته، لأن صفاته سبحانه وتعالى لا تشبه صفات المحلوق،
فلو لزم من إثباتها التشبيه للزم أيضا في الإكرام، وإجزال المثوبة، اللذين أوّل بهما.
القرطبي، لأنهما يوصف بهما المخلوق أيضا، فيقال: إن فلانا لما استحسن قراءة فلان
أكرمه، وأجزل له العطاء، ونحو ذلك.
والحاصل أن إثبات الصفات الواردة في القرآن، والأحاديث الصحيحة بمعناها
الحقيقي، لا المجازي، على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى هو الحق الذي كان عليه
سلف هذه الأمة، الذين أثنى عليهم النبي وَله بقوله: ((خير القرون قرني)) ...
الحديث. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الطريق الأقوم.
(يجهر به) جملة فعلية في محل نصب على الحال أيضا، فتكون الحالان إما
متداخلتين، أو مترادفتين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
(١) الددن بفتحتين : اللّهو واللعب.
(٢) ((فتح)) جـ١٠ ص ٨٤ - ٨٥ .

١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
حديث أبي هريرة تَّه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٠١٧/٨٣-١٠٩٠/٣٠- وفي ((فضائل القرآن)) - ٨٠٥٢- عن محمد
ابن زُنبور المكي، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن عبدالله، عن محمد بن
إبراهيم، (١) عن أبي سلمة، عنه. وفي -٨٣ / ١٠١٨ - و((الكبرى)) هنا - ١٠٩١/٣٠ -
وفي ((فضائل القرآن)) ٨٠٤٨/٣٧- عن قتيبة، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي
سلمة به. وفي «فضائل القرآن)) - ٨٠٥٣/٣٩- عن محمد بن رافع، عن عبدالرزاق،
عن معمر، عن الزهري به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه(خ) في ((فضائل القرآن)) عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن
شهاب به. وعن علي بن عبدالله، عن ابن عيينة، عن الزهري به. (م) في ((الصلاة)) عن
عمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلاهما عن ابن عيينة به. وعن حرملة بن يحيى، عن
ابن وهب، عن يونس- وعن يونس بن عبدالأعلى، عن ابن وهب، عن عمرو بن
الحارث- كلاهما عن ابن شهاب به. وعن بشر بن الحكم، عن عبدالعزيز بن محمد،
عن يزيد بن عبدالله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم به. وعن ابن أخي ابن وهب، عن
عمه، عن عمرو بن مالك، وحيوة بن شريح، كلاهما عن ابن الهاد به. وعن الحكم بن
موسى، عن هِقْل، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به. وعن
يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، كلهم عن إسماعيل بن جعفر، عن
محمد بن عمرو، عن أبي سلمة به.
(د) في ((الصلاة)) عن سليمان بن داود المهري، عن ابن وهب، عن عمرو بن مالك،
وحیوة، كلاهما عن ابن الهاد به.
وأخرجه (الحميدي) رقم ٩٤٩ (وأحمد) ٢٧١/٢ و٢٨٥ و٤٥٠ (والبخاري) في
((خلق أفعال العباد)) ص ٣٢ (والدارمي) رقم ١٤٩٦ و٣٥٠٠ و١٤٩٩ و٣٤٩٣ و
٣٤٩٤ . والله تعالى أعلم.
(١) هكذا قال في ((تحفة الأشراف)): إن المصنف أخرج الحديث في ((فضائل القرآن)) أيضا بهذا السند،
وأشار في هامش ((المسند الجامع)) إلى أن النسخة الخطية موافقة لما في ((تحفة الأشراف)). ولكن
الموجود في النسخة المطبوعة من ((الكبرى)) في ((فضائل القرآن)) هكذا: ((أخبرنا أبو صالح
المكي، قال: حدثنا عبدالرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة ..... فلیحرر.

١٩
٨٣- (تَزْيِينُ القُرْآنِ بِالصَّوْتِ) - حديث رقم ١٠١٧
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها) ما بوب له المصنف، وهو استحباب تزيين القرآن بالصوت الحسن (ومنها):
استحباب الاستماع لقراءة قارىء حَسَن الصوت، وسيأتي نقل الإجماع على ذلك، إن
شاء الله تعالى.
وقد أخرج ابن أبي داود من طريق ابن أبي مسجعة، قال: ((كان عمر رَّه يقدم
الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم)). (١)
(ومنها): إثبات صفة الأذَن - بفتحتين- بمعنى الاستماع للَّه سبحانه وتعالى على ما
يليق بجلاله، وأما ما قاله السندي وغير من أنه لما كان الاستماع على الله تعالى محالا،
لأنه شأن من يختلف سماعه بكثرة التوجه، وقلته، وسماعُهُ تعالى لا يختلف قالوا: هذا
كناية عن تقريب القارىء، وإجزال مثوبته. انتهى. فغير صحيح، لأن قولهم هذا مبني
على معنى الاستماع الذي ينسب إلى المخلوق، لأنهم لم يفهموا معنى الاستماع إلا
بالمعنى الذي ذكروه، وهذا خطأ، فإن الاستماع الذي يكون للَّه سبحانه وتعالى غير
الاستماع الذي يكون للمخلوق، وإننا إذ نثبت للَّه تعالى صفاته العلية لا نثبتها بمعناها
الذي يكون للمخلوق، وإنما نثبتها بالمعنى الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى. فتبصر
بالإنصاف، ولا تتهَوَّر بالاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ومنها): استحباب التغني بقراء القرآن بشرط أن لا يُخِلّ بقوانين الأداء، كما قرره
أهل القراءة. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تفسير قوله بَله: ((يتغنى بالقرآن)):
قال سفيان بن عيينة ◌ْذَلهُ: تفسيره: يستغني به. وإليه ميل البخاري وَخْتُهُ. قال
الحافظ تَخَّْتهُ: ويمكن أن يُستأنس له بما أخرجه أبو داود، وابن الضريس، وصححه
أبو عوانة عن ابن أبي مليكة، عن عبيدالله بن أبي نَهيك، قال: لقيني سعد بن أبي
وقاص، وأنا في السوق، فقال: تجار كسبة، سمعت رسول اللّه وَل يقول: ((ليس منا
من لم يتغنّ بالقرآن)). وقد ارتضى أبو عبيد تفسير (يتغنى)) بيستغني، وقال: إنه جائز في
كلام العرب، وأنشد الأعشى: [من المتقارب]
وَكُنْتُ امْرَأَ زَمَنًا بِالْعِرَاقِ خَفِيفَ الْمُنَاخِ طَوِيلَ الثَّغَنِّي
أي كثير الاستغناء. وقال المغيرة بن حَبْنَاء: [من الطويل]
كِلَانَا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ وَنَحْنُ إِذَا مِثْنَا أَشَدُ تَغَانِياً
(١) راجع ((الفتح)) جـ١٠ ص ١١٤.

٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
قال: فعلى هذا يكون المعنى: من لم يستغن بالقرآن عن الإكثار من الدنيا، فليس
منا. أي ليس على طريقتنا. واحتج أبو عبيد أيضا بقول ابن مسعود: (( من قرأ سورة آل
عمران، فهو غني)). ونحو ذلك.
وقال ابن الجوزي: اختلفوا في معنى قوله: ((يتغنى)) على أربعة أقوال: (أحدها):
تحسين الصوت. (والثاني): الاستغناء. (والثالث): التحزن. قاله الشافعي. (والرابع):
التشاغل به، تقول العرب: تغنى بالمكان أقام به.
قال الحافظ: وفيه قول آخر، حكاه ابن الأنباري في ((الزهر)) قال: المراد به التلذذ،
والاستحلاء له، كما يَسْتَلِذُّ أهل الطرب بالغناء، فأطلق عليه تغنيًا من حيث أنه يفعل
عنده ما يفعل عند الغناء، وهو كقول النابغة: [من الوافر]
بُكَاءُ حَمَامَةٍ تَدْعُو هَدِيلاً(١) .. مُفَجَّعَةً عَلَى فَنَنِ تُغَنِّي
· أطلق على صوتها غِنَاء، لأنه يطرب كما يطرب الغناء، وإن لم يكن غناء حقيقة،
وهو كقولهم: ((العمائم تيجان العرب)). لكونها تقوم مقام التيجان.
وفيه قول آخر حسن، وهو أن يجعله هِجْيرَاه، كما يجعل المسافر والفارغ هِجِيراه
الغناءَ، قال ابن الأعرابي: كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى، وإذا جلست في أفنيتها،
وفي أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبي ◌ََّ أن يكون هجيراهم القراءةَ مكانَ
التغني.
ويؤيد القول الرابع بيت الأعشى المتقدم، فإنه أراد بقوله: ((طويل التغني)) طول
الإقامة، لا الاستغناء، لأنه أليق بوصف الطول من الاستغناء. يعني أنه كان ملازما
لوطنه بين أهله، كانوا يتمدحون بذلك، كما قال حسان: [من الكامل]
أَوْلَادُ جَفْئَةَ حَوْلَ قَبْرٍ أَبِيهِمُ قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفَضَّلِ
أراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتجاع، ولا يبرحون من أوطانهم، فيكون معنى
الحديث: الحث على ملازمة القرآن، وأن لا يتعدى إلى غيره، وهو يؤول من حيث
المعنى إلى ما اختاره البخاري من تخصيص الاستغناء، وأنه يستغني به عن غيره من
الكتب .
وقيل: المراد: من لم يغنه القرآن، وينفعه في إيمانه، ويصدق بما فيه من وعد
ووعيد. وقيل: معناه: من لم يرتح لقراءته وسماعه. وليس المراد ما اختاره أبو عبيد أنه
(١) ((الهديل)) بفتح، فكسر قيل: هو ذكر الحمام، أو فرخ الحمام، وقيل: غير ذلك. أفاده في
((اللسان))، و((القاموس)).